الزّيارة غير العاديّة .
بقلم : الدكتور سليم غرابا
ذهبتُ إليها وأنا أعرفُ لن أستطيع
إنقاذها من ألمها ، ولا حتّى تخفيفه كما
كنت أتوهّم . لم يكن في يدي شيء أقدّمه سوى حضوري ، لكنّني كنت بحاجةٍ إلى هذه الزّيارة أكثر ممّا كانت هي بحاجةٍ إليَّ ؛ ذهبت فقط لأن الإنسان حين يعجز عن فعل شيء ،
يبقى حضوره أصدق ما يستطيع أن يُقدّمه
.
ما إن وقعَ بصري عليها حتّى شعرتُ أنّ
المرض لا يسكن الجسد وحده ، إنما يمتدُّ
إلى الذّاكرة ، وإلى الأحلام
المؤجّلة ، وإلى كلّ زاوية كانت يومًا
عامرة بالحياة . كان الألم قد أعاد تشكيل ملامحها ، لا لأنّه غيّر وجهها ، إلّا
أنّه سرق منه ذلك البريق الّذي لا تصنعه
إلّا العافية
.
جلستُ بقربها ، ولم أجد الكلمات الّتي
اعتدتُ أن أواسي بها الآخرين . أدركت لأوّل مرّة أن اللّغة قد تخون صاحبها ، وأنّ بعض الوجع يرفض أن
يُترجم إلى حروف
.
هناك آلامٌ لا تحتاج إلى تفسير ، تحتاج
إلى قلبٍ يصمتُ احترامًا لعظمتها، وفجأةً ، تغيّر كل شيء .
شحب وجهها ، وانطفأت نظرتها ، ودخلت في
غيبوبة قصيرة
.
في تلك الثّواني القليلة ، شعرتُ أن الزّمن قد توقّفَ ، وأن الحياة قد أصبحت خيطًا رقيقًا
يتأرجح بين البقاء والرحيل
.
اجتاحني شعورٌ قاسٍ بالذنب .
سألت نفسي : هل كنت سببًا في إرهاقها ؟
هل أثقلتُ عليها بحضوري ؟ وهل هناك زيارات مهما كانت نواياها طيبة تأتي في غير
أوانها ؟
عندما استعادت وعيها ، وضعت يدها على
هاتفها دون أن تستعمله ، وصرّت على أسنانها لتكتم صرخةً كان الألم يريد انتزاعها
من أعماقها ، ثم أغمضت عينيها ، وانهمرت دموعها بصمت . كان ذلك الصمت أكثر فصاحة
من كل الكلمات التي عرفتها في حياتي
.
هممتُ بالانصراف ، ظننت أن
الرّحيل سيكون أرحم لها وليّ، لكن قبل أن
أخطو خطوتي الأولى ، رفعت يدها بصعوبة ،
وأشارت إليَّ ان أبقى ، قالت بصوت يكاد يُسمع : لا ترحل ….. وجودك يُخفِّف عني ما
لا تستطع الأدوية أن تفعله ، توقَّفت ، وشعرت أنّني أنا المريض ، لا هي ، فقد كنت أظنّ أنّ قيمة
الإنسان فيما يفعل ، فإذا بي أكتشف أن قيمته الحقيقية قد تكون فيما يمثله في قلب
إنسان آخر
.
استأذنتها بعد دقائق ، متذرّعًا بالعطش ، بينما كنت في الحقيقة أهرب من دموعي .
خرجت إلى الممر ، وأدركت أن أكثر ما يُخيف الإنسان ليس الموت ، إنما أن يرى من
يُحبُّ يتألّم وهو عاجز عن حمل شيء من وجعه .
في طريق العودة ، ظلّ سؤال واحد
يُراودني : هل نحن نزور المرضى لنمنحهم القوّة ، أم لأنّنا نحن من نحتاج إلى أن نتعلّم منهم معنى
الصّبر ، وهشاشة الحياة ، وقيمة اللحظة ؟
ومنذ ذلك اليوم، لم أعد أؤمن أن
الزّيارات تُقاس بطولها ، ولا بالكلمات
الّتي ي تُقال فيها ، إنما بالأثر الّذي تتركه في القلب . فهناك زيارات تنتهي عند
باب الغرفة ، وأخرى تبقى مُقيمة في الذاكرة ما بقي من العمر .
لقد كانت زيارة غير عاديّة … لأنها لم
تكشف لي حجم ألمها فحسب ، لكن كشفت لي أيضًا
مقدار ضعفي ، وحدود قدرتي ، وأن الرّحمة الحقيقيّة ليست أن نزيل الألم ،
إنما نرفض ترك صاحبه وحيدًا في مواجهته
.
بقلمي :
د. سليم غرابا
الإثنين ٢٠٢٦/٧/٢٧
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق