الأحد، 26 يوليو 2026

قراءة نقدية في ديوان «سراب التباريح» للشاعر نمر سعدي بقلم : طارق عون الله

 

 قراءة  نقدية في ديوان «سراب التباريح»

للشاعر نمر سعدي
    بقلم  :   طارق عون الله

——————————————-





يأتي ديوان «سراب التباريح» الصادر عن دار سهيل عيساوي للنشر والطباعة، امتدادًا لتجربة شعرية رسّخ الشاعر نمر سعدي ملامحها عبر سنوات طويلة من الكتابة، حيث تتجاور النزعة الغنائية مع التأمل الوجودي، ويتداخل الخاص والعام ضمن نسيج لغوي كثيف الإحالات والدلالات. غير أن قيمة الديوان لا تكمن فقط في استمرار هذه السمات، بل في الطريقة التي يعيد بها الشاعر تدوير عناصر عالمه الشعري المألوف داخل رؤى جديدة تحاول الإفلات من التكرار.

يبدو أن الحقول الدلالية المهيمنة في الديوان تنتمي إلى فضاء معروف في شعر سعدي: الماء، الريح، القرية، الحنين، المرأة، الذاكرة، والطبيعة الفلسطينية. وهذه العناصر تمنح النصوص درجة عالية من الانسجام الداخلي، لكنها تطرح في الوقت نفسه سؤالًا نقديًا مشروعًا حول حدود التجدد داخل هذا العالم. فالشاعر ينجح غالبًا في إعادة شحن هذه المفردات بطاقة رمزية جديدة، إلا أن كثافة حضورها قد تجعل بعض القصائد تدور داخل المدار الجمالي نفسه دون مغامرة كافية نحو مناطق أكثر اختلافًا.

ومن أبرز نقاط القوة في التجربة قدرة الشاعر على بناء صورة شعرية متدفقة وغير مصطنعة. فالاستعارة لا تبدو زينة بلاغية ملحقة بالنص، بل جزءًا من آلية التفكير الشعري ذاتها. ومع ذلك، فإن الإفراط في الاشتغال على الصورة قد يؤدي أحيانًا إلى تراجع البنية الدرامية للقصيدة لصالح التدفق الوصفي والتأملي، بحيث تصبح اللغة نفسها هي مركز الجاذبية الأول في النص.

أما التناص الثقافي، وهو أحد الملامح اللافتة في شعر نمر سعدي، فيمثل عنصرًا ثريًا حين يتحول إلى أداة لإنتاج المعنى، لا مجرد استدعاء لأسماء ورموز ذات مكانة ثقافية. وتبدو أهمية هذا الجانب في قدرة الشاعر على استضافة أصوات متعددة داخل نصه دون أن يفقد صوته الشخصي. غير أن نجاح التناص يظل مرهونًا بمدى اندماجه العضوي في التجربة الشعرية، لأن المرجعيات الكثيرة قد تتحول أحيانًا إلى عبء على النص إذا طغى حضورها على التجربة المباشرة.

وفي ما يتعلق بصورة المرأة، لا تتوقف القصائد عند حدود الخطاب الغزلي التقليدي، بل تنفتح على مستويات رمزية أوسع تجعل المرأة قرينة للذاكرة والجمال والوطن والقصيدة نفسها. وهذه السمة تمنح النصوص طاقة تأويلية واضحة، لكنها قد تؤدي أحيانًا إلى تذويب الشخصية الإنسانية الملموسة للمرأة داخل المجاز، بحيث تصبح رمزًا أكثر منها كائنًا حيًا بتفاصيله الفردية.

فنيًا، يبرهن الشاعر على خبرة واضحة في التعامل مع الإيقاع وبناء الجملة الشعرية. فالقصيدة تتنفس بهدوء وتتحرك ضمن إيقاع داخلي منضبط، بعيدًا عن الصخب اللفظي أو المجانية التعبيرية. غير أن هذا الميل إلى النبرة التأملية الهادئة قد يجعل بعض النصوص متقاربة المزاج والإيقاع، الأمر الذي يحد أحيانًا من عنصر المفاجأة الذي تحتاجه القصيدة الحديثة.

ومع ذلك، يبقى «سراب التباريح» عملًا ينتمي إلى تجربة ناضجة وواثقة من أدواتها. فالشاعر لا يكتب من موقع البحث عن صوته، بل من موقع ترسيخه وتعميقه. وتكمن أهمية الديوان في قدرته على الدفاع عن القيم الجمالية والإنسانية في زمن تتعرض فيه اللغة نفسها للتآكل والاستسهال. وإذا كان الديوان لا يخلو من بعض المناطق التي تستدعي مزيدًا من المغامرة الفنية وكسر الأنماط المألوفة داخل عالم الشاعر، فإنه يظل إضافة ذات قيمة إلى منجزه الشعري، ودليلًا على استمرار مشروع شعري يمتلك خصوصيته وحساسيته الجمالية الواضحة.

)

خيطٌ من الضوء - بقلم ازدهار عبد الحليم كيلاني

 

                

                 الماعات أدبية
                      ورسائل نسائية عربية
                    *الكتابة بحبؤ القلب ... مية رساله ورساله*
                    *مؤلف جماعي*
                     الجزء السادس
                  اشراف واعداد: د.ادريس محمد صقر جرادات
                 مراجعه وتنسيق: د.بدير محمد
                اصدار مركز السنابل للدراسات والتراث الشعبي ، الخليل-فلسطين
                                  اصدار 2026
 
      


 


  

  خيطٌ من الضوء

 

عروسٌ بفستانها الأبيض، بقي رونقه صامداً رغم الدمار الذي ابتلع بيتها.

كانت تستعد لزفافٍ انتظرته أعواماً، تحمل حباً أثقلته الظروف، وتصارع التعب لتحمي قلبها وقلب عريسها من الانكسار.

أعدّت فستانها وفرشت بيتها، وحلمت بعشٍّ صغيرٍ يجمعهما تنتظر اللحظة التي تُعلن فيها عروساً.

لكن ما إن وضعت الطرحة البيضاء حتى انهارت بين الرمل والتراب، تركض وسط الركام، كأن الفستان يسألها: كيف يزهو الأبيض في وطنٍ غارقٍ بكل هذا الحزن؟

وبدأت تُمزِّق من طرحتها ما يكفي لتغطي أطراف جسدها، تحتمي بها من برد الشتاء ومرارة المكان.

على أملٍ خافتٍ أن تعود يوماً الى الحياة من جديد، وتلتقي بعريسها كما وعدتها الأيام، ومع كل ما لملمته من نفسها، حين رفعت رأسها نحو السماء شعرت أن البياض الذي تلطّخ بالتراب ما زال قادراً أن يصبح راية، لا فستاناً فقط.

تمسّكت بخيطٍ صغيرٍ من الضوء.

تقول في سرها ما دام القلب ينبض، فالحياة ستعود وسأعود أنا عروساً كما وعدت، أمشي على طريقٍ جديد يصنعه الصبر، وألتقي بعريسي في وطنٍ يشفى.

وطنٍ أُعيد له الفرح مهما طال الغياب.

                          

                                  

بنية التداعي في "كحل الفراشة": دراسة في أسلوب نمر سعدي النثري بقلم الأستاذة الدكتورة وسام علي الخالدي / العراق

 


بنية التداعي في "كحل الفراشة": دراسة في أسلوب نمر سعدي النثري


بقلم الأستاذة الدكتورة وسام علي الخالدي / العراق





 

في رحابِ "كحل الفراشة"، لا يمثلُ النثرُ مجردَ وسيطٍ لنقلِ التجربة، بل يغدو كائناً حياً يتنفسُ بمداراتِ الذاكرةِ وشغفِ التأمل. إننا أمامَ نصٍّ يرفضُ التنميطَ السرديَّ، ويختارُ الانفلاتَ نحو "بنيةِ التداعي"؛ تلك البنيةِ التي لا تُشيّدُ بناءً هندسياً مغلقاً، بل تنسجُ خيوطاً من ضوءٍ وعتمةٍ، تتقاطعُ فيها رؤى الذاتِ مع أصداءِ الآخرين، وتتلاشى عندها الحدودُ بين النثرِ الصافي والشعرِ المتدفق. إنَّ نمر سعدي، في هذا الكتاب، لا يكتبُ ليدوّنَ حكايةً أو يوثّقَ واقعة، بل يمارسُ طقساً وجودياً لاستردادِ الروحِ من شتاتِ العالم، مُتخذاً من "الفراشة" أيقونةً للزوالِ الجميل، ومن "الكحل" قناعاً للحزنِ النبيل. هذه الدراسةُ لا تسعى إلى تفكيكِ النثرِ بوصفهِ بنيةً لغويةً جامدة، بل تحاولُ تلمُّسَ "سيمياءِ التداعي" في أسلوبِ سعدي، بوصفها شرياناً مفتوحاً يضخُّ المعنى في جسدِ اللغة، محولةً "اليومي" و"الهامشي" إلى أيقوناتٍ فنيةٍ تعبرُ بنا من عتمةِ الفقدِ إلى جلالِ الوجودِ الشعريِّ المتسامي.
 
 إن النص هنا لا ينساق خلف استراتيجية سردية خطية، بل هو أشبه بمدٍّ وجزرٍ شعوريٍّ، حيث تتوالد الصور من رحمِ بعضها البعض في حالة من التماهي المدهش بين الذاتِ المكتوبة والعالمِ المتمثل، متجاوزاً حدود الأجناس الأدبية ليغدو "نثراً مشعرناً" يغزلُ خيوطه من ذرات الضوء، ومن شتات الذكريات، ومن حبرِ الفراشة التي تحترقُ في أتونِ اللغة.
تتجلى بنية التداعي في الكتاب بوصفها ارتحالاً مستمراً في جغرافيا الروح، فالساردُ يفتتحُ طقسه النثري عند عتبةِ لحظةٍ عابرة، كأنها ومضةُ كحلٍ في عينِ الغياب، ليجد القارئ نفسه وقد انتقل بفعل التداعي إلى مداراتٍ أبعد، ممتزجةٍ بحنينٍ دفينٍ لمدنٍ غدت طيفاً، أو بمرجعياتٍ ثقافيةٍ تتناصُ مع أصواتِ شعراءَ سكنوا ذاكرته. هذا التداعي ليس فوضى عفوية، بل هو نظامٌ جماليٌّ دقيقٌ يعكس تشظي الذات المثقفة في مواجهةِ فداحةِ الوجود؛ حيثُ يتحول التداعي إلى وسيلةٍ للترميم، وجسرٍ تعبرُ عليه الأنا من ضفةِ الواقع المادي الكثيف إلى ضفةِ الحلم الشفاف.
في هذا الأسلوب النثري، تبرزُ بلاغةُ المفارقة بوصفها المحركَ الأساسيَّ لكل جملة؛ فالفراشة، بما تحمله من هشاشةِ الزوالِ وألقِ اللون، تصبح استعارةً للقصيدةِ التي تتشكلُ في نثرِ نمر سعدي، بينما الكحلُ يمثلُ ثقلَ الرؤيةِ وعمقَ الحزن الذي يغلفُ تفاصيلَ اليوميِّ المعاش. إن الكاتبَ لا يصفُ العالم، بل يمارسُ تفتيته وإعادةَ تركيبه من خلالِ لغةٍ تتسمُ بالجزالةِ الممزوجةِ بالرقة، لغةٍ تُعلي من شأن اللحظةِ الزائلة وتمنحها خلوداً في نصٍّ لا يقرُّ بحدود، بل يفتحُ نوافذَ التأويل على مصاريعها. إن نثرَ "كحل الفراشة" هو في جوهره احتفاءٌ بالهشاشةِ كقوةٍ، وتجلياتٌ للذاكرةِ حين تتجردُ من قيودِ الزمن، مما يجعلُ من بنية التداعي فيه مِرآةً عاكسةً لتأملاتِ شاعرٍ لا يكتبُ ليُصنف، بل ليُمارسَ فعلَ الوجودِ ذاته في فضاءِ الكلمةِ المنفلتةِ من عقالِ المعنى الجاهز.
 
 
يشتغلُ نثر نمر سعدي في "كحل الفراشة" وفق منطق "الومضة المتصلة"، حيث يقتنص اللحظة العابرة ويجعلها مركزاً لتدفقٍ وجدانيٍّ لا يهدأ، ففي تأملاته التي تتماهى فيها الذات مع المكان، نقرأ قوله: "حيفا ليست مجرد مدينةٍ نكنسُ عنها غبارَ الفقدِ كل صباح، بل هي الرعشةُ الأولى التي أصابت أصابعَ القصيدةِ حين لمستْ خاصرةَ البحر لأول مرة". هنا، نجد أن بنية التداعي قد تحررت من قيد الوصف الجغرافي؛ لتتحول المدينة إلى "حالة شعورية" متصلة بـ "القصيدة" و"البحر"، حيث ينتقل الكاتب من المكان (حيفا) إلى المفهوم (القصيدة/الرعشة) عبر تداعي بصري يربط الملموس بالمجرد.
هذه البنية التداعية تمتد لتشمل المرجعية الثقافية التي ينهل منها الكاتب، إذ لا يمرُّ ذكرٌ لشاعرٍ أو فيلسوفٍ دون أن يذوب في نسيج تجربته الشخصية، يقول في أحد نصوصه: "أقرأُ فرناندو بيسوا، فأجدني أرتدي معطفَه المتهالكَ وأمشي في شوارعِ لشبونةِ التي تشبهُ حيفا في ضبابِها، كأنَّ الحزنَ لغةٌ واحدةٌ لا تحتاجُ إلى ترجمة". في هذا الشاهد، نلحظ كيف يربط سعدي بين "فعل القراءة" و"تقمص الهوية"، حيث يتداعى النص من الكتاب إلى الشارع، ومن الذات إلى الآخر (بيسوا)، ومن الواقع إلى الاستعارة (معطف الحزن)، مما يثبت أن التداعي عنده ليس مجرد انتقالٍ فكري، بل هو انصهارٌ وجوديٌّ يلغي المسافات بين القارئ والمقروء.
كما يظهرُ هذا الأسلوبُ في نثره حين يستحضرُ التفاصيل الصغيرة ليحملها دلالاتٍ كونية، محولاً "اليومي" إلى "تاريخٍ شخصيٍّ" ملتهب، كما في قوله: "كحلُ الفراشةِ الذي لطخَ بياضَ الورقةِ، ليس سوى دمعةٍ مجهريةٍ ترفضُ أن تُمسح، تماماً كأحلامنا التي ترفضُ أن تموتَ رغمَ انكسارِ الأجنحةِ على أعتابِ الواقع". إن التداعي هنا يبدأ من "صورة حسية" (كحل الفراشة) لينتهي إلى "تأمل فلسفي" حول الوجود والخلود، وهو جوهر أسلوبه الذي يمزج بين دقة الملاحظة الحسية وبلاغة الاستنتاج التأملي، مما يجعل النثر في كتابه يتنفسُ إيقاعاً داخلياً لا يني يتصاعد، ويحيلُ "الفراشة" من حشرةٍ عابرةٍ إلى رمزٍ لروح الكاتب المتمسكة بجمالها وسط عتمة العالم.
 
تتجلى هذه البنية التداعية في أكثر صورها سطوعاً حين يغدو "النص" لديه طقساً من طقوس الحداد المبهج، حيث يرتدُّ السردُ إلى الخلف ليلملم شتات الأمكنة، فيقول في أحد تأملاته التي تقطر حنيناً: "لا أكتبُ لأؤرّخ، بل لأستعيدَ رائحةَ القهوةِ في بيتِ جدتي، ولأرسمَ ملامحَ الطريقِ الذي ضاعَ مني حين كبرتُ، فكلُّ جملةٍ هي ممرٌ سرّيٌّ يؤدي إلى طفولةٍ لم تعدْ موجودةً إلا في عيونِ الفراشاتِ التي تحومُ حولَ مصباحِ مكتبي". هنا، نرى كيف يتداعى النص من فعل الكتابة المباشر إلى فضاءات الحنين، فالانتقال من "رائحة القهوة" إلى "ممرٍّ سرّيٍّ" يربطُ بين ما هو حسيٌّ عابر وما هو وجوديٌّ ثابت، معيداً تشكيلَ الذاكرةِ كبناءٍ لغويٍّ متماسكٍ لا ينهار رغم تداعي تفاصيله.
إنَّ نمر سعدي، من خلال هذا الأسلوب النثري، يمارسُ نوعاً من "التطريز الشعوري"، إذ ينسجُ من خيوطِ التداعي أثواباً للعدم، فنجده يقتحمُ صمتَ الأشياءِ لينطقها بشهاداتٍ بليغة، كقوله: "الحبرُ في قلمي ليس دماً، بل هو عطرٌ مُصَفّى من صمتِ الوردِ في حدائقِ حيفا، وأنا أُهرقهُ على الورقِ كي لا يذبلَ العالمُ أكثرَ مما فعلتِ الحروبُ بنا". يتضحُ في هذا الشاهد أنَّ التداعيَ لا ينطلقُ من الفكرةِ إلى الفكرة، بل من "المادة" (الحبر/الدم) إلى "المجاز" (عطر/صمت)، ليرسمَ الكاتبُ من خلال ذلك ميثاقاً إبداعياً يجعلُ من النثرِ فعلاً مقاوماً للفناء. إنَّ هذه البنيةَ ليست مجردَ وسيلةٍ تقنية، بل هي "فلسفةُ وجودٍ" ترفضُ التوقفَ عند حدودِ الظاهر، لتغوصَ في باطنِ الأشياء، جاعلةً من "كحل الفراشة" نصاً لا يُقرأُ بمرورِ العينِ، بل بمرورِ الروحِ عبرَ ممراتِ تداعياتهِ المذهلة التي تترددُ أصداؤها في أرجاء ذاكرةِ القارئ طويلاً بعد طيِّ الورق.
لا يتوقفُ نمر سعدي عند حدودِ "استعادةِ المفقود"، بل يمتدُّ بنثرهِ ليشتبك مع أسئلةِ "الوجودِ الفنيِّ" ذاتها، حيث يغدو التداعي وسيلةً لاختبارِ حدودِ اللغة، فيقولُ في نصوصِهِ التي تتقصى جوهرَ الإبداع: "أكتبُ لأنني لا أحتملُ أن أكونَ مجردَ كائنٍ يمشي على الأرضِ دونَ أن يتركَ أثراً، فالقصيدةُ عندي هي الندبةُ التي تركتها الريحُ على وجهِ الذاكرة، وأنا هنا لأُسميَ هذه الريحَ بأسمائها الكثيرة". يشي هذا الشاهدُ بوضوحٍ كيف تتحولُ الكتابةُ من فعلٍ إراديٍّ إلى حالةٍ وجوديةٍ ضرورية، حيث ينسابُ التداعي من "الكينونة" (كائن يمشي) إلى "الأثر" (الندبة)، ليربطَ بين الوجودِ الماديِّ المحدودِ والوجودِ الفنيِّ المطلق؛ إنها بنيةٌ نثريةٌ تُعلي من شأن "الندبة" كرمزٍ لكلِّ جرحٍ إنسانيٍّ يحاولُ الكاتبُ تضميدَه ببلاغةِ الحرف.
وفي مواجهةِ "عبثيةِ الوقت"، يغدو التداعي في "كحل الفراشة" قاربَ نجاة، حيث يقول: "الساعاتُ ليست أرقاماً تتراكمُ على جدارِ الغرفة، بل هي أطيافُ نساءٍ رحلنَ، وأصواتُ أصدقاءَ تلاشت في زحامِ المنفى، واليومُ هو تراكمٌ لهذهِ الغياباتِ التي أُعيدُ ترتيبَها كلما كتبتُ". هنا، نجدُ "التداعي" قد انتقلَ من كونهِ تقنيةً أسلوبيةً إلى كونهِ "آليةً استذكاريةً" تعيدُ بناءَ الواقعِ من خلالِ "الغياب"؛ فالساردُ لا يكتبُ عن الحاضرِ بقدرِ ما يكتبُ عن "أثرهِ في الذاكرة"، جاعلاً من كلِّ جملةٍ مرآةً تعكسُ هشاشةَ الزمنِ وقدرةَ اللغةِ على المقاومةِ عبرَ استحضارِ ما فات، وتظلُّ هذه البنيةُ التداعيةُ هي الخيطُ الناظمُ الذي يربطُ شتاتَ "كحل الفراشة"، محولةً الكتابةَ إلى طقسٍ مقدّسٍ للتعايشِ مع الألمِ وتحويلِهِ إلى جمالٍ فائقِ الحضورِ والدلالة.
 
إنَّ هذه الرحلةَ في دهاليز "كحل الفراشة" لا تكتملُ إلا بالإقرارِ بأنَّ بنيةَ التداعي عند نمر سعدي ليست مجردَ استرسالٍ شعوريٍّ، بل هي "هندسةٌ للوجع" تمنحُ الفوضى الإنسانيةَ ملامحَ فنيةً راسخة؛ ففي نصٍّ آخرَ يغورُ فيه الكاتبُ في تأملاتِهِ عن جدوى الكتابةِ ذاتها، يكتبُ متسائلاً: "هل كنتُ أكتبُ لأرى العالمَ أم لأحميَ عينيَّ من سطوعِ الحقيقةِ القاسي؟ الكحلُ الذي تضعهُ الفراشةُ ليس للزينةِ، بل هو ستارٌ من سوادٍ ناعمٍ يحجبُ عنا فجيعةَ الضوءِ الذي يغوينا بالاحتراق". تبلغُ هنا بنيةُ التداعي ذروتها الفلسفية، حيثُ تتحولُ الاستعارةُ المركزيةُ للكتاب (كحل الفراشة) إلى رمزٍ لحمايةِ الذاتِ من انكشافِ الواقع، فالكاتبُ هنا يتداعى من "فعلِ الكتابة" إلى "غايةِ الرؤية"، ومن "فعلِ التزيّن" إلى "فعلِ الاختباء"، ليُقرَّ بأنَّ الأدبَ ما هو إلا مَلاذٌ لترميمِ الشتاتِ الذي تُخلفهُ بنا الحقائقُ الموجعة.
بهذا التصاعدِ الدلاليِّ، يثبتُ نمر سعدي أنَّ نثرَهُ ليس حشداً للكلمات، بل هو "بناءٌ بالغياب"، حيثُ يغدو كلُّ سطرٍ حجراً في جدارِ دفاعٍ هشٍّ ضدَّ النسيان، وبنيةُ التداعي هي التي تمنحُ هذا البناءَ مرونتَهُ، إذ يظلُّ النصُّ قادراً على التنفسِ والتحولِ والحركةِ كما تفعلُ الفراشةُ في رقصتِها الأخيرة؛ إنها قدرةٌ مدهشةٌ على ربطِ المتباعدات، حيثُ يجتمعُ الحنينُ مع الفلسفة، وحيثُ تلتقي حيفا بمدنِ الخيال، وحيثُ يصيرُ الألمُ بفضلِ التداعي مادةً قابلةً للصياغةِ الجمالية، لنخرجَ من قراءةِ "كحل الفراشة" ليس فقط بمعرفةِ أسلوبِ الكاتب، بل بتجربةٍ شعوريةٍ عميقةٍ تُعيدُ ترتيبَ ذواتنا في مواجهةِ فوضى هذا العالم.
 
إنَّ المتأملَ في البناءِ النثريِّ لنمر سعدي يدركُ أنَّ "كحل الفراشة" ليس كتاباً أُنجزَ دفعةً واحدة، بل هو "يومياتٌ لروحٍ قلقة" تتحررُ من إسارِ الوقتِ عبرَ التداعي؛ فهو يكتبُ في أحدِ مفاصلِ نصهِ: "ما أتركهُ خلفي في هذهِ الأوراقِ ليس ذكرياتٍ مهترئة، بل هو أجنحةٌ سقطتْ أثناءَ محاولتي للوصولِ إلى شمسِ اللغة، فأنا في كلِّ مرةٍ أبدأُ فيها الكتابة، أجدُ نفسي أعودُ إلى البدء، إلى تلكَ البقعةِ الضيقةِ من الضوءِ التي نُسميها وطناً أو حباً أو قصيدة". هكذا، يُحوّلُ سعدي فعلَ "التداعي" إلى "حلقةٍ مفرغةٍ" تُشبهُ دورانَ الفراشةِ حولَ المصباح، حيثُ لا غايةَ للوصولِ بقدرِ ما الغايةُ هي "الاستمرارُ في الطيران" قبلَ لحظةِ السقوطِ الحتميِّ في صمتِ الورقة.
بهذا الأسلوبِ الذي يمتزجُ فيهِ النثرُ بالتأملِ الوجوديِّ، تظلُّ بنيةُ التداعي في "كحل الفراشة" هي القوةَ الخفيةَ التي تمنحُ النصَّ ديمومتَهُ، فهي تمسكُ بتلابيبِ القارئِ لتأخذهُ في رحلةٍ عبرَ مساراتٍ متعرجةٍ، تُشبهُ في تداخلها تداخلَ حراشفِ الفراشةِ الملونةِ التي تتساقطُ لتكشفَ عن جوهرِ الألمِ الكامنِ تحتَ الزينة. إنَّ نمر سعدي، بهذا النثرِ الباذخِ في توجعهِ، يتركُ لنا نصاً مفتوحاً على كلِّ الاحتمالات، نصاً يجعلُ من التداعيِ "بوصلةً للروحِ التائهة"، مؤكداً أنَّ الكلمةَ ليستْ وسيلةً لنقلِ المعنى، بل هي "الفضاءُ الذي نُمارسُ فيهِ حياتنا" حينَ تضيقُ بنا الأرضُ وتتسعُ فينا الرؤيا.
 
وخِتاماً لهذا التقصّي، يظلُّ نثْرُ نمر سعدي في "كحل الفراشة" شاهداً على أنَّ اللغةَ حين تُتركُ لغوايتها وتداعيها الحرِّ، لا تعودُ مجردَ أداةٍ للتعبير، بل تصيرُ هي "الواقعَ البديل" الذي نسكنه حين تخذلنا حقائقُنا الصلبة. إنَّ بنيةَ التداعي هنا، بتعرجاتها التي لا تنتهي وتدفقها الذي لا ينضب، تمنحُ النصَّ هويّةً "سائلةً"، قادرةً على استيعابِ التناقضات؛ فهي تجمعُ بين رقةِ الفراشةِ وصرامةِ الحزن، وبين دنيويةِ المكانِ وميتافيزيقا الروح، تاركةً القارئَ في حالةٍ من "الدهشةِ المستمرة"؛ حيث كلُّ جملةٍ هي محاولةٌ جديدةٌ للتحليق، وكلُّ نصٍّ هو جناحٌ إضافيٌّ يرتفعُ بنا عن غبارِ اليوميِّ، لنستقرَّ في فضاءاتٍ لا يطالها إلا مَن رضيَ بأن يحترقَ بوهجِ المعنى، مكتفياً بـ "كحلٍ" من ألمٍ يزيّنُ حدقاتِ الذاكرة، ويجعلُ من العتمةِ مطلعاً لقصيدةٍ لا تنتهي.