السبت، 8 أغسطس 2026

"النافذة التي لا تُغلق" [مرعي حيادري يكتب:]

 

"النافذة التي لا تُغلق"
""""""""""""""""""""""
[مرعي حيادري يكتب:]





في آخر بيتٍ عند أطراف القرية، كانت تقطن امرأة تجاوزت السبعين من عمرها. لم يكن بيتها يختلف عن سائر البيوت، سوى بنافذةٍ صغيرة بقيت مفتوحة ليلًا ونهارًا، في الصيف كما في الشتاء../
كان المارة يتساءلون عن سر تلك النافذة، ويظنون أن العجوز قد نسيت إغلاقها، أو أن الشيخوخة أخذت منها ما أخذت. أما هي، فكانت تبتسم كلما سمعت سؤالًا، ثم تغيّر الحديث دون أن تجيب../
مرت الأعوام، وتعاقبت الفصول، وبقيت النافذة على حالها. حتى الأطفال الذين كبروا وأصبحوا رجالًا، ظلوا يذكرون تلك النافذة المفتوحة كما يذكرون شجرة الزيتون العتيقة في ساحة القرية../
وذات مساء، انقطعت الكهرباء، وغرقت القرية في ظلام دامس. هبت عاصفة قوية، وأغلقت الرياح معظم الأبواب والنوافذ. وفي خضم ذلك الظلام، ضلّ طفل صغير طريقه وهو عائد إلى منزله../
أخذ يمشي باكيًا بين الأزقة، لا يدري أين يتجه. ولم يكن يرى أمامه سوى بصيص ضوء خافت يتسلل من نافذة بعيدة. سار نحوه حتى بلغ ذلك البيت،كانت العجوز قد أشعلت مصباحًا زيتيًا ووضعته بمحاذاة النافذة، كعادتها كل ليلة../
طرقت الأم بابها بعد ساعة وهي تحتضن طفلها الذي وجده الناس جالسًا إلى جوار العجوز، يشرب كوبًا من الحليب وقد هدأت دموعه../
في صباح اليوم التالي، سألها مختار القرية: "أكنتِ تعلمين أن الطفل سيضيع الليلة؟"
ابتسمت وقالت: "لا... لكنني تعلمت منذ زمن أن الظلام لا يعلن موعد قدومه، ولذلك أبقي نافذتي مفتوحة، فلعل ضوءًا صغيرًا يهدي تائهًا لا أعرفه.."/
ساد الصمت بين الحاضرين، ولم يجد أحد ما يقوله.، ومنذ تلك الليلة، لم تعد النافذة موضع استغراب، بل أصبحت علامة يعرف بها العابرون البيت الذي لا يُغلق قلبه قبل أن يغلق بابه../
"

صدى صوت امرأه بقلم- ازدهار عبد الحليم الكيلاني

 

   صدى صوت امرأه
 بقلم- ازدهار عبد الحليم الكيلاني





امرأةٌ من المدينةِ انتقلتْ للعيشِ في القريةِ مع زوجها وأطفالها، نتيجة ظرفٍ طارئٍ فلكلِّ ظرفٍ حكمتهُ.

لم يكن الإنتقالُ سهلًا عليها، لأنها قد اعتادت على صخب المدينة، وضجيج الشوارع، وضوء النوافذ.

أما في القرية فكلِّ شيءٍ بدا غريبًا، الهدوء المطبق، الطرق الترابية، الوجوه التي تراقبها من خلف الأبواب والنوافذ كأنها دخيلة.

كانت كل صباح تستفيقُ باكرًا على صوتِ المؤذن وآذان الفجر، وصياحُ الديكة.

في صمت الصباح تفتح أبوابها للهواء تتسلل لها الأفكار تستنشق عبيرَ الأزهار، فلا شيءَ يدوم إلا نور الإيمان، بأنّ الفجرَ قادمٌ مهما طالَ السواد.

تراقبُ أطفالها يحاولوا التكيّف مع المكان.

زوجها كان أكثر ارتياحًا أما هي فكانت تشعرُ وكأنها تمشي في حلمٍ غير مكتمل رغم البساطة.

كان في القريةِ أمرٌ ما يعيدها الى ذاتها شيء يشبهها لكنها لم تفهمه أو تستوعبه.

كانت منطوية على نفسها داخل البيت لا تزور أحدًا ولا تفتح الباب لأحد.

تمضي ساعاتها بين جدران الغرفة تراقب أطفالها وهم يلعبون من بعيدٍ وتفتعل الأعذار كي لا تختلط بنساء الحي.

الغربة لم تكن فقط في المكان بل كانت في قلبها تشعر وكأنها اقتلعت من أرضها وزُرعت في تربة لا تعرفها.

أما نساء القرية فقد أصبحت هذه المرأة حديثهن اليومي لا يمرُّ صباحٍ أو مساء دون أن تُذكر قصتها بينهن.

كيف تخلت عن حياة المدينة وسكنت في القرية ذلك الحي البسيط حيث البيوت متقاربة والقلوب والعيون مفتوحة، والحياة في القرية تختلف كليًا عما اعتادت عليه في المدينة.

التقاليد صارمة والعادات متجذرة. وكلُّ شيءٍ يخضعُ لنظرة الجماعة.

اللباس أكثر تحفظًا والأكلُ أبسطُ لكنه مصنوعٌ بحبٍّ، والنساءُ يعجن ويخبزن على النار ويطبخن تحت أشجار الزيتون والتين ويغسلن الثياب في الساحة على مواقد النار.

ومن عادات أهل القرية يوزعون خيراتِ بيوتهم وحقولهم بمحبةٍ وصدقٍ وكرم، يرسلون الصحون المغطاة وتتنقلُ من بيتٍ الى بيت.

في أيامٍ كثيرة كانت تستيقظُ على طَرْقات خفيفة على الباب لتجد جارتها تبتسمُ لها وفي يدها صحنٌ من طبخةِ هذا اليوم.

في البداية كانت تتردد في قبول تلك الأطباق والخيرات لكن مع الوقت صارت تعيدُ الصحونَ مليئةً بقطع حلوى من صنع يديها.

بينها وبين نفسها تعشقُ عِبْقَ الروائح المنبعثة من أطباقِ النساءِ في القريةِ، تلك الروائحُ اللذيذةُ التي تعبقُ في المطبخ البسيط تفوحُ من خبز الطابون.

رغم خجلها إلا أنّ الروائحُ تعانِقُ قلبها وتهدئ روحها

كما يفعل صوتُ المؤذنِ كلَّ صباحٍ.

كانت تظنُ أنّ السعادةَ في الصخبِ وضجةِ المدينة وزحمة الشوارع، وفي الحياة السريعة، في الإنجاز والتقدم.

مع مرور الوقت بدأت تتعرف على عادات أهل القرية، وتكتشفُ أشياءً لم تكن تعرفُها من قبل مثل الأعشاب وفوائدها ولم تعد مختبئةٌ خلفَ الجدرانِ وحدها.

في جلساتهن المتواضعة يتحدثن أمامها عن مشوارهن إلى المرجِ ولعين الماء

حيثُ يذهبن إلى العينِ ليملأنَ الجرّةَ بالماءِ ويحملنها على رؤوسهن وإلى المرج والجبال حيثُ يجمعن الحطب الحزم ويحزمنَه لبيوتهن على رؤوسهن أيضًا.

وعشقهن للأغاني التراثية التي تحمل رائحة البيوت القديمة وصوتهن عند الفجرِ تصدح من حناجرهن تشبه الدعاء وتمسُّ القلب.

ويحملن حُزَم الحطب لأنه يمثل قوتهن اليومي، فالماءُ والحطب ضروريان لحياة الفلاح في القريةِ، لمواقد الطبخ وطهي الأطعمة وغسيل الثياب لأن القرية ليست كالمدينة، لم يكن فيها كهرباء في ذلك الوقت فكانت الليالي مظلمة هادئة مضاءةٌ فقط بضوء القمر وومضات النارِ في المواقد، وهدوء الليل تتسلل الأهازيج والذكريات والأفكار كنسيمٍ لطيفٍ يحكون قصصًا منسيةً في زوايا القلب

اضطرت بنتُ المدينة في نهاية المطاف أن تخرج مع النساء إلى المرج لجمع الحطب.

إذ كانت النساء يذهبن مجموعاتٍ، يحملنَ الحطبَ ويُغنِينَ ويُشاركن قصصهن وأحلامهنَ.

في البدايةِ كانت خطواتها ثقيلة لم تتعود على حمل الأشياء الثقيلة، بعد ذلك بدأت تستمتع بصحبة النساء وفي المرج الذي يَبعُد عن القرية فكنَّ يجلسن على صخرةٍ كبيرةٍ ليسترحن من تعب الطريق.

تتبادل النساء الحديث والضحكات تعلو وبينهم بنتُ المدينة بدأت تشعر بارتياح نحوهن، كان الهواء النقي يملأُ رئتيها وصوتُ الطيورَ يعانق السكون، فشعرتْ وكأنها جزءٌ من هذا العالم الجديد رغم كل الفوارق وأخرجت من جيبها سيجارة وأشعلتها متجاهلة نظراتُ النساء من حولها، تحدثت معهن عن هوايتها، واستمعن لها وشعرت بصدق حديثها وجرأتها.

شعرها مغطى بالشيب الأبيض المائل للون الرمادي وعلى شفتيها ظهرت علامة سوداء خفيفة تركها دخان السجائر كوشم لا يغادر، تضع على رأسها منديلًا صغيرًا بالكادِ يُغطي جزءًا من شعرها تتركه ينسدل على كتفيها دون أن تُتعب نفسها في ترتيبه وكأنها لا تبالي كثيرًا بنظرة الناس في تلك اللحظة بدت للنساء غريبة، نعم لكنها غريبة محببة، فيها شيء من القوة.

كانت تحب زقزقة العصافير تراها أجمل من كل موسيقى سمعتها يومًا، وحين يصعدن الى رأس الجبل حيثُ الصمتُ يملأُ الأفق تجد متعتها فيها هواية غريبة عن نساء القرية، تجلسُ على صخرةٍ عالية وتبدأ بالصراخ، لا صراخ الغضب بل صراخٍ يحرّرها من الداخل،

ثم تنتظر وتسمعُ بانتباهٍ شديدٍ لصدى صوتها وهو يرتدُّ من الجبال ِالبعيدة.

ذلك الصدى كان لها بمثابةِ حوارٍ خاصٍ، موسيقى من نوعٍ آخر، لا يفهمها إلا من جرّب أن يصغى لصوته.

في البداية استغربت النساء هذا السلوك بعضهن ضحكن وبعضهن يتغامزن متسائلات ماذا تفعل بنفسها؟

قالت لهن أنّ الصوت عندما نخرجه من جوفنا ليس فقط يُريح القلب وأيضًا يوقظ فينا ضعفنا، والصراخ طاقة كانت تؤمن أنّ هذه الممارسات البسيطة قادرة على تحسين الحالة النفسية والمزاجية

بل وقد تُساعد في علاج آلام خفية لا تُرى فشجعت النساء على الصراخ لإخراج الكبت الداخلي، على ترك أصواتهن تعلو دون خجل أو خوف وكن يستمتعن ويضحكن حتى التعب.

لكن الصراخ وحده لم يحرر قلوب النساء بل الغناء فتعلو أصواتهن بأغاني جبلية والمهاهاة الشعبية تلك الأغاني التي كانت الجدات يرددنها في الأعراس ضحكن وتذكرن أيام الأفراح ويغنين

"أويها واسم الله عليك !!!!!!!!!!!!

"أويها عيني وعين خلق الله عليك !!!!!!!!!!!!

"أويها وعين الحاسدة تعمى!!!!!!!!!!!

"أويها والي ما بسمي عليك!!!!!!!!!!

وتحولت الطريق بين الأشجار موكب نسائي يشبه الأعراس

يغنين مع حمل حزم الحطب الثقيلة وجِرار الماء.

رغم تعب الأجساد كانت الأرواح خفيفة، تمشي عائدةٌ نحو البيوت بخُطى أكثر هدوءٍ وقلوب أكثر اتّساعًا،

لكن بعد ما تعرفن على هذه المرأة، رأين فيها شيئًا مختلفًا.

بريقٌ وابتسامة خفية من قبل بنت المدينة وهي تراقبهن وتستمع الى الأغاني الشعبية والمهاهاة التي لم تسمعها من قبل في المدينة

وكأن صدى صوتها نظّف شيئًا عميقًا بداخلها لا تلمسه الأيادي بل تسمعه الجبال وتعيده نقيًا من حملِ وتعب الحياة ومسؤولياتها، وعلموها كيف تصدر صوتها من بين الأوتار لتخرج لحنًا بثباتٍ وتملأ صدرها بالهواء، ثم تطلق الصوت لا من الحنجرة بل من الجوف ومن القلب، وتقول النساء الصوت الذي خرج من الروح يرجع الى الروح.

أصبحت تذهب كل صباح مع نساء القرية لجمع الحطب بقلبٍ ينبضُ حرّية كما لم ينبضُ من قبل، شعرت وكأن الأرض تتحرك تحت قدميها كأنها في قاعِ بحرٍ عميقٍ تعبره سفنٌ غير مرئية وتتنقل فيه الأسماك التي تشعر بخطواتها.

كانت الأرضُ تصغي لصوتها وكأنها تُرحّب بها بين أحضنها لأولِ مرةٍ، وفي كل ذهابٍ كانت تشعرُ بشعورٍ جميلٍ مفعمٌ بالأملِ، كان الغناءُ يتحوّل بالنسبةِ لها إلى تمرين روحي وجسدي تعلّمته من نساء القرية كما يتعلمن أسرار الحياة بالخطوة الصامدة على الأرض.

تعلمت الغناء وتفننت في العتابا والميجنا حتى أصبح صوتها عذبًا يشبه نسيم الجبل عند الفجر هذه هي المرأة التي بدت لنساء القرية غريبة الأطوار بعيدة عن عالمهن الترابي المليء بالتعب لكنها لم تلبث إلى أن تغيّرت فصارت واحدةٌ منهن تحب الأرض وتغني لها وتغدو مع الحطب وتعود مع الغروب، أصبحت المرأة الفلاحة لا بالثوب والمنديل المطرز فقط بل بالقلب والحنجرة عاشقة للأرض والغناء ذات الصوت العذب والجميل، وحولت الغناء الى نوع من العلاج النفسي تتنفس من خلاله بعمق وتشعر بنقاء الهواء على رؤوس الجبال كأنها تتحرر من أثقال الحياة وضغوطها وتستعيدُ شيئًا من ذاتها راحة لم تعهدها من قبل.

ومع كلِّ صباحٍ مشرقٍ تجتمعُ مع نساء القرية في طريقهن لعين الماء تقف بنت المدينة على صخرة عالية تطل على الوادي تغمض عينيها فتسكب صوتها في الفضاء وتغني عتابا ومهاهاة كما علّمتها النساء ولم يعد صوتها غريبًا بل صار جزءًا من عادات وتقاليد القرية ولأول مرة شعرت أنها بنت القرية ووجدت بيتًا لا من حجر بل من غناء وهواء وأُخوّة ،كانت قد جاءت تبحث عن شيءٍ تجهله ، لكنها وجدت نفسها ممتلئة بالأمل، ومن يومها صار صدى صوتها يرافق النسوة في الحقول يواسيهن ويمنحهن القوة ، لم تعد غريبة صارت واحدة منهن وصار وطنًا  يشبه نبض القلب لم تراه في المدينة إلا في الأحلام.

هذه هي التي اعتادت على عيشة القرية واندمجت فيها حتى صارت واحدة من نسائها، شاركتهم أفراحهم وأحزانهم وأتراحهم، ضحكت معهم وبكت، حملت جرة الماء وجمعت الحطب، وتعلمت كيف يتنفسون بالأغاني والأهازيج والتراويد، لكن شيئًا ما تغير!

بنتُ المدينة تتحدث في داخلها من كنت قبل هذا المكان؟ مجرد ظل في هذا الزحام، صوتي ما كان يُسمع حتى في غرفتي فما بالك بين الجبال

وهنا...صرتُ أًغني وصدى صوتي يرجع لي كأنه يحضنني لم أعد أخاف من وحدتي صرتُ أعشق رائحة الحطب ودخان الطابون ضحكات النسوة، هل سأعود الى المدينة حزينة؟ وأترك كل ذكرياتي! أم أبقى هنا حيث الأرض.

عندما قرر زوجها أن يعودوا الى بيتهم في المدينة شعرت بغصةٍ في القلب وانطوت على نفسها

صارت الجارات يترددن على بيتها يزرنها ويواسونها كانت تبتسم لكن في داخلها تبكي

أصبح في داخلها صراعٌ بين الواجب وبين العشرة والجيرة.

وعادت الى المدينة تحملُ معها التراب ودفء الأرض والفساتين المطرزة، لم تعد كما كانت فقد تركت قطعة من روحها هناك في ذاك المكان.

القرية التي احتضنتها لظرف قاهر وهناك كتبت كلماتُها في كتابٍ يحكي رحلتها ويروي تفاصيل الأيام التي عاشتها في القرية، وهكذا تحولت الرحلة الى بداية جديدة من مراحل الحياة حملت معها خيراتٍ وأحلامٍ متجددة، 412569+-وأشواقٍ دفينة الى أرض الجذور والذكريات ومن يومها بدأت تكتب قصص عن القرية بلغة حديثة ليقرأها أبناءُ المدينة وعن نساء عرفن معنى الصبر والإيمان وأن الحياة مهما تغيرت تبقى الروح مرتبطة بأصلها ويتذكرون أن أرواحهم من تراب وأن العودة للجذور ليست خسارة.  

بقلم- ازدهار عبد الحليم الكيلاني


 ******************





شكرا للناقدة والكاتبة    

رانية مرجية على تعقيبها للقصة

قراءة لقصة “صدى صوت امرأة” للكاتبة ازدهار عبد الحليم الكيلاني

بقلم: رانية مرجية

 

في قصة “صدى صوت امرأة”، نبحر في سردٍ شفيفٍ يُعيد للذاكرة معنى الانتماء، ويوقظ فينا سؤال الهوية العميق: من نكون حين يُنزَع عنّا الصخب؟ وما الذي يتبقى حين نصغي لصوتنا بين الجبال؟

 

تطرح الكاتبة في هذا النصّ قصة انتقال قسري من المدينة إلى القرية، لكنه يتحوّل من تجربة اغتراب إلى رحلة اكتشاف الذات. تبدأ القصة من شعور المرأة بالغربة، لا عن المكان فحسب، بل عن نفسها. المدينة التي شكّلت صورتها الخارجية تفقد سلطتها شيئًا فشيئًا في القرية، حيث يُصبح الصمت مرآةً، وتتحوّل الجبال إلى آذانٍ تُصغي لصوت لم يكن مسموعًا من قبل.

 

الكاتبة ترسم ببراعة نفسية بطلتها، دون أن تحتاج إلى صراخ خارجي، بل من خلال التوتر الداخلي بين الانغلاق والانفتاح، بين الخوف من الآخر والفضول نحوه، بين الهوية المدينية المتمدنة، والهوية القروية القريبة من الأرض والطبيعة والوجدان الجمعي. في البداية، المرأة كائن هامشي، منطوٍ، يراقب دون مشاركة، لكنه يتحوّل إلى لبّ التجربة ومركز الحكاية مع الوقت. وتتحوّل هي من “المرأة الغريبة” إلى “المرأة التي تشبهنا”، ثم إلى “واحدة منا”، بل صوتٌ من أصواتنا.

 

المفتاح السردي هنا ليس فقط في التحوّل الزمني، بل في طقوس الانخراط: الحطب، الغناء، العتابا، الجرة، المواقد، التراب. هذه ليست مجرد أدوات للعيش، بل رموز رمزية للهوية الجذرية. عبر هذه الطقوس تُصاغ الروح من جديد. الكاتبة لا تحتفي بالقرية بشكل فولكلوري رومانسي، بل تكشف كيف تُصبح العودة للأصل، عبر التعب والممارسة، ولادة ثانية.

 

أما صوت المرأة، فهو بطل القصة الحقيقي. ليس لأنه مرتفع، بل لأنه عميق. يتحوّل من صوتٍ غريب يُثير الريبة، إلى صدى يُطرب الجبال ويحرّر القلوب. يصبح الصراخ البريء في أعلى الجبل لحظة تأمّلٍ، ثم فعل تحرّرٍ جماعيّ تُمارسه النساء، ثم طقسًا علاجيًا نفسيًا. في هذا تتحرّر المرأة من قيود المدينة ومن صمت الجدران، لتصبح امرأة كاملة الصوت والهوية.

 

ما يُلفت في القصة أيضًا، أن الكاتبة لا تقدّم القرية كمكان مثالي، بل كمكان فيه عيونٌ ترقب، وتقاليد تفرض، ومجتمع يُشكّك بالآخر. لكنها تُبرز أيضًا أن هذا المجتمع قادر على الاحتواء، حين يُمنح الوقت والصدق. بالتالي، القصة ليست تمجيدًا لمكانٍ على حساب آخر، بل هي دعوة للانفتاح على التجربة الإنسانية الكامنة في كل فضاء.

 

وتلك النهاية، حين تضطر المرأة للعودة إلى المدينة، ليست نكوصًا بل اكتمالٌ للحلقة. تحمل المرأة معها رائحة الحطب، وتغني العتابا في قلب المدينة، وكأنها تؤكد أن “المكان” الحقيقي هو حيث تنبض الروح لا حيث تُزرَع الجدران. وهي لا تعود خالية، بل محمّلة بالقصص، وتبدأ بالكتابة لتصبح شاهدةً على تجربة الحياة في الهامش.

 

الرسالة العميقة للقصة أنّ الأرض لا تحتضن فقط الأجساد، بل تحتضن الأصوات الخافتة التي تُحاول أن تكون. والقرية لم تُغيّر المرأة، بل أعادت لها صوتها الأصلي، ذاك الذي كانت تبحث عنه في صخب المدينة ولم تجده إلا في صمت الجبل.

 

قصة “صدى صوت امرأة” هي نشيد داخليّ، تهويدة نساءٍ يحملن الماء والحطب والأمل، وهي في الوقت ذاته وثيقة وجدانية تؤكد أن تحرّر المرأة لا يأتي فقط من الشارع، بل أيضًا من الصخر، من النار، من الغناء، من الصوت حين يُصبح مرآة الذات.

 

 

القصة تصلح أن تُدرّس في مدارس الحياة، لا لتعليم اللغة فحسب، بل لتعليم الإصغاء للصوت الداخلي، وتقدير المرأة في أدوارها المختلفة حين تعبر بين الضجيج والصمت، وتبني وطناً من صدى قلبها