مدونة سهيل عيساوي الأدبية
مدونة الأديب سهيل ابراهيم عيساوي , تعنى بقضايا الأدب والفن والمسرح والثقافة والأدباء في العالم العربي والاصدارات الادبية ، أدب الأطفال ، النقد ، مقالات ، دراسات ، جوائز أدبية ، ورصد الحركة الأدبية المحلية .بامكانك ايها الكاتب اثراء المدونة تابع كل جديد بنتاجك الأدبي وأخبارك الثقافية ،من خلال مراسلتنا على البريد الالكتروني : sohelisawi@yahoo.com ص .ب 759 ، كفرمندا 1790700 ، هاتف نقال 0507362495 المواد المنشورة في المدونة لا تعبر بالضرورة عن راي صاحب المدونة
الاثنين، 27 يوليو 2026
مدونة سهيل عيساوي الأدبية تتجاوز حاجز 3000 زيارة يومية
إضاءة تربوية على قصة "يحيى الباحث الصغير" للكاتبة هدى عيسى بقلم : سهيل ابراهم عيساوي
إضاءة
تربوية على قصة "يحيى الباحث الصغير"
للكاتبة هدى عيسى
بقلم
: سهيل ابراهم عيساوي
قصة" يحيى الباحث الصغير" ، للأديبة هدى عيسى ، اصدار دار سهيل
عيساوي للطباعة والنشر ، عام 2026 ، تقع
القصة 36 صفحة من الحجم الكبير ، تزينها رسومات الفنانة منار نعيرات، مراجعة لغوية الأستاذ صالح أحمد كناعنة .
ملخص القصة : قصة الطفل يحيى ، طفل فضولي يحب النظر في كل ما
حوله ، ويطرح الأسئلة والاستفسارات ، يحب التعلم الاستكشاف ، يستمع الى جدته التي
تتحفه بالقصص الشعبية ، ويشاهدان معا صور الحيوانات والطيور والحشرات عبر
الموسوعات العلمية الغنية بالمعلومات الموثوقة ، كذلك والداه يحرصان على تنمية
فضوله للعلم والمعرفة ، ذات يوم اهداه والداه معدات خاصة لاستكشاف الحشرات : عدسة
مكبرة وعلبة بلاستيكية ذات ثقوب ليضع فيها الحشرات قليلا وليشاهدها عن قرب ، رافقته
جدته في حديقتها ، فوجد الفراشة الجميلة ، وتعرف على مراحلها : بيضة ثم يرقة ثم
شرنقة وبعدها تصبح فراشة تزين الطبيعة بجمالها الخلاب ، شرحت له الجدة ، وتعرف على
الدعسوقة الحمراء ، وعلى الجندب الذي يقفز بسرعة ، وعلى النملة النشيطة ، جمع يحيى
الحشرات في علبته وشرح لوالديه عن وظائف
ومميزات كل حشرة ،وفي الصباح اصطحب يحيى الحشرات الى صف البستان ، حيث منحته
معلمته فرصة ذهبية ليشاهد التلاميذ الحشرات ، شرح لهم متلهفا ، وهم يشاهدونها
بالعدسة المكبرة ، اختار يحيى هل يطرقها الى الطبيعة أم يحتفظ بها ، في النهاية حسم أمره وأطلق سراحها لتعيش حرة طليقة
بين أحضان الطبيعة ، ومن يومها ويحيى وتلاميذ صفه يراقبون الحشرات دون أن يضايقوها
، يعاملوها بلطف ومحبة ويكتشفون أسرار الطبيعة
الشخصيات
في القصة :
الجدة : تجسد العلاقة الطيبة الممتازة
التي تربط الجدة مع حفيدها ، تمثل المرأة المثقفة التي تمنح المعرفة وحب الطبيعة
لحفيدها بكل ود دون تكلف او منة
الوالدين : يمثلان الأهل الذين يمنحون الحب والمعرفة
والوقت والهدايا الهادفة التي تطور حلم الطفل ، وتشغله بما ينفعه بعيدا عن الهواتف
الذكية والحواسيب
الطفل يحيى : بطل القصة يجسد
الطفل الطموح ، المحب لجدته ولوالديه ولأولاد صفه ، يحب الطبيعة ، يحب الحشرات والاكتشاف
والعلم ، ذكي واجتماعي ، صاحب ضمير يقظ ،
حيث أطلق سراح الحشرات كي تعيش في الطبيعة
المعلمة : معلمة الصف تحب الطلاب ، تمنح الطلاب فرصة ليقدموا
مهاراتهم وقدراتهم الفردية لمصلحة العملية التربوية والتعليمة
أولاد الصف :
مشجعين ليحيى ، محبين للعلم ،
لا تنمر ولا غيرة لديهم
رسالة الكاتبة والقصة
أهمية العلاقة الطيبة بين الجدة والحفيد ، تخدم الطرفين والمجتمع
أهمية القصص الشعبية في صقل شخصية الطفل وحفظ التراث الشعبي
التربية على القيادة ، يحيى الطفل ، قائد صغير ، قاد اترابه لحب العلم
انتقاء الهدايا ، هام جدا ـ
على الاهل اختيار الهدية التي تعود بالفائدة على الطفل وعلى استفلال وقته الثمين
تشجيع الأطفال على البحث والاستكشاف
أهمية دور المعلم في صقل
مواهب الطفل في جيل صغير
أهمية محبة الطبيعة والحفاظ عليها وعلى الحيوانات والحشرات والطيور
التي تعيش بها
الحشرات تحب ان تعيش في بيئتها الطبيعية
تطوير
التفكير النقدي: يتعلم الطفل من خلال رحلة "يحيى" كيف يبحث عن الحلول إبداعية
وتفكير خارج الصندوق
دعوة
لترك الأطفال يعيشون طفولتهم ببراءة وعفوية يعيدا عن ضوضاء الحياة ومشاكلها
وضغوطاتها
أهمية
الطبيعة في توفير الراحة النفسية للكبار والصغار
تعرف الطلاب على عدة حشرات مثل الفراشة والدعشوقة والجندب والنمل
خلاصة
: نجحت الكاتبة هدى عيسى ، في تقديم قصة
مختلفة للطفل ، تدعوه للتفكير والابداع والاستكشاف ، بعيدا عن الأجهزة الذكية
والحواسب ، واللهو الفارع ، الى استغلال الوقت والطاقات والموهبة المتوفرة لديه ،
هي دعوة للتربية على حب الطبيعة، والتعامل
بلطف مع الكائنات الحية ، والقيادة والعلم
والاستكشاف وأن الطفل ذكي بطبعه ، لكنه بحاجة الى التشجيع
والرعاية والاهتمام .
الطفل الشغوف بالطبيعة يحيى مع جدته الكاتبة هدى عيسى
الزّيارة غير العاديّة. بقلم : الدكتور سليم غرابا
الزّيارة غير العاديّة .
بقلم : الدكتور سليم غرابا
ذهبتُ إليها وأنا أعرفُ لن أستطيع
إنقاذها من ألمها ، ولا حتّى تخفيفه كما
كنت أتوهّم . لم يكن في يدي شيء أقدّمه سوى حضوري ، لكنّني كنت بحاجةٍ إلى هذه الزّيارة أكثر ممّا كانت هي بحاجةٍ إليَّ ؛ ذهبت فقط لأن الإنسان حين يعجز عن فعل شيء ،
يبقى حضوره أصدق ما يستطيع أن يُقدّمه
.
ما إن وقعَ بصري عليها حتّى شعرتُ أنّ
المرض لا يسكن الجسد وحده ، إنما يمتدُّ
إلى الذّاكرة ، وإلى الأحلام
المؤجّلة ، وإلى كلّ زاوية كانت يومًا
عامرة بالحياة . كان الألم قد أعاد تشكيل ملامحها ، لا لأنّه غيّر وجهها ، إلّا
أنّه سرق منه ذلك البريق الّذي لا تصنعه
إلّا العافية
.
جلستُ بقربها ، ولم أجد الكلمات الّتي
اعتدتُ أن أواسي بها الآخرين . أدركت لأوّل مرّة أن اللّغة قد تخون صاحبها ، وأنّ بعض الوجع يرفض أن
يُترجم إلى حروف
.
هناك آلامٌ لا تحتاج إلى تفسير ، تحتاج
إلى قلبٍ يصمتُ احترامًا لعظمتها، وفجأةً ، تغيّر كل شيء .
شحب وجهها ، وانطفأت نظرتها ، ودخلت في
غيبوبة قصيرة
.
في تلك الثّواني القليلة ، شعرتُ أن الزّمن قد توقّفَ ، وأن الحياة قد أصبحت خيطًا رقيقًا
يتأرجح بين البقاء والرحيل
.
اجتاحني شعورٌ قاسٍ بالذنب .
سألت نفسي : هل كنت سببًا في إرهاقها ؟
هل أثقلتُ عليها بحضوري ؟ وهل هناك زيارات مهما كانت نواياها طيبة تأتي في غير
أوانها ؟
عندما استعادت وعيها ، وضعت يدها على
هاتفها دون أن تستعمله ، وصرّت على أسنانها لتكتم صرخةً كان الألم يريد انتزاعها
من أعماقها ، ثم أغمضت عينيها ، وانهمرت دموعها بصمت . كان ذلك الصمت أكثر فصاحة
من كل الكلمات التي عرفتها في حياتي
.
هممتُ بالانصراف ، ظننت أن
الرّحيل سيكون أرحم لها وليّ، لكن قبل أن
أخطو خطوتي الأولى ، رفعت يدها بصعوبة ،
وأشارت إليَّ ان أبقى ، قالت بصوت يكاد يُسمع : لا ترحل ….. وجودك يُخفِّف عني ما
لا تستطع الأدوية أن تفعله ، توقَّفت ، وشعرت أنّني أنا المريض ، لا هي ، فقد كنت أظنّ أنّ قيمة
الإنسان فيما يفعل ، فإذا بي أكتشف أن قيمته الحقيقية قد تكون فيما يمثله في قلب
إنسان آخر
.
استأذنتها بعد دقائق ، متذرّعًا بالعطش ، بينما كنت في الحقيقة أهرب من دموعي .
خرجت إلى الممر ، وأدركت أن أكثر ما يُخيف الإنسان ليس الموت ، إنما أن يرى من
يُحبُّ يتألّم وهو عاجز عن حمل شيء من وجعه .
في طريق العودة ، ظلّ سؤال واحد
يُراودني : هل نحن نزور المرضى لنمنحهم القوّة ، أم لأنّنا نحن من نحتاج إلى أن نتعلّم منهم معنى
الصّبر ، وهشاشة الحياة ، وقيمة اللحظة ؟
ومنذ ذلك اليوم، لم أعد أؤمن أن
الزّيارات تُقاس بطولها ، ولا بالكلمات
الّتي ي تُقال فيها ، إنما بالأثر الّذي تتركه في القلب . فهناك زيارات تنتهي عند
باب الغرفة ، وأخرى تبقى مُقيمة في الذاكرة ما بقي من العمر .
لقد كانت زيارة غير عاديّة … لأنها لم
تكشف لي حجم ألمها فحسب ، لكن كشفت لي أيضًا
مقدار ضعفي ، وحدود قدرتي ، وأن الرّحمة الحقيقيّة ليست أن نزيل الألم ،
إنما نرفض ترك صاحبه وحيدًا في مواجهته
.
بقلمي :
د. سليم غرابا
الإثنين ٢٠٢٦/٧/٢٧
محمود شقير ينبش ذاكرته بقلم : جميل السلحوت
محمود شقير ينبش ذاكرته
بقلم : جميل السلحوت
محمود
شقير أديب كبير كتب في مختلف الأصناف الأدبية باستثناء الشّعر، مع أنّه يملك لغة
شعريّة وشاعريّة، وقد عرفنا محوود شقير بتواضعه وهدوئه وإنسانيّته العالية، كما
عرفناه بوفائه وإخلاصه لكلّ من عرفهم وعرفوه. ومحمود شقير هو أحد المحمودين
اللّذين حظي بهما الأدب الفلسطينيّ بشكل خاصّ، والأدب العربيّ بشكل عامّ، وهما الرّاحل
الكونيّ محمود درويش في الشّعر، ومحمود شقير الّذي نتمنّى له الصّحة الجيّدة
والعمر المديد في السّرد القصصي والرّوائي، كما كان نتاجه الأدبيّ خير سفير
لفلسطين وشعبها، وللأدب العربيّ الحديث عندما ترجمت له عشرات المؤلّفات إلى أكثر
من لغة عالميّة.
ومحمود
شقير إنسان ذو خُلُقٍ حميد، وهذا ما يشهد له به كلّ من عرفوه، أو قرأوا نتاجه
الأدبيّ، لكنّه لم يغترّ بنفسه يوما، ويواصل إبداعاته الأدبيّة بصمت، ويخوض
التّجريب معتمدا على ثقافته الموسوعيّة، فيأتينا بجديد يدهشنا، وقد صدر له حتّى
الآن أكثر من تسعين مؤلّفا، وهو يواصل إبداعاته الأدبيّة رغم دخوله النّصف الثّاني
من العقد التّاسع من عمره المديد-86-عاما.
ونحن
هنا لسنا في مجال الحديث عن سيرة أديبنا الكبير محمود شقير، وقد ارتأيت في هذه
العجالة أن تكون لمحة سريعة عنه تمهيدا للحديث عن إصداره الأخير" أسماء في
الذّاكرة- من أجل الحرّية والديموقراطيّة
والعدالة والسّلام".الصادر عن منشورات
التّنوير في رام الله قبل أيّام من هذا العام 2026، ويقع في 208 صفحة من الحجم
الكبير. وكما جاء في كلمته على الغلاف الأخير للكتاب:" في هذا الكتاب سِيَرٌ
غيريّةٌ موجزة لخمسة وسبعين مناضلا ومناضلة، لقادة سياسيّين، ولأدباء وفنّانين وشهداء،
ولنساء نابهات لهنّ أدوارهنّ البارزة في مختلف الميادين". ويوضح شقير أسباب
نشره لهذا الكتاب فيقول:" لعلّ هذه السَِيَر تلهم الأجيال الجديدة من
الشّابّات والشّباب كيف يكون اكتساب الوعي، وكيف يكون الانتماء لقضايا الحرّيّة والوطن
والشعب والمستقبل المامول سواء بسواء."
وفي
تمهيده لهذا الكتاب يوضّح الأديب شقير أنّه يتشرّف بانتمائه للحزب الشّيوعي
الفلسطينيّ، وبهذا فهو يعطي لمحة عن كتابه بقوله:" في هذا الكتاب تدوين
لأجزاء من سِيَر بعض قادة هذا الحزب ومنتسبيه ممّن عرفتهم، وكانت لي علاقات شخصيّة
وحزبيّة معهم، وبعض قادة وطنيّين من تنظيمات فلسطينيّة وطنيّة، ومثقّفين وفنّانين
وكاتبات وكتّاب فلسطينيّين وعرب."
وهنا
يجب الانتباه بأنّ الأديب شقير الّذي انتهى من مراجعة وتوضيب هذا الكتاب في منتصف حزيران-
يونيو- 2026، قد كتب هذه" السِّيَر الموجزة" في سنوات سابقة، وجمعها وأعاد
تنقيحها في هذه المرحلة لنشرها في كتاب، فبعضها كُتب قبل أربعة عقود وأكثر، عند
وفاة أصحابها.
ويلاحظ
من خلال ما كتبه أديبنا عن شقيقته المرحومة
أمينة المولودة عام 1945 والمتوفاة عام 1966 بحمّى النّفاس، أنّ حبّه لها وحزنه
الشديد على فراقها لا يزال يسكنه، وقد كتب عنها أكثر من مرّة في إصداراته
السّابقة، ويبدو أنّه يلوم نفسه على عدم موافقته على زواجها رغم أنّه كان في بداية
شبابه؛ ولتفريغ بعض هذا الحزن فقد أطال في الكتابة عنها، حيث كتب أكثر من عشرين
صفحة عنها من صفحة 180 حتّى صفحة 200.
ويلاحظ
أنّ هذه السِّيَر جاءت كمراثي لراحلين كان لهم دور وطني وثقافيّ وأدبيّ وفكريّ، وهذا
أثار عندي تساؤلات حول ثقافتنا الشّعبيّة الّتي لا تعرف قيمة الإنسان إلّا بعد
وفاته. ومع أنّ الأديب شقير كتب عن شخصيات لا تزال على قيد الحياة، إلّا أنّه لم
ينشر أيّا منها في كتاب، فهل سيصدر له كتاب آخر عن سِيَر الأحياء الّذين كتب عنهم.
يبقى
أن أقول أنّني تمنّيت لو الكتاب تضمّن صورة فوتوغرافيّة بجانب سيرّة كلّ شخص.
27-7-2026
طُموح_ قصّة قصيرة بقلم : عامر عودة
طُموح_ قصّة قصيرة
بقلم : عامر عودة
كان رائد ابن أربعة عشرة عامًا، عندما سافر بالطّائرة لأوَّلِ مرَّة. قالت
له أمه قبل أن تُقلعَ الطّائرة:
– سنطير بعد قليل يا رائد... سنكون فوق الغيم على ارتفاع شاهق... لكن لا تخف؛
الطّائرة من أكثر وسائلِ النَّقل أمانًا.
فتح رائد عينيْه بدهشة. لا دهشة خوف بل دهشة فرح. فحلمه سيتحقّق. سيُحلِّق
في السّماء، وسيرى العالم على طبيعته، بجباله وسهوله، بأنهره وبحوره. لا كما هو
مرسوم على صفحاتِ الخرائط. فالطّبيعة لا تعترف بالخطوط، خاصّة الحمراء، فما هي
بالنّسبة لها إلّا خطوط وهميَّة.
كم أحبَّ رائد دروسَ الجغرافيا وكم كرهَها! أحبًّها لأنّها تأخذه برحلة
خياليَّة بينَ الهضاب، وتطير به إلى قممِ الجبال، ثمّ تهبط به بأمان إلى السّهول
والوديان، وتمشي به على ضفافِ الأنهر، ولا تتركه يرتاح إلّا على شطآن البحار...
أحبَّها لأنَّ الخرائط تُبَيّنُ معالمَ التّضاريسَ الطّبيعيّةِ الّتي يحبُّ
التّمتّع بجمالها. لكنّه كرِهَ تلكَ الخطوطَ الحمراءَ المرسومة في الخرائط! لذلك
كان يحاول ألّا ينظر إلى الخرائط السّياسيّة، لأنّها تُقَسِّمُ الطّبيعةَ بينَ
الدُّول، وتَضع لاستمرارها حدودًا حمراء يُمنع تَخطّيها.
وأكثر ما أثار فضوله، تلكَ الخطوطُ الّتي تُقَطِّعُ الكرةَ الأرضيَّة طولًا
وعرضًا. وعندما علِمَ أنَّ الطّائرات تحدّد مسارها حسب هذهِ الخطوط، ازداد اهتمامه
بها.
سبقه قلبه بالطّيران فرحًا عندما بدأتِ الطّائرة بالارتفاع عنِ الأرض. ظلَّ
ملتصقًا بالنّافذة يتأمّلُ المشهد بفرح لا يوصف. ورأت أمُّه في عينيْه بريقًا لم
ترَهُ من قبل. وعجبت عندما قال لها:
– أمّي... أريد أن أصبحَ طيّارًا.
فوضعت قُبلة على جبينه قائلة:
– إن شاء الله يا بنيّ، أنت قادر على تحقيق ما تريد.
وسكتت. فطموحاتُ الأطفال كالأرضِ الخصبة، تَنبت فيها الكثير منَ النّباتات،
ولا يُبقي صاحبها منها إلّا ما ينفعه...
زرع رائد حلمه زنبقة في أرضِ أحلامه... كان يقرأ عنِ الطّائرات، وتاريخِ
الطّيران. وشعر باعتزاز وفخر، عندما عَلِمَ أنَّ أوَّل مَن حاولَ الطّيران كانَ
الأندلسيّ عبّاس بن فرناس، الأمر الّذي شجَّعه بالتَّمسّك بطموحه.
أراد أن يكون متميّزًا؛ فطوى صدره على سرِّهِ وسجنه، وأبقاه هناك حتّى يحين
موعدُ إطلاقِ سراحِه، كي لا يخطفه منه أحد. وعندما أصبح في الصّفّ الثّامن، سأل
مربيّ الصَّفّ في إحدى الحصص طلّابه عن طموحاتهم، وعنِ المهنِ الّتي ينوون
مزاولتها في المستقبل...
كان رائد محلِّقًا بطموحه فوقَ الغيم، مسافرًا بخياله من دولة ألى أخرى،
قاطعًا البحار والحدودَ الدَّوليّة، قبل أن يقعَ عليه سؤالُ المعلّم كالصّاعقة.
فهبط بطائرة أحلامه هبوطًا اضطراريًّا سريعًا مرتطمًا بأرضِ الواقع. ومن شِدَّةِ
الارتطام، هرب سِرُّه من أسرِهِ، منطلقًا إلى ساحةِ الحقيقة دون أن يستطيعَ
الإمساك به:
– أريد أن أصبح... ط... طيّارًا.
اتسعت حدقتا المعلّم عجبًا. ثمّ انفرجت شفتاه عن ابتسامة اضطراريّة قائلًا:
– أرجو أن تحقّق ما تحلم به يا رائد، لكي تأخذنا في جولة إلى أجمل مدنِ
العالم!
في هذهِ اللّحظة مرَّت طائرة صغيرة في السّماء. فرفع رائد رأسه ناظرًا
إليها من خلال نافذةِ الصّف. وسَبَحَ على أجنحةِ الحلم؛ فطار معها فوف سحابة منَ
السَّعادة، دون أن يعي أنَّ هذا الحلمَ الجميل يستطيع أن يتخطى حدود جميعِ الدّول،
لكنّه لا يستطيع أن يتخطّى الحدودَ الّتي تفصل بين شعبيْن يعيشان في دولة واحدة!