المُغَـــامِرُ الصَّغِيرُ
بقلم د/ شاكر صبري – مصر
رسوم : آلاء
مرتيني – سوريا
اسْمي
كامِلُ ، سَأَحْكي لَكُمْ قِصَّتِي .
بَدَأَتْ
قِصَّتي عِنْدَما كُنْتُ تِلْميذاً
في الصَّفِ الرابِعِ الاِبْتِدَائيِّ ،
فَقَدْ كانَ والِدي
يِصْحَبُني مَعَهُ دائِماً في زِيارَةِ أقاربِنِا ،
وكانَتْ السَّيَارَةُ تَمُرُّ
عَلَي مِساحاتٍ شاسِعَةٍ منْ بَعْضِ الأَراضي الصَّحْراوِيَّةِ وكُنْتُ أَتَأَذَّى
ًكَثيراً ، وأَشْعُرُ بالضِّيقِ الشِّديدِ عِنْدَما أَري أَرْضاً خالِيَةً مِنْ
الزَرْعِ ومن السُّكَّانِ ، بَيْنَما نَحْنُ نَعيشُ في مَنْطِقَةٍ
مُكْتَظَّةٍ بالسُّكَّانِ ، وقُلْتُ
لِوّالِدي ذاتَ مَرَّةٍ: لِماذا لا تَقومُ الدَوْلَةُ باسْتِصلاحِ
هَذهِ الأَراضي وتَعْميرِها بَدَلاً منْ أنْ يَتَكَدَّسَ السُّكَّانُ في مَناطِقَ
ضَيِّقَةٍ ؟ .
فَكانَ يَرُدُّ عَلَيَّ ويَقولُ : يا بُنَّيَ لا
تَشْغَلْ بالَكَ بِهَذِه الأُمورِ , دَعْ الخَلْقَ لِلْخالِقِ .
وحينَما كُنْتُ أَذَكِّرُه بهَذَا
المَوْضوعِ كانَ يَتَطَرَّقُ في
الحَديثِ إلَي مواضيعَ أُخْرَي , وحينَما
أُعيدُ كَلامي كانَ يَقولُ لي : يا بُنَّي إنَّ التَفْكيرَ في هَذا الأَمْرَ
يَحْتاجُ إلَي سنٍّ أَكْبَرَ مِنْ سِنِّكَ
فَلا تُرْهِقَ نَفْسَكَ في التَفْكيرِ فيهِ .
وعِنْدَما
عُدْنا لِبَلْدَتِنا ، وَجَدْنا الشُرْطَةَ تَقومُ
بِهَدْمِ مَبْنَىً لِأَحَدِ سُكَّانِ القَرْيَةِ ، وحينَما سَأَلْتُ والدي عنْ
سَبِبِ ذَلِكَ فَقالَ : لِأَنَّهُ بنَي مَنْزِلَهُ علَي أَرْضٍ زِراعِيَّةِ .
شَعَرْتُ بالضِّيقِ أَكْثَرَ ، وقُلْتُ لِوَالِدي
: وما الذِّي يَجْعَلُ مالِكُ البَيْتِ يَفْعَلُ
ذَلكَ ؟ .
قالَ والدي : لأَنَّهُ يُريدُ أنْ يَبْني مَسْكَناً
, قُلْتُ: ولمِاذا يَضَعُ نَفْسَهُ في هَذا المَأْزَقِ ؟ إنَّ الصَّحَراءَ واسِعَةٌ وكَبيرَةٌ ، لِماذا
لا نَقومُ باسْتِصْلاحِها ؟
قالَ والدي : لا تَشْغَلْ بالَكَ يا بُنَّي بِهَذا
الأَمْرِ أَكْثَرَ منْ اللازِمِ . فَعِنْدَما تَكْبُرُ سَتَفْهَمُ كُلَّ شَيْءٍ
وَحْدَكَ , إنَّنا لا نَمْلِكُ منْ هَذا الأَمْرِ
شَيْئاً ،، .
لمْ
أكُنْ أَجِدْ أَمامي إلاَّ الصَّمْتَ حَتَّي لا أُضايِقُ أَبي .
وذاتَ
يَوْمٍ كُنْتُ أُشاهِدُ التِّليفزْيونَ أَنا وَوالدي , شاهَدْتُ
مُسْتَثْمِرينَ قدْ قاموا بِتَجْهيزِ
مِساحاتٍ منْ أَراضٍ صَحْراوِيَّة للْزِراعَةِ
في مَنْطِقَةِ سَهْلِ الطِّينةِ ، و عَرَضوها للْبَيْعِ بِسِعْرٍ بَسيطٍ ، لمْ
يَشْغَلْ هذَا الأَمْرُ والِدي , بَيْنما
ظَلَلْتُ أُفَكِّرُ فيِهِ كَثيراً.
وتَحَفَّزْتُ
كَثيراً لِهذا الأَمْرِ .
كانَ أَبي يَعْمَلُ مُوَظَّفاً حكوميًّا ، وكانَ
قدْ وَرِثَ مَبْلَغاً كَبيراً منْ المالِ منْ جدِّي رَحْمَةٌ اللهِ عَلَيْهِ ، وكان قدْ ادَّخَرَ المالَ كُلَّهُ في أَحَدِ البُنوكِ , ولَمْ يَشْغَلْ بالَهُ بَعَمَلِ أَيّ مَشْروعٍ .
كَلَّمْتُ أَبي في هَذا الأَمْرِ , وهُوَ شِراءُ
مِساحَةٍ زِراعِيَّةٍ منْ الأَراضي المَعْروضَةِ للْبَيْعِ .
ولَكِنَّ أَبي قالَ لي : يا بُنَّي أَنا لَسْتُ
فَلاَّحاً ولا عِلْمَ لي بِاْلزِراعَةِ ، وَلَيْسَ هَذا منْ شَأْني
لمْ أَكُفَّ عنْ الكَلامِ في هَذا المَوْضوعِ مَعَ
أَبي حتَّى وافَقَ عَلَيْهِ .
وقَرَّرْنا أَنْ لا نَسْحَبَ كُلَّ المالِ
المَوْجودِ في البَنْكِ لِشِراءِ الأَرْضِ لأَّنَ هَذا المَشْروعَ كانَ مُجَرَّدَ
مُجازَفَةٍ مِنَّا , فَوافَقَ والِدي
وقامَ
والدي بِشِراءِ عَشْرَةِ فَدادينَ في مَنْطِقَةِ سَهْلِ الطينَةِ .
وتَرَكَها بِلا رِعايَةٍ .
وانْتَهى العامُ الدِراسِيِّ وجاءَتْ أيَّامُ الإجازَةِ , ولَمْ أَجدْ ما أَشْغَلُ بهِ نَفْسي ، فَقُلْتُ لِأبي: لِماذا لا نَقومُ باسْتِصْلاحِ
هَذِهِ الأَرْضَ ؟ . قال أَبي : إِنَّني يا بُنَيَّ لا أَفْهَمُ في الزِراعَةِ شَيْئاً ، ولَكِنْ سَأَبْحَثُ
عنْ منْ يَقومُ بِتَأْجيرِها مِنَّا فَيَكونُ أَفْضَلُ لَنا .
وَقام أَبي بالبَحْثِ عَنْ منْ يَقومُ
بِتَأْجيرِها فَلَمْ يَجِدْ أَحَداً .
قُلْتُ لأَبي : ماذا سَنَخْسَرُ يا أَبي لَوْ
لمْ نَنْجَحْ في تَجْرِبَتِنا ؟ سَنَعودُ
إلَي بَلْدَتِنا وتَبْقَي الأَرْضُ كَما هِي . ما سَنَخْسَرُهُ قَليلٌ منْ المالِ
فَقَطْ وبَعْضَ جُهْدنا , و نكونُ قَدْ كَسَبْنا شَرَفَ المُحاوَلَةِ
لمْ
يَجِدْ أَبي بُدَّاً منْ أنْ يَقومَ بِتَنْفيذِ طَلَبي وهُو أنْ نَقُومَ
بِزِراعَةِ الأَرْضِ واسْتِصْلاحِها بأَنْفِسِنا .
وحَصَلَ
أَبي علَي إجازَةٍ منْ العَمَلِ الحُكومِيِّ لِمُدَّةِ ثَلاثَةِ شُهورٍ هِيَ
شُهورُ الإجازَةِ الدِراسِيَّةِ ، عَلِمَ
صَديقي وجاري سامي أَنَّنا نَعْزِمُ عَلي الاتِّجاهِ إلَي مِنْطِقَةِ سَهْلِ
الطينَةِ لاسْتِصْلاحِ أَرْضِنا .
