"النافذة التي لا تُغلق" [مرعي حيادري يكتب:]
"النافذة التي لا تُغلق"
""""""""""""""""""""""
[مرعي حيادري يكتب:]
في آخر بيتٍ عند أطراف القرية، كانت تقطن امرأة تجاوزت السبعين من عمرها. لم يكن بيتها يختلف عن سائر البيوت، سوى بنافذةٍ صغيرة بقيت مفتوحة ليلًا ونهارًا، في الصيف كما في الشتاء../
كان المارة يتساءلون عن سر تلك النافذة، ويظنون أن العجوز قد نسيت إغلاقها، أو أن الشيخوخة أخذت منها ما أخذت. أما هي، فكانت تبتسم كلما سمعت سؤالًا، ثم تغيّر الحديث دون أن تجيب../
مرت الأعوام، وتعاقبت الفصول، وبقيت النافذة على حالها. حتى الأطفال الذين كبروا وأصبحوا رجالًا، ظلوا يذكرون تلك النافذة المفتوحة كما يذكرون شجرة الزيتون العتيقة في ساحة القرية../
وذات مساء، انقطعت الكهرباء، وغرقت القرية في ظلام دامس. هبت عاصفة قوية، وأغلقت الرياح معظم الأبواب والنوافذ. وفي خضم ذلك الظلام، ضلّ طفل صغير طريقه وهو عائد إلى منزله../
أخذ يمشي باكيًا بين الأزقة، لا يدري أين يتجه. ولم يكن يرى أمامه سوى بصيص ضوء خافت يتسلل من نافذة بعيدة. سار نحوه حتى بلغ ذلك البيت،كانت العجوز قد أشعلت مصباحًا زيتيًا ووضعته بمحاذاة النافذة، كعادتها كل ليلة../
طرقت الأم بابها بعد ساعة وهي تحتضن طفلها الذي وجده الناس جالسًا إلى جوار العجوز، يشرب كوبًا من الحليب وقد هدأت دموعه../
في صباح اليوم التالي، سألها مختار القرية: "أكنتِ تعلمين أن الطفل سيضيع الليلة؟"
ابتسمت وقالت: "لا... لكنني تعلمت منذ زمن أن الظلام لا يعلن موعد قدومه، ولذلك أبقي نافذتي مفتوحة، فلعل ضوءًا صغيرًا يهدي تائهًا لا أعرفه.."/
ساد الصمت بين الحاضرين، ولم يجد أحد ما يقوله.، ومنذ تلك الليلة، لم تعد النافذة موضع استغراب، بل أصبحت علامة يعرف بها العابرون البيت الذي لا يُغلق قلبه قبل أن يغلق بابه../
"
![]()
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق