السبت، 24 أكتوبر 2026

وحدي شعر : آمال قزل

 وحدي 
******
شعر 
آمال قزل



لا مرآة لي
لأنظر الى وجهي
المنعكس على صفحة
الماء
وحدي...
أشاغل الحرف
  المشاغب..
في قيظ أو شتاء
وحدي...
تلفحني أشعة الشمس
وتلقيني..
عند خط الأستواء
وحدي العب مع الكون
لعبة ألأستغماء
فيعترضني الزمهرير  
ويصفعني الهواء
وتقف في طريقي
أشياءً وأشياء..
وحدي أسير
على الرمضاء
اتوغل في رمل
الصحراء
توقفني خيمة وخباء
وتناديني ليلى المريضةَ
وتسرفُ في النداء
فأركض مذعورة
لأجدهاوقد فارقت
الحياة عطشى 
لحب وقعت أسيرة
له وما من دواء..
وحدي .. 
حينما يأتي المساء
ويصمت الكون
الأ من وشوشات القمر
وهمس البحر وما تيسر
من رسائل الأنبياء
وحدي أصارع الحياة
وأحمل قلمي  شعلة
في ليالي حالكة ظلماء
أنيسي ورفيقي ومتلازمتي لأحمل
كل الوصايا
وأسير ويسير معي
كما يفعل الأستثنائيون الأوفياء... 


لورا يا بُعّار من الهَدِّة إلى الجورعة (من المصطلحات الجليليّة المندثرة في موسم جمع ثمار الزيتون) بقلم: صالح عقل خطيب

 
لورا يا بُعّار
من الهَدِّة إلى الجورعة
(من المصطلحات الجليليّة المندثرة في موسم جمع ثمار الزيتون)

                                                                                                 

                       بقلم: صالح عقل خطيب




من الهدّة إلى الجورعة؛ عنوان يُستلهم في بنيته من التعبير الشعبي «من طقّطقّ للسلام عليكم»، ليشير إلى رحلة كاملة لا تترك بين بدايتها ونهايتها أيّ مرحلة. في موسم الزيتون، تبدأ الرحلة بـ «الهدّة»، وهي اللفظة التي لا تُستعمل في لهجتنا لمجرد الذهاب إلى الزيتون، وإنما للدلالة على الدخول في موسم القطاف وبدء العمل فيه. وتنتهي بـ «الجورعة»، وهي التحلاية أو الاحتفال الذي كان يأتي عند الفراغ من الموسم.

وبين الهدّة والجورعة تختزن الذاكرة الشعبية عالمًا كاملًا من المصطلحات والعادات والعلاقات الاجتماعية التي رافقت موسم الزيتون، وبعضها لم يعد حاضرًا في المعاجم، لكنه بقي حيًّا في أفواه الناس. لم أتطرّق في هذه الجذاذة إلى ما اكتنزته الذاكرة من ألفاظ داخل المعصرة وتركتها بحث آخر.

"لورا يا بعّار" هي إحدى العبارات التي دخلت مسار الاندثار، كأخواتها: "دقّوا البُّعّار في الحامل" و "حطّت إجريه في القرطلة" و "دار فلان هَدُّوا ع الزتون" و "نازل من عيونه" و "الزتونة شافت خْيَالها" والشوّاحة والمفراط والعبّية وتقمير الشقاشيق والخلالات والجلطّي والعجيلات و"السنة منقرمزش تحتيّه" و"اتركوا البعاذير" وجورعنا و"تعكير المساطب" وغيرها من التراكيب الكلاميّة المحليّة التي تختلف من قرية لأخرى وشقّت طريقها إلى دائرة النسيان. لا يخفى علينا ضعف تمثيل "اللّغة الفلاحيّة" في المعاجم، لذلك حتَّمت ضرورةُ حفظها من النسيان، كتابةَ هذه المحاولة المتواضعة.

كتب الكثيرون عن شجرة الزيتون وأهميّتها وقدسيّتها وعن المعاصر وطرق تحضير الزيت في الماضي والحاضر، إلّا أنّهم لم يطرقوا، بالقدر الكافي، المصطلحات والعبارات المحليّة التي شاع استعمالها في موسم الخير.

