السبت، 21 يناير، 2017

مدرسة ابن سينا الابتدائية في كفرمندا تستضيف الكاتب محمد علي فقرا














استضافت  مدرسة  ابن  سينا   الابتدائية  في  كفرمندا  الكاتب  المبدع  محمد  علي  فقرا  ، رحب  مدير  المدرسة  المربي  سهيل  عيساوي بالكاتب  وأشاد  بمسيرته  الأدبية  الغنية ، وتحدثت عضو لجنة  أولياء  أمور  الطلاب  رنا  طه  واشادت  بأهمية استضافة الأدباء  المحليين  والتعرف  عليهم  عن  كثب ، وتحدثت  المربية أماني  منصور عن  النشاطات  التي  قام  بها  الطلاب  حول  قصة  الكاتب  "  عكازة جدي " ، وتحدث  المربي  محمود  سمحات  حول  أدب  الكاتب   وقصصه  المعدة  للأطفال ، أما  الكاتب  محمد علبي  فقرا  ، تحدث  بإسهاب  حول تجربته  القصصية ، والرسائل  التي  تحملها  التي  درسها طلاب طبقة  الخوامس  ضمن مشروعي  القارئ الصغير  ومسيرة الكتاب ، وعن  أهمية المطالعة  وقراءة القصص  والروايات  للطلاب وضرورة  التعاون  بين  جميع  الأطر لحث  الطلاب على عشق  الكتاب  وشكر إدارة  المدرسة وطاقم  اللغة العربية  ولجنة أولياء أمور  الطلاب  على استضافته  وعلى دورهم الريادي في  تشجيع  المطالعة  ضمن برامج هادفة .  ثم  اتيحت  لفرصة  أمام  الطلاب لطرح  أسئلة  حول القصة وشخصياتها ، وأهدافها  وابعادها أسلوبها  ، وقدموا  رسائل  للكاتب  وعرضوا أعمالهم  حول  القصة ، وفي نهاية اللقاء قام  بمدير المدرسة بتكريم  الكاتب بشهادة  تقديرعلى مسيرته الأدبية وعلى دوره في المساهمة  في  إنجاح  مشروع  مسيرة  الكتاب الذي  تتبناه  المدرسة . 

حضور نيافة المطران المناضل عطا الله حنا إشهار "تقاسيم الفلسطيني" لسناء الشّعلان في عمان




 

      في العاصمة الأردنيّة عمان تمّ إشهار المجموعة القصصية " تقاسيم الفلسطيني" للأديبة الأردنيّة ذات الأصول الفلسطينيّة د.سناء الشعلان بحضور نيافة المطران  المناضل عطا الله حنا رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس من بطريركية الروم الأرثوذكس في القدس،وسالم الصويص مقرر لجنة دعم صمود الشّعب الفلسطينيّ في نقابة المقاولين الأردنيين الذي قال :"الدكتورة سناء الشّعلان من الأديبات القلائل اللواتي أبدعت بالشأن الفلسطينيّ،وهي من اللواتي أبدعن بحمل الهمّ الفلسطينيّ عبر القارات الخمس عبر نشاط إبداعيّ وأكاديمي وحقوقي نشطّ وفعّال"،وذلك  برعاية من رابطة الإبداع من أجل السّلام التي مقرّها في لندن،ومنظمة السّلام والصّداقة التي مقرّها في مملكة الدّنمارك حيث قالت الشعلان عن المجموعة :" إنّ هذه المجموعة القصصيّة هي تمثيل حقيقيّ لفلسطينيتها،كما هي مشهد من مشاهد فخرها بعدالة قضية وطنها،وانتصار حتمي لها مهما طال الصّراع وامتدّت التّضحيات مادامت هذه القضيّة هي من أعدل قضايا الإنسان والحريّة والعدالة في هذا العالم مهما تأخّر تحقيق النّصر الكامل وتحرّر فلسطين من نير احتلالها... وأنا فخورة بهذه المجموعة التي أعدّها امتداداً لذاتي وتجربتي الشّخصيّة بوصفي فلسطينيّة تعايش صوراً وأطواراً من القضيّة الفلسطينيّة،كما تعيشها بطبيعة الحال،ولذلك فإنّ ذاتي وحشداً من تجارب شخوص عوالمي أنا على علاقة مباشرة بها أو على علاقة غير مباشرة حيث وجدوا لهم أماكن في سرد هذه الحكايات،وشاركوا في صياغة أفكاري ومواقفي تجاه قضيتي الفلسطينيّة بعد رصد الكثير من المواقف الفلسطينيّة والعربيّة والعالميّة تجاهها،وما لذلك من تأثير على أقدار ومسيرة وأحداث هذه القضيّة".
     ويقول النّاقد العراقي عباس داخل حسن عن هذه المجموعة:" إنّ قصص هذه المجموعة أسّست من خلال خطابها السّرديّ رؤية مضادّة في استنطاقها لمكان التّواجد الفلسطينيّ في الشّتات والمنافي والوطن بكلّ ما يحمله من تناقضات الإنسان الفلسطينيّ من خلال نماذج إنسانيّة تعيش في التّمني والحزن والصّمود والتّذكر من خلال لغة إيحائيّة عميقة الفهم للحدث القصصيّ المحكم للتّعبير عن هواجس الإنسان الفلسطينيّ الذي يعاني من شهيق الجوع والتّهميش والعذاب اليوميّ والعنصريّة بكلّ أجياله وشرائحه . لقد نجحت الشّعلان في اختيار زوايا المكان والشخوص والزّمن بشكلّ مغاير،فجاءت بقوالب وحلل جديدة".
    في حين يقول عنها الدكتور حسنين غازي لطيف :" سردية (البطولة والمقاومة) التي من خلالها استطاعت الروائية عبر قصصها في مجموعة (تقاسيم الفلسطيني) أن تسطر أروع الملاحم للمجاهد الفلسطينيّ العربي بكل أوصافه وملامحه التي استمدتها الروائية من انتمائها إلى وطنها الأصلي(فلسطين)،وقد شكلت (فلسطين)المحور الأساس، ليس لكونها مكاناً أليفاً أو معادياً ،بل لأنّها تمثّل الإرث العربي المسيحي والإسلامي، ولما لها من دلالات تاريخية ترتبط بالديانة النصرانية أو اليهودية ومن خلال البحث سنقف على بطولة المجاهد الفلسطيني التي تعددت أشكالها وتصاعدت وصولاً للتضحية بالجسد والروح معا، وما تشيره دلالة العنوان من أبرز الإشارات السيميائية على أهمية ما اخترناه في البحث،فقد تنازلت الروائية عن وصف الوطن إلى الاهتمام بوصف تقاسيم المجاهد الفلسطيني لكونه صوت الحق الذي لن تستطيع أن تخرسه دبابات  الاحتلال الصهيوني ولا سياساته القمعية".
أمّا الأديبة د.ميسون حنا فتقول عنها:" تتجول الكاتبة بين التقاسيم لتصف لنا معاناة الفلسطينيين بأسلوب مباشر، والمباشرة ضرورية لتنقل صورة غير قابلة للالتباس والتأويل الذي قد يخفف من وطأة العنف، فبشاعة العنف غير قابلة للترميز... هي هكذا ويجب أن تعرض كما هي...والفلسطيني في الشتات يحلم بالعودة إلى أرضه فلسطين، وتحلم الكاتبة معه بأن تجعل روح الرسام تفتح الباب المرسوم في اللوحة "وهو باب كبير محاط بأشجار الياسمين، وله مزلاج نحاسي كبير على شاكلة باب جده في قريته السليبه". تفتح روحه الباب، وتدلف إلى فلسطين لتحقيق الحلم الوحيد بالعودة، وتقفل الباب دونها، وأقفال الباب هنا يعطي مساحة واسعة للتفكير عما يحدث خلف الباب، فالفلسطيني بالشتات ذاق الأمرين من صنوف العذاب، هل بعودته ينتهي كل شيء، فنقفل الباب لنسطر النهاية؟ أم هي بداية جديدة لما قد يحدث خلف الباب"؟
ومجموعة "تقاسيم الفلسطيني" قد صدرت عن دار أمواج الأردنية للنّشر والتّوزيع صدرت في العاصمة الأردنية عمّان المجموعة القصصيّة "تقاسيم الفلسطينيّ" في طبعتها الأولى للأديبة الأردنيّة ذات الأصول الفلسطينيّة د.سناء الشّعلان،وهي تقع في 182 صفحة من القطع الصّغير،وتتكوّن من مئة وأربع وسبعين قصّة قصيرة موزّعة على سبعة عناوين كبرى،وهي تقاسيم الوطن،وتقاسيم المعتقل،وتقاسيم المخيّم،وتقاسيم الشّتات،وتقاسيم العرب،وتقاسيم العدوّ،وتقاسيم البعث.
     وهذه المجموعة القصصّية هي مجموعة تسّجل في لوحات قصصيّة قصيرة ملامح متعدّدة من نضال الشّعب الفلسطيني داخل الوطن وخارجه عبر نحو ستة عقود من المعاناة والتّصدّي والإصرار على الانتصار والتّمسّك بالوطن،وهي ترصد تفاصيل وأفكاراً ورؤى وأحاسيس ومشاعر ومكابدات وأحلام وتصّورات الشّعب الفلسطينيّ الذي يصمّم على أن يحقّق حلمه المقدّس في استرداد وطنه،وهي في الوقت ذاته تصّور المشاهد الإنسانيّة والتّاريخيّة والسّياسيّة والاجتماعيّة والدّينيّة والفكريّة التي تحيط بهذا الحلم الذي غدا –بلا منازع- صورة مثال للثّائرين والأبطال والفدائيين في التّاريخ الإنسانيّ الحديث.
     وهذه المجموعة القصصيّة هي تجربة إبداعيّة جديدة لها تخوضها من حيث الشّكل القصصيّ المختزل الذي يتمسّك بوحدة الموضوع على امتداد المجموعة ضمن ثيمات كبرى تنتظمه لتضيء ملامح من التّجربة الفلسطينيّة بكلّ ما فيها من تنوّع وفرادة وتميّز.وهي من جانب آخر تسجّل تجربة ذات ظلال ذاتيّة تمتح من خصوصيّة المبدعة ذاتها،وتستفيد من تجربتها الشّخصيّة بوصفها فلسطينيّة وابنة قضيتها،وعاينت حقيقة كثيراً من صور قضيتها،بل وعاشتها حقيقة،ونقلت بعض تفاصيلها في مجموعتها هذه إن كان ذلك بشكل مقصود أو غير مقصود.
     وهذه هي المجموعة القصصيّة الرّابعة عشرة للشّعلان،فضلاً عن إصدارات نقديّة وروائيّة ومسرحيّة وقصص للأطفال تجاوزت الخمسين إصداراً،فضلاً عن مئات الدّراسات والأبحاث والمقالات النّقديّة.كما أنّها الشّراكة الأولى للشّعلان مع دار أموج للنّشر والتّوزيع،في حين أن تصميم الغلاف هو للفنانة أسمى جرادات.
      ويُذكر أن الأديبة الشّعلان ذات الأصول الفلسطينيّة هي أناشطة في قضايا حقوق الإنسان والمرأة والطفولة والعدالة الاجتماعيّة وحاصلة على درجة الدكتوراة في الأدب الحديث ونقده بدرجة امتياز،وعضو في كثير من المحافل الأدبيّة والثّقافيّة والفكريّة والإبداعيّة والتّربويّة،وحاصلة على نحو50 جائزة دولية وعربية ومحلية في حقول الرواية والقصة القصيرة والمسرح وأدب الأطفال والبحث العلمي،كما لها الكثير من المسرحيات المنشورة والممثّلة ،فضلاً عن الكثير من الأعمدة الثابتة في كثير من الصحف والدوريات المحلية والعربية،ولها مشاركات واسعة في مؤتمرات محلّية وعربيّة وعالميّة في قضايا الأدب والنقد والتراث وحقوق الإنسان والبيئة إلى جانب عضوية لجانها العلميّة والتحكيميّة والإعلاميّة،وتمثيلها لكثير من المؤسّسات والجهات الثقافيّة والحقوقيّة،وشريكة في كثير من المشاريع العربية الثقافية.وقد تُرجمت أعمالها إلى الكثير من اللّغات،ونالت الكثير من التكريمات والدّروع والألقاب الفخريّة والتمثيلات الثقافيّة والمجتمعيّة والحقوقيّة.وكان مشروعها الإبداعي حقلاً لكثير من الدّراسات النقدية ورسائل الدكتوراة والماجستير في الأردن والوطن العربي.


الجمعة، 20 يناير، 2017

راسة لقصَّة "الراعي الصَّغير وثياب العيد "- للأطفال للأديب الأستاذ "نظير شمالي " بقلم: حاتم جوعية – المغار/ الجليل

 



مقدمة: الشاعرُ والباحثُ والأديبُ الكبير والمبدع الأستاذ " نظير شمالي " من سكان مدينة "عكا "-  فلسطين، عمل في سلكِ التعليم  مدة طويلة وخرج للتقاعد المبكر قبل فترة قصيرة.  يكتبُ في جميع المجالات والألوان الأدبية، وقد حقق شهرة وانتشارا كبيرا محليا وخارج البلاد.  أصدر العديدَ من الكتب  الأدبية والتراثية ودواوين الشعر، كما كتب  قصّتين للأطفال لجميع مراحل الطفولة .  وسبق  وأن  كتبتُ  دراسة مطولة  عن ديوانين شعريين له قبل عدة سنوات. وسأتناولُ في هذه المقالةِ قصة له للأطفال بعنوان: (الراعي الصغير وثياب العديد).
مدخل: تقعُ هذه القصة في 48 صفحة من القَطْعِ المتوسّط، وقد وضعت رسومات الكتاب  الداخلية  وصورتي  الغلاف على الوجهين  الفنانة  "منار نعيرات " ، والخطوط للخطّاط عبد الله العزة.. وجميع الحقوق محفوظة للمؤلف نظير شمالي.
    يستهلُّ الكاتبُ القصة بأسلوب سردي، فيتحدثُ على لسان راعٍ صغير يروي   بشكل عفويٍّ وببراءةٍ عن واقع  ومجرى حياتهِ ووضع عائلتهِ الاقتصادي وقدوم العيد والضّائقة المالية التي كانوا يعانون منها  كالكثيرين من سكان القرى في مجتمعنا آنذاك قبل عشرات السنين عندما كان المجتمعُ الفلسطيني في الداخل  معظمهُ يحيا  ويعتاشُ من فلاحةِ الأرض  أو الرعاية عندما كانت هنالك أراض وحقول كثيرة  للفلاحةِ  ومساحات  شاسعة  من  الأراضي الوعريَّةِ للرعايةِ  قبل أن تصادرَ السلطةُ معظمَها .   فيقول الطفل الراعي: في وقت العصر(عصرا) وقبل أقل من أسبوع (تحديد دقيق للوقت والزمن) انه  قد التقى العديدَ من الأصدقاء الصبية  الرعاة  في المراعي   " الشراقى " - هذه الكلمة العامية  تستعملُ كثيرا في حياتنا اليومية - الواقعة في الجهة الشرقية من  قريتهم الهادئة الوادعة .   فكانت أغنامهم  وعجولهم الصغيرة ترعى الأعشاب الخضراء بالقرب منهم(من الأصدقاء المجتمعين). وكان (الحلال) يرعى مطمئنا، وأما الصغار (بطل القصة الراعي الصغير وأصدقاؤه)  فكانوا  يلعبون ألعابا  معروفة ومألوفة  للصغار آنذاك عندما لم يكن  يومها  أنترنيت  وفيسبوك  وبيلفونات  وتلفيزيونات ..وغيرها .  كانوا يلعبون "الغميضة"  و " العواتيل " ..وبعد أن تعبوا من اللعب  انطلقوا بسرعة ليتحلقوا حول نار كبيرة كان قد أوقدها أحدُ الأصدقاءِ واسمه (ظاهر العيُّوق)  لكي يشووا كمية من البطاطا  التي  أمدَّهم  وزوَّدهم  بها الشيخ " مبروك "   من محصول  حقله .   وكان هذا الشيخُ  كما  يعرفه الجميع  محسنا  كريما ورجلا طيبا معطاءً،  وقد تكفلَ بعدد من الصغار  من أيتام القرية لمساعدتهم .
     ودار الحديثُ عندما تحلق الأولاد  الصغار الرعاة  حول النار في أمور وموضوعات عديدة، وأهمها  كان موضوع العيد الذي اقتربَ موعدُ حلولهِ  وقد صار على الأبواب .  وتحدَّثَ الأولادُ  أيضا  في مجلسهم المصغر  هذا عن ملابس العيد الجديدة  والمآكل  والأطعمة  الطيبة  اللذيذة  الدسمة التي  كانت  تحتلُّ  وتداعبُ  أخيلة أولئك الأطفال  وأنوفهم  قبل ألسنتهم  قبل حلول العيد المنتظر بوقت طويل .   ويقدمُ الكاتبُ لنا هنا  لوحة وصورة  واقعية  ملونة لوضع وحياة  القرى العربية قبل عشرات السنين(في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي )  وأجواء وعوالم الأطفال ، وخاصة عندما كان الوضعُ الاقتصادي صعبا نوعا ما. وهنالك الكثيرُ من العائلات آنذاك، في تلك الفترة، كانت تشتري الملابس لأطفالها أو اللحوم وغيرها من الأشياء  والحاجات الأخرى  من العيد إلى العيد ومن الحول للحول . 
         ويتابع الكاتبُ مجرى القصة على لسان الطفل فيقول: وقف "ظاهر العيُّوق"  داخل  الحلبة وقال  مفتخرا :  لقد  اشترت  لي أمي  بالأمس أجملَ الثياب واشترت لي حذاء بني اللون بلون حبات تمر العم " نمر العمروش " (  صفحة 7 ). ووقف صديقٌ آخر من الأطفال  واسمه " معروف الأسمر" وقال متباهيا ومتفاخرا  بما اشترى له  جدُّه للعيد  بصوت عالٍ وقوي :  لقد اشترى  لي  جدي  من المدينة  ملابس  جديدة زاهية  الألوان  وحذاء  رائعا لمَّاعا  ناصعَ البياض  بلون الحليب  ومسدَّسا أسود كالفحم  كبيرا لرشِّ الماء   .. فصفقَ  لهُ ولمسدسهِ جميعُ الصبيةِ المتحلقين  حول نارهم  .   وفجأة  قفز أحدُ الصبية  ( وهو ابن خالة بطل القصة  أسعد الذي تُروَى كلُّ هذه القصّة على لسانه )  وسأل الطفلَ  وبطل القصة أسعد  بصوت عال مجلجل ، وهو يحدق بعينيه  العسليتين  وفي نظراته حب الاستطلاع  والمعرفة: وأنتَ يا "أسعد " .. (وهنا يظهر فقط  وبشكل مفاجئ اسم بطل القصة الذي جاءت أحداث جميع فصولها على لسانه )  : ماذا اشتريتَ لهذا العيد؟ لقد فاجأ هذا السؤال ( سؤال عبد الله  ابن خالته )  بطلَ القصة أسعد ،  فكان  لهذا السؤال  وقع  الصاعقةِ  فوق كومةِ من التبن اليابس  -  على حد قول كاتب القصة -( تعبير بلاغي جميل ) .  فارتبك  كثيرا  وتملكه الخجل  والحيرة والغضب معا واحتارَ بماذا يجيبه..وفكرَ وحاول التملصَ والتخلصَ من الإجابةِ ، وهل  يتظاهر بأنه  لم يسمعه جيدا ، وتذكر  في الوقت ذاته  أشياء  مهمّة  وذهب بهِ تفكيرهُ  في تلك اللحظةِ  الحرجة إلى بيتهم  ولعائلته  وللذي قالتهُ  له  أمُّهُ  قبل أكثر من أسبوعين وهو: انهم  يمرُّون بظروف حرجة   وبضائقة  مادية صعبة جدا  وسنكتفي فقط  بشراء أحذية جديدة بمناسبة  هذا  العيد  للأبناء ، اما الملابس  فقد  يتدبرون أمرها  بارتداء أفضل الملابس التي عندهم  في البيت  .   عندها  تساقطت  دموعٌ  غزيرة  من عيني أسعد  متدافعة  هادرة،  وبكى بكاء مرًّا، ونظر إلى وجهِ أمِّهِ الشاحب مستعطفا قلقا، وقال لها بصوت حزين : أمي،  هل سنبقى وحدنا دون ملابس جديدة في هذا العيد؟! فابتسمت  له أمُّهُ  بصعوبة وأخفت خلفها بكاء مرًّا واحتضنتهُ بانفعال شديد  وهي تقبله  قبل أن تتساقط من عينيها  الدموع لتنزل على خدهِ،  فبكى الطفلُ أسعد لأمِّهِ  التي بكت  لبكائه  وبكى  لبكائها  ( كما جاء في القصة - وحسب تعبير الكاتب -  صفحة 15 ) . وقالت له أمه  بصوت متقطع : سَتُفْ.. ستفرَج .. ستفرج ، يا بُنيَّ .. ستفرج إن شاءَ الله !! .  وكتب الكاتُب كلمة ستفرج  بأحرف متقطعة في البداية وكررها عدة مرات ليظهرَ مدى الحزن  والالم والمرارة واللوعة والغصة  والوضع  الصعب  والمرير الذي  تمرُّ  به  هذه  العائلة  الوديعة، فخرجت الكلمةُ ( ستفرج )  من  فم  الأم  متقطعة، حيث غصَّت بها  من شدة الحزن والمرارة .  وحاول الابن ( أسعد )  أن يتوقف عن البكاء رأفة  بأمِّهِ المسكينة، ونجح  بعض الشيء، بعد عدة  محاولات جادَّة ،  وتماسكت  نفسُهُ  بشكل تدريجي ثم قال في نفسهِ :ما ذنب أمه المسكينة التي يحبُّها هو واخوته وتحبُّهم  كثيرا وتضحّي بدورها من أجل أبنائها كثيرا.. وما  ذنب  أبيه الذي يتعب ويكدُّ دائما  لأجل تأمين لقمة العيش  وكل ما  تحتاجه العائلة من طعام وملابس وكل ما يحتاجه هو وأخوته من حاجيات ولوازم للمدرسة الابتدائية الصغيرة التي  تمَّ افتتاحها في قريتهم الصغيرة قبل سنتين .  وكان حلم الأب أن يرى  أبناءه  كبارا متعلمين  وناجحين  في حياتهم  ليفخر بهم  أمام  جميع الناس  ( صفحة 17 ) .
    ثمَّ  يعود  ويرجع  الصبي أسعد مرة  ثانية بفكره إلى عالمه  وواقعه، إلى حيث يتحلق الصبيان حول النار ويشوون حبَّات البطاطا . واضطرَّ ان يقولَ شيئا بعد تردُّد وحيرة لإسكات  كلام ابن خالته الملعون ( حسب تعبيره.. كما جاء في القصَّة) الذي أثارَ غضبَهُ وأحرجهُ أمام أصدقائهِ عن غير قصد منه.. وأيضا  من أجل  إسكات ورد جميع  العيون المتسائلة التي كانت  تنظر إليه في وقت واحد .  فقال : .. إن .. إن .. إن  شاء الله سترون في العيد !.. سترون سترون  في العيد!!  سوف ترون !  . ولقد كرر الكاتبُ كلمة ( إن ) ثلاث مرات.. وكلمة ( سترون في العيد ) مرتين مع علامتي استفهام بعد كلمة ( عيد )  للتوكيد ولإيضاح  وإظهار  الغضب والحدة  والاحتجاج  من  سؤال  ابن خالة أسعد أولا،  وليؤكد  للجميع  أيضا على صدقه  في الإجابة، لأن جملته فيها شك وعليها علامات استفهام ويريد أن يؤكد أنه بالفعل قريبا سيرى جميع الأصدقاء الهدية ولكي يسكت الألسنة والأعين  المتسائلة . 
  ويتابع أسعد حديثه ( كما يروي الكاتب في القصة ) : ثمَّ عدنا إلى استئناف لعبنا .. وهذا الذي أنقذه من ورطتهِ  وخفف من إحراجهِ  واضطرابه ، وذلك بعد أن التقط  كلُّ واحد من الأصدقاء  الصبية  لنفسِهِ  من وسط النار  بضع حبات  من  حبات البطاطا المشويَّة  التي كانت  ناضجة،   وكانوا يلتهمونها بشهيَّة كما يلتهمون شرائح اللحم اللذيذة (إشارة هنا في هذه الجملة إلى الفقر والعوز والوضع الاقتصادي الصعب - نوعا ما  -  الذي  كان  يسودُ  القرى والبلدان العربية  قبل عشرات السنين،  حيث لم  تكن معظم العائلات العربية    تأكل اللحوم  كل يوم  أو كل يومين وثلاثة أيام  كما هو الوضع الآن ، بل كل أسابيع وأشهر، والبعض مرتين أو ثلاث مرات  في السنة  أومن العيد  للعيد .
     ويتابع الكاتبُ سردَهُ للقصةِ على لسان الطفل بطل القصة أسعد فيقول (صفحة 22):  واليوم وبعد مرور أكثر من أسبوعين  أعودُ من  المراعي  المعشوشبة الخضراء (يصفُ الكاتبُ المراعي والسهول هنا وصفا  شاعريا جميلا فكأننا نراها بأمِّ أعيننا ونُفتتن ونهيمُ بسحرها وجمالها الخلاب).. إلى البيت  والقطيع الصغير في  ثغاء مستمر لا يكاد  ينقطع  وهو يتهادى أمامه في الطريق  الترابي عائدا إلى الحظائر عند المساء ..  وكم  هو  مشتاق إلى بيته الذي أحبَّه  كثيرا ..  وكم مشتاق إلى إخوتهِ  وأبيه  وامه  وجده وجدته  (يتحدَّث عن المحبّة  وجوّ  الوئام  والوداعة والبساطة  الذي  يسودُ العائلة .. (وهذا ما كان موجودا ومألوفا في جميع العائلات  آنذاك) ..وكم هو مشتاق إليهم .  ويمسح أسعد وجهَهُ وجبينه المتصبب بالعرق بكمِّ  قميصهِ المتسخ ، ويقول :
  لا بدَّ أنَّ  أمي قد اشترت لي  قميصا  جديدا!!  ويتفحص  شبَّابتهُ  المصنوعة من القصب  البرِّي  ويرغوله  الصغير الذي  صنعه  ( أبو السعيد)  الرجل الطيب من القصب ومن القصب وشمع النحل حينما تعارفا على بعض لأول مرة  في  السنة  الماضية في " المراعي  الغرابى " ... وعلى أرض البيادر علمه العزف  ومن يومها وهو يعشقُ الفنَّ  الذي أسرَ قلبه وروحه  ولم يعد ينقطع  عنه يوما واحدا .   وقطيعه يتعشقُ كلَّ  لحن شجيٍّ من  أنغامه التي يطلقها  .   وتذكر أخوته الصغار وهو  راجع وعائد إلى البيت،  ولا بدّ أنهم  قد انتهوا من  لهوهم  في ظلِّ  السنديانة المعمَّرة  القريبة  من  البيت ..حيث يقيمون الأراجيحَ  ويوقدون النار في " الطابون "  الصغير ( صفحة 28 )  الذي بنوه  تحت شجرة  " الطرفا"  ويخبزون أرغفتهم الصغيرة فيه ، كما تفعل أمُّهُم  كلَّ أسبوع في طابونها الحقيقي . وتذكرَ أمَّهُ أيضا  وبالتأكيد هي  ستسرعُ اليه عندما يصل إلى البيت بعد  قليل  لتلتقط   سفرطاسَهُ " -  الوعاء  أو الإناء الذي يوضعُ فيه طعام المسافر أو العامل - الخاوي من الزاد  وتهيِّئ  وتحضِّر  له دلوا  من  الماء الساخن  وفلقة من صابون  الزيت  لكي يغتسل ، ثمَّ  يرتدي على سبيل  التجربة  ( بروفا ) ثيابَ العيد  الجديدة  التي وعدَته  أمُّهُ  بها ..  وسيتناولُ  بعدها  وجبة  العشاء المكوَّنة من الجبنة والبيض  وبعض حبَّات الزيتون المرصوص .. وبعدها  بقليل  يستولي  عليه النوم  من شدَّة التعب  بعد انقضاء يوم طويل ومضنٍ موزعا بين  مقاعد الدراسة والرَّعي في السهول والأراضي الوعرة ( يعطينا الكاتب هنا صورة مشرقة ومثالية للإنسان وللطفل الكادح والمثابر الذي يتعلم ويشتغل في الوقت ذاته.. يتعلَّم  في الساعات  الأولى  من  النهار، وبعدها  يذهب  للعمل  وللرعاية لمساعدة أهله وإخوته ونفسه اقتصاديا ساعات بعد الظهر بعد انتهاء الدوام الدراسي) .
ويتابعُ  الطفلُ  أسعد  حديثه عن  نفسِه  فيقول : كنتُ  في المراعي اليوم أداعب شباتي تارة  ويرغولي تارة أخرى  وأعزف الألحان العذبة  تحت قبَّة سماء صافية الزرقة.. ورحتُ أعزف "الدلعونة"  ويا ظريف الطول  و " جفرا  يا هالربع "  و " يا غزيّل " ..  ويتصاعد من حوله رنينُ الأجراس الصغيرة  المتدليّة من أعناق أغنامهِ في أثناء تحريكها لرؤوسِها وهي تقضم العشب الأخضر  سعيدة  فرحة مرحة . ويقولُ أسعد : بالأمس قالت لي أمي : سأشتري لك في الغد ، يا أسعد ، حذاء جديدا  وثيابا جميلة   للعيد  تأخذ الأبصار!( علامة الدهشة والإعجاب ) .  ويقول أسعد : كدتُ أطيرُ من فرحي كدتُ اطير ! . وأضافت أمُّهُ  لأقوالها له : ( لقد  ادَّخرتُ أيضا بعض المال من بيع الحليب واللبن واللبنة  والجبن  وبيض الدَّجاج . وسألها أسعد: ألم تشتر أيضا ثيابا جديدة لاخوتي؟! فضحكت الأم  وأخبرتهُ  وهي تقبِّلهُ  وتحضنهُ  بكلتا  يديها : إنَّ أباهُ  سلمها  قبل  يومين  مبلغا  من  المال  لشراء الأحذية والملابس الجديدة لهم من أول راتب قد تقاضاه من عملهِ الجديد في شقِّ الطرق . وبعد الانتهاء من تذكر هذا المشهد الذي حدث قبل يوم والحوار الذي جرى بين أسعد وأمه  بدأ أسعد يحثّ القطيع على الإسراع  في  العودة إلى البيت ولأنَّ الشمسَ بدأت تقترب من الغروب  (ويعطي هنا  وصفا  شاعريا  جميلا عند الأصيل - ساعات الغروب  - صفحة 38 ) .
           ويقولُ اسعد : سيكون سروري عظيما عندما أنتعل نعليّ الأسودين اللماعين  وأرتدي ملابس العيد الجديدة الساحرة الألوان ..  وسيتسلّم ويأخذ من أبيه  بغبطة كبيرة "عيديَّة العيد " بعد أن يقبِّل يده  ويد أمه  ويدي جده وجدته  .. وبعدها  يسرع  وينطلق  ليجتمع  بأصدقائهِ  من  أطفال  القرية . ويكاد أن ينسى  تناول ما يستطيع  تناوله من الأطعمة الدسمة  الخاصّة التي تحضرها أمُّهُ بمناسبة حلول كل عيد .. هذا  بالإضافة  إلى ما تصنعه  جدتهُ  لأمهِ ، من البرازق والكعك  والمعمول  المرشوش  بالسكر الناعم ( أسماء حلويات شعبية مألوفة تصنع وتحضر دائما في البيوت العربية) .
   ويتابعُ أسعد حديثه :غدا سوف أرى أصدقائي في ساحة القرية  في  مراح الغزلان ( اسم مكان )..  وبالمناسبة هنالك الكثير من الأماكن  والمناطق في قرانا العربية تسمَّى بهذا الاسم  .   وكل  واحد  منهم  يعرض على الآخرين  هديته الخاصّة به  منتشيا فرحا متفاخرا سعيدا .   ويتسارع الصبية ليشتروا ما يحلو لهم من الحلوى والمكسرات، كالفستق الحلبي وفستق العبيد، والبندق والمسدسات الصغيرة مع ذخيرتها والبالونات الملونة  وغزل البنات  بألوانه الأبيض والوردي والأصفر من حانوت العم "راشد الغول" والذي كان أسعد يتهيَّب ويخاف  منه  قبل سنوات عندما  كان  يلمح من  بعيد  جسده الأسمر الضخم  وطوله  الفارع   وشاربيه  الكثين  الأشيبين  المعقوفين  إلى  أعلى كخنجرين حادين وهما يتراقصان إلى الجانبين عندما يتكلم . ( صفحة 42 )  .. ويقدم الكاتبُ هنا  صورة جميلة وطريفة ومضحكة تسلي وتضحك الأطفال الذين يقرؤون أو يستمعون للقصة  .
   وأخيرا وبعد طول انتظار يصل أسعد للبيت .. لم ينتظر حتى يهدأ القطيع في حظيرته ،كما كان يفعل كل يوم عند عودته المسائيّة، بل أسرع إلى باب بيته وتطل  أمُّهُ  وهي تحمل بين  ذراعيها  أخاه  الصغير "مصطفى " وهو يحتضن بين يديه الصغيرتين  ثيابه الجديدة  وحذاءه  اللامع  الأبيض  بفرح وسعادة  وحبور. وتبتسمُ  الأم ابتسامة عريضة جعلته  ينسى كلَّ تعب اليوم  وشقائه  فيقول : إذن لقد اشترت لي أمي أخيرا كل شيء!!  فيبتسم لها وتبتسمُ له . . ويقول:  ضحكت.. قهقهتُ .. ويقول: أطلقت صرخة  ضاحكة  مدويَّة   اهتزت لها  هدأة  المساء الذي  تجلل بالسواد  ( على حدِّ تعبير الكاتب ) .
     واندفع بكل قواه  وبسرعة الريح راكضا  إلى الداخل باحثا بشوق  شديد  وبجنون عن ثيابه الجديدة.. خطفها  ورفعها عاليا  في الفضاء  صارخا فرحا يلثمها مرات ومرات  ويركض في أنحاء البيت  ويركض ويركض ويدور . ويقول بينه وبين نفسه : إنه  لن ينامَ في تلك الليلة بعيدا عن ثيابه الجديدة،  لن يدعها بعيدة عنه ..  سيرتبها  بنفسه ( صفحة   46 )  سيُرتّبُهَا  بيديه متمهلا متأنيا  وسيضعها على الكرسي  الخشبي القديم الذي بجانب فراشهِ، وسيجعل حذاءه الجديد اللماع يغفو بأمان  تحت وسادته، وليطمئن هو أيضا في منامه  في هذه الليلة.
    ويقول : أجل ، سيكون نهار الغد  يوما رائعا.. بهيجا .. جميلا حلوا جدًّا كالسكر . ففي الغد  يوم العيد .. غدا هو أول أيام العيد !!
  وتنتهي القصة على هذا الشكل نهاية سعيدة  وشبه مفتوحة .
تحليلُ القصَّة: هذه القصَّة تعتبر ناجحة وإبداعية بكل المقاييس والمفاهيم النقديَّة والفنية.
 نسجت  وصيغت بأسلوب  أدبي  جميل  منمق سلس وعذب  وقريب إلى روح ولغة الشعر، وفيها الكثير من الجمل والتعابير والاستعارات البلاغية الجميلة والصور الشعرية  الخلابة المشعة والحالمة.  