ظلَّ
يُقْنِعُ أَباهُ بأَنْ يأَتْي مَعَنا لِنَعيشَ في جَوِّ
الصَحَراءِ الجَميلِ ويُشارِكَنا العَمَلَ والتَجْرُبَةَ ، اقْتَنَعَ
أَبوهُ بالفِكْرَةِ خاصَّةً وأنَّ سامي يُعاني منْ الحَساسِيَّة وقَدْ نَصَحَهُ
الأَطِبَّاءُ بِالإِقامَةِ في جَوٍّ صَحْراوِيِّ علَي الأَقَلِّ لِمُدَّةِ
ثَلاثَةِ شُهورٍ .
عرَضَ
والِدُ سامي عَلي والِدي الفِكْرَةَ , فَرَحَّبَ بِها.
كانَتْ عِنْدَهُم سَيَّارَةٌ كَبيرَةٌ , وكانَ عِنْدَنا أَيْضاً سيَّارَةٌ مِثْلُها .
قُمْنا
بِتَحْميلِ السَيَّارَتَيْنِ بِكُلِّ ما يَلْزَمُنا منْ طَعامٍ وخِيَمٍ وأَدَواتٍ زِراعِيَّةٍ وأَدْوِيَةٍ
تَكْفِي لِلْحَيَاةِ هُنَاكَ لِمُدَّةٍ طَويلَةٍ , وودَّعْنا الأَهْلَ , ثُمَّ اتَّجَهْنا إلَى الأَرْضِ
.
كانَ السَّفَرُ
طويلاً و شَاقّاً ، ولَكِنَّه كانَ مُمْتِعاً , وبَعْدَ أنْ وَصَلْنا قُمْنا
بِوِضْعِ الخِيَمِ . وتَجْهيزِ المَكانِ
الذي سَنَسْتَقِرُ فيهِ .
كانَتْ
المِنْطِقَةُ كُلُّها خَالِيَةً منْ السُّكَّانِ ، باسْتِثْناءِ
العُمَّالِ الذينَ يَأْتُونَ للْعَمَلِ
في الأَرْضِ الزِّرَاعِيَّة المُجاوِرَةِ
, وإنْ كانَتْ العِمَالَةُ نادِرَةً هنُاكَ .
ولِحُسْنِ حَظِّنا وَجَدْنا صُنْبوراً
كَبيراً للْمِياهِ علَى مَقْرُبَةٍ
مِنَّا ، فَحَمِدْنا اللهَ علَي
ذَلكَ .
وَجَدْنا أَيْضاً بِئْراً مائيّةً كَبيرةً عَلى مَقْرُبَةٍ منْ أَرْضِنا
، حَمَدْنا اللَهَ علي هَذا ، لأنَّ ذَلِكَ سَيُوَفِّرُ عَلَيْنا كَثيراً
منْ الجُهْدِ والمالِ والوَقْتِ .
كانَ أوَّلُ عَمَلٍ قُمْنا بِهِ هوَ تَجْهيزُ
مَكَانٍ لِلْمَعيشَةِ .
كانَ
الأَمْرُ الثاني والأَهَمُّ هُوَ تَسْوِيَةُ الأَرْضِ , وهُوَ ما احْتاجَ إلَي ماكينَةٍ زِراعِيَّةٍ
تَقومُ بِهذَا الدَّوْرِ , فاتَّصَلَ
والدي علي الفَوْرِ بِأَحَدِ الأَصْدِقاءِ في البَلْدَةِ , فَأَرْسَلَ
إِلَيْنا الماكينَةَ الخَاصَّةَ بِالتَسْوِيَةِ .
كانَ الأَمْرُ التَّالي هُوَ كَيْفِيَّةُ
تَوْصيلِ مِياهِ البِئْرِ إلَي الأَرْضِ , وهُوَ ما احْتاجَ إلَي عُمَّالٍ وبَعْضِ
الأَدَوَاتِ ، فَذَهَبَ والدي إلي
البَلْدَةِ وجاءَ بالعُمَّالِ والأَدَواتِ المَطْلوبَةِ .