بما أن شجرة الزيتون معروفة في حوض المتوسط منذ آلاف السنين، ولكي نفهم بعض المصطلحات الشائعة في موسم جمع ثمار هذه الشجرة المباركة، لا بدّ من الأخذ بالحسبان المزجَّ الحضاريّ الذي حصل بين شعوب المنطقة ولغاتهم المختلفة مع التركيز على منطقة شرق المتوسّط.

لا يخفى على معظم الناس أن زيت الزيتون استعمل للأكل والطبخ وللإضاءة ولدهن وتطرية الجلد وللطّب ولمسح الملوك والكهنة وهو رمز للسلام، لذلك قلّما نجد منطقةً بدون قاموس "مصطلحات زيتونيّة".

كثُرت الكلمات والمصطلحات التي يستعملها الفلاح في موسم الزيتون، وعلى الأغلب، لا نعرف أصلها اللغويّ. يُشار أنّ مصطلح "قطف الزيتون"، قليل الانتشار باللّهجات العاميّة الشرق أوسطيّة واستعماله نادرٌ عند القرويين في الجليل وشاع بدله "حواش الزيتون"، والفارق اللّغويّ بينهما كبير.

الكلمات التي شاع استعمالها قديمًا والتي تدلّ على عملية جمع ثمار الزيتون، يوجد لبعضها كلمات مقابلة في اللغة العبريّة والسُريانيّة/ الأراميّة أيضًا وهي من ذات الجذر:

عربي

عبري

آرامي/ سرياني

المعنى

خَبْط

חביטה

ܚܒܛ/ ḥbaṭ )حَبَط(

ضَرْب

مشق

מסיק

ܡܣܩܐ  / masqā) مَسْقَا)

سحب وجذب

تحليب

חליבה

ܚܠܒܐ  /ḥlabā) حِلبا)

تناوب حركة اليدين

تنقيف

נקיפה

ܢܩܦ / naqaf) نَقَف)

اسقاط ما بقي بعد الفرط

لقاط

ליקוט

ܠܩܛܐ /leqṭā)لِقتا(

جمع ما سقط على الأرض

بعارة

פיאור

ܒܥܪܐ) / ba‘rā بَعْرا(

جمع بقايا الثمر

فراط

 

 

انتزاع وتفريق سريع للثمر

جول

 

 

التنقل خلال لقط الثمر

حواش

 

 

ضمّ وإدخال وجمع

 

يشار أنّ كلمة "حواش" التي تستعمل لجمع مختلف أنواع الثمار وحتى، في بعض اللّهجات يقال "تحويش المال" أيضًا، أخذت مكانة صدارة في التعبير عن قطف ثمار الزيتون عن طريق توسيع دلالتها، فأصبح مصطلح "حواش الزيتون" بالعربيّة المحليّة شاملًا لكل أشكال القطف. يبدو أن كلمة «حَوَاش» تنتمي إلى جذر سامي قديم ḥ-w-š، كان يدل في أقدم طبقاته (كما في الأوغاريتية) على الحركة السريعة أو المبادرة، ثم تطوّر في اللغات الشمالية الغربية (مثل السريانيّة والعربيّة) ليعبّر عن الضمّ والإدخال والجمع، وهو ما انعكس في اللّهجات الزراعية بمعنى جمع الثمار ويقال للمكان الذي تُدخَل إليه حيوانات العمل بجانب البيت، حوش لأن فيه تُضمّ وتُجمّع تلك الحيوانات. نظير كلمة "حواش" في العبريّة كلمة מסיק، التي اتسعت دلالتها لتصبح المصطلح الشائع للتعبير عن جميع أشكال عمليّة القطف، فقالوا עונת מסיק הזיתים أي موسم قطف الزيتون دون الالتفات إلى شكل الجَنِي العينيّ بالذات.

لا يغيب عن ذهن المتمعّن بالجدول أعلاه، مدى دقّة اللّهجات الشائعة بين شعوب المنطقة وروعة الوصف في عمليّة القطف، فلكل شكل من أشكال العمل كلمة تدلّ على تلك العمليّة بالذات. لو نظرنا إلى كلمة تحليب نجدها مستعارةً من عمليّة حلب المواشي لأنّ في الحالتين يقوم الشخص بحركة مشابهة وهي التناوب بحركة اليدين لمشق أغصان الزيتون.

كلمة مَشْق في سياق قطف الزيتون ليست كلمة مبتكرة، بل هي تطوير دلاليّ مباشر للجذر العربي السامي (م ش ق) الذي يدلّ على السحب والجذب، وقد استُخدم لوصف الحركة الفيزيائيّة لاقتلاع الثمرة من الغصن. ويبدو أنّ هذا المعنى يمتدّ إلى جذور ساميّة أوسع، كما في السريانيّة ܡܫܩ (mšq)، وربما يقابله في الأكديّة الفعل mašāku بمعنى الجرّ، مما يعزّز أصالة المصطلح وقِدَم بُنيته الدلاليّة.

فيما يلي جدولًا يصنّف وصف عملية جني الثمار حركيًّا وكيفيّة تنفيذها:

الفعل

المعنى الحركي

الاستعمال الزراعي

المُنَفّذ والطريقة

فرط

نثر/فكّ

نزع الحب من الشجرة

الرجال بالعصا (المفراط)

تنقيف

اسقاط البواقي

نزع الحب من الشجرة

الرجال بالعصا (المفراط)

مشق/تحليب

جذب/سحب

قطف الزيتون باليد

نساء ورجال باليد

لقاط/جول

أخذ من الأرض

جمع ما تساقَطَ من الثمر

على الأغلب: نساء باليد

حواش

جمع وإدخال

تجميع المحصول

باليد او بمساعدة الفلّ (الفرش)

 

لأجل تسليط الضوء على سيرورة تسرب هذه الكلمات من حضارة إلى أخرى، نأخذ على سبيل المثال مصطلح (البِعارة والبُعّار) وهي من الكلمات التي شاع استعمالها وتأثّر بها أصحاب كروم الزيتون. لفهم المصطلح وعمليّة البعارة نفسها، لا بُدّ من طرح مجموعة أسئلة حول هذا الموضوع وكيفيّة التعامل بين البُعّار وأصحاب كروم الزيتون:

-        ما هو أصل هذه الكلمة؟

-        متى تبدأ عمليّة البعارة؟

-        هل لها ضوابط وقوانين؟

        هل تضايق أصحاب الكروم من البعّار؟ أم تعاطفوا معهم؟ وغيرها من الأمور التي قد تحصل بين الطرفين.  للإجابة على أصل كلمة بعارة، لا بد من الانتباه إلى مقابلاتها في العبريّة والسريانيّة:

كلمة بعارة تدل على عمليّة جمع بقايا الحبّ الذي بقي على الشجرة أو الذي نُسِيَ أو تُرِكَ على الأرض وخاصّة في أطراف محيط الشجرة وهو ما يُعرف بالبعاذير[1] (ما تبعثر من الثمار نتيجة الضرب بالعصا) كما ذُكر أعلاه لهذه الكلمة نظائر في لغات ساميّة أخرى ففي العبريّة פאורה وبالآراميّة/السريانيّة بعرا. يتبادر السؤال: هل توجد علاقة بين كلمة بعارة وبعر المواشي؟ نعم، بقايا حب الزيتون، إن كان على الشجرة أو على الأرض تكون متناثرة تمامًا كما بعر المواشي المتناثر لأنّها تُخرج فضلاتها وهي تمشي. يُشار أن في الموروث الدينيّ اليهودي توجد فريضة ترك قسم من المحاصيل الزراعيّة للغرباء والأرامل والأيتام فقد ورد في سفر التثنية (الآية 20:24)   "متى خبطتَ زيتونك، فلا تُراجع الأغصان وراءك. يكون للغريب واليتيم والأرملة"، لما فيه من تعزيز التكافل الاجتماعيّ والشفقة على الفقراء، وكثيرًا ما يطلب صاحب الكرم عندنا من الجوّالات أن يتركن البعاذير لينتفع بها البُعّار وليضمن نجاعة عمل أعلى من قِبَل الجوّالات.

