مقاربة سيميائيّة نقديّة لرواية د. محمود
الخطيب "أصْلُها ثابت"،
بقلم: الدكتور محمود جمال ريّان
الدكتور محمود ريان
مُلخّص: هذه الدّراسة جاءت لتسليط الضّوء على الشّخصيّة
المركزيّة ودورها الجوهريّ، كونها تضطّلع في الإشارة إلى المعنى والدّلالة في
رواية "أصلها ثابت" لمحمود الخطيب. فالشّخصيّة المركزيّة الّتي تحظى
بالبطولة والمحوريّة تكشف من خلال دائريّتها وتأثيرها عن معنى القصّة، وبالتّالي
هي محصّلة للقبض على الدّلالة الّتي يزخر بها النصّ الأدبيّ.
من خلال تطبيق الموديل السّيميائيّ المعروف للباحث
إبراهيم طه، استطعنا الوصول إلى معنًى ودلالة لهذا النّصّ السّرديّ المرصود، وإن
كان المعنى بالمجمل العامّ يتأطّر في ضرورة الحفاظ على الأرض كواقع أيديولوجيّ
ووجوديّ، ومناهضة الخُطط الّتي ترسمها الفئة الحاكمة، من أجل أن تبقى الأقلّيّة
العربيّة خارج التّأثير، ودائمًا في استجداء السّلطة لتحصيل الفتات.
وقد اضطّلعت الشّخصيّة المركزيّة بدور "بطل
جزئيّ"؛ كونها حصّلت بعض أهدافها، وإن بقيت في المجمل العامّ منقوصةً لعوامل
وحيثيّات أشرنا إليها في هذه الدّراسة.
كلمات مفتاحيّة: (بطولة، بطل جزئي، الحداثة، المعنى
والدّلالة، الالتزام، سيميائية).
بدايةً: إنّ
الكاتب، وهو المهتمّ أصلًا بالخطابة وفنّ الإلقاء وتسويق الذّات وتطوير القيادة،
إضافة إلى كونه مدرّبا ومستشارًا وخبيرًا في مجال التسويق والاقتصاد؛ قد اجتهد هنا
في كتابته الرّواية، وهي ثمرة جهود بذلها حتّى خرجت في هذا المحتوى والجماليّة
الفنيّة. والكاتب يصرّح بأنّ الرّواية تحمل في طيّاتها كثيرًا من الأحداث
الحقيقيّة الّتي حدثت معه أو مع أشخاص آخرين، ولن يفصّل أيّها حقيقيّ أو قريب من
الواقع، حتّى لا تفقد الرّواية رونقها وجاذبيّتها.
ويصرّح كذلك أنّ من بين دوافع كتابة الرّواية بالأساس
جاء من خلال قراءة الخطيب لرواية د. خولة حمدي "أن تبقي" الّتي تبيّن
واقع الحياة والمعاناة الّتي يعيشها المغتربون العرب في فرنسا، وشعوره بكم نعاني
نحن عرب 48. فأكثر العرب في الدّول العربيّة لا يعرفون عنّا شيئًا، ومن يعرف، يعرف
النّزر اليسير أو حتّى يعرف معلومات مشوّهة لدرجة تخويننا واعتبارنا يهودًا
(الرّواية: ص202).
نقول إنّ كلّ نصّ سرديّ ولا سيّما الرّواية يحمل رسالة
إلى القارئ، إذا كان كاتبه ملتزمًا تجاه قضايا شعبه وناسه. ولمّا كان الكاتب
منهمكًا في إعادة صياغة الواقع وعدم الرّضا عمّا يكتنه الواقع من مؤامرات ودسائس
وتخطيطات غير سويّة وغير قانونيّة، فقد أصرّ على أن يعالج هذا الواقع المعيش
ويتمثّله في روايته هذه بشيء من الشّفافيّة والرّمزيّة. ولولا ثقل المسؤوليّة
برأينا من وجهة نظر المؤلّف، لما تقحّم هذا الموضوع الّذي تطرحه الرّواية، وبإصرار
شديد. إذ جاء في تظهير الرّواية "ثابت شابّ فلسطينيّ في الثّلاثين من عمره،
يعيش في الدّاخل الفلسطينيّ، خاطب ومقبل على الزّواج يصله قرار هدم بيته من
السّلطات الإسرائيليّة، بحجّة البناء غير المرخّص فيقرّر مواجهة هذا القرار. لكنّ
الأمور تجري في تداعيات مثيرة وخطرة لم يتوقّعها بتاتًا...
·
لقد ارتأينا أن نقرأ هذه الرّواية بمنظار خاصّ، وفقًا
لمنهج أكّاديميّ معتبر، وهو موديل للقراءة السّيميائيّة النّقديّة، الموسوم
بِ" Cognitive Semiotic Model"، الّذي أبدعه الباحث في السيميائيّات
الحديثة؛ إبراهيم طه، فالقراءة هنا تفي برسالتنا لاستقصاء الدّرس المعنويّ
والدّلاليّ من خلال تحديد الشّخصيّة المركزيّة (Centralism Character) ومن ثمّ نتحوّل إلى المعنى والدّلالة في النّصّ السّرديّ
المرصود؛ "أصلها ثابت".
بداية، نقوم بتحديد هويّة الشّخصيّة المركزيّة في نصّ
الرّواية على اعتبار أنّ الشّخصيّة المركزيّة،
تضطّلع بالمعاني والدّلالات في النّصّ، فهي المتحرّك
الأساسيّ والمهيمن على فضاء السّرد. ووفقًا للنّهج السّيميائيّ الّذي نعتمده، سنقف
على هويّة الشّخصيّة بضوابط وأدوات من النّصّ تساهم في معاينتها وكشفها، ومن ثمّ
نتحوّل إلى رصد تحوّلات الشّخصيّة المركزيّة في حركتها في السّرد؛ لنحدّد نوعها
على مستوى البطولة؛ أهي بطل، أم شبه بطل-بطل جزئيّ، أم لا بطل.
هنا نشير إلى أنّه ظلّت النّظرة إلى الشّخصيّة الأدبيّة
باعتبارها وكيلًا، تؤدّي دورًا أو وظيفة محدّدة في النّصّ هي السّائدة في
الدّراسات السّرديّة زمنًا طويلًا، "ولعلّ أصحاب التوجّه البنيويّ الرّسميّ
هم أكثر من يصرّ على ذلك بصفة خاصّة...كان فلاديمير بروب Vladimir Propp في دراسته حول الحكايات الفولكلوريّة الرّوسيّة أوّل من
افتتح النّقاش الشّكلانيّ البنيويّ ورأى أنّ قيمة الشّخصيّة تكمن في دورها
ووظيفتها في القصص لا في ذاتها. وهو يستند في ذلك على رأي أرسطو في التّراجيديا
الّذي ركّز على فعل الشّخصيّات وليس على ذاتها. بعد بروب طوّر غريماس Greimas نموذجًا أو
موديلًا سيميائيًّا يصف الشّخصيّة فيه كَعامل (Actant). وهو بذلك
يضع دور الشّخصيّة ووظيفتها في المركز، ويتجاهل وجود الشّخصيّة المركزيّة في
ذاتها، ككائن عضويّ متحرّك والّذي يحتلّ مركز النّصّ بصفة ما. ويتجاهل غريماس
الجوانب الإنسانيّة في الشّخصيّات ويتنكّر لأبعادها العقليّة والشّعوريّة، ما يعني
أنّها في المحصّلة عنده جملة من الأدوار والوظائف الّتي رُسمت لتؤدّيها (انظر:
طه، 2020: 160).
·
ننتقل إلى معاينة وتشخيص الشّخصيّة الرّئيسيّة، بشيء من
المنهجيّة المرسومة، لنعيّن من خلالها الشّخصيّة الفاعلة في السّرد، باعتبار أنّ
الشخصيّة ينطوي في بنيتها ودخيلتها المعنى. وربّما ما قصده الكاتب بالمطلق في عمله
الادبيّ هذا، وهذه المعايير كالتّالي:
أوّلًا: المعيار الكمّي التّراكميّ-على طول
قراءتنا للرّواية لاحظنا أنّ شخصيّة "ثابت" أو المؤلّف الضّمنيّ،
تحظى بحضور كبير ودرجة عالية في نقل الحدث في السّرد. وهذا بدوره له تأثيره الكبير
في تطوّر الحبكة. هذا التردّد بامتداد السّرد، جعل منها شخصيّة محوريّة، فاعلة، لا
يمكن إغماط دورها في الحضور وإكساب الحدث زخمًا واسترسالًا وتكثيفًا له.
ثانيًا: المعيار النّوعيّ-يتّضح من خلال قراءة
الرّواية ومتابعة أحداثها، أنّ للرّاوي دورًا في تطوّر الحبكة والصّراع، يُلقي بظلاله
على متابعة الحدث والمشهديّ، بحيث يستطيع القارئ أن يملأ الفجوات النّصّيّة. نلمس
حضور شخصيّة "ثابت" بشكل واضح، محاولة إبراز هيمنتها الفعليّة المتمثّلة
بالأيديولوجيّة والقيميّة الاجتماعيّة، الّتي من شأنها إظهار تحكّمها على فضاء
السّرد.
إضافة إلى العنوان، فلا نغفل دوره في تبيان فكرة
الرّواية، فهو الصّورة المصغّرة للأحداث، ويحيل إلى الموضوع الرّئيسيّ المتعلّق
بشخصيّة ثابت وأهله، هو المفتاح للولوج إلى أحداث الرّواية، كونه استباقيًّا لدور
الشّخصيّة في بناء الحدث. عدا أنّ العنوان يُحيل إلى مرجع أو تناصّ مع القرآن
الكريم، في سورة إبراهيم (الآية 24). يحمل العنوان رمز الصّمود ومقاومة الكلمة؛
الكلمة الّتي تنتظر الوقت المناسب لتتحوّل إلى فعل يغيّر الواقع... (الرّواية
ص199).
العنوان يوجّه النّصّ إلى مسار تأويليّ موصول بالرّاوي
أساسًا (أصلها ثابت) فهو المعادل الموضوعيّ للفكرة الأساسيّة وموضوعيّة الطّرح.
فالشّخصيّة تتحرّك في فضاء فيزيقيّ، والعنوان يوحي بحضورها، فتتربّع على عرش
السّرد طوبولوجيًّا (Topology).
هذا التّناصّ اللّغويّ في العنوان هو أساسيّ، لأنّه
يشكّل محور الصّراع عمليًّا في الرّواية؛ فالحدث ينطلق بفعل اللّغة، واللّغة تحوّل
للزّمن الرّوائيّ، وبالتّالي تختزل كلّ العمليّة السّرديّة طولًا وعرضًا للحدث.
فاللّغة هي ديناميّة فاعلة، وأتى العنوان ليكشف الدّلالة منذ البداية دون تأتأة أو
ارتباك. فاللّغة لا تتطوّر إلّا بحركة نشطة من تحت إلى فوق، تمامًا كما تفعل
التّيارات البحريّة في الأوقيانوس. أو كما عبّر السّيميائيّ فرديناند دي سوسير عن
سيرورتها؛ من الحكي أو الكلام (Parole) إلى اللّغة (Langue)، وبهذا
فاللّغة طيّعة تتمدّد وتتقلّص وفق أبعاد الكاتب والقارئ، وهي استعاريّة رمزيّة.
العنوان مقصود من الكاتب، فهو يسِمُ "ثابت"
بالمحوريّة، ويتردّد أكثر من غيره من الشّخوص في النّصّ أو المتن السّرديّ، ليشكّل
دالًّا أو موتيفًا يلتصق بالفكرة الّتي تطرحها الرّواية، فتُدمغُ به ويُدمغُ بها،
ليكون دالًّا ومؤشّرًا على القضيّة المطروحة، والّتي تحيل عليها لفظة
"أصلها"، لتشكّل الأرض بؤرة الصّراع ومركز الحدث أو التّبئير(Focalization).
ثالثًا: المعيار القصديّ-إنّ الكاتب لا يختار
شخصيّاته جزافًا، بل هي مقصودة باعتقادنا. وفي الرّواية فحضور الشّخصيّة الّتي
تقود السّرد بالضّمير الأوّل (المتكلّم) مقصود؛ فهي الذّات والمرسل في السّرد،
ولولاها لما حقّق الكاتب مراده، فهي القناة لإيصال رسائله وأوجاسه ورؤيته الواضحة
دون تلعثم أو تأتأة، ليبيّن مقصديّته الفكريّة.
وهنا من الممكن أن نقارب مقصديّة الكاتب، وليس مطلقًا،
على اعتبار أنّ الكاتب يرمي في عمله المبدع أن ينقل رسالة بشكل مباشر أو موارب.
وفق نظريّات الاتّصال والقصديّة؛ فإنّ كلّ نصّ سرديّ مقصود بالضّرورة، وليس
عفويًّا. وحينما نقارب المعنى فإنّما نحاول الوصول إلى القصد، وهذا ما يقوله
النّاقد السّيميائيّ المعروف هيرش (E.D.
Hirsch). إذ في
محاولتنا الوصول إلى المعنى، إنّما نقترب من قصد الكاتب فالعمل يكتنه رسالة، والمعنى
مقصود بالضّرورة. والنّاقد هيرش يرى أنّ قصد الكاتب يُعدّ محدّدًا للمعنى الأصليّ،
ونحن نُقرّ مُسبقًا بأنّ المؤلّف قصد ما نظنّ أنّه هو المعنى الأصليّ لا غيره.
نرى أنّ الخطيب يريد إيصال رسالة إلى المؤسّسة الحاكمة (Attention) خاصّة، في
ضرورة تجسير الهوّة وتقريب الفرص للمواطن البسيط والإنسان العاديّ ليمارس حياته
وحريّته الاجتماعيّة والسّياسيّة دون عوائق تحبطه وتجعله غريبًا على أرضه. والكاتب
يكرّر كثيرًا من خطابه ويستطرد في القول السّياسيّ، ليس على سبيل الدّعاية وإنّما
للأدلجة والتّأثير، على اعتبار أنّ الخطاب السّياسيّ الاجتماعيّ هو مؤدلج
بالضّرورة، ولا بدّ من توجيه صوت واضح ومباشر للمؤسّسة الحاكمة...
رابعًا: المعيار القرائيّ-هذا المعيار شرط قبليّ
للبطولة (Heroism). القارئ شريك في العمليّة السّرديّة وبناء
المعنى. فعندما ينبهر القارئ بأفعال الشّخصيّة، وتتحدّاه بسلوكها الاجتماعيّ
الثّقافيّ، وميولها الإنسانيّ وحرصها على الوصول للهدف، وتُبهر توقّعاتنا عبر
التّقنيّات المتاحة في السّرد؛ حينها تكون الشّخصيّة جديرة بوسام المركزيّة.
هناك ما يشبه الاتّفاق بين الكاتب والمتلقّي حول
الظّاهرة الأدبيّة الّتي تعالج، فيحصل التّواصل ليكتسب العمل الأدبيّ تميّزًا
والتقاء.
وجدنا شخصيّة "ثابت" في الرّواية مهيمنة على
السّرد، متّصفة بالثّبات والمسؤوليّة والصّبر، فتستحقّ بذلك المركزيّة.
نشير إلى أنّ الشّخصيّة المركزيّة بالذّات، لها من
المواصفات الّتي تجعلها المهيمنة على السّرد، وتحافظ على تعلّق القارئ بها كونها
تستأثر بديناميّة الحركة وتكسر ـأفق التوقّع ونمطيّة الحدث، بفضل ميّزاتها
الاجتماعيّة والفكريّة والنّفسيّة وحتّى الوجوديّة العضويّة. فالشّخصيّة ليست
حبرًا على ورق، ووفق التوجّه الحديث في السّيميائيّة العضويّة هناك إصرار على أنّ
الشّخصيّات هي مخلوقات إنسانيّة حيّة، وليست معطيات نصيّة أو ورقيّة كما يرى
"غريماس".
إنّ الدّراسات السّيكولوجيّة الّتي تتعامل مع الشّخصيّات
بوصفها كائنات إنسانيّة تتحرّك وفق إحساسها ومشاعرها ومنطلقاتها الفكريّة
الذّهنيّة، تركّز على ردود أفعال هذه الشّخصيّات كونها تضطّلع بالتّأثير النّفسيّ
على سيكولوجيّة القارئ والتّماهي معها... (انظر: Vermeule 2010; Zunshine 2006).
ويشير الباحث في السّيمياء؛ إبراهيم طه في "كتابه
الّذي نشره عام 2015 في مسألة البطولة في النّصّ السّرديّ، والّذي يعالج مفهوم
البطولة من وجهة نظر إنسانيّة سيميائيّة بعنوان: Heroizability: An Anthroposemiotic Theory Of Literary
Characters؛ على أنّ
كتابه يُصرّ على أنّ الشّخصيّات هي مزيج من هذا وذاك. هي في المحصّلة كيان
بيولوجيّ وأنثروبولوجيّ وسيميائيّ. هي من جهة أولى لغة صاغها كاتب
لاعتبارات سيميائيّة ومن جهة أخرى خلق فيها صورة إنسان يتمتّع
بمواصفات بشريّة وإنسانيّة خاصّة يصارع بها سعيًا إلى البقاء بكلّ أشكاله
ومعانيه" (طه، المجلّة، 2020: 164).
والقارئ تربطه علاقات مع شخصيّات القصّة، واقعيًّا أو
تخييليًّا، ويبادلهم الشّعور الإنسانيّ، وبالتّالي تكتسب الشّخصيّة المركزيّة ثقة
القارئ، فهناك ما يعرف بأعراف قرائيّة (Conventions
Reading)
وفق ما يقوله الباحث "جونوثان كولر". وهو يرى
"أنّ نظريّة القراءة يجب أن تكشف عن العمليّات التّأويليّة الّتي يقوم بها
القرّاء". ونحن جميعًا نعلم أنّ القرّاء المختلفين ينتجون تأويلات مختلفة.
وفي حين قاد هذا بعض المنظّرين إلى اليأس من تطوير نظريّة قراءة على العموم، يزعم
كولر "أنّ هذا التعدّد في التّأويل هو الّذي يجب أن تفسّره النظريّة. وإذ
يختلف القرّاء في المعنى، فإنّهم قد يتّبعون الأعراف التّأويليّة نفسها" (سلدن،
1996: 177).
وفقًا للمعايير الأربعة الّتي تقدّمت، تضطّلع شخصيّة "ثابت
"بالدّور الكبير، كونها المحرّك للسّرد، والمهيمن على حركته. بذلك تستحقّ أن
نَسِمها "بالمركزيّة". تحمّلت وناضلت وتعرّضت للهلاك والمخاطرة في سبيل
المجموع، أهل القرية. فهي تمثيليّة؛ كونها تمثّل قطاعًا كبيرًا من النّاس، وتتحدّى
القارئ بمنطقها وسلوكها الإنسانيّ الاجتماعيّ السّياسيّ والفكريّ الأيديولوجيّ...
·
سيميائيّة البطولة في رواية "أصلها ثابت"
ارتأينا أن نقارب هذه الرّواية كنصّ سرديّ وفق منظومة
إدراكيّة سيميائيّة ( C.S.M)، على اعتبار أنّها تساهم في فهم الرّواية
والوصول لمقاصدها، والوقوف على ميّزات الشّخصيّة المركزيّة وبالتّالي تحديد نوعيّة
البطولة.
وهنا نُقسّم هذه المقاربة بعد تحديدنا للشّخصيّة
المركزيّة إلى مرحلتين أساسيّتين:
1-
المرحلة النّصّيّة: وهنا نرصد حركة الشّخصيّة المركزيّة في سعيها للوصول
إلى حالة من حالات البطولة الثّلاث، وفقًا لثلاث دوائر قد تتداخل أو تتقاطع على
ضوء نموذج أنثروبولوجي سيميائيّ، يتتبّع حركة الشّخصيّة المركزيّة بشكل خاصّ،
كونها تشكّل نسيج الرّواية اللّغويّ، ولدورها في تطوّر حبكة الرّواية، وارتباط
المعنى والدّلالة بها.
أ.
مرحلة ما قبل الفعل
·
النّقص (الهدف والتّحفيز) Lack: نشير هنا
إلى أنّ النّقص ميزة بشريّة، تسعى الشّخصيّة للتّعويض عبر رسم هدف لبلوغه. وقد
يكون هذا الهدف معنويًّا أو حسّيًّا باستعمال آليّة تساعد الشّخصيّة في الوصول إلى
مبتغاها. ومن خلال قراءة الرّواية وجدنا أنّ الشّخصيّة الأساسيّة؛ "ثابت"
تعاني من نقص معنويّ/نفسيّ، هذا النّقص ينقلنا إلى الهدف الّذي تسعى إليه
الشّخصيّة المركزيّة المتمثّل في سعيها لتحقيق الأمن والاستقرار، وبناء حياة
عائليّة مستقرّة. فإنّ "ثابت" شابّ فلسطينيّ مُقبل على الزّواج يريد أن
يبني بيتًا، لكنّه ينصدم عندما يصله قرار هدم بيته من السّلطات الإسرائيليّة؛
بحجّة البناء غير المرخّص، فيقرّر مواجهة هذا القرار الجائر...
هذا حُلم ثابت، ووجدناه على طول الرّواية يجاهد نفسه
لتحقيقه، رغم محاولات التّيئيس والتّعويق. ظلّ "ثابت" في دائرة من الفعل
وردّ الفعل لتحقيق مبتغاة باستصدار رخصة لبناء مسكن يحويه
وزوجته مستقبلًا، لكنّ الأمور تتّجه لاتّجاه صداميّ
دراميّ، إذ يعاني من تعامل السّلطات والمتعاونين معها، وهذا مبدئيًّا يُدخل
الرّاوي في ضغوطات جمّة، ليس من السّهل التّعامل والتّأقلم معها.
·
الرّغبة/Will: هذه آليّة لضمان حركة الشّخصيّة؛
فالشّخصيّة المركزيّة تتحرّك بفعل رغبة مُلحّة، تتمثّل في أمل "ثابت"
لاسترجاع الحياة الهادئة والأمل في بناء بيت متواضع يضمن الاستقرار والسّعادة
بعيدًا عن ضاغط التوتّر والتّهديد بالهدم بحجّة البناء غير المُرخّص؛ والّتي تعتبر
مشكلة وهي ليست جديدة على واقعنا المعيش، فلا تنفكّ تقضّ أركانه!
شخصيّة الرّاوي وهي المركزيّة تعتبر تمثيليّة؛ بمعنى
أنّها تمثّل قطاعًا عريضًا من مجتمعه تتوق برغبة ملحّة للأمان والاستقرار، وهاجس
السّكن والحياة الهادئة مع مَن حوله ظلّ يؤرّقه. يتجاذبه قطبان؛ المؤسّسة وأذرعها
من جهة وأهله وإخوته من جهة أخرى.
يمكننا القول أنّ شخصيّة "ثابت" مضادّة "Antagonist" على
مستوى الفعل والرّغبة، وقد رأينا كيف أقضّ مضجعها ابتزاز السّلطة ولا سيّما أنّها
تمثّل التّهديد الوجوديّ للأقليّة العربيّة عامّة في البلاد. وفي الوقت ذاته كانت
مضادّة نوعًا ما لشخصيّة الوالد، ولأخيه "صامد"؛ لأنّها لم ترضَ العبث
بالوجود والوضع القائم المضمحلّ. فرغبتها بإيجاد حلّ واضحة، لكنّها وقفت سدًّا
منيعًا أمامهم لعدم رضاها بتبديد العمل الجماهيريّ الّذي يعتبر رافعة للنّهوض
بالمجتمع وحلّ مشاكله بالطّرق السّلميّة المعهودة وفق القانون، رغم معارضة
الكثيرين لِنهج ثابت في قيادة العمل النّضاليّ.
·
القدرة/Ability: الحديث عن القدرة العقليّة والنّفسيّة
والجسديّة والشّعوريّة. وجدنا الرّاوي وهو الشّخصيّة المركزيّة، يقوم بما يُمليه
عليه الواجب والضّمير والمسؤوليّة الأخويّة الوطنيّة، والظّروف الحياتيّة
الواقعيّة. والّتي تستدعي منه الاستمرار في الطّريق النضاليّ المجتمعيّ، والهادف
أن يكشف المؤسّسة ويقف على مدى الغبن والمعاملة السّلبيّة الاستهجانيّة
واللّاإنسانيّة الّتي تلحق بالمجتمع العربيّ.
الرّاوي يبحث عن معنًى لحياته، ويأبى العيش على هامش
مجتمع يتعقّد ويتركّب، دون أن يكون له دور في حلّ الأزمات الّتي تعصف به، ولا
سيّما مشكلة المسكن والتّنظيم للبناء في ظلّ سياسة الحكومة غير المنصفة والمميّزة
سلبيًّا ما بين المواطن العربيّ واليهوديّ.
الشّخصيّة المركزيّة "ثابت" كانت واعية
بإرهاصات القضيّة المطروحة، فاستجمعت قدراتها العلميّة والفكريّة والتّخطيطيّة
للوصول إلى الحقيقة. إن كان ذلك من خلال الحديث عن تنظيمات اجتماعيّة لتوعية
الجمهور وإحداث تغيير في الرّأي العامّ، وكذلك في جعل قضيّة المسكن والبناء قضيّة
مصيريّة حتميّة، وإيصالها إلى الصّحافة. هذا يتبيّن من خلال اللّقاءات الّتي جَرت
بين الرّاوي والصحفيّة "سارة"
في الولايات المتّحدة في المطار. وأراد الرّاوي أن يوصل
هذه القضيّة إلى الأمميّة، أو بِعَوْلمتها في عصر العولمة (انظر، الرّواية:
199-200). فالرّواية مليئة بالخطابات الّتي ألقاها الرّاوي، كونه خطيبًا عارفًا
مُفلقًا، وقد أكّد في إحدى خطاباته أنّ التّغيير ليس حدثًا عابرًا (episode) وإنّما
مسار (process) وجولات... (ص 100). أراد الرّاوي أن يكون مؤثّرًا أبعد ما يكون
عبر استنفاذ طاقاته الكبيرة من خلال موقعه الوظيفيّ ونشاطه الميدانيّ المستمرّ
ومعارفه الخارجيّة. وهذا في المحصّلة العامّة يصبّ في اعتبار "ثابت"
صاحب قدرة تخطيطيّة ومعرفيّة وشعوريّة يتبوّأ بها مركز القوّة، إذ هو المحرّك
للصّراع حول الأرض ومجابهة السّلطة الإسرائيليّة بقوانينها الجائرة التعسّفيّة.
استعمل الرّاوي قدراته كلّها فوق كلّ اِعتبار من أجل
إحقاق الحقّ والعدل لأصحابه، ودعم المتظاهرين ضد سياسة مصادرة الأرض وأوامر الهدم
بحجّة البناء غير المرخّص... فهل نجح "ثابت" في صراعه ضدّ السّلطة وحتّى
مجتمعه الّذي فيه من يقف مع السّلطة ولو بشكل رمزيّ... سنرى ذلك لاحقًا!
ب. مرحلة الفعل أو الأداء-performance
· استراتيجيّة الفعل: لقد انطلق الرّاوي "ثابت" وهو الشّخصيّة
المركزيّة، من خلال محور رئيسيّ على طول الرّواية، بالسّرد القصصيّ المندفق. وتحفل
الأحداث بتقديم الحدث بشكل مباشر، واستعماله فنيّة القطع والارتجاع الفنّيّ، من
خلال استحضار أحداث ماضويّة، تلتقي مع الحدث الحاليّ لتدعمه
وتربطه بما يجري في البيت والأسرة.
التلكّؤ في اختيار الشّخصيّة الّتي تسعى للمهادنة لا
المشاجرة، إلى الحراك السّياسيّ لا المواجهة المباشرة، جاء لأنّ "صامد"
وهو أخو الرّاوي كان معارضًا ندّيًّا للرّاوي في قيادة النّضال السّلميّ. إذ شابَ
العلاقة مدّ وجزر، هدوء وانفعال، لوجود شخصيّتين على طَرفي نقيض، من حيث التوجّه
الأيديولوجيّ للقضيّة. وبالتّالي أخذت الشّخصيّة الرّئيسيّة دورها الأساسيّ تدعمها
الشّخصيّات الأخرى وبالذّات شخصيّة "صامد" الّذي آمن بضرورة النّضال على
الواقع، لا الجهر بالأقوال في دولة لا تحترم الرّأي ولا حريّة التّعبير؛ فلا شيء
يجعل المؤسّسة تعتبر إلّا العمل المُمنهج، والحراك الشّبابيّ العصاميّ من خلال
التّنظيم والتّكاتف ومواجهة السّلطة، وردّ الصّاع صاعينِ!
لاحظنا على طول الأحداث سعيًا وبحثًا للوصول إلى
الحقيقة، وفضح سياسة الدّولة الجائرة بأنظمتها وقوانينها وبأزلامها حتّى! والبحث
أو السّعي (Quest) يقوم به البطل لسدّ النّقص في الحالة
الأوّليّة. وهذا المفهوم الوظيفيّ أساسيّ في الحكاية. نجد مفهوم البحث في كلّ
القصص، ولو بصورة غامضة أحيانًا، وحين يكون البطل منهمكًا بالبحث عن غرضه، يكون
القارئ منشغلًا بالبحث عن معنى ما يقوم
به البطل. وتنتظم القصّة على مستوى تفسير الأحداث لا على
مستوى الأحداث الّتي تحتاج إلى تفسير، أي على مستوى الأفكار لا على مستوى الأفعال
(انظر في هذا الصّدد: زيتوني، معجم مصطلحات نقد الرّواية، 2000: 31).
· العوامل المساعدة/
المعوّقة: بنظرة عامّة للرّواية نجد
أنّ هناك عوامل مساعدة، عمليًّا شجّعت الرّاوي بصفته الشّخصيّة المركزيّة أن يمارس
حقّه الشّرعيّ في أن يواصل صدامه مع أذرع السّلطة، وحتّى مع الأشخاص الآخرين أو
الشّخوص الأخرى الّتي نظرت إلى موضوع البناء والمسكن بشكل مغاير عن
"ثابت". إنّ ثابت اتّجه في صراعه بإيمانه المطلق وبحوافز داخليّة لتغيير
إشكاليّة البناء والهدم والمسكن، كأولويّة للإنسان والمواطن العربيّ في هذه
الدّولة؛ فهو الأسبق وصاحب الحقّ الأصليّ والطّبيعيّ على أرضه التّاريخيّة. إذ لا
يمكن التّسليم بالقبول والصّمت على وضع فيه صاحب الحقّ مدان، ولا يمكن
التصرّف بحريّة، لأنّه مقيّد بقيود القانون الوضعيّ الاستعماريّ.
يمكن الإشارة إلى شخصيّة "الأب" في الرّواية
أنّه عامل مساعد، وتبدّى ذلك من خلال مواصلة طريق ابنه "ثابت" النّضاليّ
وذلك بتورّطه (Involvement) في قضيّة المسكن واستصدار رخصة بناء. فالأب
لا يمكن أن يفرّق بين ابن وآخر؛ فقد التمس طريقًا موضوعيّة مع أبنائه الثّلاثة،
صامد وثابت وسلامة. فقد تعاطف الأب وساند ابنه ثابت في صراعه، لأنّه علم أنّ
الصّراع مع السّلطة طويل وشائك في الوقت ذاته. والأب يقرّ في نفسه حقيقة الغبن
والعنصريّة الّتي تشنّها الدّولة على المواطن العربيّ الفلسطينيّ، ولكن بهدوء! فلا
يعمد الأب إلى تثوير الرّأي العامّ بمشكلته الشّخصيّة المتمثّلة باستصدار رخصة
بناء وذلك لأنّ أبناءه يقومون بالواجب كما يراد.
على العموم فالإخوة كلّ من منطقه، قاموا بمناهضة سياسة
الدّولة تجاه المواطن العربيّ، في حرمانه من المسكن والعيش بأمان وسعادة بالطّريقة
الّتي يرتضيها. حتّى "سلامة" الّذي أبان عن موقف مسالم من هذه المسألة،
لم يسلم ولم يأمن على حياته؛ فاستقرّت رصاصة طائشة في صدره! وقد فُضّ الصّراع حول
المسكن بموته أو استشهاده، لموقفه البيّن وممارسته السّليمة والسّلميّة، والّتي
جرّت عليه بالتّالي ثمنًا باهظًا...
كذلك شخصيّة "سارة" الصّحفيّة اللّامعة،
والّتي لم تألُ جهدًا في مرافقة الرّاوي ثابت في حلّه وترحاله. تحاول كشف الحقيقة
فعلاقتها مع ثابت مبنيّة على محبّة وصداقة حقيقية عكس ظنّنا بها في الفصول الأولى
من الرّواية، فقد أرادت الحقيقة، وتوثّقت علاقتها ب "ثابت" مع تقدّم
أحداث الرّواية.
لقد ناصرتْه في مواقف الشدّة، وفي وقت تخلّت عنه خطيبته
عندما عَلمت بمشكلة البناء وأمر الهدم، فلم يَرُق لها الوضع خاصّة وأنّها ابنة
المهندس "عزيز".
شخصيّة "سارة" مثّلت القوّة في تواضع وأناة،
والذّكاء الفطريّ العبقريّ في نباهة. وقد شكّلت مَعينًا ل "ثابت" عندما
كان في أمسّ الحاجة لمن يناصره ويرشده وهو بعيد عن أهله، فكانت خير صديق في رحلة
الرّاوي وبحثه عن الحقيقة. فقد أراد أن يوصل صوته لكلّ أصقاع العالم حول ما يحصل
في الدّولة، من ظُلم وإجحاف وقهر وهتك للأعراف وتسخير القانون لصالح المؤسّسة،
الّتي تتعامل مع المواطن العربيّ بوجهين، أو تكيل بمكيالَين.
يمكننا الإشارة إلى وجود شخصيّة، شكّلت إعاقة أو تعويقًا
للقضيّة الرّئيسيّة، في استصدار رخصة بناء ومنع أمر الهدم، وهذه الشّخصيّة هي
المهندس "عزيز"، فقد شكّلت حالة شاذّة فبدلًا من أن تُساعد
اتّجهت إلى استنزاف القضيّة. فقد تعهّد للأب أن يصدر رخصة، ويبعد كابوس الهدم عن
مرأى ومسمع الأبناء، لكنّه لم يفعل شيئًا، فهو من الممالئين للسّلطة، رغم حصوله
على مبلغ ماليّ من والد ثابت، ليساعده في تأجيل أمر الهدم وإيجاد مخرج قانونيّ،
لكنّ وعوده ذهبت أدراج الرّيح، فالمال لم يوظّفه في العمل الشّرعيّ النّظيف، فأصيب
بوصمة عار، واضطرّ أخيرًا أن يُرجع المبلغ الماليّ الّذي أخذه من الأب لقاء إيجاد
وجه قانونيّ للمسألة، أرجعه لثابت بعدما ضاقت به الأمور وحفاظًا على سمعته فقد
أهين عزيز من قبل ثابت. فشخصيّة "عزيز" شخصيّة مضادّة "Antagonist" عوّقت
أمورًا مهمّة فيما يتعلّق بالقضيّة التّخطيطيّة، فقد عقد الأب آمالًا كبيرة على
شخصيّة "عزيز" بصفة علاقاته الخاصّة مع السّلطة والمؤسّسة الإسرائيليّة؛
وذلك ليخلّص العائلة من مصابها الجلل الّذي لحقها.
_ وبالتّالي فإنّ الفعل عند الشّخصيّة المركزيّة
"ثابت" اتّسم بالانطلاق تارة وبالنّكوص تارة أخرى، نتيجة للأزمات الّتي
رافقته على طول الأحداث، فقد استعمل الرّاوي في السّرد أسلوب القطع كما في
السّينما والاسترجاع، والتّبئير "focus" بمعنى التّركيز على شخصيّة بعينها
أكثر من غيرها. وهنا شخصيّة "ثابت" تقف في مركز النّقاش، كونه المحرّك
الرّئيس للصّراع حول قرار الهدم، وتأليب النّاس على السّلطة وضرورة التّصدّي لها
قبل حصول الكارثة. وبالتّالي حصل ما حصل لعدم التّعاون كما يجب، وتقاعس المسؤولين
عن أخذ دورهم، وعدم العمل في القنوات المتاحة والضّغط الجماعيّ الجماهيريّ الّذي
كان يجب أن يدير الصّراع بشكل أنجع عدا عن التّخطيط الإجرائيّ العبثيّ...
برأينا إنّ العمل على الصّعيد الشّعبيّ وتثوير الرّأي
العامّ، بالتّوازي مع الاتّجاه القانونيّ والأطر الفاعلة فيه، من الممكن أن يؤجّل
قرار المحكمة القاضي بهدم المنزل، فهذا الهدم يحمل في طيّاته المأساة والهمّ
واضمحلال الرّغبة ببناء مستقبل مشرق يعتمد على أسس قويمة، غير مرتبكة أو منهوكة
الحقّ والقوّة. علينا أن نستأصل شأفة الباغي والقانون المتهكّم لحقّ الإنسان
الشّخصيّ والطّبيعيّ المستمدّ من الوجود الشّرعيّ، وإن لم تصادق عليه المؤسّسة
الحاكمة. هذا ما يجب أن يكون قائمًا، بحكم وجودنا
بأرضنا الّتي تحمل كلّ ملامحنا وطاقاتنا وأحلامنا، فلا
يجب أن يكون وجودنا الأنطولوجيّ مهدّدًا بالزّوال، والعيش على هامش الحياة
السّياسيّة، بل بتأصيل الحقّ الشّرعيّ والإرث التّاريخي-الاجتماعيّ-الأنثروبولوجيّ!
ج. مرحلة ما بعد الفعل-الإنجاز والنّتيجة (التّحقيق):
لقد عاينّا حركة الشّخصيّة المركزيّة من خلال رؤية
إنثروبوسيميائيّة، كونها تضع الإنسان في المركز خلال سعيه وصولًا للهدف ونيّة
الرّاوي خلال البحث. وارتسمت غالبية الشّخوص بسمات إيجابيّة إنسانيّة، ولم
تتعاورها سموم التملّق والزّيف لأبناء الوطن، ما عدا قلّة قليلة منها.
ونحن في الدّاخل لا بدّ من أن نتبيّن حقيقة الغُبن
والاستهتار من قبل المؤسّسة الحاكمة، وهذا لم يأتِ من فراغ وإنّما لأنّنا رضينا
واستسلمنا، عندما قامت الدّولة وسنّت القوانين لتثبت وجودها وملكيّتها على الأراضي
والمنشآت الّتي وجدت قبل تأسيسها فعليًّا. فالفلسطينيّون وُجدوا في هذه المنطقة
منذ مئات السّنين، وهذا يُفنّد ويأتي ببطلان مقولة "أرض بلا شعب لشعب بلا
أرض" الّتي قام بالتّرويج لها زعماء الحركة الصّهيونيّة، والّتي نتج عنها
إحدى أعظم الكوارث الإنسانيّة الّتي حدثت في القرن العشرين، ألا وهو ترحيل الفلسطينيّين...
والرّواية تشير بشيء من التّلميح إلى واقع وجودنا الخطير، لكنّه لا يدعونا إلى
اليأس من إصلاح ما نحن فيه. وهذا ينقلنا إلى ما يقوله المفكّر الجزائريّ
"مالك بن نبي" رحمه الله، مذكّرًا إلى أهميّة أن يكون الشّعب واعيًا
وعارفًا لقيمة وجوده وإنسانيّته الحقّة. يقول "وليس ينجو شعب من الاستعمار
وأجناده إلّا إذا نجت نفسه من أن تتّسع لذلّ مستعمر، وتخلّصت من تلك الرّوح الّتي
تؤهّله للاستعمار أو القابليّة للاستعمار((Colonizability، ولا يذهب
كابوسه عن الشّعب-كما يتصوّر بعضهم- بكلمات خطابيّة أو أدبيّة وإنّما بتحوّل نفسيّ
يصبح معه الفرد شيئًا فشيئًا قادرًا على القيام بوظيفته الاجتماعيّة، جديرًا بأن
تُحترم كرامته، وحينئذٍ يرتفع عنه القابليّة للاستعمار..." (بن نبي، 1986:
152). وقد قال أحد المصلحين: أخرجوا
المستعمر من أنفسكم؛ يخرجْ من أرضكم".
كاتبنا الخطيب، يحاكي الواقع في روايته، ويظهر ما يدور
بأروقة المؤسّسة، الّتي تضيّق على المواطن سبيل عيشه. لكن نرى ألّا يجب إقصاء
المواطن عن حقّه في ممارسة البناء والسّكن تحت طائلة القانون، لكن لا يجب أن يصل
الوضع بالمؤسّسة الحاكمة إلى هدم المنزل على ساكنيه، غير عابئة بكيانه ووجوده في
الحيّز الجغرافيّ الحميم. فالكاتب يرمي من خلال نقاشه إلى تبئير قضيّة الصّراع حول
المسكن، وشرعيّة وجود الإنسان الفلسطينيّ في وطنه، الّذي أصبح وجوده غريبًا،
وكأنّه طارئ لا يتمتّع بحقوق إنسانيّة اجتماعيّة تخطيطيّة، وما يريد تحصيله في
الواقع يتمّ بالقوّة والغلبة والقهر...
برأينا أنّ الكاتب محمود الخطيب، ينطلق في تجربته هذه
بأعراف وتقاليد يحياها المجتمع، فالأمر يبدو مألوفًا ومأنوسًا، كوننا نعيشه
ونعايشه يوم يوم. وهذا ينقلنا إلى ما يقوله النّاقد السّيميائيّ "جونوثان
كولر" فبرأيه " إنّ التّواصل بين المبدع والمتلقّي ينهض على معرفتهما
المشتركة بالتّقاليد الّتي ينتمي إليها النّصّ، ولولا هذه المعرفة المشتركة
لاستحال الاِتّصال والتّفاهم بين الكاتب والقارئ. فالنّصّ الأدبيّ يفترض نوعًا من
التّقاليد الرّاسخة الّتي تُعدّ شرطًا لإمكان التّفاهم بين الإثنين" (ريّان،
2016: 75).
في مقاربتنا للشّخصيّة المركزيّة في السّرد، رأينا أنّ
"ثابت" يسيطر على بؤرة ووظيفيّة السّرد، ويوزّع أفكاره والنّشاط المزمع
القيام به، واعتبر أنّ المسكن من ضروريّات الحياة الأساسيّة، وما عدا ذلك فهو
إجهاض وإجهاض للحلم والوطن والمجتمع. وثابت في حركته وأسفاره ومحاضراته حول قضيّة
الإنسان وخاصّة المسكن وما يتبعه، لم يستطع أن يُغيّر الواقع المرفوض منه، لأنّ
كيان الواحد ضعيف في مقابل المؤسّسة الحاكمة وتحقيق فرصة النّجاح شبه مفقودة في
حالة ثابت في صراعه وأهله ضدّ الدّولة. ولذا من غير الممكن اعتباره بطلًا تامًّا،
فمساعيه الحثيثة ونضاله الواعي لم يوصلاه إلى إحداث تغيير في الخطاب والتوجّه
العامّ؛ فنَسِمُه بوسام "شبيه البطل" (Semi Hero)، فلم يستطع
أن يُوقف أمر الهدم وإرهاب الدّولة، بالرّغم من نضاله الكبير، على شتّى الأصعدة...
وهذا يقودنا إلى القول، إنّ دور البطولة التّام غير موجود، بل الغالبيّة من
الشّخصيّات الأساسيّة هي "شبه بطل" أو" لا بطل"، فالأدب
العربيّ الحديث والعالميّ حتّى، يسعى لتهميش الشّخصيّة المركزيّة في واقع مغاير
لما كان ذي قبل، وهذا نابع من الواقع المعيش والهيئة السّياسيّة الحاكميّة، في
دورهما الفادح والأليم حيال شخصيّة قويّة قياديّة تريد أن تقرّر مصيرها الحتميّ،
دون انطواء وتراجع؛ ولذا نقول إنّ الدور الحقيقيّ للبطولة حتّى في الدّرس الأدبيّ
عندنا، ضعيف ولا يُلبّي شوق وتطلّع القارئ والمتلقّي الناقد على السّواء. إذًا؛
فالبطولة بوجهها المشرق المكتمل غير موجودة وقد ينسحب هذا الأمر على غالبيّة
الرّوايات الصّادرة في العقدين الأخيرين أو أكثر. صورة الشّخصيّة المركزيّة غير
ناصعة، وتوظيفها يأتي من أزمات نفسيّة واجتماعيّة يحياها الكاتب، فيأتي لتفريغ
حواسّه ووجوديّته بهذا القالب السّرديّ، فيصدم بقصور في جعل الشّخصيّة الرّئيسة
ديناميّة متحوّلة بين نقيضين؛ فتصاب أحلامه الورديّة وآماله بشروخ وتعتورها
المعاطب فكريًّا وجوديًّا وجماليًّا، فتنكص أخيرًا مثبّطة غير محقّقة لمشيئتها
الفرديّة أو الجماعيّة على مستوى الواقع والأيديولوجيا وحتّى المعرفيّ!
ولا بدّ أن نقول إنّ الشّخصيّة المركزيّة في رواية محمود
الخطيب، ناضلت بشكل يُحسب له حساب، وبقيت في سعي حثيث في معابر الرّواية جميعها
وأحداثها، وارتبطت بذهن القارئ الجمعيّ، وليس بالهيّن أن تنسى في نضالها المستميت
دفاعًا عن الأرض والمسكن وصراع البقاء. بعكس باقي الرّوايات والّتي تُبنى الشّخصيّة
الرّئيسيّة بشكل لا يستقطب شغف القارئ، ولا تأخذ حيّزًا من فكره وأيديولوجيّته،
فلا تلبث أن تُنسى من الأذهان، وتكتفي فقط بالبطولة على الورق على الأكثر، فهي
ليست من لحم ودم، تتحدّى مخيّلة القارئ وتبهره بالمفاجأة والتحوّل خلال تيّار
السّرد، بل مؤدّاها على النّصّ لا غير. أمّا شخصيّتنا الأساسيّة فهي
"الثّابت" فقد ثبتت لآخر رمق، وناضلت عن موقفها خطابيًّا وحركيًّا،
إضافة إلى شخصيّة "صامد"، فلا يمكن إغماط دورها، كونها ملازمة ل
"ثابت"، فهي ظلّ لثابت في كلّ تحوّل لا تقلّ ولا تستقيل.
ثانيًا: مرحلة ما بعد النّصّ: نشاط ما بعد القراءة (Post
Reading Activity)
هنا سنعاين حركة الشّخصيّة السّيميائيّة بوصفها كيانًا
لغويًّا، بعد أن قاربناها أنثروبولوجيًّا على
امتداد النّصّ، للوقوف على الدّلالة (Significance).
تسير رواية الخطيب وفق الطّريقة الكلاسيكيّة، بحيث تبدأ
الأحداث بشكل رتيب، وسرعان ما تتصاعد في منحاها وحبكتها. ويمكننا الإشارة إلى أنّ
الرّواية تطرح موضوعًا معاصرًا حضريًّا وحضاريًّا. فالقضيّة الّتي تتمثّلها تصبّ
في مركز اِهتمام الجماهير العربيّة بشكل خاصّ. وتوظّف تقنيّة الاسترجاع وأسلوب
المفارقة بالمجمل العامّ.
الرّاوي، وهو الشّخصيّة المركزيّة، يمثّل شاهدًا حيًّا
وواقعيًّا للحدث، وهو بذلك يمثّل الأمانة والقيمة الحقيقيّة الّتي يطارح من أجلها
وفي كنفها، فأحداثها بالمجمل قريبة من الواقع، وتُسقطها على الواقع المباشر الّذي
نستأنس به وحياتنا، الّتي تتنكّبها عادة عوامل التّمييز وتضييق العيش وكبت
الحريّات الممنوحة للمواطن في النّظام الدّيموقراطيّ. والكاتب ذاته في كلمته يصرّح
قائلًا: "هذه الرّواية تحمل في طيّاتها كثيرًا من الأحداث الحقيقيّة الّتي
حدثت معي أو مع أشخاص آخرين. لن أفصّل أيّها حقيقيّ أو قريب من الواقع حتّى لا
تفقد رونقها وجاذبيّتها!" (الرّواية: 202).
ولعلّ الرّواية تشير بوضوح إلى أزمة القيادة الّتي
يعانيها مجتمعنا في الدّاخل الفلسطينيّ، فكانت الرّواية نهجًا وخطوطًا عريضة توضّح
كيفيّة صناعة التّغيير وطبيعته. نعم، مطلوب لمجتمعنا العربيّ في الدّاخل قائد شجاع
يستطيع تحريك الجماهير، ومستعدّ للتّضحية والإقدام... يعمل من أجل مصلحة الجميع.
"لا يخاف على معاشه الدّسم في الكنيست، ومهمّ جدًّا أن يكون مبدعًا، يستحدث
طرقًا جديدة للنّضال والتّأثير وتحصيل الحقوق... يستطيع التّخطيط ولا يعمل بردّات
الفعل، المرحلة تتطلّب شخصيّة كهذه... نحتاج إلى البطل ثابت في واقعنا، ولعلّ
الرّواية تلهم أحدهم فيتحرّك وينطلق.."
(الرّواية: 203).
الكاتب في روايته يُسقط الكثير من الأمور الفوضويّة
ويناقشها ليبيّن مدى الفراغ والبعد الفكريّ الّذي يحياه أبناء هذا الوطن، وإلى
كوننا نحن في الدّخل لا ندرك عمق الصّراع والارتباك القانونيّ والسّياسيّ الّذي
تتصنّعه، المؤسّسة حيال وجودنا، الّذي تعتبره طارئًا، مع أنّ الأمر مفارق للواقع؛
فالشّعب الفلسطينيّ ونخصّ عرب الدّاخل ال-48، هم أصحاب الملك في ملكيّة الأرض
والبناء، ولا مكان للاستعمار الطارئ حقيقة. وفي المحصّلة العامّة نجد الرّواية في
دلالتها تكشف عُري المؤسّسة الحاكمة، في دولة تمضي في طريق العولمة في القرن
الواحد والعشرين، وتحتلّ مكانة متقدّمة في سلّم التطوّر الاجتماعيّ والاقتصاديّ،
وفي الحقيقة تمارس الظّلم والإجحاف بحقّ مواطنيها.
وهنا نلمس أنّ الكاتب يدعو إلى تثوير الوعي الجمعيّ أو
الرّأي العامّ، في ضرورة إحداث التّغيير، ولو لم تمتلك الوسائل الكافية وإلّا كنّا
عالة على مجتمعنا. فإنّ الإدمان على مناهضة الحالة الرّاهنة، وعن طريق تدويل
القضيّة في الجمعيّات والمؤسّسات الدّوليّة، تؤثّر في الاتّجاه الصّحيح ومن شأنها
أن تضع المُستعمر أو المحتلّ في وضع محرج وضعيف في ممارساته ونشاطاته تجاه
مواطنيه...
إنّ واقعيّة الرّواية تدعو إلى الانتقال من الفلسفة
البرغماتيّة إلى الحسّيّة، فعلينا أن نعايش الواقع ونحاول التّغيير، لا أن نقبل
بالوضع القائم الّذي يفرضه علينا الغريب أو السّاسة دون مبرّر واقعيّ.
يجب تغيير الوجه القانونيّ، لواقع المسكن وضائقة البناء
بسبب عدم وجود حيّز أو منطقة مرخّصة-تيريتورياليّة ((Territorial. فلا يستطيع
الإنسان ممارسة نشاطه القانونيّ في المكان المفروض. لذلك يتّجه إلى تغيير الواقع
مهما كان صعبًا، كوننا أصحاب الحقّ، فالدّولة تقدّم خدماتها بناءً على سياسات
وضعيّة، دون أخذ بالحسبان المواطن العربيّ، الّذي يحارب من أجل لقمة العيش والحياة
بكرامة، بكلّ جوارحه، بحيث تستحوذ الجغرافيا والأرض على وجوده وشعوره برمّته.
ويضحي استرجاع الأرض حُلمًا أحيانًا، لعدم وجود قاعدة جيوسياسيّة وسوسيوثقافيّة،
تستطيع وضع الموازين الإسكانيّة والثّقافيّة والحياتيّة في مضمارها الصّحيح.
بالتّالي قضّة الإنسان والمسكن ديموغرافيّة تتصرّف بها الحكومة كما
تشاء للحفاظ على توازن بين العرب واليهود في الدّولة.
في مقاربتنا للدّلالة نلمس أنّ الكاتب يرمي إلى تثوير
الواقع وتجييره باتّجاه الوعي المضادّ لحالة السّبات والاستسلام في حياتنا، فيجب
تقوية إحساسنا بواقعنا المعيش بقوّتنا الذّهنيّة. يمكننا تغيير الفلسفة الوضعيّة الذّرائعيّة
الّتي تنظّم الإنسان في حيّزه وعمله وكيانه الاجتماعيّ من خلال المنظومة الّتي
يحياها في واقعه، إلى الفلسفة الحسّيّة والمعنويّة الّتي لا تعترف بالمعرفة
المسبقة.
نلمس أنّ إحساسنا هو المموّن الرّئيس للذّهن البشريّ
بالتصوّرات والمعاني، ولذلك فإنّ إحساسنا الصّادر عنّا هو المؤشّر للفعل ولعمَلنا
المجتمعيّ. فشعورنا تجاه الواقع هو الصّادق، والّذي يؤول إلى مرجع منه نستمدّ
تفسيراتنا وتأويلنا بشتّى أشكاله للحالة الّتي نعيش في ظلالها.
وبذلك فقد تكون رسالة الكاتب في ضرورة التّعبير عمّا
يخالج صدورنا، ويفتّق ذواتنا، حتّى ولو لم نمتلك كامل المعرفة في حالتنا
الانطولوجيّة المتمثّلة في الرّواية بالطّرح السّوسيولوجيّ والمشاكل الكيانيّة
الوجوديّة، المرتبطة بالتّخطيط والأرض والبناء العمرانيّ، وشرعيّة المواطن وحريّته
في مجاله الإحيائيّ، الممتثل أمامنا في صراع البقاء وحتميّة إيجاد حلول واضحة
تخرجنا من الدّوامة المقيتة هذه.
وأخيرًا؛ وجدنا أنّ الحدث الأساس أو الأحداث في
الرّواية، ومركّباته السّياسيّة والاجتماعيّة والإنسانيّة في الحيّز الجغرافيّ
والسّمات الأخرى كالأعراف والوسائل البلاغيّة، تشكّل شيفرة مركّبة بتعبير النّاقد
السّيميائيّ "روبرت شولز" (شولز، 1994: 51 وما بعدها)، وبدورنا حاولنا
فكاكها، من خلال محاولة الوصول للمعنى والدّلالة، وكذلك تحليل الرّموز في
الشّخصيّة المركزيّة خصّيصًا، فكلّ الشّخصيّات الّتي وظّفها الكاتب جاءت لتؤدّي
دورًا هامًّا في المعادلة المحسوبة الّتي تضمّ كلّ الشّخصيّات. ومقاربتنا للرّواية
اتّجهت بنا نحو الهدف الّذي رسمه الكاتب مسبقًا، عن وعي بالأحداث وتتابعها زمنيًّا
ومكانيًّا، وصولًا للدّلالات المقترحة وإن تعدّدت القراءات والتّأويلات، على ضوء
تفكيك مبنى النّصّ عبر الموديل الّذي اعتمدنا عليه في منهجنا للوصول للدّلالة
الفكريّة الّتي قادنا إليها نهجنا وتتبّعنا لتحوّلات الشّخصيّة المركزيّة عبر
مشاهد الرّواية. وبالتّالي فإنّ اِجتهادنا جاء ليعاين المشكلة، ووضع حلول
لوضعيّتها الموضوعيّة وصولًا لملامسة واقعيّة طرح ونهج الكاتب، وكيفيّة تعاطيه مع
القضيّة السّكنيّة ومشاكل التّنظيم والبناء، في مجتمعنا العربيّ بشكل خاصّ...
· خلاصة:
في هذا المقال قمنا بدراسة سيميائيّة الشّخصيّة
المركزيّة في رواية "أصلها ثابت" للكاتب د. محمود الخطيب. وبعد أن وقفنا
على معايير الشّخصيّة كخطوة أوّليّة معياريّة لتشخيص الشّخصيّة الرّئيسيّة في
تشكيل الأحداث، في دائرة من ردود الأفعال في السّرد، انطلقنا في عمليّة التّحليل
والتّأويل وصولًا إلى تحديد دورها البطوليّ في الرّواية، معتمدين على الموديل
السّيميائيّ الذّهنيّ المعروف بِ (Cognitive
Semiotic Model) لمبدعه
الباحث إبراهيم طه.
وبدورنا خلصنا إلى عمليّة التّأويل، بناء على الأحداث
وتطوّر الحبكة السّرديّة، حيث وقفنا على المعنى والدّلالة وذلك يتعلّق بثقافة ودور
المتلقّي في تجيير المعنى إلى دلالة أو دلالات ترتكز عليه وتطرد عنه في الوقت
ذاته، فقد نتّفق على المعنى ونختلف على الدّلالة، والحديث هنا عن روايتنا
"أصلها ثابت".
من خلال العرض العامّ وجدنا أنّ الشّخصيّة المركزيّة
اتّسمت بالبطولة الجزئيّة، ولم تحظَ بالبطولة الكاملة برأينا، للمعوّقات
والسّياقات الّتي أتينا عليها في استعراضنا. وقد أتينا كذلك على الدّلالة
السّيميائيّة، في نشاط ما بعد القراءة، ومن تجييرنا للمعنى من الخاصّ إلى العامّ (Overall Meaning)
وجدنا أنّ الرّواية وبالذّات في ثيمتها المركزيّة،
تدعوننا إلى التّكاتف ونبذ خلافاتنا جانبًا، وعلينا عدّ العدّة للأيّام القادمة
الزّاخرة بالانتفاض وتثوير الواقع، الّذي لا يلبّي احتياجات ورغبات الجيل الصّاعد
الّذي يرزح تحت وطأة القهر والذّوبان وانتقاص الحقوق الاجتماعيّة والإنسانيّة
والوجوديّة كأقليّة تعيش في وطن مسلوب...
وبالمجمل العامّ، فالرّواية تشير بوضوح إلى وجود أزمة
قيادة الّتي أدّت إلى معاناة مجتمعنا بكلّ أطيافه وبأطره المختلفة، والّتي توّجت
بتوفير المسكن والبناء المرخّص والتّخطيط العمرانيّ السّليم. وبذلك تدعو الرّواية
أو الرّاوي الكاتب الضّمنيّ، إلى الثّورة العامّة على صنّاع القرار والّذين يقبضون
على ناصية الأفراد والجماعات. فالرّواية مثّلت خطوطًا عريضة حول كيفيّة صناعة
التّغيير، ولا يمكن أن نبقى نلقي باللّائمة على الظّالم والمحتلّ والدّولة؛ فهذا
أمر مفروغ منه، ولكن نحتاج إلى التّضحية وإيجاد قيادة سليمة حكيمة، تفي بتطلّعات
المواطنين، وتحرّك الجماهير باتّجاه إحقاق الحقوق ومواجهة الأخطار المحدقة بنا.
فكلّنا نبحر بنفس الباخرة، ولذا فالهدف مشترك والهمّ واحد، فكلّ مؤثّر هو متأثّر
بالضّرورة؛ ومن هنا يأتي التّغيير!
والله وليّ التّوفيق....
"انتهى"
· المصادر والمراجع:
-
القرآن الكريم: كتاب سماويّ
-
بن نبي، مالك. شروط النّهضة، ترجمة عبد الصّبور
شاهين. (سوريّة-دمشق: دار الفكر للتّوزيع والنّشر، 1986)، ص
152.
-
الخطيب، محمود. أصلها ثابت (رواية)، ط1.
(كفركنّا: معهد نهضتنا، 2019).
-
ريّان، محمود. دراسات سيميائيّة في القصّة القصيرة
والرّواية، ط1. (كفر قاسم: مطبعة كفر قاسم، 2016).
-
زيتوني، لطيف. معجم مصطلحات نقد الرّواية، ط1.
(بيروت-لبنان: مكتبة لبنان ناشرون، 2002).
-
سلدن، رامان. النّظريّة الأدبيّة المعاصرة، ترجمة
سعيد الغانمي، ط1. (بيروت: المؤسّسة العربيّة للدّراسات والنّشر، 1996).
-
شولز، روبرت. السّيمياء والتّأويل، ترجمة سعيد
الغانمي، ط4. (بيروت: المؤسّسة العربيّة للدّراسات والنّشر، 1994).
-
طه، إبراهيم. "تأتأة البطولة في الرّواية الفلسطينيّة
المتأخّرة: دراسة أنثروبوسيميائيّة". المجلّة. النّاصرة: مجمع اللّغة
العربيّة، عدد 11، 2020.
-
Taha, Ibrahim. Heroizability: An Anthroposemiotic
Theory of Literary Characters (Boston/Berlin: De Gruyter Mouton). 2015.
-
Vermeule, Blakey. Why Do We Care About Literary
Characters? (Baltimore: JOHNS Hopkins University Press). 2010.
-
Zunshine, Lisa. Why We Read Fiction: Theory of Mind
and the Novel (Columbus: The Ohio State University Press). 2006.