وتَعِبْنا كَثيراً حتَّى تمَّ تَوْصيلُ مياهِ البِئْرِ بأَرْضنا , وتَجْهيزِ
شَبَكَةِ الرَيِّ المُناسِبَةِ .
والخُطْوَةُ التالِيَةُ كانَتْ شِراءَ ماكينَةِ رَيٍّ مُناسِبَةٍ .
واتَّصَلَ أَبي بِأَحَدِ أَصْدقائِهِ في البَلْدَةِ ، فَقامَ عَلى الفَوْرِ
بإرسالِ ماكينَةِ الرَيِّ فقُمْنا
بِتَرْكيبِها والخُطْوَةُ التالِيَةُ كانَتْ حَرْثَ الأَرْضِ وتَجْهيزِها لِلْزِراعَةِ
, وهُوَ ما يَحْتَاجُ منَّا إلَى ماكينَةِ
حَرْثٍ . . كانَ في المَنْطِقَةِ فلَاَّحونَ قدْ بَدَءوا يَسْتَصْلِحونَ
الأَراضي , فَوَجَدْنا معَ بَعْضِهِمْ ماكينَةً
لِتَجْهيزِ الأَرْضِ , فَقُمْنا باسْتِئْجارِها لِتَجْهيزِ أَرْضِنا .
والخُطْوةُ التالِيَةُ كانَتْ شِراءَ البُذورِ و
العِمالَةَ التِّي سَتقومُ بِزِراعَةِ الأَرْضِ وتَجْهيزِها .
وَوَجَدْنا أنَّ هُناكَ عُمَّالاً في
المَناطِقِ المُحيطَةِ بِنا , فاسْتَعَنَّا بِهِمْ , ودَلُّونَا علَي المَكانِ
الذي تُباعُ فيهِ البُذورُ الجَيِّدَةُ لِلْزِراعَةِ .
ولَمْ
يَمُرَّ وَقْتٌ طَويلٌ حتَّى قُمْنا
بِزِراعَةِ الأَرْضِ ، وأَصْبحَ شَكْلُ
الأَرْضِ بَعْدَ أَيَّامٍ مِنْ زِراعَتِها
يَسُّرُ الناظِرينَ.
وقَدْ
أَوْشَكَتْ إجازَةُ نِهايَةِ العامِ الدِراسِيِّ أنْ تَنْتَهي , وسَوْفَ نعَودُ
جَميعاً إلَى مَنازِلِنا .
فَكَّرْنا جَميعاً في مَنْ سَيَتَوَلَّي إِدَارَةَ الأَرْضِ ؟ فاقْتَرَحَ
والِدُ سامي بِأَنْ نَقُومَ بإحْضارِ أَحَدِ
العُمَّالِ منْ قَرْيَتِنا معَ أُسْرَتِهِ
لِيَعيشَ في هَذا المَكانِ ليِتَوَلَّي أَمْرَ الأَرْضِ ورِعايَتِها ، مُقابِلَ
مُرَتَّبٍ نَدْفَعُهُ لهُ كُلَّ شَهْرٍ
.
وقَدْ قُمْنا
بِتَجْهيزِ حُجْرَتَيْنِ مُناسِبَتَيْنِ
واحدة للعامل الذي سَيَاْتي والأُخْرَي لِمُعِدَّاتِنا التِّي تَخُصُّ
الأَرْضَ .
كانَ الوَقْتُ يَمُرُّ سَريعاً دونَ أنْ نَشْعُرَ
, و كانَتْ إِجازَةُ العامِ الدِراسِيِّ قدْ انْتَهَتْ , واضْطُرِرْنا للْعَوْدَةِ إلَى مَنازِلِنا لِنُكْمِلَ دِراسَتَنا
أَنا وَصديقي سامِي ، ولِكَيْ يَعودَ أَبي إلَى عَمَلِهِ , فَسَوْفَ تَنْتَهي
إِجازَتَهُ مَعَ بِدايَةِ العامِ الدِّراسِيِّ الجَديدِ .
وعُدْنا
إلَي بَلْدَتِنا , واسْتَطاعَ أَبي أنْ يَتَّفِقَ معَ عامِلٍ علَي رِعايَةِ
الأَرْضِ مُقابِلَ أَجْرٍ شَهْرِيٍّ .
وذَهَبَ
أَبي معَهُ , حتَّي يَدُلَّهُ عَلي المَكانِ وأَيْضاً لِكَيْ يَطْمَئِنَّ علَي
حالِ الأَرْضِ
بَدَأَتْ
النَباتاتُ تَظْهَرُ علَي سَطْحِ الأَرْضِ بِمَنْظَرِها الجَميلِ ، وزادَ منْ
جَمَالِهِ أنَّهُ جاءَ بَعْدَ كَدٍّ
وتَعَبٍ وعَناءٍ ومُغامَرَةٍ .
أمَّا بِخُصوصِ
صَديقيِ سامي فَقَدْ تَحَسَّنَتْ حالَتُهُ الصِّحِّيَةِ بَعْدَ قَضاءِ
شُهورِ الصَّيْفِ في مَنْطِقَةٍ صَحْرَاوِيَّةٍ
مَعَ الحَرَكَةِ والنَشاطِ.
كانَ أَبي يَذْهَبُ كُلَّ شَهْرٍ إلي الأرضِ لِيَطْمَئِنَّ
علَىها وعلَي العامِلِ , ويُحْضِرَ لَهُ ما يَلْزَمُهُ منْ البَلْدَةِ من طعَامٍ أوْ غَيْرِه .
ومَرَّت
سِتَّةُ أَشْهُرٍ علَي عَوْدَتِنا , وحَصَدْنا المَحْصولَ ، وكانَ الإِنْتاجُ
مُتَوِسِّطاً . ولكِنْ كان يُعْتَبَرُ هَذَا إِنْجازاً كَبيراً ,خاصَّةً وأنَّ الأَرْضَ كانَتْ حَديثَةَ
الاسْتِصْلاحِ
عَوَّضْنا
النَفَقاتِ التي أَنْفَقْناها بِالإِضَافَةِ إلَى رِبْحٍ بَسيطٍ ، وكانَتْ فَرْحَةُ والِدِي لا تُقَدَّرْ .
اقْتَنَعَ أَبي بِهذَا المَشْروعِ المُثْمِرِ ، وقالَ : إنَّ نَفَقاتِ تَجْهيزِ الأَرْضِ تَكونُ
أَوَّلَ مَرَّةٍ , والحَمْدُ للهِ قَدْ
عَوَّضَها أَوَّلُ مَحْصُولٍ , وفي
المَرَّاتِ التَّالِيَةِ بإذْنِ اللهِ
سَيَكونُ ناتِجُ المَحْصولِ خالِصاً لَنا قامَ أَبي بِزِراعَةِ المَحْصُولِ التالي
بالتَعَاُوِن مَعَ العامِلِ , ثُمَّ تَرَكَهُ يُتَابِعُ المَحْصولَ . .
وانْتَهَي
العامُ الدِّرَاسِيُّ ، ونَجَحْتُ بِتَفَّوُقٍ .
طَلَبْتُ
منْ والدي الذِّهابَ إلَي أَرْضِنا المْسْتَصْلَحَةِ مرَّةً ثانِيَةُ. قال لي: أَلَمْ نَكْتَفِ بِما قُمْنا بِهِ
العامَ السابِقَ ؟ قُلْتُ وماذا
سَنَخْسَرُ ؟ إِنَّنا سنَسْتَفيدُ منْ طاقاتِنا .
وأَخيراً أَقْنَعْتُ والدي واسْتَعْدَّ
للْذِّهابِ إلَي الأَرْضِ .
وعَلِمَ
صَديقي سامِي بِما نَعْزِمُ عَلَيْه
فَقَرَّرَ هُوَ وَوَالِدُهُ أَنْ
يَذْهَبوا مَعَنا ولَكِنْ هَذِهِ المَرَّةِ , جَهَّزَ والِدُ سامي مَبْلَغاً
كَبيرًا لِيَشْتَري قِطَعَةَ أَرْضٍ بِجِوار أَرْضِنا , مِثْلَ ما اشْتَرَيْناه
المَرَّةَ السَّابِقَةَ . وسَوْفَ يُقيمُ مَعَنا في المْنْطِقَةِ التي جَهَّزْناها
حتَّي نَكونَ يَدَاً واحِدَةً .
وقَبْلَ
أنْ نَتَّجِهَ إلَي الأَرْضِ ,عَلِمْنا بِأَنَّ هُناكَ فَلَّاحٌ يُريدُ أَنْ
يَبيعَ عَشْرَةَ فَدادينَ بِجِوارِ أَرْضِنا
.
كانَتْ
فَرْحَتي غامِرَةٌ , وكَلَّمْتُ والدي في الأَمْرِ, ولَمْ يَرْفُضْ بَلْ رَحّبَ بِالأَمْرِ وقُمْنا
بِشِرائِها .
اتَّجَهْنا
جَميعاً إلَي أَرْضِنا الجَديدَةِ , ومَعَنا عامِلُ جَديدُ آخر مَعَهُ أُسْرَتَهُ
ليُقيمَ في المَزْرَعَةِ مَعَ العامِلِ
الأَوَّلِ ولِيُساعِدَ والِدَ سامي أَيْضاً في زِرَاعَةِ أَرْضِهِ .
وأَوَّلُ
شَيْءٍ قُمْنا بِهِ بَعْدَ وُصولِنا
هُناكَ , أنْ قُمْنا بِبِناءِ حُجْرَتَيْنِ صَغيرَتَيْنِ لَنا وللْعامِلِ الجَديدِ
مَعَ أُسْرَتِهِ ولْنِحْتَفِظْ بِمُعِدَّاتِنا وأَدَوَاتِنا بِها . .
وقُمْنا بِزِراعَةِ عِدَّةِ أَشْجارٍ مُثْمِرَةٍ حَوْلَ المَكانِ الذي نَسْكُنُ فيهِ . وأَحَطْنا الأَرْضَ كُلَّها بِأَشْجارٍ
مُثْمِرَةٍ وأُخْرَي غَيْرَ مُثْمِرَةٍ كَأَشْجارِ الكافورِ لِتَحْمي الأَرْضَ منْ
الرِمالِ التي تَقْذِفُها الرِّياحُ . في نَفْسِ الوَقْتِ كُنَّا نَقومُ
بِزِراعَةِ الأَرْضِ وَرِعايَتِها .
وحَصَلْنا علَي مَحْصولِ طَيِّبٍ مِنْ أَرْضِنا
القَديمَةِ ، وكانَ هُناكَ رِبْحٌ مَعْقولٌ بَعْدَ أنْ خَصَمْنا ما أَنْفَقْناهُ
مِنْ مَبَانٍ وَ أُجُورِ العُمَّالِ .
فَرِحَ
والِدي كَثيرًا بِذلِكَ ، وقالَ :
إنَّ اسْتِثْمارَ المالِ في زِرَاعَةِ الأَرْضِ مَشْروعٌ مُرْبِحٌ ، والأَرْضُ كُلَّما
أَنْتَجَتْ زادَ سِعْرُها .
أمَّا أَرْضُنا الجَديدَةُ فَقَدْ أَعْدَدْناها
للْزِراعَةِ ثُمَّ زَرَعْناها .
وانْتَهَتْ
الِإجازَةُ وعُدْنا إلَى مَنازِلِنا ، وتَرَكْنا العُمَّالَ ، يَقومونَ بِرِعايَةِ
الأَرْضِ .
كانَ
والدي يَزورُهُمْ كُلَّ شَهْرٍ للْاطْمِئْنانِ
عَلَيْهِمْ .
وانْتَهَى
العامُ الدِرَاسِيِّ ، ونَجَحْتُ بِتَفَوُّقٍ
, وقَدْ أَنْهَيْتُ الصَفَّ السادِسَ الابْتِدَائيَّ
أمَّا
الأَرْضُ فَقَدْ أَعَطْتَ إِنْتاجاً طَيِّباً ، عادَ بِالرِّبْحِ عَلَيْنا .
وعَلَى الفَوْرِ اتَّجَهْنا جميعاً إلَى الأَرْضِ , وقُمْنا علَي الفَوْرِ
بِبِناءِ حُجْرَتَيْنِ جَديدَتَيْنِ
بِجِوارِ الحُجَرِ التي كانَتْ هُناكَ لِنُقيمَ فيهِا إِقامَةً طَيِّبَةً ولْيَاْتي مَنْ يُريدُ أَنْ
يُقيمَ مَعَنا في مَكانٍ طَيِّبٍ يَليقُ بِهِ
وعَلِمْنا
أنَّ هُناكَ جاراً آَخَرَ يُريدُ بَيْعَ قِطْعَةَ الأَرْضِ الخاصَّةَ بِهِ ، مِسَاحَتُها
عِشْرونَ فَدَّاناً ، فاشْترَاهَا أَبي
فَقَدْ رَبِحْنا مِنْ المَحَاصيلِ التي زَرَعْناها
.