كما ذكرنا، كلمة ܒܥܪܐ) / ba‘rā بَعْرا (الأراميّة تدل على ما تناثر وبقي بعد الجمع (الحواش) واسم الفاعل من الجذر "ب. ع. ر."  بَعّار (الذي يلتقط البقايا التي تبعثرت) وجمعها بُعّار. من المهم معرفته، أنّ البُعّار هم الأشخاص الذين ليس لديهم كروم زيتون فيضطرّون إلى جمع ما بقي بعد انتهاء الموسم، وهذه العملية تستمر أيام طوال ليتمكّن البَعّار من جمع أقلّ كمية ثمار زيتون تضمن له احتياج أسرته السنويّ من الزيت. لا ننسى أنّ معظم الناس لم تتمكّن من شراء مونة الأسرة السنويّة من الزيت، لذلك لجأوا إلى البِعارة رغم مشقّة العمل.

جدير بالذكر أنّ للبِعارة ضوابط وقوانين، فَـ "موسم البعارة"، كما هو متعارَف، من المفروض أن يبدأ بعد انتهاء قطف كروم الزيتون ليكون ما يُجمع من بقايا الموسم حلالًا. وهنا لا بد من الإشارة إلى أنّ بعض أصحاب كروم الزيتون كانوا يتركون بعض الثمر على الشجرة ويتركون البعاثير[2]  لتكون من نصيب البُعّار ، إلّا أنّ بعض البُعّار لم يلتزموا بالأعراف الزراعية المألوفة لعملية البِعارة، فكانوا يبدؤون عمليّة  البعارة خلال موسم القطف فيقال لمن يقترب من الزيتون قبل القِطاف "دقّوا البُّعّار في الحامل" ، الأمر الذي كان يُضايق أصحاب كروم الزيتون فيصرخون على من يقترب على كرمهم: "لورا يا بُعّار" معتبرين انّ البعارة قبل انتهاء قطف الثمار ما هو إلّا شكل من أشكال السرقة[3]، الأمر الذي اضطر المخاتير وفيما بعد المجالس المحليّة من استحداث وظيفة حارس لكروم الزيتون ولباقي المواسم الزراعيّة أسموه في بعض القرى (المخَضِّر)[4].

لو عرّجنا على المصطلح "جول الزيتون" لوجدنا أنّه المرادف لعملية لقاط أو لقط ثمار الزيتون بالأيدي. جَوْل/جُوْل الزيتون من الألفاظ العاميّة/الريفية المنتشرة في بلاد الشام، وهو قريب حركيًّا من عمليّة “اللِّقاط” (جمع يدويّ للثمار المتساقطة)، لكن له دلالة أوسع قليلًا. لو فحصنا أصل الكلمة لوجدنا أن الجذر العربي (ج و ل) يدلّ على الدوران والتنقّل في المكان أي الجَوَلَان والبحث، فنقول: جال في الأرض أي تنقّل فيها بحثًا أو تفتيشًا. بما أن المزارع يتجوّل بين الأشجار فصار “الجَوْل”: لفظةً تدل على عملية التنقّل في الحقل لجمع الزيتون يدويًا، سواء من على الأرض (لقاط) أو من الشجرة بدون أدوات مساعِدة، وبذلك فهو مصطلح يشمل الحركة بين الأشجار وجمع الزيتون يدويًا بشكل عام ومع مرور الزمن اقتصرت عملية الجول على تخصّص دلاليّ لتصبح موازية لعمليّة اللقاط وهي العمل الذي أُسنِد إلى النساء غالبًا فأصبحت الواحدة "جوّالة" وهي صيغة مبالغة[5].

 يشار أنّ مصطلح “اللِّقاط” في الأصل، أدقّ دلالةً من الجول ويعني جمع الثمار الساقطة فقط التي كسبت اسم "زتون جول" تمييزًا له عن "زتون الفراط" الذي يعتبر أكثر جودةً من الثمار التي تساقطت على الأرض وحصلت لها بعض الإصابات لذلك اكتسب زتون الجول، على الأغلب، اسم "العوّير" أي الذي تعوّر بسبب سقوطه على الأرض. زتون الجول لا يشمل ما تساقط صيفًا وأصبح ثمارًا يابسة جَعِدة وهو ما يُعرَف بالرمي الصيفيّ وزيته رديء ويسمّى في بعض البلدان "القحقيح"[6] وزيته يُخصّص لصناعة الصابون أو عند الضرورة للإضاءة. يشار أنّ في بعض السنين وعلى بعض الأشجار تبرز ظاهرة العجيلات وهي كون الثمار كرويّة وصغيرة الحجم ولا تصلح للكبيس أو العصر. وهذه الكلمة تطابق الكلمة العبرية עגול التي توصف الحبّات الكرويّة الصغيرة، وتسمّى الظاهرة بالعبريّة זטרת بسبب صِغَر الثمرة.

خلال عمل الأسرة في موسم الزيتون تستعمل كلمات ومصطلحات فيها استعارة وتشبيه مثل حطّت إجريه في القرطلة أي أنّ الجوّالة سبقت الفراط. من الطبيعي أنّ فرط الزيتون بالعصا سريع نسبيًّا لذلك بحاجة لعدّة نساء جوّالات لتعمل خلف الفرّاط ولتجمع ما فرطه على الأرض، لكن عندما تكون الجوّالة نشيطة وسريعة والفرّاط بطيء أو متكاسل فتضع قرطلّتها (وعاء تم صنعه عادةً من قضبان السريس الرفيعة) بجانبه فيقال حطّت إجريه في القرطلة كناية عن نشاطها وقدرتها على الجول السريع.

من المتعارف عليه أن بداية قطف الزيتون تكون بموعد متّفق عليه من قِبَل سكان القرية. يسمى هذا الموعد في معظم بلدان الجليل باسم "هَدِّة الزتون". في اللهجة الجليليّة يقال «فلان هَدّ على الزيتون» حصراً لأوّل يوم من موسم قطاف الزيتون، وليس للدلالة على الذهاب إلى الكرم أو مواصلة القطاف. هذا التعبير يشير إلى الهبوط/الانقضاض لإسقاط الثمر ويعكس الانتقال المفاجئ إلى مباشرة القطاف. عندما "يهدُّ" أحدهم يضطر بقية الناس إلى الانضمام والإعلان عن بداية الموسم، وقد يكون هذا الموعد غير مناسب لبعض المزارعين، لذلك غالبًا ما يقع عليه انتقاد المجموعة كعقاب مجتمعيّ. لنفهم تلك الإشكاليّة، لا بد من الانتباه إلى أن البُعّار ينتظرون أول شخص ينتهي من قطف كرمه ليكون لهم سبب لبدء عمليّة البعارة، ممّا يهدّد كروم جيرانه لعملية السرقة تحت غطاء البعارة، فيستنفرون المخضّر ليبدأ عمله منعًا لتلك الإشكاليّة.

من التعابير الدقيقة لوصف مدى جودة الموسم وغزارة المحصول، يقال نازل من عيونه تشبيها بالدموع الغزيرة أو يقال حامل كسر أي يُتوّقّع أن تتكسّر الأغصان من ثقل الثمار. ويقال أيضا في سياق توَقّع الموسم الجيّد أن الزيتونة شافت خْيالْها في ماء المطر أي أنها ارتوت جيّدًا لذلك يتوقّع أن الموسم القادم سيكون مباركًا.

في الوقت الحاضر لا قيمة لمخلّفات عصر الزيتون من جفت وعكر. أمّا في الماضي فاستعمل الجفت كمادّة وقود وخاصّة أنّ عمليّة العصر كانت غير ناجعة تمامًا فيبقى في الجفت بعض الزيت مما يساعد على الاشتعال. أمّا العكر يعتبر اليوم مشكلة أصحاب المعاصر فيدفعون للتخلّص منه. في الماضي استعمل القرويّون بعض العكر لتعكير مسطبة البيت ليتماسك تراب المسطبة منعًا للغبار وقت الكنس. ومن الطبيعي أن يعبق البيت برائحة العكر الكريهة لبضعة أيام.

بعد عناء موسم جمع ثمار الزيتون وإحضار السائل الذهبيّ إلى الجِرار، لا بد من احتفال الأسرة بطريقتها الخاصة وتُسَمّى الحلوى أو الوجبة الخاصّة جورعة، فعندما سُئِلنا فيما إذا كنا ما زلنا نقطف الزيتون، نقول: كل عام وأنتم بخير- جورعنا، أي انتهينا من الموسم وأكلنا الحلوى بهذه المناسبة.

فما أصل هذه الكلمة؟ تشير معظم المصادر التي تعنى بالموروث الزراعي في منطقة شرق المتوسط بأن جذر هذه الكلمة هو (ج ر ع) ومنها اشتقّت كلمة جرعة، وَالْــجُرْعَةُ مِنْ الْمَاءِ كَاللُّقْمَةِ مِنْ الطَّعَامِ، إلّا أنّ التجرُّع ما كان من السوائل! بعد فحص ورود كلمة جورعة في الموروث الشعبي، وجدت أنّ كلمة جورعة تستعمل للدلالة على ما يَمنح صاحب المحصول من محصوله الحصّادين أو من يلقطن السنابل من نساء وأطفال، عند انتهاء الموسم. وبذلك ليس بالضرورة أن تكون الجورعة من الحلوى وانما شكل من أشكال زكاة الزرع[7]. إذن نحن بصدد توسيع دلاليّ لكلمة جورعة، فهي التحلاية لأفراد الأسرة والعمال بمناسبة انتهاء الموسم وهي ما تجود به نفس الفلاح في المعصرة من ضيافة للبدّاد ولزملائه العمّال وهي ما يتركه صاحب الكرم أو الحقل لابن السبيل أو للّقاطات من النساء او الحصادين


[1]  جمعُها يستهلك وقتًا وتعبًا لا يستهان بهما إذا ما قارنّهما مع الكميّة القليلة لتلك البعاذير.

[2] حبّات الزيتون المتناثرة، تمييزًا لها عن حبات الزيتون الكثيرة والمتراكمة، التي أُسقِطَت عن الشجرة، وهي ما يُعرَف بالسَطَحَة أي ما بُسِطَ فيُغطي وجه الأرض تحت الزيتونة.  باللهجة الجليليّة تسمّى البعاثير بعاذيرًا

[3] تحاشى معظم الناس شراء زيتون أو زيت من البُعّار، لأنّه باعتبارهم مشكوك في مدى كونه حلالًا.

[4] كان المخضّر العدو اللدود لمن يسرقون ثمار الزيتون تحت غطاء البعارة. وفي بعض القرى كان يُسمّى الحوّاط. رغم أنّ الباحث الفلسطيني توفيق كنعان يقول إن وظيفة المخضّر في الأصل هي حراسة الزرع النامي فحسب، أعتقد أن أصل الكلمة هو المُحذِّر (من الجذر ح ذ ر) أي الذي يحذِّر البُعّار من الدخول إلى كروم الزيتون التي لم ينته أصحابها من قطافها. جدير بالذكر أن مهنة المخضّر هي الحراسة، ولا توجد علاقة دلاليّة بين الحراسة واللّون الأخضر، بل توجد علاقة دلاليّة بين الحراسة والتحذير.  يشار أنّ استبدال الحاء بالخاء شائع في بعض اللهجات مثل اسم الشمّام ففي بعض البلدان يُسمّى حرّوش وفي غيرها خرّوش. كذلك عند تفخيم الذال تلفظ ظاءً ولفظها قريبٌ من لفظ الضاد.  فتستبدل الذال بالضاد أو العكس مثل كلمة هذا تلفَظ في بعض اللهجات هاظ، لذلك ممكن أن كلمة مخضّر أصلها مُحذّر!

[5] إذا قارنّا بين الجوّالة والفرّاط نلاحظ أن الجوالة تتنقّل كثيرًا بالنسبة للفراط الذي صعد إلى الشجرة ليمشق الحب أو ليفرط بالعصا فيبقى في مكانه مدّة طويلة نسبيًّا

[6] لماذا قحقيح؟ لأن من يذوقه يبدأ بالسعال/القحّة. يقول البرغوثي عبد اللطيف محمود في "القاموس العربي الشعبي الفلسطينيّ - اللهجة الفلسطينيّة الدارجة" ص 979: وفي العاميّة نقول قحقح الشخص أو الحيوان: هَزَلَ حتى صار كأنه جلد وعظم.

 

[7] في هذه الحالة يوجد شبه مع ما يُترك من ثمر الزيتون للبعّار ومع الفريضة الدينيّة اليهوديّة المذكورة أعلاه