صدر حديثا ؛ عن دار سهيل عيساوي للطباعة والنشر ، كتاب " إلى الله - ولو بعد حين- للكاتبة نردين شاهين ، مراجعة لغوية الأستاذ ذياب لهواني. يقع الكتاب في 96 صفحة من الحجم المتوسط.
مدونة الأديب سهيل ابراهيم عيساوي , تعنى بقضايا الأدب والفن والمسرح والثقافة والأدباء في العالم العربي والاصدارات الادبية ، أدب الأطفال ، النقد ، مقالات ، دراسات ، جوائز أدبية ، ورصد الحركة الأدبية المحلية .بامكانك ايها الكاتب اثراء المدونة بنتاجك الأدبي وأخبارك الثقافية ،من خلال مراسلتنا على البريد الالكتروني : sohelisawi@yahoo.com ص .ب 759 ، كفرمندا 1790700 ، هاتف نقال 0507362495 المواد المنشورة في المدونة لا تعبر بالضرورة عن راي صاحب المدونة
صدر حديثا ؛ عن دار سهيل عيساوي للطباعة والنشر ، كتاب " إلى الله - ولو بعد حين- للكاتبة نردين شاهين ، مراجعة لغوية الأستاذ ذياب لهواني. يقع الكتاب في 96 صفحة من الحجم المتوسط.
قبيل ثوان من دوي المنبه، انتفضت من فراشها
فزعة. الأنفاس المتلاحقة وصوت دقات قلبها كانا يخبرانها أن هذا اليوم لن يشبه أي
يوم آخر، لقد اخترقت عقلها كلمات غامضة من ذلك الحلم، وبقيت تتلجلج في صدرها .
كعادتها في كل صباح غادرت منزلها، لتبدأ
رحلتها اليومية . كانت تسير بخطى ثابتة عبر الطريق الممهد، الذي يلتف صاعدا نحو
مدرستها القابعة في أعلى التلة، كحصن منيع. وفجأة انشقت السماء عن قطرات مطر
باردة، غسلت وجه الأرض، حتى سرت في عروقها طاقة متجددة، وغمرها نشاط مباغت أحيا في
قلبها بهجة الطفولة.
لم تمض دقائق حتى تبللت ملابسها وحقيبتها
المدرسية، فانتفضت بقوة كما ينتفض العصفور الذي بلله القطر. في تلك اللحظة، حن
قلبها الصغير الى خوض مغامرة غامرة في أحضان الطبيعة . ارتدت الطرقات المتعرجة في
مخيلتها حلة شعرية ساحرة، ولم تقو على المقاومة، فانسلت وراء شغفها العفوي، تاركة
خلفها روتين الصباح .
وفجأة ضربتها الريح العاصف بعنف، فجذبتها
وطيرتها، يمينا وشمالا الى جوانب الطريق، كالورق الجاف تحت الشجر، في خريف غاضب .
في تلك اللحظات القاسية أحست بجسدها الضئيل كلوح زجاج هش، ما لبث أن تكسر وتناثرت
شظاياه الحادة، في أعماقها . ومع اشتداد البرد، أخذت أنفاسها اللاهثة، تتناغم مع
اصطكاك أسنانها وارتجاف أوصالها، وكأنها تصارع البقاء .
ما أن تلاشت العاصفة، حتى وجدت نفسها تتوقف
مشدوهة، قبالة بيت غامض . كان يربض في باحته كبش أقرن، ذو قرون ملتفة، وقبالته
تماما، كبش أجم، لا قرون له، كأنهما حارسان لسر قديم. تملكتها الدهشة، وعقد الخوف
لسانها، فما كانت قد رأت هذا البيت قط من قبل، رغم اعتيادها اليومي على السير في
هذا الطريق . زاد من حيرتها وتوجسها، تلك البقعة التي بني فيها، فقد كانت أرضا
مقفرة، موحشة وخالية، لا يكاد يمر منها كبد رطب، وكأن البيت قد نبت من تحت الأرض،
في تلك اللحظة .
دفعها فضولها القاتل، فتقدمت خطوتين وجلتين،
نحو باحة البيت . كان المكان يغرق في هدوء مطبق وموحش، جعل فرائصها ترتعد خوفا من
المجهول . وفي تلك اللحظة الرهيبة، ومضت في ذهنها فكرة غريبة، اذ بدت لها حياتها –
وحياة البشر أجمعين – أقرب ما تكون الى خط مستقيم، يسير بانتظام الى جانب خط آخر،
يمضي في اتجاه مغاير . لكن الخطين متوازيان تماما، ومهما امتدا، فلن يلتقيا أبدا .
-يا للهول ! كبش أقرن، كحية عمياء، مكتنز
الجسم وذو بنية خارقة . رغم ملامح الاستكانة والهدوء التي بدت عليه، الا أنه كان
يبطن تحتهما خبثا غادرا، ومكرا لا حدود له . وفي لحظة صمت واخلاد، برقت عيناه
كشموع لاهبة، واندفع يضرب ويبطش، على غير هدى . هذا ما اقترفته يداه.... فلم يكن
هناك ما هو أشر منه، ولا أحذق منه صنعة، رغم أنهم أنهكوه ضربا، مرارا وتكرارا .
أما الكبش الأجم، فكان ذا وجه باسم، يفيض رقة وعذوبة، كأن ضوءا خجولا يتسلل على
وجنتيه . وأمام هذا التناقض الصارخ، عوت الأسئلة الحائرة في رأسها .
همست في سرها: " ولكنني موجودة هنا، رغم
كل شيء !. " . في البدء، همت بالعودة أدراجها خوفا، لكنها سرعان ما سمعت صوتا
نشازا، كسر هدوء الباحة المطبق . جاءها الصوت من بعيد، واهنا، ولكنه نافذ، همسا
غامضا، لا يشبه لغة البشر . بل كان أقرب الى نداء خفي، ينبعث من أعماق الباحة .
شعر جسدها بالقشعريرة، حينما أحست أن هذا النداء، لا يتردد في الهواء فحسب، بل
يتردد في أعماق روحها، وكأن هناك من يناديها باسمها، أو يدعوها لتقطع ذلك الخط
المستقيم، وتخطو نحو المجهول . تجمدت الدماء في عروقها، لكن الفضول الطفولي
داخلها، ظل يدفعها لتعرف مصدر هذا الهمس السري .
انتبذت مكانا قصيا، تتأمل منه تلك الناحية،
التي انبعث منها النداء، وأخذت تمعن النظر في تفاصيل هذا الحيز المكاني الغامض .
ومع رغبتها في التقدم واستكشاف ما يجري، تحفزت حواسها كلها، فامتزج سمعها بنظرها
تماما كالطفل الصغير الذي يتبع بخطاه الفضولية، أشياء جديدة ومجهولة . في تلك
اللحظة، حبست أنفاسها، وتسمعت :
-ما أتعس النجوم اذا عجزت عن الجواب !
انطلقت تلك العبارة في الفضاء، فصوبت نظراتها
الحائرة والمتسائلة، نحو الكبش الأجم، أهو هذا الكائن الوديع الذي نطق بتلك
الكلمات الشجية المؤثرة ؟
أم أنه خيل اليها أنها سمعتها تتردد وسط صخب
زمجرة الرياح العاتية ؟ . أخذت تغالب حيرتها في صراع كاد يمزق عقلها، وهي تتساءل
بنفاذ صبر : هل قيلت تلك الكلمات حقا، أم أنها مجرد وهم ؟ . حدقت مليا في فراغ
الباحة، وفي تلك اللحظة بالذات، وقع بصرها على لا فتة عتيقة، معلقة في صدر المكان،
كتب عليها بخط بارز : " من معاني العقل الادراك " . :
لقد تملكتها في تلك اللحظة رغبة عارمة، تشبه
رغبة الشخص المنفتح في التعبير عن أعمق انطباعاته الحميمية، فثمة صوت بعيد غائر في
النفس، هو ذاته الذي يملك القدرة على تحريك أعماق وجودنا، وتشكيل مصائرنا. ( وفجأة
تجسد الصراع في حوار حاد هز أركان الصمت )
-" سأهزمك، وسأحولك الى انسانة مختلفة !
." ( هكذا جاء الوعيد قاطعا .)
-فانتفضت ترد بكبرياء : لا .. لا .. لم ولن أسمح لك بأن تغير حياتي ! ألأنني سامحتك كثيرا،
وتغاضيت عن اساءاتك، تظن أنني ساذجة ؟ . حتى وان هزمتني، فلن تكسرني أبدا، ولن
تحولني الى شخص لا يشبهني ! ."
-فارتفع الصوت مهددا ومتفاخرا بسلطته :
" كيف تتحدينني ؟ وأنا الذي أخلف في كل مكان أصداء مخالبي ! ."
-فأجابت بثبات وعينان تشعان باليقين : "
سأتعامل معك ببصيرتي قبل بصري، وبعمقي قبل عاطفتي، وبعقلي قبل قلبي، وبحكمتي قبل
تسرعي ! ."
-هنا( تراجع الصوت قليلا وارتدى قناع اللين
مراوغا ) : " ان نواياي جيدة تجاهك..."
( لكنها حسمت الأمر بصرامة لا رجعة فيها ) :
-"مهما سمعت منك من تأكيدات على حسن
نواياك ومقاصدك، فانها بالنسبة لي ستبقى مجرد كلمات، رهن امتحان الفعل ! ."
خيم الصمت عليهم
ردحا من الزمن، قبل أن ينبثق من غياهب القصة القصيرة، ذلك الصوت المألوف الذي
وعيناه جميعا . انه صوت تلك التي ترعرعت خارج حدود الزمن، اذ بادرت قائلة : -انكما
تمثلان ظاهرة إنسانية فريدة، تفتح أمام بصائرنا أفقين متباينين .
-من أنت ؟
-أنا ابنة الحياة
!
هنا، انبرى الكبش
الأقرن هائجا، وهو يصخب بمقالته :
-لأمزقن جسدك
ندبا، فما أحسنت معي ضبط المسافات، ولا أتقنت هندسة التوقيت !
فأجابته بهدوء :
-أعلم يقينا أن
الندوب تشق الأجساد في كل صقع، ومع اشراقة كل غد .
ثم انعتقت من
بوتقة الزمن، ومضت تسافر في الآفاق، تلتمس عند النجوم جوابا، في ذلك الفضاء
المنزه، والمحرك الأزلي للحياة الروحية .
حينها، تنفس الكبش
الأجم الصعداء، وتمتم : " أنا الوجه المعمر، وأنت الوجه المدمر. بتضادنا نصنع
توازن هذا الوجود . لكن لا عليك يا نقيضي، فمن الزعاف يستخلص الترياق، فالصحة هي
الأصل، والسقم هو الاستثناء، والظلام ليس الا متمما للنور ."
وقف الكبش الأقرن
مشدوها، ثم همس بصوت خافت : " حين يمتد بيني وبينك جسر تواصل سليم، يهتدي
المرء الى سر الاختيار، ويقبض على ميزان التوازن بيننا. لكنه حين يفقد الادراك،
يغزل خيارا مشوها، وواقعا متنافرا، ينفي به نفسه خارج الفطرة ."
ومع دقات السابعة
صباحا، نهضت تخطو نحو وعيها الجديد، وتمتمت : كأنني كبرت في غفلة من الزمن... انه
ليس سوى وهم التوازن! خطان متوازيان نحن، لا يلتقيان، ويقرق بيننا طريق طويل
."
كان النسيم العليل
قد بدأ يطيب، وتسري نفحاته بين عروقي. بينما النجوم تتماوج أمام عيني، مددت يدي
لأمسكها، لكنها زاغت مني، فلوحت لها بيدي....
" هيه !!
" ... خرج صوتها متسائلا: " من الذي يعدو آتيا صوبك ؟ "
استدرت ملتفة، فاذ
بالكبش الأقرن قد انطوى على نفسه، وتزاحمت سيول من الكلمات في حنجرته، وهو يمسح
المكان بعينين يرنو بهما ناحية النجوم .
ديوان نمر سعدي الجديد "سرابُ التباريح":