الأحد، 2 أغسطس 2026

بيضة الديك بقلم : هادي زاهر

  بيضة الديك
هادي زاهر





أفادنا الإعلان حول مسرحية "بيضة الديك" الجديدة لمسرح النقاب بأنها عمل مجازي وغروتسكي موجه للكبار فقط، إذ تهدف لإثارة تفاعل الجمهور والنظر في القضايا المجتمعية البارزة. يعتمد الغروتيسك، المصطلح ذو الأصول الإيطالية، على تقديم نقد لاذع يستفز المتلقين للتمعن ومحاولة إصلاح الواقع باستخدام العناصر الكوميدية أيضاً. بعبارة أخرى، يجب أن يكون العمل مثيراً للإعجاب لجذب انتباه الجمهور. ولكن، هل نجحت المسرحية في تحقيق ذلك؟ يبدو أن الجمهور لم ينجذب بشكل كافٍ، حيث ظهرت ابتسامات خجولة دون ضحكات مدوية على المدرج المتواضع.

أصابني العمل بخيبة أمل بعدما حظي بترويج كبير لكنه لم يرقَ إلى المستوى المتوقع من جميع النواحي. فقد كانت التقنيات المستخدمة المرافقة، مثل الديكور الذي صممه مروان صباح القائم على جدران الأسلاك، بسيطة وغير مؤثرة، والإضاءة والموسيقى لإياس ناطور لم تُقدَّما بإتقان كافٍ، وقد الميزانية التي خصصت للعمل غير كافية؟

وهنا يثير هذا تساؤلات عن أسباب تراجع مستوى العمل رغم النجاحات السابقة للمسرح. هل يعود ذلك لتوقعاتنا المرتفعة بعمل أرقى، أم لاستعجال الإنجاز رغم غياب أعمال جديدة للمسرح منذ فترة؟ أم كان النص الذي كان من تأليف منعم منصور وعلاء سابا والذي كان سرديًا إلى حد كبير قد اعد على عجلة؟

وكي نكون منصفين نشير بأن أداء الممثلين كان رائعاً؛ فقد كانت قسمات وجه الفنان منعم منصور تشاركه في الأداء مما أضاف زخماً للأداء.

والفنانة أمينة سرحان كانت تتدفق حيوية، ولم يبخل الممثلون الآخرون علاء سابا ورائد شمس في أدائهم.

تناولت المسرحية توجهات مجتمعنا وسلطت الضوء على السلوكيات الخاطئة للمجالس المحلية، مثل تصرفات رئيس مجلس الذي يمنح صفقات لنسيبه، مما يعكس واقعاً مؤسفاً من المحسوبيات والتلاعب. لكن المشكلة قُدِّمت في إطار غير مشوق، افتقدت إلى الزخم في الحركة التي كان من المفروض أن تعبر عن الفكرة وعن الحدة القوية التي تتطلبها الحبكة الفنية في العمل المسرحي كي تنفذ إلى قلب المشاهد، لذلك لم تصل الرسالة بفعالية. يبدو أن غياب الانسجام بين (المخرج وكاتب النص) حال دون وصول الفكرة إلى المعايير المرجوة.

لقد كان هذا العرض الاول أمل أن تكون العروض القادمة انجح وإلى الامام

قراءة في قصة " الصدق أحلى يا أصحابي " ، للدكتورة سيما الصيرفي بقلم : سهيل إبراهيم عيساوي

 قراءة  في قصة  الصدق أحلى   يا أصحابي    ، للدكتورة   سيما  الصيرفي
بقلم  :  سهيل  إبراهيم عيساوي






 

قصة  الصدق  أحلى يا أصحابي   للدكتورة  سيما  الصيرفي ، رسومات  الفنانة سعاد عمر الكلالي ،  إصدار دار سهيل  عيساوي للطباعة والنشر، تقع  القصة في 32 صفحة من الحجم الكبير.القصة مناسبة لجيل 5-8 سنوات .                                                  

ملخص القصة :  تتحدث القصة عن الخنفساء نونة ، تلحق في السماء وتحمل خيط بالون احمر ، حصلت عليه  كهدية تخرجها من الروضة ، الجندب زيزو ، أعجبه البالون ، وطلب أن يلعب به ، وافقت الخنفساء شرط أن يكون حذرا  ، وأن لا ينفجر أو يطير ، قفز زيزو فرحا ، أمسك البالون بحذر ، ،فجأة اصدم البالون بشوك الصبار الحاد ، سمع صوت انفجار مدو ، فكر ماذا سوف يقول لنونة ؟ اختفى بسحر غامض ؟ اخذته الرياح بعيدا ؟ أختطفه طائر ضخم ؟ سمع  البهلوان  أفكار زيزو وهو يفكر بكذبة ممكن أن تصدق ! ، أشار اليه بتغير وجهه واتساع عيونه ، دلالة على الكذب ، نصحه البهلوان بقول  الصدق ، فالصدق أجمل ، لما أقبلت الخنفساء قال الجندب "نونة ..أنا أسف ،لم أكن حذرا كما وعدتك ، أنفجر البالون أثناء لعبي به ، لم أقصد ذلك ، أشعر بالندم الشديد" أعربت عن تفهمها رغم حزنها الشديد ، لأن البالون هدية ،لكن الصدق أهم من كل الهدايا ، عندها تنفس الصعداء الجندب ،وفتح البهلوان حقيبته وأعطى بالونا جديدا لنونة ، تنهي القصة بأغنية جميلة عن الصدق ، كتبت بأسلوب  سهل مناسب للأطفال .

لغة القصة : تمتاز القصة بلغة سهلة ، لا  تخلو من الشاعرية ، واختتمت القصة بقصيدة تخدم رسالة القصة ، ( يديه الفارغتين ، الرياح أخذته ، اختفى بسحر ، تنهد بعمق ، يجعل قلبي دون ظلام ، نور يلمع ، يجعل قلبي دوما عاليا، يلمع مثل شهابي) .كذلك اتبعت الكاتبة أسلوب التكرار وكان موفقا في الاغنية في نهاية القصة ( الصدق أحلى يا أصحابي ( تكررت 4 مرات ) ، نور يلمع مثل شهابي ( تكررت 4 مرات ) ، وهنالك تكرار أقل توفيقا  ورد في القصة 3 مرات بأكثر من صيغة ( تنهد بعمق ، تنهدت وقالت ، أخذ نفسا عميقا ) . 

 

 

شخصيات القصة :  ثلاث شخصيات وردت في  القصة

نونة الخنفساء :  طيبة القلب ، تحب المساعدة ، متسامحة ، متفهمة ، اجتماعية ، ليست أنانية ، تحب الصدق

زيزو الجندب :  حاول أن يكذب ، غير حذر ، يتقبل النصائح ، شخصية  غير مسطحة ، تغيرت وتطورت مع أحداث القصة .

البهلوان : الناصح الأمين ، الموجه ، يدعو للصدق ، يعطي الحلول ، يحب المساعدة ، اجتماعي ، ويحب المرح بطبعه  .

رسالة الكاتبة والقصة :

الصدق ينجي صاحبه دوما ، لأن عواقب الكذب كثيرة ، تضر بالإنسان والمجتمع ، تهدم البيوت والمؤسسات ، بينما  الصدق يعني الوضوح والشفافية ، حتى لو وقع الانسان بخطأ ، عليه الاعتراف ، دون مواربة ، القصة تدعو الأطفال الى قول الصدق والصراحة ، الصدق أقصر طريقة لنقاء النفوس ، وحل الإشكاليات والمشاكل بين الناس ، عندما يعترف الطفل الخطأ ، الطرف المتضرر يتقبل النتيجة بشكل أفضل ، بينما الانكار والكذب يضاعف المشكلة، وأسرع طريقة لخسارة الأصدقاء الكذب، كما  يقول  المثل " حبل الكذب قصير "   ، كذلك تدعو القصة  الى التعاون ، أهم ركائز النجاح والسعادة ، ضرورة تحمل المسئولية وخاصة على أغراض الغير اذا استعرناها .

                                                                                

 لغة الجسد لدى الشخص الكاذب : 

اشارت الكاتبة الى لغة الجسد  لدى الشخص الذي يكذب ، يحدث تغيير في الوجه ( يتغير لونه ) ، اتساع في العينين ، الخوف والتردد  ،  وهنالك عدة اشارات أخرى لم ترد في  القصة . معروف في لغة الجسد ، أن الانسان الذي  يكذب يقوم بعمل حركات لا ارادية ، تفضح كذبه ، خبذا لو اشارت الكاتبة الى اشارات أخرى يستخدمها الطفل في التغطية على كذبه مثل وضع اليد على الوجه والأنف ، وضع اليد على الفم ، كانه يحاول منع الكلمات من الهروب من فمه . 


 لماذا  يكذب الطفل ؟ 

- الخوف من العقاب 
- الخوف من خسارة محبة وثقة الطرف الاخر الاخرين
- تغطية على حدث وقع معه 
- توريط صديق أو زميل 
- التهرب من استحاق ومسؤولية 

كيق يمكن للأهل والمربين  محارية الكذب لدى الأطفال ؟ 

علينا معرفة دوافع الطفل لدى  الطفل ، واعطاء الطفل الأمان والثقة حتى يقول الحقيقة ، وزيادة ثقة الطفل بنفسه ، الكذب  لدى الاطفال في جيل مبكر ليس شرا متئصلا انما يحاول الدفاع عن نفسه وعدم فقدان محبة الاخرين له . 


مهنة الكاتبة وأثرها على القصة 


الأديبة سيما  الصيرفي ، مهنتها  محامية ، تحاول توعية الطفل بحقوقه من خلال قصصها، مهنة المحاماة والقضاء  والمحاكم ،تقوم على الصدق وحفظ الحقوق ورد المظالم  ، صدرت لها قصة أخرى بعنوان :  "أريم والكتاب الأزرق" ، تعالج حقوق الطفل الطبية، والحق في الخصوصية . 


الرسومات :   نجحت الفنانة سعاد عمر الكلالي ، في تجسيد  القصة بشكل موفق من خلال ترجمة المشاهد الى لوحات ناطقة ، جاءت مكلمة للنص الأبداعي، الرسام  شريك حقيقي في نجاح قصة الأطفال ، الطفل يقرأ الرسومات كما يقرأ النص . 

                          خلاصة :  الكاتبة والأديبة سيما الصيرفي ، نجحت  في  تقديم قصة جديدة ، تدعو الى تعزيز وتنمية قيمة الصدق لدى الأطفال ، لأنه أجمل وأحلى وأنقى ، تبني قيمة الصدق  كنمط حياة سليم ومنهج يومي وثابت ودائم ، تمنح  الصداقة أسس مدينة ودائمة ، جاءت رسالة القصة حول الصدق ، من خلال أحداث طبعية ومشوقة ، لا من خلال وعظ مباشر . لتبدو القصة أكثر  إقناعاً  للطفل . وركزت الكاتبة  على التوجيه السلوكي الذكي ، لأن الطفل ينفر من الأدب المباشر والذي يحمل شراع الوعظ والتلقين  .   
يشار الى أن قصة "الصدق أحلى يا أصحابي"، تم اختيارها مؤخرا ، من قبل لجنة أختيار القصص لمشروع مسيرة الكتاب ، ضمن القائمة الذهبية ، للسنة الدراسة 2026-2027 .  

فعاليات  وأنشطة بعد  قراءة القصة 

- رسالة توجهها الى  الكاتبة سيما الصيرفي
- لو كنت مكان زيزو وانفجر البلون ولم يشاهدك أحد ، ماذا كنت تفعل ؟ 
- كيف تفضح لغة الجسد الشخص الكاذب ، نمثلها  
- مسرحة القصة من خلال مسرح دمى 
- أذكر أكبر  كذبة قمت بها وهل انت نادم عليها ؟ 
-أمثال وأقوال حول الصدق والكذب 
-   انشاد القصيدة الواردة في أخر القصة بشكل جماعي 
- صناعة أشكال مختلفة من البالونات ، وأختيارأفضل شكل 
- أطلاق بالونات الى الجو ومراقبة أفضل بالون يحلق بعيدا  في الجو 
- نقل بالون من طالب الى اخر دون ان يسقط 
-  لعبة الكرت الأخضر ( الصدق )  والكرت الأحمر ( الكذب )  ، كل طالب يروي حدثا حقيقا وقع معه فعلا ، أو متخيلا ، بعد السرد على كل طالب رفع اما بطاقة خضراء  واما حمراء 
- لعبة تحمل المسئولية : كل طالب يروي عن عملا نحج به في  تحمل المسئولية 
- كرت ورقة الصبار : يرمز الى المشكلة ، كل طالب يروي قصة وعند وقوع  المشكلة يرفع كرت نبة الصبار وكيف حاول حلها 
- اقترح طريقة لم ترد في  القصة لاصلاح خطأ الجندب 


السبت، 1 أغسطس 2026

عباءة الخال بقلم : زدهار عبد الحليم - الكيلاني

 

عباءة الخال







من عاداتنا التراثية الأصيلة في بلاد الشام وفلسطين.

            "عباءة الخال"

هذه الطقوس لم يُذكر تاريخها بدقّة، ولم يُنسب لها زمن محدد

أنشأها الأجداد كرمز من رموز طقوس الأفراح. لتعبر عن مكانة الخال في ذلك الوقت واعتباره عزوة وسندًا للعروس.

عندما كانت العروس تخرج من بيت أهلها، يقوم خالها بلبسها العباءة التي قُدِّمت له من قِبَل أهل العريس، والرجال خلفها في مشهدٍ يُعبر عن الطمأنينة والأمان.

كان الخال في تلك الطقوس صاحب الكلمة والجاه، ولم يتم الزواج إلا برضاه وموافقته، مما يُبرز مكانته كدعم وعزوة للعروس في بداية حياتها الجديدة. وتكون عادةً عباءة غالية الثمن تليق بمكانة الخال.

وفي بعض الأحيان يدفع له قدر من المال والخال بكرمه يزيد عليه قدره، مُعلنًا بذلك مباركته ومؤكدًا أن دار خالها ستظل ملجأً وعزًا لها.

مع الوقت أصبح "هدم الخال" أو (عباءة الخال) عبء على أهل العريس أصبح الأمر مباهاة بين الوجهاء من يقدم عباءة أثمن ومتطلبات العروس أصبحت كثيرة، وتنازلت عن لباس العباءة لتظهر جمال صالونها الذي يكلف مبالغ طائلة

بدل أن تكون العباءة رمز للتقدير وليست عقدًا ماليًا.

أخذت هذه الطقوس تتلاشى وتندثر أصبحت لا قيمة لها.

قصة حدثت بسبب "عباءة الخال"

مرّة من المرات في يوم زفاف إحدى العرائس، اختلف الخال مع أهل العريس بسبب هذه الطقوس، لم يكن يريد إخراجها من بيت أهلها إلا بعد تقديم الهدم، فانحرج الطّرفان، أهل العريس وأهل العروس من هذا الطلب، لأن هذه العادات المتوارثة والطقوس التي بدأت تتلاشى. وبعد المشكلة وتدخُّل أهل الصلح والجاهات، قدّموا لخال العروس نقوط بدل العباءة.

لكن الخال ظلّ عنيدًا، ورفض أن يُنقّط العروس وهي بنت الأخت.

أما أم العروس فظلّت تولول وتبكي وزوجها طرد أهلها ومنعهم من زيارتها. فانقطعت الأم عن إخوتها وعائلتها، بسبب حلف عليها بالطلاق.

 

وكانت الأم حزينة لاشتياقها لهم، تبكي كل يوم وتقول.

" الله يرضى عليك يا خوي ويكثر مالك، ويزيدك من نعيمه"

وصابرة ومحترمة كلام زوجها، وبالوقت نفسه حزينة لبعدها

والأخ فقد زاد الله عليه من نعيمه، ووسع عليه رزقه ومشاريعه، فصار من الأغنياء.

ومرّات يتذكر ويندم على ما فعله مع أخته وبنتها في يوم زفافها، وزوجته تقنعه بأنه على حق، ومشاريعه من تعبه وجهده، كبُر أولاده وسافروا وابتعدوا عنه، وتوفيت زوجته، فأصبح وحيدًا يعدُّ نجوم الليل وطال ليله ومرضه.

أما أخته فظلّت تدعو له بالرضى وكسب الرزق وطول العمر

والأخ لم يكن مرتاحًا للنعيم، وقرر الذهاب الى محامي، وسجل كل أملاكه لأخته دون علم أولاده. وطلب زيارتها وزيارة بنتها لتسامحه، فناولها ما دفعوه أهل العريس وزاد عليهم المال، ورجع لأخته مريضًا منهكًا من الحمل والثقل الذي حمله أعوام، فاستقبلته والدموع في عينيها وقال لها: "سامحيني يا خيتي"

سامحته أخته وجاوبته أنا للجنازة وبيت الأجر. وبعد كم يوم زارها المحامي وطلب يفتح الوصيّة أما أولادها والجميع.

وكانت النتيجة كل أملاكه مسجلة باسم أخته.

وهكذا عباءة الخال في الأعراس بسبب التطور الاجتماعي، وتغيرت طقوس الزفاف واعتمدت على صالات الأفراح، والعروس ألغت لباس العباءة استُبدلت بالفستان الأبيض والتكاليف الباهضة وأصبحت بحياتي ما زعلت منك خيّا الله يرضى عليك،

يا خيتي أن جاي أموت عندك وتقومي بواجبي.

وتوفاه الله، وفتحت بيتها

العباءة من التراث

     ا

 

 

لطّفل العضّاض قصة للأطفال بقلم: زهير دعيم

 

الطّفل العضّاض


                                             قصة للأطفال  بقلم: زهير دعيم

 

جلس طلاب صفّ البستان بشكلٍ دائري مع معلمتهم ديمة ، بعد فترة الألعاب والفعاليات ، جلسوا يستمعون الى القصّة اليومية .

  إنهم يُحبّون القصص والحكايات ، جلسوا مسرورين إلا هديل التي وضعت رأسها الصغير على ركبة المعلمة وأخذت تبكي ، فقد عضّها  منير  قبل دقائق معدودة ، منير هذا الطفل الشّقيّ.

  بدأت المعلمة بالقصة وهي تُداعب شعر هديل بحنان : " كان يا ما كان ، في قديم الزّمان ، ثعلب مكّار يعيش في الغابة ...

  ولم تكد تنتهي المعلمة من هذه الجملة وإذا بصرخة قوية تصدر من رنين : آخ...آخ...آخ...

فسألت المعلمة عن الأمر فقالت رنين : " لقد عضّني منير ، عضّني منير "

فجاء ردّ منير سريعًا : " لقد داست على قدمي!! ".

 وهزّت المعلمة رأسها بامتعاض شديد ، وطلبت من رنين أن تأتيَ وتجلس بجانبها .

  لم تبكِ رنين ، فهي طالبة قوية الشخصية.

 احتارت المعلمة ، ماذا تفعل بهذا العضّاض الذي يعضّ كلّ يوم ...يعضّ هذا ويعضّ هذه ..وكثيرا ما عانقته بحرارة وحدثته عن أضرار العضّ ولكن دون فائدة.

 وتابعت المعلمة سرد القصة .

 وعندما جاءت أمّ  منير لتأخذ ابنها بعد انتهاء الدّوام ، أخبرتها المعلمة أنّ ابنها ما زال يعضّ الطلاب ، فاليوم فقط عضّ طالبتين ، وهذا الأمر يقلقها ويقلق الأمهات .

  وعضّت أمّ منير على شفتها خجلًا وقالت  : " آسفة ..ماذا أفعل ...لقد استعملت أنا  وأبوه كلّ الطُّرق لكي يترك منير هذه العادة السيئة ولكن دون جدوى ، ورغم ذلك سنحاول ثانية  ".

  ولم تنمِ المعلمة في تلك الليلة وهي تبحث  عن وسيلة تمنع فيها منير من العضّ .

   وفي اليوم التّالي ، وفي السّاعات المبكرة من الصّباح ، وبينما كانت المعلمة تقوم بالتركيز ، سمعت صرخة قوية : آخ..آخ..آخ ..

 ودون أن ترفع المعلمة رأسها صاحت " : منير ..منير تعال إلى هنا،  تعال إلى هنا ".

وقف منير أمام المعلمة باكيًا وهو ينظر والدّموع تملأ عينيه ..ينظر إلى يده الحمراء ..

 لقد عضّتني رنين ، لقد عضّتني .

   وضحكت المعلمة ، وعانقته بحرارة وهي تؤنّب رنين .

 وتابعت المعلمة التركيز الذي كانت تقطعه كل فترة ببسمة خفيفة قائلة : أيكون هذا ....؟؟

 وفي اليوم التّالي والأيام التي تلت غاب العضّ عن الصفّ ، غاب إلى الأبد.

 

الأنساق الثقافية وجماليات العتبات النصية: في مجموعة "نواطير" لنبيهة راشد جبارين أ‌. إيمان مصاروة

 


  • الباحثة ايمان  مصاروة  

                                             

                                                    الأديبة  نبيهة راشد جبارين   



الأنساق الثقافية وجماليات العتبات النصية:
في مجموعة "نواطير" لنبيهة راشد جبارين
  

 

أ‌.     إيمان مصاروة
الناصرة \\ الجليل

..........................

 

 

فهرس المحتويات

الملخص... 1

Abstract 2

المقدمة 4

إشكالية الدراسة 5

أهمية الدراسة 6

منهج الدراسة 6

العتبات النصية وإنتاج الدلالة 7

1. العنوان. 7

2. الإهداء. 7

البنية الثقافية العامة للمجموعة 8

البنية السردية والأنساق الثقافية في مجموعة "نواطير". 8

قراءة تطبيقية في الخطاب السردي والثقافي. 8

البنية السردية بين البساطة والعمق. 9

الحدث بوصفه مولدًا للمعنى. 10

الشخصية السردية وبناء الوعي. 10

المكان بوصفه ذاكرة ثقافية 11

الزمن السردي واستمرار الذاكرة 11

الحوار بوصفه أداة لبناء التفكير. 12

سيميائية الرمز والأنساق الثقافية المضمرة في مجموعة "نواطير" 13

قراءة في العلامات الثقافية وبناء الدلالة 13

سيميائية الأرض وبناء الهوية 14

الشجرة بوصفها نسقًا حضاريًا 14

سيميائية الطائر ودلالات الحرية 14

الطفل بوصفه علامة ثقافية 15

سيميائية البيت والأسرة 15

سيميائية اللون في الخطاب السردي. 15

النسق البيئي والوعي الكوني. 16

النسق الوطني بين الرمز والتلميح. 16

تفاعل الأنساق الثقافية وإنتاج المعنى. 16

جماليات الخطاب السردي والخصائص الأسلوبية في مجموعة "نواطير" 18

دراسة في اللغة والأسلوب وبناء الأثر الجمالي. 18

اللغة بين البساطة والكثافة الدلالية 19

الصورة الفنية وبناء الخيال. 19

الحوار وجمالية التفاعل. 20

الإيقاع السردي. 20

الأسلوب بين الأدبية والوظيفة التربوية 20

جمالية النهاية المفتوحة 21

القيمة الفنية للمجموعة في سياق أدب الطفل الفلسطيني. 22

النتائج. 22

الخاتمة 22

توصيات الدراسة 23

قائمة المراجع. 24

أ: المراجع العربية 24

ب: المراجع الأجنبية 24

  


الملخص

هدفت الدراسة إلى استكشاف كيف استطاعت نبيهة راشد جبارين أن تحول القصة القصيرة إلى خطاب ثقافي تنتج من خلاله أنساقًا وطنية وإنسانية وتربوية دون أن تفقد النصوص بعدها الجمالي من خلال الدلالات التي يحملها عنوان المجموعة والخصائص الأسلوبية التي منحت النصوص قدرتها على التأثير.

وقد أظهرت النتائج أن العتبات النصية وفي مقدمتها عنوان «نواطير» تؤدي وظيفة سيميائية تؤسس أفق التلقي وتختزل المشروع الثقافي للمجموعة كما وكشفت البنية السردية عن قدرة الكاتبة على بناء نصوص بسيطة في ظاهرها لكنها غنية في مستوياتها الدلالية بما يسمح بتعدد القراءات.

وبينت الدراسة كذلك أن الأنساق الثقافية المهيمنة تمثلت في نسق الأرض والهوية والطفولة والأسرة والطبيعة والذاكرة وأن هذه الأنساق تتفاعل داخل منظومة واحدة حيث أظهرت القراءة السيميائية أن الرموز الطبيعية لم تؤد وظيفة جمالية فقط بل شكلت منظومة علامات ثقافية تعيد إنتاج الوعي الوطني والإنساني.

وأثبت التحليل الأسلوبي أن اللغة اتسمت بالبساطة والعمق معًا وأن الرسالة التربوية اندمجت في البناء الفني دون مباشرة أو خطابية إذ أكدت الدراسة أن مجموعة «نواطير» تقدم نموذجًا متقدمًا لأدب الطفل الفلسطيني يجمع بين القيمة الأدبية والبعد الثقافي والرسالة التربوية ويؤهلها لأن تكون مادة صالحة للدراسة في مجالات النقد الثقافي والسيميائيات وأدب الطفل.

وأوصت الدراسة بتوسيع الدراسات النقدية المتخصصة في أدب الطفل الفلسطيني بوصفه مكونًا رئيسًا من مكونات الثقافة الوطنية والإفادة من المنهج السيميائي الثقافي في قراءة النصوص الموجهة للأطفال لما يتيحه من كشف للأنساق المضمرة.

 

 

 

Abstract

This study aimed to explore how Nabeha Rashid Jabarin transformed the short story into a cultural discourse, producing national, humanistic, and educational themes without sacrificing the aesthetic dimension of the texts. This was achieved through the connotations of the collection's title and the stylistic features that endowed the texts with their impact.

The results showed that the textual thresholds, particularly the title "Nawateer" (Watchmen), serve a semiotic function, establishing the horizon of reception and encapsulating the collection's cultural project. Furthermore, the narrative structure revealed the writer's ability to construct texts that appear simple on the surface but are rich in semantic levels, allowing for multiple interpretations.

The study also indicated that the dominant cultural themes were land, identity, childhood, family, nature, and memory. These themes interact within a unified system. The semiotic reading demonstrated that natural symbols not only served an aesthetic function but also formed a system of cultural signs that reproduce national and humanistic consciousness. Stylistic analysis demonstrated that the language was characterized by both simplicity and depth, and that the educational message was seamlessly integrated into the artistic structure without being direct or rhetorical. The study affirmed that the "Nawateer" collection presents an advanced model of Palestinian children's literature, combining literary value, cultural dimension, and educational message, thus qualifying it as a valuable subject for study in the fields of cultural criticism, semiotics, and children's literature.

The study recommended expanding specialized critical studies on Palestinian children's literature as a key component of national culture and utilizing the cultural semiotic approach in reading texts aimed at children, given its potential to reveal implicit patterns.

 

 

المقدمة

يعتبر الأدب أداة فكرية؛ فقيمه تتجاوز مجرد الترفيه حيث يُحسّن الأدب مواقف الناس تجاه ثقافتهم وثقافات الآخرين وهو أمر ضروري للنمو الاجتماعي والشخصي.

ومن خلال الأدب يستطيع الأطفال تنمية علاقات نبيلة مع الآخرين وتطوير تواصل اجتماعي سليم. ولأن جميع النصوص تجسد علاقات القوة وتمثل أيديولوجيات سائدة فإن إتاحة الفرصة للأطفال للاطلاع على أفكار مهمة وكتاب يتميزون بالأصالة والنزاهة يحفزهم على فهم وجهات نظر مختلفة وتكوين آراء حول قضايا شائكة (Emmanuel, 2022).

وقد أشارت دراسة (Al-Matrafi, 2023) إلى أنه شهد أدب الطفل العربي خلال العقود الأخيرة تحولًا نوعيًا في بنيته الفكرية والجمالية فلم يعد النص الموجَّه إلى الطفل يُنظر إليه بوصفه خطابًا تعليميًا يهدف إلى غرس القيم بصورة مباشرة بل أصبح يُعد خطابًا ثقافيًا مركبًا تتداخل فيه الوظائف الجمالية والمعرفية والتربوية وتتفاعل داخله الأنساق الثقافية مع البنى السردية واللغوية لإنتاج رؤية للعالم تتجاوز حدود التلقي الطفولي إلى بناء الإنسان بوصفه مشروعًا حضاريًا.

وتكمن بدايات أدب الأطفال قبل وقت طويل من ظهور القصص الأولى المخصصة للأطفال ففي العصور الوسطى لم يتم قبول تخصصات الطفولة وبالتالي لم يتم التعرف على الفروق بين الأطفال والبالغين وقد كان الأدب موجوداً بشكل رئيسي في شكل الخرافات والقصص الشعبية التي تم تناقلها من جيل إلى جيل شفهياً وكان الأطفال يستمعون إليها وعندما يكبرون وقد رووا نفس القصص لأطفالهم وعلى الرغم من أن هذه القصص لم تكن مخصصة للأطفال فقد اكتسبوها بسرعة لأنها كانت مليئة بالعجائب (Hunt,2006).

وتظهر قيمة أدب الأطفال في توفير الفرح للأطفال وزيادة خيالهم وإبداعهم والسماح لهم بتجارب غير مباشرة وزيادة مهارات القراءة والكتابة لدى الطلاب بالإضافة إلى إعلامهم بمعرفة مجال المحتوى حيث يمكن أن يساعد أدب الأطفال في تحسين مهارات التفكير لدى الأطفال ويسمح لهم بإجراء مقارنات بين القصص التي يقرؤونها وتوجيههم لتصنيف الموضوعات والشخصيات والأشياء بالإضافة إلى السماح لهم بإجراء التخمين والعلاقات بين السبب والنتيجة وتحسين مهارات التفكير المنطقي وحل المشكلات لدى الأطفال وتحسين مهارات الاستماع للأطفال وكذلك المساهمة في تشكيل عواطفهم وأفكارهم وسلوكياتهم والتي يمكن أن تساعدهم في التعرف على أنفسهم بشكل أفضل كما يتعلمون مفاهيم مجردة مثل اللطف والمشاركة والحب والمساعدة والتي تساهم في النهاية في تنمية شخصياتهم والتعرف على القيم المهمة والسمات الشخصية المطلوبة (Bayraktar,2021).

وقد أحدثت العقود الأخيرة تغييرات إضافية في نشر أدب الأطفال حيث تأثر سوق أدب الأطفال بالطلب من الآباء والأطفال الذين زادت لديهم القوة الشرائية وانتشار الكتابة التسلسلية لزيادة المبيعات بالإضافة إلى ذلك كانت هناك تغييرات في محتوى كتب الأطفال المتعلقة بالجنس والتنوع والطبقة الاجتماعية في حين أن كل مجال من هذه المجالات هو موضوع دراسة جدير بالاهتمام بمفرده في حين أن التأثير على أدب الأطفال بسبب التأثيرات الثقافية كان واضحاً على مدار العقود فإن الاتجاهات الحالية تركز في الغالب على التطورات الرقمية والتكنولوجية في مجتمعنا فقد أثرت التطورات التكنولوجية بشكل كبير على قدرات الطباعة والنشر بالإضافة إلى إمكانات الطباعة (Robertson,2016).

وتندرج مجموعة "نواطير" للأديبة الفلسطينية نبيهة راشد جبارين ضمن الأعمال التي لا تكتفي بصياغة حكايات موجهة للأطفال وإنما تؤسس خطابًا سرديًا تتجاور فيه الهوية الوطنية مع البعد الإنساني وتتقاطع فيه الذاكرة مع التربية ويتحول فيه الرمز الطبيعي إلى حامل للثقافة والتاريخ والانتماء. فالكاتبة تنطلق من تفاصيل الحياة اليومية لكنها تعيد تشكيلها ضمن نظام دلالي يجعل كل عنصر في النص قابلًا للتأويل بحيث يغدو الطفل قارئًا للعلامات لا مستهلكًا للحكاية فحسب.

ويكتسب هذا العمل خصوصيته من قدرته على الإفادة من تقنيات القصة القصيرة الحديثة مع المحافظة على بساطة اللغة ووضوح البناء السردي وهو ما يجعل النص قادرًا على مخاطبة الطفل وفي الوقت نفسه يفتح أمام القارئ البالغ مستويات متعددة من القراءة الأمر الذي يمنح المجموعة طابعًا ثقافيًا يتجاوز حدود التصنيف العمري.

إشكالية الدراسة

تنطلق هذه الدراسة من إشكالية رئيسة تتمثل في السؤال الآتي:

كيف استطاعت نبيهة راشد جبارين أن تحول القصة القصيرة إلى خطاب ثقافي تنتج من خلاله أنساقًا وطنية وإنسانية وتربوية دون أن تفقد النصوص بعدها الجمالي؟

ويتفرع عن هذا السؤال عدد من الأسئلة الفرعية:

1.    ما الدلالات التي يحملها عنوان المجموعة؟

2.    كيف تؤدي العتبات النصية دورًا في تشكيل أفق التلقي؟

3.    ما الأنساق الثقافية التي تحكم البنية السردية؟

4.    كيف يتحول الرمز الطبيعي إلى علامة ثقافية؟

5.    ما الخصائص الأسلوبية التي منحت النصوص قدرتها على التأثير؟

أهمية الدراسة

تكمن أهمية هذه الدراسة في عدة جوانب:

أنها تتناول عملًا ينتمي إلى أدب الطفل الفلسطيني وهو مجال لم يحظ بالدراسات النقدية الكافية مقارنة بالرواية أو الشعر.

وثانيًا: أنها تقارب النص من منظور السيميائيات الثقافية وهو منظور يتجاوز القراءة الموضوعاتية التقليدية إلى دراسة أنظمة العلامات التي تنتج المعنى داخل النص.

وثالثًا: أنها تحاول الكشف عن العلاقة بين الخطاب الأدبي والخطاب الثقافي وكيف تتحول الحكاية إلى أداة لبناء الهوية والذاكرة الجمعية.

منهج الدراسة

اعتمدت هذه الدراسة المنهج السيميائي الثقافي بوصفه الإطار الرئيس للتحليل مع الإفادة من:

·       النقد الثقافي.

·       سيميائية العتبات.

·       المنهج الأسلوبي.

·       بعض مفاهيم السرديات الحديثة.

فالسيميائيات منذ أعمال رولان بارت لم تعد تقتصر على دراسة العلامة اللغوية بل أصبحت تدرس جميع الأنظمة الدالة داخل النص بينما يرى يوري لوتمان أن الثقافة نفسها عبارة عن منظومة من العلامات المتفاعلة وهو ما يجعل النص الأدبي جزءًا من الفضاء الثقافي الذي ينتجه المجتمع (Barus et al., 2025) أما النقد الثقافي كما عند عبد الله الغذامي فيتجاوز جماليات النص إلى الكشف عن الأنساق المضمرة التي تتحكم في إنتاج الخطاب إن قراءة "نواطير" لا تتوقف عند مستوى الأحداث بل تسعى إلى الكشف عن البنية الثقافية الكامنة خلف الرمز والصورة والحوار.

 العتبات النصية وإنتاج الدلالة

يذهب جيرار جنيت إلى أن العتبات النصية ليست عناصر خارجية بل هي بوابات تأويلية توجه القارئ قبل الدخول إلى المتن وتتمثل أهم العتبات في هذه المجموعة في:

·       العنوان.

·       الإهداء.

·       الغلاف.

1. العنوان

يختار النص عنوان "نواطير" وهو اختيار شديد الكثافة الدلالية فالناطور في الثقافة الشعبية ليس مجرد حارس للبستان بل رمز للحماية واليقظة والانتماء ويصبح العنوان مفتاحًا لقراءة المجموعة بأكملها إذ تتوزع وظيفة "الحراسة" على الإنسان والشجرة والطفل والذاكرة والوطن والقيم إن الكاتبة لا تحرس الأرض وحدها بل تحرس المعنى نفسه.

2. الإهداء

يؤكد الإهداء منذ الصفحات الأولى أن المجموعة تنتمي إلى خطاب ثقافي واضح إذ تهديه المؤلفة إلى القلوب المنتمية للوطن وإلى كل عربي يحافظ على مكانته وهويته.

ولا يؤدي الإهداء هنا وظيفة وجدانية فحسب وإنما يرسم الإطار المرجعي للنصوص ويحدد النسق الثقافي الذي ستتحرك داخله القصص فالانتماء لا يقدم بوصفه شعارًا سياسيًا وإنما قيمة أخلاقية وثقافية وإنسانية.

البنية الثقافية العامة للمجموعة

تكشف القراءة الأولية للمجموعة عن حضور عدد من الأنساق الكبرى من أبرزها:

1. نسق الأرض: الأرض ليست مكانًا جغرافيًا بل ذاكرة وهوية ووجود.

ولهذا تتحول الأشجار والثمار إلى امتداد للإنسان ويصبح الدفاع عنها دفاعًا عن الذات.

2. نسق الطفولة: الطفل ليس متلقيًا سلبيًا.

إنه الشخصية الأكثر قدرة على مساءلة الواقع ولذلك تأتي الأسئلة الكبرى غالبًا على لسانه في حين يعجز الكبار عن تقديم إجابات حاسمة.

3. النسق الإنساني: رغم مركزية القضية الفلسطينية فإن الخطاب لا ينغلق داخل حدودها بل ينفتح على الإنسان بوصفه قيمة عليا ويجعل الرحمة والسلام والحب قيمًا تتجاوز الحدود السياسية.

4. النسق التربوي: التربية في هذه النصوص لا تقوم على الوعظ المباشر وإنما على الحوار والاكتشاف والرمز وهو ما ينسجم مع الاتجاهات الحديثة في أدب الطفل.

البنية السردية والأنساق الثقافية في مجموعة "نواطير".

قراءة تطبيقية في الخطاب السردي والثقافي

لا تتحدد قيمة العمل الأدبي في الموضوع الذي يتناوله فحسب وإنما في الكيفية التي يعيد بها تشكيل هذا الموضوع داخل بنية جمالية قادرة على إنتاج المعنى. ومن هنا فإن القراءة التطبيقية لمجموعة "نواطير" لا تنطلق من تتبع أحداث القصص بل من تحليل الكيفية التي تتحول بها الحكاية إلى نظام من العلامات الثقافية بحيث يغدو كل عنصر سردي ــ من الشخصية إلى المكان ومن الحوار إلى الرمز ــ جزءًا من شبكة دلالية متماسكة (Habashi, 2023).

وتكشف القراءة المتأنية أن نبيهة راشد جبارين لا تبني قصصها وفق منطق الحكاية التقليدية التي تبدأ بحدث وتنتهي بعبرة وإنما تؤسس نصوصها على بنية إيحائية تسمح للمعنى بأن يتولد تدريجيًا عبر التفاعل بين الشخصيات والأمكنة والرموز الطبيعية. ولذلك لا يصبح الطفل متلقيًا للحقيقة بل شريكًا في اكتشافها وتتقاطع المجموعة مع التصورات الحديثة للسرد التي ترى أن النص الأدبي لا يعكس الواقع انعكاسًا مباشرًا وإنما يعيد إنتاجه داخل نظام ثقافي جديد فتغدو القصة فعلًا معرفيًا يسهم في بناء الوعي أكثر مما يكتفي بنقل الوقائع.

البنية السردية بين البساطة والعمق

لطالما سعى منظرو السرد والفلاسفة والباحثون الأدبيون واللغويون وغيرهم من المتخصصين إلى تحديد الخصائص الجوهرية للروايات ومن بينهم يوجد إجماع عام على أن الروايات عادةً ما تتبع مسارًا محددًا مسبقًا يتضمن بداية ووسطًا ونهاية. وتستند هذه الأطر النظرية في المقام الأول إلى فكرة أن الخصائص العامة للقصة تُشكل هيكلها مع إتاحة إمكانية وجود تنويعات لا حصر لها على المحتوى المحدد المحيط بهذا الهيكل. وتفترض معظم أطر السرد أن هيكل القصص ومحتواها مستقلان. إن مهمة إيجاد مؤشرات موضوعية وقابلة للقياس الكمي لبنية السرد مهمة شاقة ومع ذلك في السنوات الأخيرة أدت أساليب تحليل النصوص الآلية إلى جانب تزايد إمكانية الوصول إلى أعداد متزايدة من النصوص وظهور طرق جديدة لقياس الخصائص الأساسية للقصص وبالتالي يمكن لدرجات التماسك أن تشير إلى مدى بقاء النص ضمن نفس الموضوع العام أثناء سرده (Boyd,Blackburn&Pennebaker, 2020).

وتقوم معظم قصص المجموعة على بنية سردية تبدو للوهلة الأولى بسيطة ومباشرة إلا أن هذه البساطة ليست ناتجة عن فقر فني وإنما هي اختيار جمالي ينسجم مع طبيعة المتلقي الطفل ويتيح في الوقت نفسه تعدد مستويات القراءة فالكاتبة تبدأ غالبًا من موقف يومي مألوف؛ حوار داخل الأسرة أو لقاء في الحديقة أو مراقبة شجرة أو حديث بين طفل وأحد أفراد عائلته ثم تسمح لهذا الحدث الصغير بأن يتسع تدريجيًا حتى يتحول إلى قضية فكرية أو إنسانية أوسع.

وتجعل هذه التقنية البناء السردي يتجاوز مفهوم "القصة التعليمية" إلى ما يمكن تسميته السرد التربوي التأويلي إذ لا تقدم الفكرة في صورة جاهزة وإنما تُبنى عبر سلسلة من العلامات التي يقود بعضها إلى بعض لذلك يشعر القارئ أن نهاية القصة لا تغلق الدلالة بل تفتحها لأن القيمة الحقيقية تكمن في الرحلة الفكرية التي سبقت النهاية.

 الحدث بوصفه مولدًا للمعنى

لا يعتمد الحدث في «نواطير» على الإثارة أو المفاجأة بل يقوم على التحول الداخلي للشخصية فالحدث الحقيقي ليس ما يقع خارج الإنسان وإنما ما يحدث داخله وهذا ما يجعل كثيرًا من القصص تتحرك من الجهل إلى المعرفة أو من التردد إلى اليقين أو من اللامبالاة إلى المسؤولية وبذلك تتحول القصة إلى رحلة وعي فالطفل حين يكتشف قيمة الشجرة أو يفهم معنى الأرض أو يدرك أهمية الصدق لا يغير سلوكه فقط بل يعيد بناء صورته عن العالم وهذا النمط من السرد ينسجم مع فلسفة التربية الحديثة التي ترى أن التعلم الحقيقي هو ذلك الذي ينتج تغييرًا في البنية المعرفية للمتلقي لا مجرد حفظ للمعلومات.

الشخصية السردية وبناء الوعي

تمثل الشخصية أحد أهم العناصر الفنية في المجموعة إلا أن الكاتبة لا تقدمها بوصفها بطلاً خارقًا وإنما بوصفها إنسانًا عاديًا ينمو تدريجيًا داخل التجربة فالطفل في هذه القصص ليس شخصية مكتملة وإنما كائن يتعلم باستمرار فإن الشخصيات تخطئ وتسأل وتتردد ثم تكتشف الحقيقة عبر التجربة وتمنح هذه الرؤية النص صدقيته الفنية؛ لأن الطفل يجد نفسه داخل الشخصية لا أمام نموذج مثالي بعيد عن واقعه ومن جهة أخرى فإن الشخصيات الكبيرة لا تظهر بصفتها سلطة آمرة وإنما تؤدي دور المرشد الذي يفتح باب التفكير ويقود الطفل إلى اكتشاف الإجابة بنفسه وهذا الأسلوب يجعل العلاقة بين الأجيال قائمة على الحوار لا على التلقين.

ومن هنا فتتشكل هويات الأطفال من خلال المؤثرات المحيطة بهم ويُعدّ الأدب الذي يقرؤونه جزءًا مهمًا من هذه المؤثرات. فعلى سبيل المثال إذا صادف الأطفال شخصيات تتناول قضايا الصداقة والصراعات وحتى الإقصاء فسوف يُقلّدون في نهاية المطاف ما تفعله هذه الشخصيات وما تتوقعه من الآخرين. وينطبق الأمر نفسه عندما يصادف الطفل شخصيات تنتمي إلى فئات معينة باستمرار. لذا يُعدّ دور أدب الأطفال في التأثير على هوياتهم ومساعدتهم على فهم حياتهم وحياة الآخرين أمرًا بالغ الأهمية. وهذا يُمكّنهم من استيعاب التنوع بطريقة أكثر وعيًا وإدراكًا. تُعدّ السنوات الأولى من حياة الأطفال فترةً لتكوين شخصياتهم وفهمهم الاجتماعي. ويتشكل فهم الأطفال لعلاقاتهم الاجتماعية ومكانتهم في المجتمع مقارنةً بالآخرين من خلال فهمهم للأدب مما يُؤكد الصلة بين الهوية والتجارب الفردية (Revaitis, 2026).

المكان بوصفه ذاكرة ثقافية

يمكن تعريف المكان بمعناه الأدبي بعدة طرق. فمن جهة يمكننا تعريف المكان بأنه الجانب المادي للبيئة المحيطة. ومن جهة أخرى يمكننا تعريف المكان بأنه البيئة المنفصلة عن المتحدث أو الكاتب. وفي بعض الحالات يُستخدم مصطلح المكان لوصف السياق الذي تُناقش فيه قضايا الكتابة وغيرها من المهارات اللغوية. في عالم الأدب يُدمج المكان عادةً مع الزمان والأحداث لتحديد ما يُعرف بالسياق الاجتماعي للعمل الأدبي (Jeremiah, 2000).

ولا يؤدي المكان في «نواطير» وظيفة جغرافية بل يتحول إلى وعاء للذاكرة الجمعية. فالبيت ليس جدرانًا والقرية ليست مجموعة من الطرق والبستان ليس فضاءً زراعيًا فحسب إنها جميعًا علامات ثقافية تختزن تاريخ الإنسان وعلاقته بالأرض ولهذا تحضر الأشجار في النصوص بوصفها كائنات حيّة تحمل ذاكرة الأجداد وتصبح العناية بها امتدادًا للعناية بالهوية نفسها وتكشف هذه الرؤية عن وعي عميق بأن المكان لا يكتسب قيمته من مادته وإنما من القصص التي يحملها ومن الذكريات التي يحتفظ بها ومن العلاقات الإنسانية التي تتشكل داخله لذلك الدفاع عن المكان دفاعًا عن الذاكرة لا عن التراب وحده.

الزمن السردي واستمرار الذاكرة

يُعدّ الزمن عنصرًا جوهريًا في السرد سواءً أكان خياليًا أم واقعيًا. فالحديث عن السرد يستلزم استحضار الزمن وأبعاده المتعددة. ويُقرّ أرسطو ضمنيًا بأهمية الزمن كعنصر أساسي في السرد إذ يتطلب أي فعل زمنًا. وسواءً نُظر إلى السرد كسلسلة من الأحداث المترابطة أو كبناء لعالم قصصي فإنّ الأدوار الوظيفية والبنيوية للزمن تبقى ثابتة. ونتيجةً لذلك كان الزمن من أكثر المواضيع تحليلًا وبحثًا وتنظيرًا في مجال نظرية السرد. ولا يمكن لأي نقاش حول مفاهيم سردية كالقصة والحبكة والشخصية ووجهة النظر أن يتجاهل ديناميكيات الزمن. وتبقى الطبيعة الجوهرية للزمن في السرد ثابتة سواءً أكان السرد يُفهم بشكل أضيق على أنه يعتمد على وجود راوٍ أو يُعرّف على أنه اقتران القصة وتمثيلها (Nelson,2022).

يتجاوز الزمن في المجموعة بعده الكرونولوجي ليتحول إلى زمن نفسي وثقافي فالماضي لا يُستدعى بوصفه زمنًا منتهيًا وإنما باعتباره قوة فاعلة في تشكيل الحاضر وتتكرر العودة إلى الحكايات القديمة وإلى سيرة الأجداد وإلى التراث الشعبي لتؤكد أن الذاكرة ليست أرشيفًا للأحداث بل عنصرًا من عناصر بناء الهوية لذلك يصبح الزمن وسيلة للمقاومة الثقافية لأن الأمة التي تحفظ ذاكرتها تمتلك القدرة على حماية مستقبلها.

الحوار بوصفه أداة لبناء التفكير

إن التفاعل البشري ثنائي الجانب بطبيعته ففي جوهره كل تفاعل بين الناس هو تفاعل بحد ذاته؛ فهو يسعى أساسًا إلى تجنب أحادية الجانب ويرغب في أن يكون ثنائي الجانب حواريًا وليس مونولوجًا". فالحوار أهم من المونولوج. في أوائل القرن العشرين دُرِس الحوار من منظور الآلية الاجتماعية للنفس. إضافة إلى ذلك فإن الحوار ليس خطابًا منفصلًا بل هو تواصل كلامي ذو جوانب اجتماعية وإعلامية. وقد شكّل نشأة نظرية النص خلال هذه الفترة منهجًا جديدًا للحوار. فمن جهة يثير موقع الحوار ومكانته في النشاط الكلامي للناس ومن جهة أخرى تثير عالمية الحوار تساؤلًا حول دوره في البنية البلاغية للنص (Mammadbayli, 2022).

ويعتمد الخطاب السردي في «نواطير» على الحوار اعتمادًا واسعًا غير أن هذا الحوار لا يؤدي وظيفة درامية فقط بل يتحول إلى أداة تربوية لإنتاج المعرفة فالأسئلة أكثر حضورًا من الأجوبة.

والطفل هو الذي يبادر غالبًا إلى السؤال أما الكبار فيوجهون التفكير دون أن يفرضوا النتيجة

وهذا الأسلوب يجعل القصة قريبة من فلسفة الحوار السقراطي حيث يولد الفهم من السؤال لا من التلقين كما يمنح الطفل شعورًا بأن رأيه جزء من عملية بناء المعنى وهو ما يعزز ثقته بنفسه وينمي قدرته على التفكير النقدي.

تكشف القراءة التطبيقية للبنية السردية في مجموعة «نواطير» عن عدد من النتائج المهمة:

1. تقوم القصص على اقتصاد سردي يحقق التوازن بين البساطة الفنية والعمق الدلالي.

2. يتحول الحدث من واقعة خارجية إلى تجربة داخلية تسهم في بناء وعي الطفل.

3. تؤدي الشخصيات وظيفة تربوية من خلال الحوار والتجربة لا من خلال الوعظ المباشر.

4. يغدو المكان علامة ثقافية تحفظ الذاكرة وتؤسس للهوية.

5. يتجاوز الزمن بعده التاريخي ليصبح أداة لاستمرار الوعي الجمعي.

6. يشكل الحوار وسيلة لتنمية التفكير والاستقلال المعرفي لدى الطفل بما يجعل النصوص أقرب إلى التربية بالحوار منها إلى التعليم بالتلقين.

ويمهد هذا التحليل للانتقال في الفصل الثالث إلى دراسة الرموز والأنساق الثقافية المضمرة في قصص «نواطير» والكشف عن سيميائية الطبيعة ورمزية الشجرة والطير والأرض والألوان وكيف أسهمت هذه العلامات في بناء خطاب ثقافي وجمالي يتجاوز حدود الحكاية إلى إنتاج رؤية إنسانية ووطنية متكاملة.

سيميائية الرمز والأنساق الثقافية المضمرة في مجموعة "نواطير"

قراءة في العلامات الثقافية وبناء الدلالة

إذا كانت البنية السردية تمثل الهيكل الظاهر للنص فإن الرمز يشكل بنيته العميقة التي تنتج المعنى وتمنحه قابليته للتأويل. فالنص الأدبي ولا سيما في أدب الطفل لا يقوم على نقل الأفكار بصورة مباشرة وإنما يعتمد بناء منظومة من العلامات الثقافية التي تتجاوز مدلولها المعجمي إلى فضاءات دلالية أرحب. ومن هنا تغدو القراءة السيميائية ضرورة منهجية للكشف عن العلاقات التي تربط بين العناصر السردية والأنساق الثقافية الكامنة خلفها.

وتكتسب مجموعة "نواطير" خصوصيتها من قدرتها على تحويل الأشياء البسيطة إلى رموز ثقافية حية؛ فالشجرة ليست نباتًا والطائر ليس كائنًا عابرًا والبيت ليس مكانًا للسكن فحسب والطفل لا يؤدي وظيفة الشخصية التقليدية وإنما يصبح كل واحد من هذه العناصر علامة ثقافية تتفاعل مع غيرها لتنتج رؤية متكاملة للإنسان والوطن والهوية.

ولا تقوم هذه الرمزية على الغموض أو التعقيد بل تنبع من البيئة الفلسطينية ذاتها ومن تفاصيل الحياة اليومية التي تعيد الكاتبة تشكيلها داخل خطاب جمالي يجعل الطفل يقرأ العالم بوصفه نصًا مليئًا بالإشارات والعلامات.

سيميائية الأرض وبناء الهوية

تشكل الأرض النسق الثقافي الأكثر حضورًا في المجموعة إلا أنها لا تُطرح باعتبارها مساحة جغرافية أو ملكية مادية وإنما بوصفها الوعاء الذي تتشكل فيه هوية الإنسان وذاكرته وانتماؤه.

ومن منظور سيميائي تتحول الأرض إلى علامة كبرى تتفرع عنها علامات أصغر؛ كالتراب والشجرة والحقل والبستان والزيتون والحجارة والطرق وكلها تشترك في إنتاج معنى واحد هو الاستمرار والرسوخ فالكاتبة لا تشرح قيمة الأرض وإنما تجعل الطفل يعيشها من خلال الأحداث والشخصيات فيدرك أن فقدان المكان لا يعني فقدان مساحة من التراب بل يعني انقطاع الإنسان عن جذوره الثقافية والتاريخية وبذلك تتحول الأرض من عنصر في الحكاية إلى مركز دلالي تنتظم حوله بقية الرموز.

الشجرة بوصفها نسقًا حضاريًا

تحتل الشجرة مكانة خاصة في البناء الرمزي للمجموعة إذ تتجاوز وظيفتها الطبيعية لتصبح أحد أهم الرموز الثقافية فالشجرة في الثقافة الإنسانية عمومًا وفي الثقافة الفلسطينية على وجه الخصوص ليست مجرد نبات وإنما رمز للاستقرار والخصب والاستمرار والذاكرة وتستثمر الكاتبة هذا المخزون الثقافي لتجعل من الشجرة شاهدًا على التاريخ ورفيقًا للإنسان وحاملًا لرسالة أخلاقية فالطفل الذي يتعلم احترام الشجرة لا يتعلم المحافظة على البيئة فحسب بل يتعلم احترام الحياة والعمل والصبر والانتماء وهنا يتحول الرمز البيئي إلى رمز حضاري ويغدو الاعتداء على الشجرة اعتداءً على منظومة القيم التي تمثلها.

إن الشجرة في "نواطير" ليست موضوعًا للزينة السردية وإنما أحد الأعمدة الثقافية التي يقوم عليها الخطاب بأكمله.

سيميائية الطائر ودلالات الحرية

يحضر الطائر في النصوص بوصفه علامة مزدوجة تجمع بين البراءة والحرية فالطفل يرى في الطائر كائنًا جميلًا يملأ السماء بالحركة لكن القراءة السيميائية تكشف بعدًا آخر يتمثل في أن الطيران يرمز إلى تجاوز القيود وإلى الأمل وإلى الانطلاق نحو المستقبل وتمنح الكاتبة الطائر وظيفة تربوية غير مباشرة؛ إذ يصبح حضوره تذكيرًا دائمًا بأن الحرية لا تنفصل عن المسؤولية وأن الجمال الحقيقي يقوم على التوازن بين الانطلاق والانتماء ومن ثم فإن الطائر لا يؤدي وظيفة جمالية فقط وإنما يسهم في بناء رؤية أخلاقية للعالم.

الطفل بوصفه علامة ثقافية

لا يظهر الطفل في المجموعة باعتباره الفئة المستهدفة بالخطاب فحسب بل بوصفه علامة ثقافية تحمل مشروع المستقبل فالطفل في هذه النصوص هو أكثر الشخصيات قدرة على طرح الأسئلة وأكثرها استعدادًا للتغيير فيتحول إلى رمز للتجدد وإلى نقطة التقاء بين الماضي والمستقبل إن الكاتبة لا تكتب عن الطفل بل تكتب من داخله ولذلك تبدو رؤيته للعالم رؤية قائمة على الاكتشاف لا على الأحكام الجاهزة وهذا ما يمنح النص طابعًا إنسانيًا لأن الطفل يصبح رمزًا للإنسان في بدايات تكوينه الأخلاقي والفكري.

سيميائية البيت والأسرة

يحضر البيت في المجموعة بوصفه مركزًا للعلاقات الإنسانية لا بوصفه بناءً معماريًا فالبيت علامة على الأمن والدفء والانتماء واستمرار القيم وتتحول الأسرة إلى المؤسسة الثقافية الأولى التي يتلقى الطفل داخلها منظومة القيم ليس عبر التعليم المباشر وإنما عبر الممارسة اليومية وتبرز الشخصيات الوالدية في النصوص باعتبارها مصدرًا للحوار والتوجيه والاحتواء وهو ما يعكس رؤية تربوية حديثة تجعل الأسرة فضاءً لبناء الشخصية لا فضاءً لإصدار الأوامر وبذلك يكون البيت امتدادًا للوطن وتصبح الأسرة النواة الأولى للهوية الثقافية.

سيميائية اللون في الخطاب السردي

رغم أن اللون لا يحتل مساحة ظاهرة في جميع القصص فإن حضوره يؤدي وظيفة دلالية مهمة فاللون الأخضر يقترن بالحياة والنمو والأمل بينما تستحضر الألوان الترابية معنى الأصالة والارتباط بالأرض في حين يرتبط الضوء غالبًا بالمعرفة والانكشاف ولا تستخدم الكاتبة اللون بوصفه عنصرًا وصفيًا بل بوصفه جزءًا من البناء الرمزي للنص بحيث يسهم في تشكيل المناخ النفسي وإنتاج الدلالة ومن ثم يصبح اللون لغة موازية للغة السرد.

النسق البيئي والوعي الكوني

لا تنحصر الرموز الطبيعية في بعدها المحلي وإنما تنفتح على رؤية إنسانية أشمل. فالاهتمام بالشجرة والماء والطير والحيوان لا يقدم بوصفه واجبًا بيئيًا فقط بل باعتباره جزءًا من أخلاق الإنسان تجاه الكون وهذا ما يجعل المجموعة تلتقي مع الاتجاهات الحديثة في أدب الطفل التي ترى أن التربية البيئية ليست تعليمًا للمعلومات وإنما بناء لوعي أخلاقي يحترم الطبيعة بوصفها شريكًا في الحياة وتنجح الكاتبة في دمج هذا النسق داخل البناء السردي دون أن يتحول إلى خطاب إرشادي مباشر.

النسق الوطني بين الرمز والتلميح

من أبرز السمات الفنية في «نواطير» أن الخطاب الوطني لا يقدم عبر الشعارات أو الخطابات المباشرة وإنما يتجسد من خلال الرمز فالأرض والشجرة والبيت والذاكرة واللغة كلها تؤدي وظيفة وطنية دون أن تفقد بعدها الإنساني وتكشف هذه التقنية عن وعي فني يجعل النص قادرًا على مخاطبة الطفل الفلسطيني والعربي بل والطفل الإنساني عمومًا لأن القيم التي يحملها لا تتوقف عند حدود الجغرافيا وإنما تتصل بالكرامة والانتماء والعدالة وحق الإنسان في الحفاظ على هويته وهكذا يتحول الرمز إلى وسيلة لتوسيع أفق الدلالة بحيث يصبح الوطن فكرة أخلاقية وثقافية لا مجرد مكان.

تفاعل الأنساق الثقافية وإنتاج المعنى

في عالم الأدب، تُعدّ الكلمة المكتوبة بمثابة وعاء يحمل في طياته أصداء المجتمع والثقافة التي انبثقت منها. ولا يقتصر تفسير الأعمال الأدبية على الكلمات المكتوبة فحسب، بل يتشابك بشكل وثيق مع السياق الثقافي الذي تجد فيه هذه الكلمات تعبيرها. ولتقدير أثر السياق الثقافي، لا بدّ من إدراك الطبقات المُعقدة التي تُشكّله. يشمل السياق الثقافي العوامل التاريخية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تُشكّل رؤية العالم لدى كلٍّ من الكاتب والقارئ. كما أن الأدب مرآةٌ تعكس المعايير والقيم المجتمعية. غالبًا ما يُحدّد السياق الثقافي للعمل الأدبي السلوكيات والتقاليد والمعتقدات المقبولة التي يُصوّرها. ومن خلال دراسة هذه العناصر، يكتسب القراء فهمًا أعمق لتعليق الكاتب على المجتمع الذي عاش فيه. في المقابل، يُضفي القراء خلفيتهم الثقافية على التفسير، مُشكّلين بذلك العدسة التي يرون من خلالها السرد. وويمكن للخلفية التاريخية التي تدور فيها أحداث العمل الأدبي أن تؤثر بشكلٍ كبير على تفسيره. غالبًا ما يستلهم الكتّاب من الأحداث المهمة أو يتفاعلون معها، مُضمّنين ​​طبقاتٍ من المعنى في سردياتهم. وغالبًا ما تحمل الرموز والصور في الأدب دلالات ثقافية تتجاوز السرد المباشر. فقد يحمل شيء بسيط أو إيماءة معنى أعمق متجذرًا في التقاليد الثقافية أو الطقوس أو الأساطير. يُعد فهم هذه المراجع الثقافية أساسيًا لتفسير النص تفسيرًا شاملًا. ووفي عصر العولمة، يتجاوز الأدب الحدود، ليصل إلى قراء من خلفيات ثقافية متنوعة. يُضفي هذا الترابط ديناميكية رائعة حيث يمكن تفسير النص نفسه من خلال عدسات ثقافية مختلفة. تُصبح الأعمال الأدبية جسورًا بين الثقافات، تُعزز الفهم المشترك وتُحتفي في الوقت نفسه بثراء وجهات النظر المتنوعة (Xiaofei, 2023).

ولا تعمل الأنساق الثقافية في المجموعة بصورة منفصلة وإنما تتداخل فيما بينها لتشكل شبكة دلالية متماسكة فنسق الأرض يرتبط بالشجرة والشجرة ترتبط بالبيت والبيت يرتبط بالأسرة والأسرة ترتبط بالطفل والطفل يرتبط بالمستقبل وبذلك تتولد بنية ثقافية عضوية تجعل كل رمز يكتسب معناه من علاقته بالرموز الأخرى ومن منظور السيميائيات الثقافية تمثل هذه الشبكة ما يسميه يوري لوتمان الفضاء السيميائي؛ إذ لا تنتج العلامة معناها منفردة بل داخل منظومة من العلاقات المتبادلة ولهذا تبدو المجموعة وكأنها نص واحد متعدد الحكايات تتكامل قصصه في بناء رؤية ثقافية واحدة.

تكشف القراءة السيميائية لمجموعة "نواطير" عن جملة من النتائج أبرزها:

·       اعتمدت الكاتبة منظومة رمزية متكاملة جعلت العناصر الطبيعية علامات ثقافية تتجاوز مدلولها المباشر.

·       شكلت الأرض المركز السيميائي الرئيس الذي انتظمت حوله بقية الرموز بما رسخ مفهوم الهوية والانتماء.

·       تحولت الشجرة إلى رمز حضاري يجمع بين الذاكرة والخصب والاستمرار وربطت بين الإنسان وأرضه في علاقة وجودية.

·       أدى الطائر والبيت والأسرة والطفل وظائف رمزية متعددة أسهمت في بناء خطاب تربوي وإنساني بعيد عن المباشرة.

·       نجحت المجموعة في دمج النسق البيئي والنسق الوطني داخل بنية سردية واحدة بحيث لم يطغ أحدهما على الآخر بل تكاملا في إنتاج رؤية ثقافية شاملة.

كشفت الدراسة أن القيمة الجمالية للنصوص لا تنبع من الحكاية وحدها وإنما من شبكة العلامات الثقافية التي تتحرك داخلها وهو ما يمنح "نواطير" بعدًا تأويليًا يجعلها قابلة لقراءات متعددة ويؤكد مكانتها ضمن النماذج المتقدمة في أدب الطفل الفلسطيني المعاصر.

ويمهد هذا التحليل للخصائص الأسلوبية واللغوية وجماليات الخطاب السردي في مجموعة "نواطير" للكشف عن العلاقة بين البنية اللغوية وإنتاج الأثر الجمالي والتربوي داخل النص.

جماليات الخطاب السردي والخصائص الأسلوبية في مجموعة "نواطير"

دراسة في اللغة والأسلوب وبناء الأثر الجمالي

إن النص الأدبي هو الذي يستطيع أن يُحيا ويُتلقى ويُفهم بطريقة تختلف عن تلك التي أرادها الكاتب لأن القارئ ينطلق في قراءته للنص من اهتمامات تخصه، فهو بذلك يسعى إلى إثبات غرض ما فالنص مراوغ ومنتج ضمن محددات وأطر معينة، وفي إطار تلقي معين من قبل مرسل ومتلقٍ معينين والنص الأدبي مهما كان نوعه وانفتاحه على العالم، يتحول إلى حضور كلي للمعنى، يستقبل أفرادًا مجهولين يتحاور معهم. هذا الحضور الدائم للمعنى في النص ينقل للقارئ تجربة وجود كاتبه وشكل تفاعله مع العالم (مبروك، 2020).

وتقاس قيمة النص الأدبي بالكيفية التي تتحول بها اللغة إلى طاقة جمالية قادرة على التأثير في المتلقي. فالأسلوب ليس زينة لفظية تضاف إلى المعنى بل هو المعنى نفسه في صورته الفنية وهو الوسيط الذي تنتقل من خلاله الرؤية الفكرية إلى القارئ. ولذلك فإن دراسة الخطاب الأسلوبي في مجموعة «نواطير» تمثل امتدادًا طبيعيًا للقراءة السيميائية والثقافية؛ إذ تكشف أن البنية اللغوية ليست منفصلة عن الأنساق الثقافية بل تشارك في إنتاجها وترسيخها.

وتنطلق نبيهة راشد جبارين من وعي عميق بخصوصية أدب الطفل فتكتب بلغة سهلة من حيث المفردات لكنها كثيفة من حيث الدلالات محققة معادلة صعبة تجمع بين الوضوح والجمال وبين البساطة والعمق وهو ما يمنح النصوص قابلية للتلقي على مستويات عمرية وثقافية متعددة.

اللغة بين البساطة والكثافة الدلالية

تعتمد الكاتبة لغة قريبة من المعجم اليومي للطفل غير أنها لا تقع في فخ التبسيط المخل أو الابتذال اللغوي بل تحافظ على فصاحة التعبير وسلامة التراكيب مع توظيف مفردات البيئة الفلسطينية بما يثري الحصيلة اللغوية للطفل ويربطه بمحيطه الثقافي وتتميز الجمل بالقصر النسبي والإيقاع الهادئ والوضوح التركيبي الأمر الذي ييسر القراءة ويجعل التركيز منصبًا على الفكرة والصورة دون أن يثقل النص بالتعقيد البلاغي.

غير أن هذه البساطة الظاهرة تخفي كثافة دلالية؛ فالكلمة لا تؤدي معناها المباشر فقط بل تستدعي شبكة من الإيحاءات الثقافية المرتبطة بالأرض والذاكرة والانتماء وهو ما يمنح اللغة وظيفة جمالية ومعرفية في آن واحد.

الصورة الفنية وبناء الخيال

تمنح الصورة الفنية النص الشعري قيمته وقوته، فهي آليته التي لا يستقيم الشعر إلا بها، كما أن الاتجاه إلى دراسة موضوعاتها معناه الاتجاه إلى تناول البنية المركزية التي تلتف حولها جماليات النص الشعري، وتنعقد من خلالها تجربة الشاعر، حين تضطلع الصورة الفنية برسم جملة المواقف والعواطف المؤسسة لدلالية النص عند التناول النقدي (قاوي، 2015).

تقوم الصورة في "نواطير" على عناصر البيئة القريبة من الطفل؛ فالشجرة والعصفور والبيت والسماء والحديقة والزهور والسنابل كلها تتحول إلى مكونات لصورة شعرية رقيقة تجعل الطبيعة جزءًا من التجربة الإنسانية ولا تلجأ الكاتبة إلى الصور البلاغية المتكلفة وإنما تبني صورها من خلال التشخيص والتجسيد والاستعارة البسيطة فتمنح الموجودات الطبيعية صفات إنسانية تجعل الطفل يشعر بأنها تشاركه الحياة والمشاعر وهذه التقنية لا تثري الخيال فحسب بل تنمي الحس الجمالي لدى المتلقي وتدفعه إلى إقامة علاقة وجدانية مع الطبيعة بما يرسخ قيم المحافظة عليها واحترامها.

الحوار وجمالية التفاعل

للحوار دوره الخاص في بناء النص سواء على مستوى النص الجزئي أو الكلي. فالنص الجزئي حلقة وصل بالغة الأهمية في نظام التواصل الخاص بالنص الكلي وهو تعبير عن أجزاء من النص الكلي تتمتع باستقلالية نسبية. وفي هذه الأجزاء تبرز عدة وظائف للحوار ولا سيما دورها في البنية البلاغية للنص. وبالتالي تشمل البنية البلاغية للنص الأدبي شبكة الروابط الكاملة بين مكوناته وتلعب الحوارات دورًا محوريًا في هذا السياق (Mammadbayli, 2022).

يمثل الحوار أحد أهم المرتكزات الأسلوبية في المجموعة إذ يؤدي دورًا مزدوجًا؛ فهو يحرك الحدث من جهة ويبني الوعي من جهة أخرى ويتميز الحوار بالإيجاز والطبيعية ويقترب من لغة الحياة اليومية دون أن يفقد فصاحته كما أنه يفسح المجال أمام الطفل للتعبير عن تساؤلاته ويجعل عملية اكتشاف الفكرة تتم من خلال النقاش لا من خلال الخطاب الوعظي ومن الناحية التربوية يعزز هذا الأسلوب مهارات الإصغاء واحترام الرأي الآخر والتفكير النقدي ويمنح الطفل الإحساس بأن المعرفة تُبنى بالحوار لا بالتلقين.

الإيقاع السردي

يشير الخطاب إلى زمن فعل السرد ما يُروى، وبأي ترتيب، وبأي طرق؛ وبشكل أعم، يمثل الخطاب التنظيم العام للنص السردي. يلعب تنظيم الخطاب السردي دورًا رئيسيًا في تشكيل تجربة المتلقين للسرد (Caracciolo, 2014).

ولا يعتمد الإيقاع في «نواطير» على الزخرفة اللفظية وإنما يتولد من توازن الجمل وتكرار بعض المفردات المحورية وتتابع الأحداث في نسق هادئ ومتدرج.

ويؤدي هذا الإيقاع دورًا نفسيًا مهمًا؛ إذ يخلق حالة من الطمأنينة والانسجام تتلاءم مع طبيعة المتلقي الصغير كما يمنح النص قابلية للقراءة الجهرية داخل الصفوف المدرسية وهو جانب وظيفي مهم في أدب الطفل.

الأسلوب بين الأدبية والوظيفة التربوية

 

تشير الطبقات الأسلوبية في اللغة الأدبية إلى المستويات اللغوية المختلفة التي يستخدمها المؤلفون لنقل المعنى والجو العام والعاطفة في كتاباتهم. وتشمل هذه الطبقات عناصر مثل اختيار المفردات، وبنية الجملة، والصور، والرمزية، واللغة المجازية. وباستخدام طبقات أسلوبية مختلفة، يستطيع المؤلفون خلق عمق، واستحضار حالات مزاجية محددة، وإشراك القراء على مستويات متعددة في أعمالهم الأدبية (Javid, 2025).

من أبرز خصائص المجموعة أن الرسالة التربوية لا تأتي على حساب القيمة الأدبية فالكاتبة لا تقدم القيم في صورة أوامر أو مواعظ وإنما تجعلها تنبثق من الحدث ومن تطور الشخصية ومن نتائج المواقف التي تمر بها الشخصيات وهذه المعالجة الفنية تجعل الطفل يصل إلى القيمة بنفسه فيتحول التعلم إلى اكتشاف وهو ما تؤكد عليه النظريات التربوية الحديثة التي تجعل المتعلم محورًا للعملية التعليمية.

جمالية النهاية المفتوحة

يشكل الإغلاق السردي في بنية أي نص روائي حجر الزاوية، لما له من بعد فني وجمالي في تحديد مآلات النص وفق حبكته الأساسية، وهو ما يجعل هذه العملية حاسمة من حيث التلقي الكلي للنص. فالحدث الإغلاقي لا يكون عادة مجرد لوحة أخيرة ترتسم فيها نهاية الأحداث، بل يتجاوز ذلك ليحدد الرؤية الفكرية لصاحب النص، ويشكل إجابة عن عدد من التساؤلات المفترضة منذ البداية، مما يدفع القارئ في نهاية المطاف إلى العودة إلى المفتتح الروائي، وإعادة ترتيب المضامين والأفكار التي تأسس عليها النص بأكمله. ولهذا أصبحت فنية الإغلاق في النصوص الحداثية محددًا أساسيًا للقيمة الأدبية، إذ دفعت النقاد إلى النظر إلى الإغلاق السردي بوصفه جوهرًا من جواهر السرد، لما يمتلكه من أثر وظيفي حاسم يشمل أيضًا الإغلاقات المفتوحة التي تمنح العمل استمرارية تأويلية وتأملية، تنتهي عند حدود النص لتبدأ مع القارئ، الذي يشارك في إنتاج المعنى من خلال قراءته وتأويله (مكيد، 2025).

تنتهي كثير من قصص المجموعة بنهايات تترك للقارئ مساحة للتفكير فلا تغلق الدلالة بصورة نهائية بل تدفع الطفل إلى مواصلة الحوار مع النص بعد انتهاء القراءة وهذا النمط من النهايات يرفع من القيمة الفنية للنص لأنه يجعل القارئ شريكًا في إنتاج المعنى ويؤكد أن الأدب الحقيقي لا يقدم أجوبة جاهزة بل يثير الأسئلة ويحفز التفكير.

القيمة الفنية للمجموعة في سياق أدب الطفل الفلسطيني

تؤكد القراءة النقدية أن «نواطير» تمثل إضافة نوعية إلى أدب الطفل الفلسطيني؛ لأنها استطاعت أن توفق بين الأصالة والمعاصرة وبين الهوية الوطنية والانفتاح الإنساني وبين الرسالة التربوية والمتعة الجمالية ونجحت الكاتبة في تجاوز النموذج التقليدي الذي يختزل أدب الطفل في التوجيه المباشر لتقدم خطابًا أدبيًا حديثًا يؤمن بأن الطفل قادر على التفكير والتأويل وإنتاج المعنى وبذلك تنتمي المجموعة إلى الاتجاه الذي يرى في أدب الطفل مشروعًا ثقافيًا يسهم في بناء الإنسان لا مجرد وسيلة للتسلية أو التعليم.

النتائج

1. أثبتت العتبات النصية وفي مقدمتها عنوان «نواطير» أنها تؤدي وظيفة سيميائية تؤسس أفق التلقي وتختزل المشروع الثقافي للمجموعة.

2. كشفت البنية السردية عن قدرة الكاتبة على بناء نصوص بسيطة في ظاهرها لكنها غنية في مستوياتها الدلالية بما يسمح بتعدد القراءات.

3. بينت الدراسة أن الأنساق الثقافية المهيمنة تمثلت في نسق الأرض والهوية والطفولة والأسرة والطبيعة والذاكرة وأن هذه الأنساق تتفاعل داخل منظومة واحدة.

4. أظهرت القراءة السيميائية أن الرموز الطبيعية لم تؤد وظيفة جمالية فقط بل شكلت منظومة علامات ثقافية تعيد إنتاج الوعي الوطني والإنساني.

5. أثبت التحليل الأسلوبي أن اللغة اتسمت بالبساطة والعمق معًا وأن الرسالة التربوية اندمجت في البناء الفني دون مباشرة أو خطابية.

6. أكدت الدراسة أن مجموعة «نواطير» تقدم نموذجًا متقدمًا لأدب الطفل الفلسطيني يجمع بين القيمة الأدبية والبعد الثقافي والرسالة التربوية ويؤهلها لأن تكون مادة صالحة للدراسة في مجالات النقد الثقافي والسيميائيات وأدب الطفل.

الخاتمة

تكشف مجموعة «نواطير» أن أدب الطفل لم يعد خطابًا هامشيًا أو مرحلة تمهيدية للأدب بل أصبح أحد أكثر الأجناس الأدبية قدرة على صناعة الوعي الثقافي والإنساني. فمن خلال قصص تبدو بسيطة في بنائها استطاعت نبيهة راشد جبارين أن تشيد عالمًا سرديًا غنيًا بالعلامات والرموز وأن تجعل من الأرض والطفولة والشجرة والبيت والطائر مفرداتٍ لخطاب ثقافي متكامل يعيد بناء العلاقة بين الإنسان ووطنه وبين الفرد وذاكرته وبين الطفل ومستقبله.

 أثبتت الدراسة أن نجاح المجموعة لا يكمن في مضمونها الوطني أو التربوي وحده بل في قدرتها على صهر هذه المضامين داخل بناء فني رصين يوازن بين الجمال والرسالة وبين الإبداع والوظيفة الثقافية دون أن يفقد النص حيويته أو عفويته ويمكن القول إن «نواطير» تمثل تجربة رائدة في أدب الطفل الفلسطيني المعاصر لأنها تقدم نموذجًا للأدب الذي يربي الذائقة قبل أن يلقن القيم ويبني الوعي قبل أن ينقل المعرفة ويصنع الإنسان قبل أن يروي الحكاية.

توصيات الدراسة

- توسيع الدراسات النقدية المتخصصة في أدب الطفل الفلسطيني بوصفه مكونًا رئيسًا من مكونات الثقافة الوطنية.

- الإفادة من المنهج السيميائي الثقافي في قراءة النصوص الموجهة للأطفال لما يتيحه من كشف للأنساق المضمرة.

- إدراج مجموعة «نواطير» ضمن البرامج الجامعية التي تُعنى بأدب الطفل والنقد الثقافي.

- تشجيع الدراسات المقارنة بين أدب الطفل الفلسطيني ونظيره العربي لرصد الخصائص المشتركة والسمات المميزة.

- توجيه الباحثين إلى دراسة أعمال نبيهة راشد جبارين الأخرى لما تمثله من مشروع أدبي وتربوي جدير بالبحث.

 

 

 

قائمة المراجع

أ: المراجع العربية

قاوي، ع. (2015). مفهوم الصورة الفنية في النقد الأدبي الحديث. مجلة الباحث. 07(02). 31-44.

مبروك، ك. (2020). النص الأدبي وآليات التلقي. مجلة دراسات. 09(02). 6-15.

مكيد، م. (2025). الاختتام السردي في الرواية العربية بين مفهومي الإغلاق والنهاية: مقاربة تحليلية لروايات مختارة. مجلة العلوم الاجتماعية والإنسانية. 18(02). 159-179.

ب: المراجع الأجنبية

Al-Matrafi, H. (2023). Childrens literature in the new millennium: A review of research. International Journal of English and Literature, 14(1), 1-4.

Barus, E., Aisyah, A., Siregar, E. F., & Risnawaty, R. (2025). An analysis of Roland Barthes’ semiotic theory: Focusing on denotation, connotation, and myth. International Journal of Educational Research Excellence (IJERE), 4(2), 355-363.

Bayraktar, A. (2021). Value of Children's Literature and Students' Opinions Regarding Their Favourite Books. International Journal of Progressive Education. 17(4). 341-357.

Boromisza-Habashi, D. (2023). Tracking the transmission of culture: a cultural discourse analysis of narratives of circulation in the US undergraduate public speaking course. Journal of Multicultural Discourses, 18(4), 243-261.

Boyd, R. L., Blackburn, K. G., & Pennebaker, J. W. (2020). The narrative arc: Revealing core narrative structures through text analysis. Science advances, 6(32), eaba2196.

Caracciolo, M. (2014). Tell-tale rhythms: Embodiment and narrative discourse. Storyworlds: A Journal of Narrative Studies, 6(2), 49-73.

Emmanuel, I. F. (2022). Children’s Literature and Its Relevance for Character Formation and Developments. Journal of Foreign Language Teaching and Learning, 7(2), 285-299.

Hunt, P. (Ed.). (2006). Understanding children's literature. Second Edition. first published. Routledge is an imprint of the Taylor & Francis Group .

Javid, B. (2025). The Use of Stylistic Layers in Literary Language. Journal of Interdisciplinary Science| ISSN, 2960, 9550.

Jeremiah, M. A. (2000). The use of place in writing and literature. Language Arts Journal of Michigan, 16(2), 7.

Mammadbayli, A. I. (2022). The role of dialogues in the rhetorical structure of literary texts. Revista pedagógica de la Universidad de Cienfuegos. 18(87). 1-9.

Nelson, S. (2022). Time and Identity in Ulysses and the Odyssey. University Press of Florida.

Revaitis, G. (2026). The Importance of Diverse Characters in Children's Literature for Identity Development.Ursinus College.

Robertson, J. M. (2016). 7. Influence of the Digital Age on Children’s Literature and Its Use in the Classroom. Steps to Success: Crossing the Bridge Between Literacy Research and Practice.

Xiaofei, L. (2023). Navigating Narratives: The Influence of Cultural Context on Literary Interpretation. Journal of International Social Research, 16(107).