الاثنين، 27 يوليو 2026

الزّيارة غير العاديّة. بقلم : الدكتور سليم غرابا

 


 

 الزّيارة غير العاديّة .

بقلم  : الدكتور سليم  غرابا  

ذهبتُ إليها وأنا أعرفُ لن أستطيع إنقاذها من ألمها ، ولا حتّى  تخفيفه كما كنت أتوهّم . لم يكن في يدي شيء أقدّمه سوى حضوري ، لكنّني  كنت بحاجةٍ إلى هذه الزّيارة أكثر ممّا  كانت هي بحاجةٍ إليَّ ؛  ذهبت فقط لأن الإنسان حين يعجز عن فعل شيء ، يبقى حضوره أصدق ما يستطيع أن يُقدّمه .

ما إن وقعَ بصري عليها حتّى شعرتُ أنّ المرض لا يسكن الجسد وحده ، إنما يمتدُّ  إلى الذّاكرة  ، وإلى الأحلام المؤجّلة  ، وإلى كلّ زاوية كانت يومًا عامرة بالحياة . كان الألم قد أعاد تشكيل ملامحها ، لا لأنّه غيّر وجهها ، إلّا أنّه  سرق منه ذلك البريق الّذي لا تصنعه إلّا العافية .

جلستُ بقربها ، ولم أجد الكلمات الّتي اعتدتُ أن أواسي بها الآخرين . أدركت لأوّل مرّة أن اللّغة  قد تخون صاحبها ، وأنّ بعض الوجع يرفض أن يُترجم إلى حروف .

هناك آلامٌ لا تحتاج إلى تفسير ، تحتاج إلى قلبٍ يصمتُ احترامًا لعظمتها، وفجأةً ، تغيّر كل شيء .

شحب وجهها ، وانطفأت نظرتها ، ودخلت في غيبوبة قصيرة .

في تلك الثّواني  القليلة ، شعرتُ أن الزّمن  قد توقّفَ ، وأن الحياة قد أصبحت خيطًا رقيقًا يتأرجح بين البقاء والرحيل .

اجتاحني شعورٌ قاسٍ  بالذنب .

سألت نفسي : هل كنت سببًا في إرهاقها ؟ هل أثقلتُ عليها بحضوري ؟ وهل هناك زيارات مهما كانت نواياها طيبة تأتي في غير أوانها ؟

عندما استعادت وعيها ، وضعت يدها على هاتفها دون أن تستعمله ، وصرّت على أسنانها لتكتم صرخةً كان الألم يريد انتزاعها من أعماقها ، ثم أغمضت عينيها ، وانهمرت دموعها بصمت . كان ذلك الصمت أكثر فصاحة من كل الكلمات التي عرفتها في حياتي .

هممتُ بالانصراف ، ظننت أن الرّحيل  سيكون أرحم لها وليّ، لكن قبل أن أخطو خطوتي  الأولى ، رفعت يدها بصعوبة ، وأشارت إليَّ ان أبقى ، قالت بصوت يكاد يُسمع : لا ترحل ….. وجودك يُخفِّف عني ما لا تستطع الأدوية أن تفعله ، توقَّفت ، وشعرت أنّني  أنا المريض ، لا هي ، فقد كنت أظنّ أنّ قيمة الإنسان فيما يفعل ، فإذا بي أكتشف أن قيمته الحقيقية قد تكون فيما يمثله في قلب إنسان آخر .

استأذنتها بعد دقائق ، متذرّعًا  بالعطش ، بينما كنت في الحقيقة أهرب من دموعي . خرجت إلى الممر ، وأدركت أن أكثر ما يُخيف الإنسان ليس الموت ، إنما أن يرى من يُحبُّ يتألّم وهو عاجز عن حمل شيء من وجعه .

في طريق العودة ، ظلّ سؤال واحد يُراودني : هل نحن نزور المرضى لنمنحهم القوّة ، أم لأنّنا  نحن من نحتاج إلى أن نتعلّم منهم معنى الصّبر  ، وهشاشة الحياة ، وقيمة اللحظة ؟

ومنذ ذلك اليوم، لم أعد أؤمن أن الزّيارات  تُقاس بطولها ، ولا بالكلمات الّتي ي تُقال فيها ، إنما بالأثر الّذي تتركه في القلب . فهناك زيارات تنتهي عند باب الغرفة ، وأخرى تبقى مُقيمة في الذاكرة ما بقي من العمر .

لقد كانت زيارة غير عاديّة … لأنها لم تكشف لي حجم ألمها فحسب ، لكن كشفت لي أيضًا  مقدار ضعفي ، وحدود قدرتي ، وأن الرّحمة الحقيقيّة ليست أن نزيل الألم ، إنما نرفض ترك صاحبه وحيدًا في مواجهته .

بقلمي :

د. سليم غرابا

الإثنين ٢٠٢٦/٧/٢٧

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق