الجمعة، 28 أبريل، 2017

بين “أم المعارك” و”أم القنابل” بقلم أ.د. محمد الدعمي

تكمن المشكلة الآن، بالنسبة للعقل الإداري الأميركي، في إمكانية استدراج الصين العملاقة إلى غياهب أي ارتطام عسكري مع كوريا الشمالية. لذا سيتواصل مسلسل التخويف الكوري/الأميركي والأميركي/الكوري إلى ما لا نهاية حتى يجد الدبلوماسيون فضاءً كافيًا للتصرف، وإلا فإنها ستكون حربًا لا تبقي ولا تذر إن نشبت، لا سمح الله.

لا يخفى حتى على أعضاء الكونجرس الجمهوريين خشيتهم من تداعيات قرار حرب متهور ضد كوريا الشمالية، درجة أنهم لا يستحضرون ما جرته حرب احتلال العراق على الولايات المتحدة والعالم الغربي عامة من ويلات وثبور بسبب مثل هذه التداعيات، الاقتصادية الكارثية. وإذا كان من الصحيح أن العراق لم يتمكن من إرسال صواريخ إلى أميركا ولا إلى أي من حلفائها في المنطقة المجاورة له عبر الشرق الأوسط آنذاك كما كان يعتقد آنذاك، فإن ما يقض مضاجع المراقبين الاستراتيجيين في الولايات المتحدة هو مفاجأة قد تكون مخبوءة ومدبرة لدى بيونج يانج في حالة نشوب الحرب.
لذا ستحاول إدارة الرئيس الجديد، دونالد ترامب، جاهدة سلوك كل الطرق الممكنة لتجنب أي صدام عسكري يبرهن عبره الكوريون الشماليون عن قدرة ردع عسكري غير متوقعة القوة ولا محسوبة الآثار خاصة بقدر تعلق الأمر بمدن الساحل الغربي للولايات المتحدة الأميركية. أما “أم القنابل”، التي سبقتها “أم المعارك”، فلا يبدو بأنها ستكفي لتردع الرئيس الكوري الشمالي الذي استحق الآن ما استحقه الرئيس السابق صدام حسين من نعوت وتوصيفات هدفت إلى الحط من إمكانية توازنه الشخصي، لذا فقد تم استحضار كامل منظومة النعوت والصفات السلبية التي أطلقت آنذاك على الرئيس الكوري الشمالي، وهي ألفاظ من نوع “متهور” و”كتوم” و”تآمري” ولا يمكن ردعه ولا توقع ما قد يفعل.
قد يكون هذا الاستحضار البلاغي مقدمة لشن حرب، إلا أن النتائج غير المؤكدة لعملية إسقاط “أم القنابل” في منطقة غير مأهولة بأفغانستان على حدودها مع باكستان راحت تبتلع فكرة بث الخوف في قلب الرئيس الكوري الجنوبي الذي لا يهمه ما يطلقه عليه الإعلام الأميركي من هجمات شخصية، بقدر ما يهمه المحافظة على ذات الزخم الإعلامي التخويفي الذي لا يقف عند حد، كما يبدو للأميركان.
إنه لمن البداهة بمكان بأن التقريب والتقرب بين واشنطن وبكين إنما يستبق خطة للإجهاز على أقوى وأهم داعم وحليف لكوريا الشمالية. وإذا كانت فكرة تشديد العقوبات الاقتصادية ستساعد على تجنب الحرب الآن، فإن ما أكدته التجربة الأميركية في العراق هو أن العقوبات مهما زادت وتشددت وأُحكمت، فإنها لا بد وأن تترك من الثغرات ما يسمح لكوريا أن لا تتوقف عند حد معين في تطوير برامجها الصاروخية الهادفة إلى اكتساب القدرة على عبور المحيط الهادي إلى مدن كاليفورنيا الرئيسة كلوس أنجلوس.
تكمن المشكلة الآن، بالنسبة للعقل الإداري الأميركي، في إمكانية استدراج الصين العملاقة إلى غياهب أي ارتطام عسكري مع كوريا الشمالية. لذا سيتواصل مسلسل التخويف الكوري/الأميركي والأميركي/الكوري إلى ما لا نهاية حتى يجد الدبلوماسيون فضاءً كافيًا للتصرف، وإلا فإنها ستكون حربًا لا تبقي ولا تذر إن نشبت، لا سمح الله.

كتاب عن كفرياسيف

كتاب عن كفرياسيف

عرض ومراجعة
ب. حسيب شحادة
جامعة هلسنكي


رفائيل بولس بولس، كفرياسيف بين أصالة الماضي وروعة الحاضر، طبعة ثانية جديدة مُنقحة ومزيدة. أيار ٢٠١٢، كفرياسيف: طبع في تخنوجراف، وجدي حمزة، 4828369-050، ٤٣١ ص.، وزهاء المائة صورة لشخص، لمكان، لوثيقة، أمّا الطبعة الأولى فكانت قد صدرت في تشرين الأول من العام ١٩٨٥، عكا: مطبعة رحمون، وكان ذلك من إصدار قسم المعارف في مجلس كفرياسيف المحلي، ٢٨٥ص.

إنّ إصدار مثل هذه الكتب عن مدن وبلدات وقرى فلسطينية بعامّة، وداخل الخطّ الأخضر بخاصّة، لأمر في غاية الأهمية قوميًا وتاريخيًا وثقافيًا، من أجل إثراء الذاكرة الجمعية والحفاظ عليها على مرّ  العصور والأجيال. قد يكون هذا الكتاب الضخم  قيد المراجعة، من أوائل هذه المؤلّفات، وحبّذا السيْر في الطريق ذاته، إذ أنّ السِّيَر الذاتية والذكريات أو المذكّرات رغم أهميتها، لا تفي بالهدف الجمعي المنشود. في أسفل الغلاف المقوّى الأيمن، أُثبتت هذه القطعة الشعرية اللطيفة للمؤلِّف بولس، وهي مقتطعة من قصيدة، يرثي فيها رئيس مجلس محلّي كفرياسيف، ينّي قسطندي ينّي (١٨٩٥-١٩٦٢ ورئيس من عام ١٩٣٤وحتى وفاته؛ هنالك كتيّب بهذا الخصوص، لا ذكر له عند بولس وهو: نمر مرقس، يني قسطندي يني ١٨٩٥-١٩٦٢، رئيس مجلس كفرياسيف المحلي ١٩٣٤-١٩٦٢ ورئيس الجبهة العربية الشعبية ١٩٥٨-١٩٦٢، مجلس كفرياسيف المحلي ١٩٨٧، ٥١ ص.)

                  ”لا تدعوا الشمس في بلدي تغيب
                  بل دعوا الهلال يعانقه الصليب
                  واجعلوا الطير حبيبًا للشجر
                  ليصدح الصادي ويشدو العندليب

تتوزّع صفحات هذا الكتاب شِبه الموسوعي على اثني عشر بابًا رئيسيًّا، بدون ذكر أبواب فرعية وما أكثرها، وبدون إحالة للصفحات (أنظر ص. ٤٣٠) وهي: كفرياسيف عبر التاريخ ص. ١-٦٠؛ الوضع الجغرافي ص.٦١-٨٤؛ السكان ومصادر الرزق، ص. ٨٥-١٨٨؛ طرق المواصلات ووسائل الإعلام والاتصالات، ص. ١٨٩-١٩٤؛ الحكم المحلي، ص. ١٩٥-٢١٧؛ نهضتنا الأدبية العلمية الفنية والرياضية، ص. ٢١٩-٣٠٤؛ الأماكن المقدسة ورجال الدين، ص. ٣٠٥-٣٣٣؛ المرأة في كفرياسيف ومركزها الثقافي، الاجتماعي والسياسي، ص. ٣٣٥-٣٥٠؛ حركات ولجان وجمعيات أهلية وعامة، ص. ٣٥١-٣٦٤؛ شؤوننا الصحية، ص. ٣٦٥-٣٧٠؛ كفرساويات، ص. ٣٧١-٣٩٠؛ أحلى الكلام، ص. ٣٩١-٤١٧. من عناوين الفصول الفرعية للباب الأّول فقط ننوّه بـ: كفرياسيف موطن القمر، ٤-١٤ (كفر سين/ياسين = كفر القمر؛ وفي هذا نظر)، كفرياسيف العاصمة، ١٥-٢٠، كفرياسيف وثورة ١٩٣٦، ٢٠-٢٣، ثورة عكوز، ٢٣-٢٥، أّول حريق متعمّد من السلطة، ٢٦-٢٧، كفرياسيف عشية الاحتلال الإسرائيلي سنة ١٩٤٨، ٢٨-٣٠، سقوط كفرياسيف سنة ١٩٤٨، ٣٠-٣١، نظام الحكم العسكري، ٣٢-٣٤، النشاط الحزبي والنقابي، ٣٤-٣٩، جبهة كفرياسيف الديمقراطية للسلام والمساواة، ٤٠-٤٣، شخصيات هامة زارت القرية، ٤٣-٤٧، حادثة الرابع عشر من نيسان سنة ١٩٨١، ٤٧-٥٠، باب الأوائل، ٥١-٥٦. لا ريب في أنّ إثبات عناوين مثل هذه الأبواب الفرعية أو الثانوية، تسهّل على القارىء الوصول إلى مبتغاه، وخصوصًا في غياب الفهرست

اعتمد المؤلّف السيّد رفائيل (رفّول) بولس بولس، حامل الشهادة (أفضل من  لفظة اللقبإذ هو انعكاس calque للفظة  תואר وهو غير مفهوم في الدول العربية) الجامعية الأولى في اللغة العربية وآدابها، وتاريخ الشرق الأوسط من جامعة حيفا عام ١٩٨٢(عمل مدرسًا ومرشدًا لموضوع الموطن مدّة طويلة، ومديرًا للمركز الثقافي في كفرياسيف بين السنتين ١٩٧٢-٢٠١١)، في إعداد هذا العمل الهامّ، على نوعين من المصادر، المكتوبة والشفوية. في المصادر المكتوبة بالعربية هناك ذكر لـ ٢٥ كتابًا، وتسع كرّاسات و ١١ من صحف ومجلات ومنشورات وتقارير ورسائل؛ في المراجع العبرية هناك ٢٩ مصدرًا؛ وفي المراجع الأجنبية ذكرت عشرة مراجع. في المصدر الشفوي اتّكأ بولس على ما جمعه من معلومات وآراء وذكريات من خلال مقابلاته لسبعة وستّين شخصًا، منهم ثلاث عشرة امرأة (حبّذا إدراج الأسماء وَفق اسماء العائلة، كما هي العادة في الأبحاث، والأمر ذاته ينسحب بصدد قوائم المراجع المكتوبة، كما أنّ لذكر العمر أهمية، ص. ٤١٧-٤١٩). ويجدر هنا التنويه بثلاثة مصادر هي بمثابة مفكّرات وهي: بقلم الخوري أنطونيوس (المعروف بطنّوس) عبد الله خوري، كفرياسيف ١٩٤٥؛ فوزي عبد الله خوري، كفرياسيف ١٩٦٢ ومبدا عيسى فرحات، مذكرات ثورة عام ١٩٣٦، بدون تاريخ. أرى أن هناك فائدة في إصدار مثل هذه المفكّرات بعد تدقيقها لغويًا،  وحبذا لو سعى المجلس المحلي لتحقيق هذه الأمنية وبيع النسخ المطبوعة، لا توزيعها مجانًا، ومن ثمّ تخصيص ميزانية لنشر ما يكتب عن كفرياسيف.

لا  شكّ أن السيّد رفول بولس قد قام بجهد مُضن مشكور، وأمضى وقتًا طويلًا في إعداد هذا الكتاب عن بلدة، تستحقّ مثل هذا الجهد وهذا الوقت وأكثر. كفرياسيف، هذه البلدة الجليلية العريقة، يعود تاريخها إلى حوالي خمسة آلاف عام، إلى الحقبة الكنعانية الفينيقية؛ وقد ذكرت في العهد القديم في سفر يهوشع ١٩: ٢٩ تحت اسم חֹסָה أي حوسه أو حوصه بمعنى الملجأ، وقد وردت في الترجمة اليونانية  السبعينية Septuagint بلفظة يسف، وسمّاها المؤرخ اليهودي يوسيف بن متتياهو المعروف بيوسيفوس فلاڤيوس (٣٧/٣٨-١٠٠م) باسم عكّا“.  في الأدب اليهودي الربّاني أُطلقت هذه الأسماء: ياسيف، يسوف، كفار يشيب، كفار يتصيب. وُجد في كفرياسيف نقش باليونانية، يشكر فيه ديئودوتوس بن نيئوفطوموس، باسمه وباسم زوجته وأولاده، إلهين سوريين، هما هدد/حدد/أدد وعترجته ويقيم على شرفهما مذبحًا (على ما يبدو في منتصف القرن الثاني ق.م).

أُسس في كفرياسيف أوّل مجلس محلي في فلسطين، وكان ذلك في الأول من تشرين ثان عام ١٩٢٥، بأمر من المندوب السامي آنذاك،  كولن تشارلز بلومر (١٨٩٥-١٩٧٣, Colin Charles Blumer)، وشمل سبعة أعضاء، ومن ضمنهم الرئيس الذي كان يعيّنه حاكم اللواء (أنظر صورة فوتغرافية لوثيقة التأسيس، ص. ٢١٧) ينتخبون لمدّة سنتين من الذكور البالغين عشرين عامًا فما فوق برفع اليد (سأنشر هذا الأمر/المرسوم قريبا). كما وتمتاز كفرياسيف بمدرستها الثانوية العريقة، مدرسة ينّي ينّي، التي خرّجت، وما زالت تخرّج الأجيال تلو الأجيال، وتتبوّأ كفرياسيف مركزًا مرموقًا، من حيث نسبة الأكاديميين فيها. في الفترة العثمانية تركّز اقتصاد القرية على زراعة الزيتون والقطن. سكن القرية في أواخر القرن التاسع عشر ما بين ٣٥٠-٦٠٠ نسمة، ربعهم من المسلمين والباقي أرثوذكس، في العام ١٩٢٢ وصل العدد إلى ٨٧٠ نسمة، وفي العام ١٩٤٥ إلى ١٤٠٠، ٣٥٠ مسلمًا و ١٠١٠ مسيحيين و٤٠ درزيامساحة البلدة ٢٥٦٠ دونمًا، أراضيها ٦٨٦٠ دونما، مسطّح البناء ١٨٦٠ دونمًا، وعدد سكّانها زهاء العشرة آلاف.    
                                                                                                                                                                                             
كلّ ذي تجربة في إجراء أبحاث ميدانية، تعتمد جزئيًا على استبيانات يرسلها الباحث للمعنيين،  يعي جيدًّا مدى صعوبة الأمر في مجتمعنا العربي. التجاوب، في الغالب الأعمّ، يكون، في تقديري المتواضع، ضئيلًا وغير مشجّع، وآمل أن يكون السيّد رفّول قد كان محظوظًا في هذه الجزئية (أنظر نداءه على ص. ٥، ٢٩٤، للأسف لم يصلني ولم ينمُ إلى مسامعي، ولذلك فاحتمال ظهور عدم الدقّة يكون قائمًا في حالات معيّنة). هذا الواقع قد يفسّر الإسهاب في مواضعَ معيّنة والاختصار في حالات أخرى لشُح في المعلومات. قد يختلف بعض الكفارسة وبعض المختصّين حول نقاط معيّنة وردت في الكتاب، مثل سبب تسمية كفرياسيف بهذا الاسم، فالرأي السائد هو على اسم المؤرخ اليهودي يوسيف بن متتياهو المعروف  بيوسيفوس فلافيوس، الذي تسلّم البلدة هدية من القيصر إسپسيانوف؛ في موضوع الأوائل، تاريخ وجود اليهود في البلدة (ص. ٨، أنظر http://www.e-mago.co.il/Editor/history-3180.htm، http://www.news1.co.il/Archive/0024-D-117132-00.html) ؛ ينّي ينّي أطلق على نفسه اسم أبي محمد لحماية نفسه من الثوار، ص. ٢٤؛ وصول عدد اللاجئين في قرية يركا عند الاحتلال إلى ١٦ ألف نسمة، ص. ٣٠، قائمة انتقائية على الصفحة ٢٢٥  إلخ. إلخ. عصام حليم شحادة الكفرساوي هو أوّل من أجرى زرع كلى في لبنان في سبعينات القرن العشرين، وزوجته هي لميا رستم شحادةوهذا الاختلاف أمر صحّي وطبيعي فالمصادر مختلفة وطرق التحليل والتفكيك والاستنباط لدى الناس متباينة في الكثير من الأحيان. إمكانية الاختلاف والنقد البنّاء يجب ألا يٌُفسدا للودّ قضية، إذ أنّ الكلمات الفضفاضة والمديح المطلق والضحالة وما أكثرها، هي بمثابة آفة في المجتمع العربي ينبغى استئصالُها. في النقد العلمي لا مكان للمجاملات واللهث وراء التصفيق الرخيص. وقد دهُشت عند قراءتي بأنّ فاضل عبد النبي (يهودي عراقي)، الذي يعرفه أبناء جيلي وآخرون، والذي داوى مرضى البلد مدّة طويلة لم يكن طبيبًا بل مضمّدًا (كانت الناس عايشة عَلْبركه، ص. ٢٨٦). وقد أحببت بشكل خاص قراءة الباب الحادي عشر، وهو بمثابة طرائفَ ونهفات، وقد أضاف المؤلِّف صفحات كثيرة هنا مقارنة بما في الطبعة الأولى.

من خلال قراءتي للكتاب لاحظت بعض الهفوات اللغوية (وأخرى)، التي بالطبع لا تنقص من قدره المضموني، ولكنها لا تضيف في سمعته، وأملي وهدفي أن يتمّ تفاديها في الطبعة الثالثة. أعيد وأكرّر ما ناديت به في مناسبات كثيرة: لا بدّ من وجود مدقّق لغوي لدى كل دار نشر تحترم عملها، وعلى المؤلّفين التوجّه للمدقّق قبل تسليم العمل للمطبعة بالرغم من تأكّدهم من معرفتهم اللغوية الجيّدة. عين الآخر ليست كعين الكاتب.