ثم
قُمْنا بِبِناءِ مَخْزِنٍ كَبيرٍ , ثم اشترينا جراراً زراعياً كبيراً
وأَتَيْنا
بِعامِلٍ ثالِثٍ مَعَ أُسْرَتِهِ لِيُقيمَ في احْدَي الحُجَرِ التي بَنَيْناها .
أَنْشَأْنا
مَزْرَعَةً صَغيرَةً للْدَواجِنِ , وأُخْرَي للْماشِيَةِ وأُخْرَي للْغَنَمِ ,
يَقومُ عَلَي رِعايَتِها العُمَّالُ ويَسْتَفيدونَ مِنْها , ولَنا نِسْبَةٌ منْ الأَرْباحِ
حتَّي يَسْتَقِّرُوا أَكْثَرَ ويُعَمِّروا المَكانَ .
قُمْنا
باسْتِصْلاحِ المَنْطِقَةِ الجَديدةِ ,وبِرِعايَةِ الأَرْضِ كُلِّها وَزِرَاعَتِها
حتَّى انْتَهَتْ الإجازَةُ ، وعُدْنا إَلى
مَنازِلِنا ، و قد رَبِحَتْ الأَرْضُ رِبْحاً
كَبيرًا .
أَكْمَلْتُ
عامي الدِراسِيِّ بِنَجاحٍ كَعادَتي ، وَعُدْنا ثانِيَةً إلَي الأَرْضِ ولَكِنْ هَذِهِ المَرَّةَ اشْتَرى أَبي خَمْسينَ
فَدَانًا لَمْ تَكُنْ
مُجَهَّزَةً للزِرَاعَةِ , وكانَ سِعْرُها قَليلاً جدًّا .
ثمَّ اشْتَرَى
أَبي ماكينَةَ حَرْثٍ أُخْري
وماكينَةَ ريٍّ كَبيرَةٍ
أُخْرى لِإكْمالِ زِرَاعَةِ الخَمْسينَ فَدَّاناً
وأَحْضَرَ أَبي عامِلاً آَخَرَ معَ العُمَّالِ الآَخَرينَ , ليِشُارِكَهُمْ
في تَرْبِيَةِ الحَيَواناتِ ورِعَايَةِ الأَرْضِ ويَزْدادَ المَكانُ عُمْراناً
. وتَسْتَفيدَ الأَرْضُ منْ فَضَلاتِ
الحَيَواناتِ ونَتَّخِذَ مِنْها سِمَاداً
طَبيعيَّاً لِلْأرْضِ .
قُمْنا بِتَوْصيلِ ماسورَةِ مِياهِ شُرْبٍ إلَى مَنْطِقَتِنا ، وقُمْنا
بِتَوْصيلِ خَطِّ كَهْرباءٍ إلَى مَنْطِقَتِنا حتَّى وَصَلَتْ الإِنارَةُ والكَهْرَباءُ
إِلَيْها .
أَصْبَحْنا
نُشَاهِدُ التِليفِزيونَ أَثْناءَ فَتْرَةِ الرَّاحَةِ ونَسْتَمِعُ إلَي
الِإذاعَةِ بِسُهولَةٍ ويُسْرٍ . وقَدْ
أَصْبَحَتْ المَنْطِقَةُ أَكْثَرَ عُمْرانًا مِنْ ذي قَبْلُ .
وانْتَهَتْ
الإِجازَةُ الصَيفِيَّةُ , وعُدْتُ إلَى مَنْـِزلي لأَبْدَأَ
العَامَ الدِّراسِيِّ الجَديدِ .
انْتَهَيْتُ
منْ العامِ الدِرَاسِيّ بِنَجاحٍ .
ثُمَّ اتَّجَهْتُ
هَذهِ المَرَّة و الأُسْرَةُ كُلُّها إَلي مَزْرِعَتِنا وقَدْ قَرَّرْنا أَنْ نُقيمَ في هَذَا المَكانِ .
وسَعِدْنا أَنْ أَصْبَحَ
هُنَاكَ علَى مَقْرُبةٍ منَّا في المَزْرَعَةِ التي بِجِوارِنا مَسْكَنٌ صَغيرٌ ممَّا شَجَّعَنا
علَى الاسْتِمْرارِ في العَمَلِ وحُبِّ هَذا
المَكَانَ.
و كُنَّا
كُلَّ عامٍ نَقومُ بِشِراءِ قِطْعَةِ أَرْضٍ جَديدَةً حتَّى أَصْبَحَ لَدَيْنا
أَرْبَعُمائَةُ فَدَّانٍ ، وكُنْتُ وَقْتَها
في الصَّفِّ الثَّالثِ الثَّانَوِيِّ
، وأَصْبَحَ يوجَدُ بِالمَنْطِقَةِ
أَكْثَرُ منْ عَشْرِ مَبَانٍ يُقيمُ بِها عَدَدٌ
منْ السُكَّانِ .
ونَجَحْتُ في الثانَوِيَّةِ العَامَّةِ والْتَحَقْتُ بِكُلِّيَةِ الهَنْدَسَةِ , بِالقِسْمِ المَدَنِيِّ
وهُو الخاصُّ بالعُمْرانِ والتَشْييدِ .
لمْ أَنْسَ أَرْضَنَا , فَكُنْتُ أُشْرِفُ علَى
الأَرْضِ معَ أَبي في أَوْقاتِ فَراغِي .
أمَّا المَنْطِقَةُ فَكانَتْ تَزْدادُ كَثافَةُ السُّكَّانِ
بِها كُلَّ عامٍ عنْ العامِ السَّابِقِ لَهُ
.
وبَعْدَ أنْ أَنْهَيْتُ دِراسَتِي بِكُلِّيَةِ
الهَنْدَسَةِ , تمَّ تَعْييني مُشْرِفاً هَنْدَسِيّاً علَى هَذِهِ المَنْطِقَةِ ، وبَذَلْتُ مَجْهوداً كَبيراً لِكَيْ أَقُومَ
بإكٍمَالِ إِعْماِر هَذِهِ المِنْطَقَةِ ،
وأَكْمَلْتُ تَوْصيلَ كَافَّةِ المَرَافِقِ الخاصَّةِ بِها منْ كَهْرباءَ ومِياهٍ وصَرْفٍ صِحِّيٍّ .
وقُمْتُ بِبِناءِ مَدْرَسَةٍ كَبيرَةٍ
ومُسْتَشْفَى .
طَلَبْتُ منْ الدَوْلَةِ أَنْ تُساهِمَ في
بِناءِ مَسَاكِنَ لِتَشْجيعِ الشَّبَابِ علَي العُمْرانِ والزَحْفِ إلَي هَذِهِ
المِنْطَقَةِ , ولَكِنْ لمْ أَجِدْ قُبولاً بِحُجَّةِ عَدَمِ وُجودِ ميزَانِيَّةٍ في الدَّوْلَةِ فَقُمْتُ بِبِناءِ خَمْسَةِ مَساكِنٍ
علَى نَفَقَتي الخَاصَّةِ ؛
وأَصْبَحَتْ
المِنْطَقَةُ مَأْهولَةً بالسُّكَّانِ
، وسُمِّيَتْ هَذِهِ المِنْطَقَةُ بِمِنْطَقَةِ
المُغامِرِ الصَّغيرِ نِسْبَةً إلَى المَجْهودِ الذي بَدَأْتُه فيها مُنْذُ طُفولَتِي بالعَمَلِ
والسَّعْيِ لِإعْمَارِ هَذِهِ المِنْطَقَةِ
, حتَّى
بَعْدَ أَنْ أَكْمَلْتُ تَعْليمي أَكْمَلْتُ
دَوْرِي في بِنَائِها ، وأَصْبَحَ اسْمي مُقْتَرِناً بِهَذا المَكانِ
وتاريخِي مُرْتَبِطاً بِتاريخِهِ .
وتَمُرُّ الأَيَّامُ لِأُصْبِحَ
وَزيراً لِلْتَعْمِيرِ وأَكْتُبُ
في مُذَكِّرَاتي قِصَّتِي مَعَ هَذِهِ المَدينَةِ الجَميلَةِ (مَدينَةُ المُغَامِرُ الصَغيرُ ) .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق