الباحثة في التراث ازدهار عبد الحليم
قراءة في كتاب الزمن
الأصفر
رسائل تعوم فوق الماء
للكاتب العبري دافيد غروسمن
صدر هذا الكتاب بالعبرية ، وترجمه: محمد حمزة غنايم
عام 1987
دار الشفق – كفر قرع - عام 1988
رسائل تعوم فوق الماء
من كتاب الزمن الأصفر يتسلل الكاتب العبري "دافيد غروسمان" الى
تفاصيل الحياة الفلسطينية، وهو كاتب يتقن العربية، وقد ترجمه الى العربية محمد
حمزة غنايم.
جالَ غروسمان في الضفة الغربية زار المخيمات، مرّ بالمستوطنات، ووقف في
القرى الفلسطينية، يحمل قلمه كمرآةٍ تعكس واقعاً مدمراً يسكن تلك الأرض.
للقارئ اليهودي قد يبدو "
الزمن الأصفر" عملاً أدبيًا كبيرًا، لكن خلف النصوص تكمن حيرة صامتة.
حيرة من يدرك فجأة أن أحد" أبطاله" كان يقف على التلَّ، ينظر نحو
السهل الممتد، حيث الطمأنينة تسكن تفاصيل المشهد دخان الطوابين يتصاعد ليتلوى في
السماء.
صابونة الراعي زهرة فلسطينية معروفة تتفتح تملأ الأفق بلونها الأصفر
الهادئ، في لحظة تختلط فيها البساطة بالجمال.
والحياة بالمقاومة.
لقد كان ذلك كما سماه الكتاب "أوان
الازدهار الأصفر" اللحظة التي اختار أن يطلق منها اسم الكتاب، من بين طيات
الكتاب يتوقف الكاتب عند قرية برطعة صفحة 109
برطعة قرية فلسطينية تقع شرق وادي
عارة في منطقة المثلث، وهي مبنية فوق ضفتي وادي الميّة عند قمة الجبل المحاذي لها.
برطعة اسم يحمل ظلّ الفرح والانتصار، سُميت قرية برطعة بهذا الاسم تيمناً
بالوالي الصالح، الشيخ محمد، الذي كان له مقاماً ما زال قائما حتى اليوم على قمة
الجبل المُطل على القرية.
الشيخ محمد كما تروي الحكايات كان أحد مراقبي جيش صلاح الدين الأيوبي،
وشارك في المعارك ضد الصليبيين.
كان يعود من ساحة القتال محملًا بالانتصار، فيقفز من شدّة الفرح، حتى غدا
مشهده مألوفًا، والناس تردد "برطع الشيخ" أي قفز من شدّة الفرح.
ظلّت قرية برطعة موحدة بجغرافيتها وأهلها ونبعها وذاكرتها حتى عام 1949، في
ذلك العام اجتمع ممثلو إسرائيل والأردنُ في جزيرة رودس، ورسموا حدودا على خرائطهم
ظنّوها طبيعية، تمر عبر الوادي الذي يشق القرية، لم يعرفوا أو لعلهم لم يهتموا بما
كانوا يفعلونه.
وفي صباح ما صحا أهالي برطعة على واقعٍ لم يعرفونه من قبل.
كانت القرية قد انقسمت الى نصفين،
أبناء العائلة الواحدة فرقتهم حدود
الأصدقاء شقُّ بينهم جدار من غياب، والأقارب باتوا على طرفي نهرٍ خفي لا
يُرى، لكنه يفصل كل شيء، حتى نبع القرية ذاك الذي كان يروي الأرض والذاكرة، بقي في
الجزء الذي ضُمّ الى داخل "الخط الأخضر"
حيث لم تنقسم الأرض أولًا، بل
انشطر القلب قبلها، ومنذ ذلك اليوم لم تعد الحياة تُقاس بالساعات بل بالحواجز
وبالانتظار الطويل عند المعابر، وبالحنين الذي يُفتّش عنه لكنه يُفتت القلب كلما
حاول العبور
في ظل الانقسام الذي فرضته الحدود لم تعد الرسائل الورقية تمر من معبر
رسمي، فالمعابر تفتش العيون وتعتقل الكلمات، لكن الحنين لا يُفتّش، ولا يمكن
اعتقال الشوق.
وهكذا، وجدت العائلات في برطعة وسيلة جديدة كانوا يُهرّبون رسائلهم الورقية
عبر قناة المياه التي تحولت بشكل عبثي وساحر في آن معاً الى بريد بديل يحمل
الرسائل بين الضفتين.
"رسائل تعوم فوق الماء" من وادي الميّة الى قلب أم تنتظر من أخ
لأخته، حبيب لحبيبته ومن زوجة تمسك الورقة بأطراف أصابعها وكأنها تمسك بقلب زوجها
الغائب، لم يكن الوادي مجرد ماء كان ساعي بريد صامت يحمل في مائه أسرار البيوت
وحنين الأمهات.
كانت الرسائل تكتب على عجلٍ لكن
بحذر وتُلف جيداً، في كيس نايلون صغير يُغلّق بإحكام كي لا يبتل الحبر، ذاك الحبر
الذي يحمل أسرار القلب وماء العين ثم تُلقى الرسالة بخفة في قناة الوادي لتبدأ
رحلتها من ضفة الى ضفة، من قلبٍ الى قلب في زمنٍ صار فيه السلك الشائك حدودًا،
صار الماء طريقا، وتحول وادي المية
الى بريد شعبي يحمل رسائل تعوم في وجه العسكر، رسائل لا تختم بختم رسمي ولا تنتظر
تصريح مرور بل تمضي لأن القلب أرسلها.
كم مرة حمل التيّار حروفا باكية، تلتف على نفسها كي لا تنهار؟
وكم مرة ضاعت الكلمات في دوّامة الماء، واختفت ولم تصل؟
ومع ذلك، ظلّ الناس يكتبون، لأن في الكتابة حياة، وفي الانتظار أمل، وفي
الماء وعد حتى لو كسرته موجة.
رسائل من ورق لكنها لم تكن هشّة، كانت أقوى من السياج، أصدق من التصاريح.
ربما لم تصل كل الرسائل بعضها ابتلعها التيار، وبعضها ضاع على ضفة النسيان.
لكن ما كُتب على الورق، بقي محفورًا في القلب.
لأننا نحن أهل الأرض لا نكتب فقط لنقرأ، بل نكتب لنعيش، لنحب، لنقاوم ولو
على ورقة، تعوم فوق الماء
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق