تعلّمتُ أن أصفّق بقلبي
بقلم: رانية مرجية
قرأتُ آلاف الكتب.
كان بعضها مدهشًا، كأن اللغة فيه تنبض بالحياة، وبعضها موجعًا، كأن حبره استُخرج من جرحٍ لم يبرأ. وقرأت كتبًا أشرعت نوافذ الروح على ضوءٍ جديد، لا لأنها كانت تعظ، بل لأنها بلغت من الصدق ما جعلها تُنير.
وكانت هناك كتب حيّرتني؛ مبهمة، عصيّة، كأنها كُتبت بلغةٍ لا تنتمي إلى ما اعتدناه من لغات البشر. كنت أمشي بين أسطرها كما يُمشى في الضباب، لكن حتى الضباب كان معلّمًا. علّمني أن أبطئ خطواتي، وأن أُصغي إلى ما تعجز الكلمات عن قوله.
ومع الأعوام، أدركت أن القراءة ليست استهلاكًا للكلمات، ولا جمعًا للمعلومات، بل عبورٌ هادئ نحو الذات. كنت أدخل الكتاب ظنًّا مني أنني أبحث عن المؤلف، ثم أكتشف في نهايته أنني كنت أبحث عن نفسي.
كل كتابٍ كان مرآة.
مرآةٌ كشفت لي وجوهًا لم أعرفها في داخلي، وعرّت أقنعةً حسبتُها جزءًا مني، وأضاءت زوايا ظلّت معتمة سنواتٍ طويلة. وهناك كتب لم تُعلّمني شيئًا جديدًا بقدر ما أعادت إليّ ما كنت أعرفه، ثم نسيته في زحام الحياة.
وعندها فقط، تعلّمت أن أصفّق بقلبي لا بكفّي.
أن أصفّق للمعاني التي لا تحتاج إلى ضجيج، وللأفكار التي تدخل الروح بهدوء، وللمواقف النبيلة التي لا تنتظر شاهدًا، وللجمل التي تشعر أنها لم تُكتب بالحبر، بل بخبرةٍ إنسانيةٍ دفعت ثمنها روحٌ كاملة.
قرأتُ كتبًا كسرت شيئًا في داخلي، وكتبًا أخرى أعادت بناءه. بعضها فتح لي أبواب الفلسفة، وبعضها أعادني إلى طفولةٍ ظننت أنني فقدتها إلى الأبد. ومع كل كتاب، كانت تولد في داخلي امرأةٌ أخرى؛ أكثر اتساعًا، وأكثر هدوءًا، وأكثر قدرةً على رؤية العالم دون أن تتعجّل الحكم عليه.
ولم أندم يومًا على كتابٍ أقلقني أو جرحني، لأنني فهمت أن الكتب العظيمة لا تأتي دائمًا لتمنحنا الطمأنينة، بل لتوقظ وعينا. ليست مهمتها أن تقدّم الأجوبة، بل أن تجعل أسئلتنا أكثر صدقًا.
لقد علّمتني القراءة ألا أصفّق للضجيج، وألا أنخدع بالبريق، وألا أطمئن إلى السرديات الجاهزة. علّمتني أن الحقيقة كثيرًا ما تتحدث بصوتٍ خافت، وأن الفكرة العميقة لا تحتاج إلى صراخ كي تُقنع.
واليوم، لم أعد أصفّق للكتاب الذي يملأ رأسي بالمعلومات، بل لذلك الذي يوسّع قلبي، ويجعلني أكثر رحمةً بالناس، وأكثر تواضعًا أمام الحياة، وأكثر إنصاتًا لما لا يُرى.
أصبحت أؤمن أن أجمل الكتب ليست تلك التي ننتهي من قراءتها، بل تلك التي تبدأ، بعد الصفحة الأخيرة، في قراءة قارئها.
ولهذا…
تعلّمت أن أصفّق بقلبي.
فبعض الكلمات لا تستحق التصفيق، بل الامتنان. وبعض الكتب لا نغلقها حين نطوي غلافها، لأنها تبقى مفتوحةً في داخلنا، تكتبنا بصمت، كلما ظننّا أننا انتهينا من قراءتها.
رانية مرجية - تلفون 7077060-054
كاتبة اعلامية وموجهة مجموعات
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق