الأربعاء، 22 يوليو 2026

القصيدة التي تعيد تكوين العالم بقلم: رانية مرجية


 القصيدة التي تعيد تكوين العالم
قراءة في ديوان
«طفل مكفّن بالقصيدة» لأحمد الدمناتي
بقلم: رانية مرجية


لم يعد السؤال اليوم ما إذا كانت قصيدة النثر العربية قادرة على إنتاج لغة جديدة؛ فقد حسمت تجارب كثيرة هذا السؤال، على تفاوت مستوياتها الفنية. أما السؤال الأكثر إلحاحًا فهو: هل ما تزال القصيدة قادرة على بناء عالم؟

فالشعر لا يقوم على براعة الاستعارة وحدها، ولا على تراكم الصور المدهشة، بقدر ما يقوم على رؤية تنتظم اللغة وتمنح عناصرها ضرورتها الداخلية. فالصورة الشعرية، مهما بلغت من الجمال، لا تستمد قيمتها من فرادتها، بل من موقعها داخل البناء الكلي للنص. وحين تغيب هذه الرؤية، تتحول القصيدة إلى مجموعة من اللمحات البلاغية التي تستوقف القارئ أثناء القراءة، لكنها لا تترك أثرًا يتجاوز لحظتها.

من هذا المنطلق يمكن قراءة تجربة الشاعر المغربي أحمد الدمناتي في ديوانه «طفل مكفّن بالقصيدة». فالديوان لا يراهن على جدة موضوعاته بقدر ما يراهن على الكيفية التي يعيد بها تنظيم العلاقات بين عناصره، بحيث لا تبدو القصائد نصوصًا متجاورة، بل فضاءً شعريًا واحدًا تتجاوب أجزاؤه وتتبادل الإضاءة فيما بينها. وما يبقى في ذاكرة القارئ بعد الفراغ من الديوان ليس صورة بعينها، ولا استعارة منفردة، وإنما الإحساس بأنه عبر عالمًا له منطقه الداخلي، وأن هذا العالم أعاد ترتيب علاقته بالأشياء.

يعلن العنوان هذا المشروع منذ اللحظة الأولى. فـ**«طفل مكفّن بالقصيدة»** ليس تركيبًا يبحث عن غرابته، ولا مفارقة لغوية غايتها الإدهاش، بل مفتاحًا لقراءة الديوان كله. فالطفل يحيل إلى الولادة، والكفن إلى الموت، والقصيدة إلى فعل الخلق. غير أن هذه العناصر لا تقوم على التضاد، بل يعيد كل واحد منها تعريف الآخر، حتى تغدو الولادة والموت والكتابة لحظات مختلفة في حركة واحدة، هي الحركة التي يعيد بها الشعر تكوين العالم.

من هنا تتحدد السمة الأولى للديوان؛ فهو لا يبني معناه انطلاقًا من المفردات، بل من العلاقات التي تنشأ بينها. ويتجلى ذلك منذ عناوين القصائد: «أسفار القصائد»، «طفولة القصيدة»، «دهشة لعبور البياض»، «خرائط الضوء»، «سلالة القصائد». ليست هذه التراكيب زينة لغوية، وإنما مفاتيح تكشف طبيعة العالم الذي تقترحه القصائد؛ فالقصيدة تمتلك طفولة، والبياض يغدو فضاءً للعبور، والضوء يحتاج إلى خرائط، والقصائد تمتلك سلالة كما لو كانت كائنات حية تتناسل داخل اللغة. ومنذ الصفحات الأولى لا يعود العالم مجموعة أشياء ثابتة، بل شبكة من العلاقات القابلة لإعادة التشكل.

ويتضح هذا المنطق في قصيدة «أسفار القصائد»، حيث يقول الشاعر:

«فأنا السندباد الذي علّمته أسفارُ القصائد�تاريخَ الخجل ومواعيدَ النسيان.»

لا يكتفي هذا المقطع بقلب العلاقة المألوفة بين الشاعر والقصيدة، بل يعيد تعريفها من أساسها. فالسندباد، في المخيال العربي، هو الذي يسافر ثم يروي، أما هنا فالقصائد هي التي تمنحه خبرة السفر. لم تعد الكتابة ثمرة التجربة، بل غدت التجربة نفسها وليدة الكتابة. وبهذا المعنى لا تعكس القصيدة العالم، وإنما تشارك في تكوينه، لتصبح الكتابة طريقة في الوجود قبل أن تكون وسيلة للتعبير عنه.

ولا يقتصر هذا المنطق على علاقة الشاعر بالقصيدة، بل يمتد إلى العناصر التي تشكل عالم الديوان كله. فالمرأة، والبحر، والبياض، والضوء، والذاكرة ليست موضوعات مستقلة تتكرر من قصيدة إلى أخرى، وإنما عناصر في بنية واحدة، تتغير وظائفها من سياق إلى آخر، لكنها تظل مرتبطة بالرؤية التي تنتظم الديوان.

تظهر المرأة، على سبيل المثال، بوصفها مبدأً للخلق الشعري أكثر من كونها موضوعًا للعاطفة. يقول الشاعر:

«فتحتْ الصدى عيونَ امرأة�تؤرّخ لتاريخ القصيدة�في شقوق النسيان.»

لا تؤرخ المرأة هنا لحكاية شخصية، ولا تستدعي خطاب الغزل في صوره المألوفة، بل تصبح وسيطًا شعريًا تنتقل عبره القصيدة من التجربة الفردية إلى زمنها الرمزي. واللافت أن هذا التاريخ لا يُكتب في الذاكرة، بل في «شقوق النسيان»، فتغدو الذاكرة والنسيان معًا شرطين لإمكان القصيدة، لا قوتين متقابلتين. وهكذا لا يولد الشعر مما يبقى في الذاكرة وحده، بل مما يتسرب منها أيضًا، فيغدو الغياب شكلًا آخر من أشكال الحضور.

ويؤدي البحر وظيفة مماثلة داخل هذا العالم الشعري. فهو لا يظهر بوصفه فضاءً للرحلة أو رمزًا جاهزًا للاتساع، بل بوصفه ذاكرة تحفظ أثر العالم. لذلك لا تكون الكتابة على البحر، وإنما على «ذاكرته»، وهي نقلة دقيقة تجعل المكان نفسه شريكًا في إنتاج المعنى. وبهذا لا يعود البحر خلفية للمشهد، بل يصبح كائنًا يشارك في حفظ التجربة وإعادة تشكيلها، فتغدو العلاقة بين الإنسان والعالم علاقة تبادل لا علاقة انعكاس.

أما البياض، فلا يمثل الصفحة الخالية التي تنتظر الكتابة، وإنما الفراغ الذي يختبر فيه الشاعر قدرته على الخلق. يقول:

«الشاعر يقاتل بياضه بأسلحة�ليبني قلعة قلقه.»

إنه لا يقاتل البياض في معناه المجرد، بل «بياضه» هو؛ أي ذلك الفراغ الملازم لتجربته الخاصة. ومن ثم تغدو الكتابة تفاوضًا دائمًا مع القلق، لا انتصارًا عليه. ولذلك لا تنتهي القصائد إلى يقين نهائي، بل تبقى مفتوحة على احتمالاتها، لأن الشعر، في هذا الديوان، ليس مكانًا للإجابات بقدر ما هو فضاء لتوليد الأسئلة.

ومن اللافت أن هذه العناصر تعود مرارًا في الديوان، لكنها لا تعود بالمعنى نفسه. فالطفل يتغير مع كل ظهور، والبحر يكتسب وظيفة جديدة، والبياض ينتقل من دلالة إلى أخرى، والضوء يعيد تشكيل حضوره بحسب السياق. وهنا تتحول العودة إلى هذه الرموز إلى وسيلة لتوسيع الدلالة، لا إلى تكرارها. فكل قصيدة تضيف لبنة جديدة إلى العالم الذي يبنيه الديوان، حتى يشعر القارئ بأنه يتحرك داخل بنية تنمو تدريجيًا، لا بين نصوص منفصلة.

ومن هنا تتحدد خصوصية تجربة أحمد الدمناتي. فقوة الصورة الشعرية لا تنبع من غرابتها وحدها، بل من اندماجها في نسيج أوسع يمنحها ضرورتها. لذلك يصعب اقتطاع صورة أو مقطع والاحتفاء به بمعزل عن سياقه، لأن أثره الحقيقي لا يكتمل إلا داخل البناء الذي ينتمي إليه. فالصورة هنا ليست غاية في ذاتها، بل جزء من رؤية تتشكل عبر تفاعل جميع عناصرها.

ولهذا لا يقوم الإدهاش في الديوان على المفاجأة البلاغية أو على كسر المألوف لذاته، وإنما ينبع من تماسك العالم الشعري الذي تشيده القصائد، ومن العلاقات الدقيقة التي تنسجها فيما بينها. فلا يغادر القارئ النص محتفظًا بصورة منفردة، بقدر ما يغادره بإحساس أن العالم الذي دخله قد أعيد ترتيبه وفق منطق جديد، وأن الأشياء التي بدت مألوفة قبل القراءة اكتسبت، داخل القصيدة، حياة أخرى.

إذا كان هذا الديوان ينجح في بناء عالمه عبر شبكة دقيقة من العلاقات بين عناصره، فإن نجاحه الأبرز يكمن في تحويل هذه العلاقات إلى مبدأ ناظم للتجربة الشعرية كلها. فالطفل، والمرأة، والبحر، والبياض، والضوء، والذاكرة ليست رموزًا تتكرر لمجرد الإلحاح عليها، بل عناصر يعاد تشكيل وظائفها باستمرار، بحيث تكتسب مع كل عودة أفقًا دلاليًا جديدًا. ومن هنا تتولد وحدة الديوان؛ لا من تشابه القصائد، بل من الحوار الذي تقيمه فيما بينها.

ولعل هذا ما يميز تجربة أحمد الدمناتي عن كثير من تجارب قصيدة النثر التي تراهن على كثافة الصورة أو مفاجأة المجاز. فالإدهاش هنا لا يصدر عن صورة منفردة، وإنما عن نظام كامل من العلاقات يجعل كل قصيدة امتدادًا لما قبلها وتمهيدًا لما بعدها. ولذلك لا يقرأ الديوان بوصفه مجموعة من النصوص المستقلة، بقدر ما يقرأ بوصفه كتابًا شعريًا واحدًا تتبادل قصائده الإضاءة، وتتسع دلالاته كلما تقدمت القراءة.

ولا يعني ذلك أن التجربة تخلو من مخاطرة جمالية. فتمركزها حول حقل رمزي محدد يمنحها قدرًا كبيرًا من التماسك، لكنه قد يترك لدى بعض القراء إحساسًا بأن الحركة تتم داخل مناخ تخييلي واحد. غير أن هذه الملاحظة لا تنتقص من قيمة الديوان، بقدر ما تؤكد طبيعة المشروع الذي يختاره صاحبه؛ مشروع يقوم على تعميق العالم نفسه، لا على الانتقال المستمر بين عوالم متباعدة.

ومن هنا لا تكمن أهمية «طفل مكفّن بالقصيدة» في أنه يضيف موضوعات جديدة إلى الشعر العربي؛ فالطفولة، والبحر، والمرأة، والذاكرة، والضوء، كلها موضوعات مألوفة في الشعر الحديث. الجديد هو الطريقة التي يعيد بها الدمناتي ترتيب العلاقات بينها، حتى تتجاوز وظائفها المألوفة، وتغدو عناصر في رؤية واحدة للعالم.

وهكذا يعود المقال إلى السؤال الذي بدأ به: هل ما تزال القصيدة قادرة على بناء عالم؟ وتبدو الإجابة، في ضوء هذه القراءة، بالإيجاب. فقصائد أحمد الدمناتي لا تكتفي بابتكار صور جميلة أو لغة موحية، بل تشيد عالمًا تتغير داخله العلاقات بين الأشياء، ويغدو الشعر فعلًا لإعادة اكتشاف الواقع، لا مجرد وسيلة لوصفه. وبهذا المعنى، لا تكون القصيدة مرآة للعالم، بل أحد الأشكال الممكنة لإعادة تكوينه.


رانية مرجية - تلفون 7077060-054

كاتبة اعلامية  وموجهة مجموعات 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق