الأربعاء، 15 يوليو 2026

صدر حديثا : إلى الله - ولو بعد حين- للكاتبة نردين شاهين

 







صدر حديثا ؛ عن دار سهيل عيساوي للطباعة والنشر ، كتاب " إلى الله - ولو بعد حين- للكاتبة نردين شاهين ، مراجعة لغوية الأستاذ ذياب لهواني. يقع الكتاب في 96 صفحة من الحجم المتوسط.

جاء في خاتمة الكتاب " في ختام هذا الطريق ، لم تكن الحكاية مجرد انتقال من غفلة إلى يقظة ، ولا من ابتلاء إلى ثبات ، بل كانت رحلة قلب تعلم كيف يحب الله حقا ، وكيف يسير إليه مهما تعثر . وإن تعاقبت عليك المحن ، وتقلبت بك الأيام فاعلم أن الله لم يتركك، بل كان يربيك لتقترب ويهديك لتثبت ، ويبتليك ليطهرك ". وورد في تظهير الكتاب " حرفا بحرف ، سكبت هذه الصفحات لتناجي سويداء القلب ، قبل أن تخاطب العقل ،لم تكتب لتقرأ فحسب ، بل لتعاش بحسك ، ولتوقظ في أعماق روحك ذلك الشوق الدفين إلى من لا تستقيم الحياة ولا تصفو ، إلا بقربه ".
من مواضيع الكتاب ؛ الغفلة ، اليقظة ، التوبة ،الابتلاءات ، الثبات في زمن الفتن ، القرآن الكريم ، حب الله.










وهم التوازن بقلم : بسمة ججيني - نعامنة

 

وهم التوازن  

                      بقلم  :  بسمة ججيني - نعامنة 
 

قبيل ثوان من دوي المنبه، انتفضت من فراشها فزعة. الأنفاس المتلاحقة وصوت دقات قلبها كانا يخبرانها أن هذا اليوم لن يشبه أي يوم آخر، لقد اخترقت عقلها كلمات غامضة من ذلك الحلم، وبقيت تتلجلج في صدرها .

كعادتها في كل صباح غادرت منزلها، لتبدأ رحلتها اليومية . كانت تسير بخطى ثابتة عبر الطريق الممهد، الذي يلتف صاعدا نحو مدرستها القابعة في أعلى التلة، كحصن منيع. وفجأة انشقت السماء عن قطرات مطر باردة، غسلت وجه الأرض، حتى سرت في عروقها طاقة متجددة، وغمرها نشاط مباغت أحيا في قلبها بهجة الطفولة.

لم تمض دقائق حتى تبللت ملابسها وحقيبتها المدرسية، فانتفضت بقوة كما ينتفض العصفور الذي بلله القطر. في تلك اللحظة، حن قلبها الصغير الى خوض مغامرة غامرة في أحضان الطبيعة . ارتدت الطرقات المتعرجة في مخيلتها حلة شعرية ساحرة، ولم تقو على المقاومة، فانسلت وراء شغفها العفوي، تاركة خلفها روتين الصباح .

وفجأة ضربتها الريح العاصف بعنف، فجذبتها وطيرتها، يمينا وشمالا الى جوانب الطريق، كالورق الجاف تحت الشجر، في خريف غاضب . في تلك اللحظات القاسية أحست بجسدها الضئيل كلوح زجاج هش، ما لبث أن تكسر وتناثرت شظاياه الحادة، في أعماقها . ومع اشتداد البرد، أخذت أنفاسها اللاهثة، تتناغم مع اصطكاك أسنانها وارتجاف أوصالها، وكأنها تصارع البقاء .

ما أن تلاشت العاصفة، حتى وجدت نفسها تتوقف مشدوهة، قبالة بيت غامض . كان يربض في باحته كبش أقرن، ذو قرون ملتفة، وقبالته تماما، كبش أجم، لا قرون له، كأنهما حارسان لسر قديم. تملكتها الدهشة، وعقد الخوف لسانها، فما كانت قد رأت هذا البيت قط من قبل، رغم اعتيادها اليومي على السير في هذا الطريق . زاد من حيرتها وتوجسها، تلك البقعة التي بني فيها، فقد كانت أرضا مقفرة، موحشة وخالية، لا يكاد يمر منها كبد رطب، وكأن البيت قد نبت من تحت الأرض، في تلك اللحظة .

دفعها فضولها القاتل، فتقدمت خطوتين وجلتين، نحو باحة البيت . كان المكان يغرق في هدوء مطبق وموحش، جعل فرائصها ترتعد خوفا من المجهول . وفي تلك اللحظة الرهيبة، ومضت في ذهنها فكرة غريبة، اذ بدت لها حياتها – وحياة البشر أجمعين – أقرب ما تكون الى خط مستقيم، يسير بانتظام الى جانب خط آخر، يمضي في اتجاه مغاير . لكن الخطين متوازيان تماما، ومهما امتدا، فلن يلتقيا أبدا .

-يا للهول ! كبش أقرن، كحية عمياء، مكتنز الجسم وذو بنية خارقة . رغم ملامح الاستكانة والهدوء التي بدت عليه، الا أنه كان يبطن تحتهما خبثا غادرا، ومكرا لا حدود له . وفي لحظة صمت واخلاد، برقت عيناه كشموع لاهبة، واندفع يضرب ويبطش، على غير هدى . هذا ما اقترفته يداه.... فلم يكن هناك ما هو أشر منه، ولا أحذق منه صنعة، رغم أنهم أنهكوه ضربا، مرارا وتكرارا . أما الكبش الأجم، فكان ذا وجه باسم، يفيض رقة وعذوبة، كأن ضوءا خجولا يتسلل على وجنتيه . وأمام هذا التناقض الصارخ، عوت الأسئلة الحائرة في رأسها .

همست في سرها: " ولكنني موجودة هنا، رغم كل شيء !. " . في البدء، همت بالعودة أدراجها خوفا، لكنها سرعان ما سمعت صوتا نشازا، كسر هدوء الباحة المطبق . جاءها الصوت من بعيد، واهنا، ولكنه نافذ، همسا غامضا، لا يشبه لغة البشر . بل كان أقرب الى نداء خفي، ينبعث من أعماق الباحة . شعر جسدها بالقشعريرة، حينما أحست أن هذا النداء، لا يتردد في الهواء فحسب، بل يتردد في أعماق روحها، وكأن هناك من يناديها باسمها، أو يدعوها لتقطع ذلك الخط المستقيم، وتخطو نحو المجهول . تجمدت الدماء في عروقها، لكن الفضول الطفولي داخلها، ظل يدفعها لتعرف مصدر هذا الهمس السري .

انتبذت مكانا قصيا، تتأمل منه تلك الناحية، التي انبعث منها النداء، وأخذت تمعن النظر في تفاصيل هذا الحيز المكاني الغامض . ومع رغبتها في التقدم واستكشاف ما يجري، تحفزت حواسها كلها، فامتزج سمعها بنظرها تماما كالطفل الصغير الذي يتبع بخطاه الفضولية، أشياء جديدة ومجهولة . في تلك اللحظة، حبست أنفاسها، وتسمعت :

-ما أتعس النجوم اذا عجزت عن الجواب !

انطلقت تلك العبارة في الفضاء، فصوبت نظراتها الحائرة والمتسائلة، نحو الكبش الأجم، أهو هذا الكائن الوديع الذي نطق بتلك الكلمات الشجية المؤثرة ؟

أم أنه خيل اليها أنها سمعتها تتردد وسط صخب زمجرة الرياح العاتية ؟ . أخذت تغالب حيرتها في صراع كاد يمزق عقلها، وهي تتساءل بنفاذ صبر : هل قيلت تلك الكلمات حقا، أم أنها مجرد وهم ؟ . حدقت مليا في فراغ الباحة، وفي تلك اللحظة بالذات، وقع بصرها على لا فتة عتيقة، معلقة في صدر المكان، كتب عليها بخط بارز : " من معاني العقل الادراك " . :

لقد تملكتها في تلك اللحظة رغبة عارمة، تشبه رغبة الشخص المنفتح في التعبير عن أعمق انطباعاته الحميمية، فثمة صوت بعيد غائر في النفس، هو ذاته الذي يملك القدرة على تحريك أعماق وجودنا، وتشكيل مصائرنا. ( وفجأة تجسد الصراع في حوار حاد هز أركان الصمت )

-" سأهزمك، وسأحولك الى انسانة مختلفة ! ." ( هكذا جاء الوعيد قاطعا .)

-فانتفضت ترد بكبرياء : لا .. لا .. لم ولن  أسمح لك بأن تغير حياتي ! ألأنني سامحتك كثيرا، وتغاضيت عن اساءاتك، تظن أنني ساذجة ؟ . حتى وان هزمتني، فلن تكسرني أبدا، ولن تحولني الى شخص لا يشبهني ! ."

-فارتفع الصوت مهددا ومتفاخرا بسلطته : " كيف تتحدينني ؟ وأنا الذي أخلف في كل مكان أصداء مخالبي ! ."

-فأجابت بثبات وعينان تشعان باليقين : " سأتعامل معك ببصيرتي قبل بصري، وبعمقي قبل عاطفتي، وبعقلي قبل قلبي، وبحكمتي قبل تسرعي ! ."

-هنا( تراجع الصوت قليلا وارتدى قناع اللين مراوغا ) : " ان نواياي جيدة تجاهك..."

( لكنها حسمت الأمر بصرامة لا رجعة فيها ) :

-"مهما سمعت منك من تأكيدات على حسن نواياك ومقاصدك، فانها بالنسبة لي ستبقى مجرد كلمات، رهن امتحان الفعل ! ."

 

خيم الصمت عليهم ردحا من الزمن، قبل أن ينبثق من غياهب القصة القصيرة، ذلك الصوت المألوف الذي وعيناه جميعا . انه صوت تلك التي ترعرعت خارج حدود الزمن، اذ بادرت قائلة : -انكما تمثلان ظاهرة إنسانية فريدة، تفتح أمام بصائرنا أفقين متباينين .

-من أنت ؟

-أنا ابنة الحياة !

هنا، انبرى الكبش الأقرن هائجا، وهو يصخب بمقالته :

-لأمزقن جسدك ندبا، فما أحسنت معي ضبط المسافات، ولا أتقنت هندسة التوقيت !

فأجابته بهدوء :

-أعلم يقينا أن الندوب تشق الأجساد في كل صقع، ومع اشراقة كل غد .

ثم انعتقت من بوتقة الزمن، ومضت تسافر في الآفاق، تلتمس عند النجوم جوابا، في ذلك الفضاء المنزه، والمحرك الأزلي للحياة الروحية .

حينها، تنفس الكبش الأجم الصعداء، وتمتم : " أنا الوجه المعمر، وأنت الوجه المدمر. بتضادنا نصنع توازن هذا الوجود . لكن لا عليك يا نقيضي، فمن الزعاف يستخلص الترياق، فالصحة هي الأصل، والسقم هو الاستثناء، والظلام ليس الا متمما للنور ."

وقف الكبش الأقرن مشدوها، ثم همس بصوت خافت : " حين يمتد بيني وبينك جسر تواصل سليم، يهتدي المرء الى سر الاختيار، ويقبض على ميزان التوازن بيننا. لكنه حين يفقد الادراك، يغزل خيارا مشوها، وواقعا متنافرا، ينفي به نفسه خارج الفطرة ."

 

ومع دقات السابعة صباحا، نهضت تخطو نحو وعيها الجديد، وتمتمت : كأنني كبرت في غفلة من الزمن... انه ليس سوى وهم التوازن! خطان متوازيان نحن، لا يلتقيان، ويقرق بيننا طريق طويل ."

 

كان النسيم العليل قد بدأ يطيب، وتسري نفحاته بين عروقي. بينما النجوم تتماوج أمام عيني، مددت يدي لأمسكها، لكنها زاغت مني، فلوحت لها بيدي....

" هيه !! " ... خرج صوتها متسائلا: " من الذي يعدو آتيا صوبك ؟ "

استدرت ملتفة، فاذ بالكبش الأقرن قد انطوى على نفسه، وتزاحمت سيول من الكلمات في حنجرته، وهو يمسح المكان بعينين يرنو بهما ناحية النجوم .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الجمعة، 10 يوليو 2026

ديوان نمر سعدي الجديد "سرابُ التباريح": محاولةٌ لكسر ماء الكناية وكتابةِ الأشياء بالمجازات

 ديوان نمر سعدي الجديد "سرابُ التباريح":

محاولةٌ لكسر ماء الكناية وكتابةِ الأشياء بالمجازات







صدر حديثا ؛ عن دار سهيل عيساوي للطباعة والنشر ، ديوان "سرابُ التباريح" للشاعر نمر سعدي. تصميم الفنانة المصرية رانيا عبد الله ، يقع الديوان في 86 صفحة من الحجم المتوسط ، ويتوزع على أبواب شعريَّة كثيرة مرقَّمة بالأرقام اليونانية. منها سيرةُ الضلِّيل، كأن قصائدي ريح، أجمل الناجيات من الحب، سراب التباريح، القصيدة تأخذني من يدي... وغيرها
من عناوين القصائد، بنفسجات الملح، لغة العناق، بيات شعري، هاوية الشغف، نسوة السراب، خارطة الأنوثة، عباد شمس الماء، أيلول عطر الوقت، مطر أول، كأن قصائدي ريح، ضجر السنونو، سيضيق ماء قميصك الشفاف، حلم، أرى وجهي على حجر، قمر التأنيث، أجمل الناجيات من الحب، كعاشق صورته في الماء، هل في القلب متسع؟ القصيدة تأخذني من يدي، مترع كأسي بعينيْ من أحب، ضفيرة، أنا ابن عبير دخان القرى، في البرد أفتح وردة، أغالب مجرى حنيني، النوافذ آهلة بالطيور، عناق ضيق، عيناي من شغف قبلتان، هل أحنُّ لسيجارة؟ البَّكاء.
ترجمت بعض قصائد نمر سعدي لعدة لغات منها الرومانية والإنجليزية والفرنسية والصينية، ونشر نتاجه في عدة مواقع إلكترونية ومنتديات ومجلات عربية، كما قد كُرِّم من قبل عدة منتديات ومؤسسات.
وتجدر الإشارة أن لنمر سعدي ما يزيد عن عشرين ديوان شعر جمعها في أربعة عشر كتاب شعري منذ 2005 حتى 2026.. ابتداء ب "عذابات وضاح آخر" وصولاً إلى "سراب التباريح". وله ثلاثة كتب نثرية منشورة موزعة بين النصوص والمقالات واليوميات والشذرات وكتابان نثريان مخطوطان.
وهنا قائمة بمؤلفاته ومؤلفات نقدية عنه
الدواوين الشعرية:
عذابات وضَّاح آخر / 2005 / مطبعة فينوس/ الناصرة
موسيقى مرئية / 2008 / منشورات مجلة مواقف/ الناصرة
كأني سواي / 2009 (ديوان في ثلاثة أبواب / 1 كأني سواي / 2 نقوش على جناح نورسةٍ زرقاء/ 3 أزهار أولى) منشورات دائرة الثقافة العربية / دار الوادي للنشر والتوزيع / حيفا
يوتوبيا أنثى / 2010 / منشورات مركز أوغاريت للترجمة والنشر / رام الله
ماء معذَّب / 2011 / منشورات مجلة مواقف / الناصرة
وقتٌ لأنسنةِ الذئب / 2014 / دار النسيم للنشر والتوزيع/ القاهرة / مصر
تشبكُ شَعرها بيمامةٍ عطشى / 2014 / دار النسيم للنشر والتوزيع / القاهرة / مصر
وصايا العاشق / 2014 / دار النسيم للنشر والتوزيع / القاهرة / مصر
موسيقى مرئية / طبعة ثانية / 2015 / دار سؤال/ بيروت / لبنان
رمادُ الغواية / 2017 / نادي الباحة الأدبي / المملكة العربية السعودية / بالتعاون مع دار الانتشار العربي / لبنان
استعارات جسديَّة / 2018 / دار العماد للنشر والتوزيع ومركز عماد قطري للإبداع والتنمية الثقافية / مصر
تقاسيم على مقام الندم / 2019 / روافد للنشر والتوزيع / القاهرة / مصر
استعارات جسديَّة / طبعة ثانية / 2021 / دار دلمون الجديدة للنشر والتوزيع / دمشق / سوريا
نساءٌ يرتِّبنَ فوضى النهار / 2021 / وزارة الثقافة الفلسطينية / رام الله
ظلالٌ مضاعفةٌ بالعناقات / 2024 / دار راية للنشر والترجمة / حيفا
ساعي بريدِ اللهفة / 2025 / دار النهضة للطباعة والنشر / الناصرة
سرابُ التباريح / 2026 / دار سهيل عيساوي للطباعة والنشر / كفر مندا
المؤلفات النثريَّة:
غبارُ الوردة (نثر) / 2019 / روافد للنشر والتوزيع / القاهرة / مصر
كحلُ الفراشة (نثر) / 2019 / روافد للنشر والتوزيع / القاهرة / مصر
بيتٌ لغيمِ النوارس (نثر) / 2023 / دار كنعان للدراسات والنشر / دمشق / سوريا
مؤلفات نقديَّة عن نمر سعدي
ذاكرة لازورديَّة "قراءات وشهادات في تجربة نمر سعدي الشعريَّة" لمجموعة من المؤلفين / دار روافد للنشر والتوزيع / 2019 / مصر
جسدُ الماء ورقرقةُ القصيدة "قراءات وشهادات في تجربة نمر سعدي الشعريَّة" لمجموعة من المؤلفين / دار سهيل عيساوي للطباعة والنشر / كفر مندا
يحيل ديوان "سرابُ التباريح" إلى شعريَّة المجاز والوهم التي تسيطر على نصوصه؛ حيث ينسج الشاعر عوالمه الحالمة من صور السراب، الصدى، والظلال ليعبر عن قضايا الوجود والحنين، مستخدماً "التباريح" كوصف لحالة العشق والتوق والتحولات المستمرة في القصيدة. ومن أبرز ملامح هذا البعد الشعري شعريَّة السراب إذ يوظف الشاعر الوهم والسراب كأداة لخلق عالم إنساني بديل وحالم، متجاوزاً الواقع اليومي ومحاكاة الأشياء إلى عمق الرؤيا الباطنية.
ويتجلَّى سراب الكناية في قصيدة سعدي عن المرأة والمجاز بأسلوب فريد، حيث ينتقل بالقارئ من ترتيب فوضى الأشياء والأنوثة إلى "التباريح"، وهو مصطلح يحيل إلى الشوق واللوعة ومكابدات العشق. فنراه يبتعد في نصوصه عن الغزل التقليدي المباشر، ليدخل في تجربة صيرورة لغوية معقدة تشبه "المجاز الذي يطير بأجنحة من الخيال".
تحفل لغة سعدي بكلمات تحمل دلالات العدم والظل والصدى، حيث يطرح تساؤلات وجودية عميقة حول هوية الأنا والغياب.
وقد تناول عدد من النقاد العرب هذه الظاهرة بالتفصيل، مثل الناقدة الدكتورة ميرنا الشويري في دراستها "شعريَّة السراب عند الشاعر نمر سعدي".
يتميز شعر نمر سعدي بغنائية عالية ولغة عاطفية تنبض بالحنين، ويمزج ببراعة بين التراث والذات. كما يبرز في نصوصه أسلوب مميز من روحه المبدعة، مع ميل واضح لإتقان شعر التفعيلة الذي يعتبره "الوريث الشرعي" للشعر العربي.
تطغى على شعريته اللغة الحارَّة والموحية التي تميز شعره. ويتميز الشاعر بقدرته الفائقة على استخدام سحر اللغة وإيحاءاتها، واستبطان تفاصيل الراهن للإبحار في أعماق الماضي بلغة عاطفية ملموسة ودافئة فيها من العمق الوجداني والروحاني ما فيها.
تعكس قصائده وجداناً عميقاً يتأمل في الحب، والشغف، وتفوح منها روحانيات تنقل القارئ إلى فضاءات الحنين و"مياه الأحلام". وعوالم التصوف والوجد الصوفي. ويبرز حضور المكان الجليلي وطبيعة الجليل التي تركت أثرا كبيرا في شعره، حيث يعبر سعدي عن بيئته الجليلية وجمال قريته الواقعة شرق مدينة حيفا بطرق تصويرية فريدة.
وقصيدته مشغولة بتوظيف الأساطير والرموز والأقنعة فهو يمزج بين الرمز والواقع، ويستخدم القناع الشعري بذكاء، مثل استدعاء شخصيات أدبية وتاريخية (كقناع السندباد أو امرأ القيس) للتعبير عن الذات الفلسطينية. وهو دائم التأمل في جدوى الشعر في عصر الهواتف الذكية.
يضع نمر سعدي القصيدة موضع مساءلة، حيث يعكس قلقاً إبداعياً صادقاً حول قدرة الكلمة على مواجهة قسوة العالم وقبح الواقع المرير الذي يحياه المواطن العربي البسيط.
برز سعدي في المشهد الثقافي منذ تسعينيات القرن الماضي، ويُعرف بأسلوبه الشعري الغنائي الحارّ الذي يدمج بين الرؤى الصوفية، واللغة العاطفية المتدفقة، واستدعاء المراجع التراثية العربية.
يتميز شعره بالتصوير الفني العميق، والقدرة على استبطان اللحظة الراهنة، والربط بينها وبين التاريخ والتراث بأسلوب يميل إلى التوهج الوجداني.
حظيت تجربته باهتمام النقاد العرب، وصدرت حولها دراسات وشهادات نقدية لكتّاب عرب تسلط الضوء على تفرد لغته وشعريته في خارطة الشعر الفلسطيني والعربي المعاصر.
ونقتطف من الديوان هذه القصيدة التي تمزج الحب بالهمِّ الإنساني الوجودي، وتلقي بعض الضوء على عتبات القصائد وثيماتها ودلالاتها وأجوائها.
حدِّثيني عن أنوثتكِ الوحيدةِ
العالم الوهميُّ حفلٌ ساذجٌ وتنكريٌّ للثعالبِ أو لقطعانِ الذئابِ، تنكريٌّ لا يُطاقُ، يصيرُ فيهِ اللِّصُ أنبلَ قومهِ والوغدُ قدِّيساً وتُنتحلُ الصفاتُ، كأنَّ بي وجعاً خفيفاً حينَ أغبطُ آخري المنسيَّ في إحدى جهاتِ الريحِ أو في برزخِ الرؤيا على هجرِ القصيدةِ باحثاً عن نفسهِ، أصغي لتسجيلاتهِ في هاتفي: "قمري مصابٌ بالكآبةِ.. رغبتي انطفأتْ، وروحي في مداراتِ السديمِ، ولم يعدْ لي في الكتابةِ ما أريدُ وما أفتِّشُ عنهُ في هذي الحياةِ.. سأقتفي جيتارةً موشومةً في كاحلِ امرأةٍ وأعتزلُ الهوى العذريَّ والشِعرَ المشبَّعَ بالضبابِ فربَّما أرتاحُ... "كانَ يحبُّ لوركا، حينَ تقطرُ وردةٌ حمراءُ في دمهِ بماءِ الذكرياتِ، وكانَ يهجسُ كلَّما صادفتهُ بقصائدِ الحلَّاجِ والنثرِ النسائيِّ الجميلِ وسردِ كافكا أو بأشياءِ السرابِ، يقولُ لي: "أحببتُ من أحببتُ، حتَّى تاهَ قلبي في الكنايةِ والمجازِ، وقلتُ في أوجِ الحنينِ لها امنحيني توتكِ البريَّ كي أمشي على ماءِ البحيرةِ في الظلامِ وحدِّثيني عن أنوثتكِ الوحيدةِ، حدِّثيني عن أنوثتكِ الشريدةِ، حدِّثيني عن رياحِ الخوفِ والقلقِ الوجوديِّ الجميلِ، عن النوافذِ حينَ ترجفُ حينما تهوي النجومُ على التخومِ، وجمِّليني بانتظارِ الحُبِّ في فصلِ الخريفِ، وساعديني كيْ أراكِ بلهفةِ الأعمى وأحملَ عنكِ طلعَ قصائدي أو وردَ غيمِ الحزنِ أو ياقوتةَ الأسرارِ في زمنِ الحروبِ المدلهمَّةِ والغباءِ الاصطناعيِّ الحديثِ إلى الأبدْ"