        وتحوي هذه القصَّة في فصولها وطيَّاتها الكثير من المفاهيم  والأسس والجوانب المهمّة  والتي  يجب أن تتوفر في كل عمل  كتابي  وأدبي  سواء للاطفال أوالكبار،والقصة كما  يبدو بوضوح قد كتبت لجميع مراحل وأجيال    الطفولة، بيد أنها مناسبة أكثر لجيل الطفولة المتقدم فوق التسع سنوات .       تضم هذه القصة وتحوي في طياتها ومشاهدها وأحداثها العديد من العناصر والأبعاد المهمّة ، مثل :
1 - البعد الفني.
2 – البعد الأدبي.
3 – الجانب الترفيهي ( التسلية ) .
4– الجانب الإنساني.
5– الجانب الاجتماعي  والأسري.
6- الجانب الأخلاقي والتربوي .
7- الجانب الوطني .
8 – عنصر المفاجأة  .
9-  الجانب التراثي والعادات والتقاليد المألوفة  ونمط الحياة الذي كان سائدا  في أواسط القرن الماضي في قرانا وبلداتنا العربية الفلسطينية في الداخل .
   تتحدَّث هذه القصةُ  بإسهاب وبشكل غير مباشر -  كما  حاكتها وصاغتها ريشة  الكاتب الإبداعية -عن العلاقات والوشائج الوطيدة التي كانت  تسود قرانا العربية قبل عشرات السنين، وأجواء المحبة والوداعة والسلام والبراءة والسذاجة الصافية. وتتحدثُ القصة عن الأراضي والسهول والمراعي  الواسعة .. وأما اليوم  فقسم كبير جدا من هذه الأراضي العربية في جميع  القرى والمدن العربية  الفلسطينية  قد صودر ، ولم  تعد  هنالك  أراض  كافية  ليعتاش منها الفلاح والمواطن الفلسطيني في الداخل، ولم تعد هناك مراع وأراض مشاع  ووعور شاسعة لرعي المواشي والحلال.
      وباختصار يقدم لنا  الكاتب على لسان الصبي أسعد بطل القصة صورة ولوحة  جميلة  خلابة  لحياة  القرى العربية آنذاك. والقصة  كتبت  بأسلوب سردي على لسان بطل القصة ( أسعد ) ويتخللها  بعضُ الحوار الذي  يدورُ  بين شخصياتِ القصة ( ديالوج ) حيث  يبدأ  أسعد في  سرد قصته ودون مقدمات ( الكاتب هنا  يخرج عن النمط والطابع التقليدي) وبكلمة (عصرا) عندما  كان الطفلُ أسعد مع  أصدقائه الصبية  في المراعي .. وَيُحَدِّدُ  الجهة والمكان الذي  كانوا موجودين  فيه  بالضبط ( المراعي الشراقى )  وأوقدوا النار وشووا  حبات البطاطا  وأن  طعمها  لذيذ  كشرائح  اللحم  ( يشير إلى الوضع الاقتصادي والصعب والفقر والعوز  آنذاك، إذ لم تكن اللحوم متوفرة بأسعار رخيصة  ولا يمكن  تناولها كل  يوم  كما هو  الوضع  والحال الآن ، بل  في المناسبات البعيدة جدا ، وهنالك عائلات كانت من الحول للحول تأكل اللحوم . وهنالك قصة  حقيقية  تروى عن  شخص من  إحدى القرى لم  يشتر أهله لحوما يوم العيد وقد اراد بدوره أن يُعيّدَ ويحتفل بالعيد،  فاضطُرَّ للتوجه إلى أحد المنازل  في  القرية  وكانت  تكثر  بين  الفجوات  وثقوب جدرانه الخارجية أعشاش طيور السنونو،  وهذه  الطيور ممنوع   ومحرم أكلها  ( ويقال : إنها طير الأبابيل . ويقال : إنَّ لحمَها مرٌّ  ولا يصلح للأكل) ..وأوقد وأشعل أعواد الحطب في  المنقل واختطف والتقط  طيور السنونو الصغيرة  من أعشاشها وقام  بشوائها  وأكلها  أمام العابرة  وجميع  الناس من  شدة  الفقر (وهذه الحادثة حقيقية جرت قبل اكثر من 60 سنة ) .                                                                          وفي القصة يتحدثُ الأطفالُ الأصدقاء كلٌّ بدوره عن ملابس العيد التي سيشتريها الأهل لهم عندما كانوا متحلقين  حول النار ويشوون  حبات البطاطا .. وأحد الأقرباء (  ابن خالة أسعد ) سأل أسعد ماذا  يشتري  له أهله من ملابس يوم العيد .. وقد أحرجهُ كثيرا .. وفي اللحظة  الحرجة ذاتها ( كما  يروي  كاتب القصة على لسان أسعد بطل القصة ) أنَّ  الفكر والخيال  ذهبَا  به للبعيد  وإلى  البيت ولحديثه  الدرامي  الشجيِّ  مع   أمه  وما  جرى بالتفصيل هناك. وينتقل الكاتبُ بهذا الأسلوب الرشيق والتقني وغير المباشر  من مشهد إلى مشهد ومن  موضوع  لموضوع  ومن  حالة  وظرف ووضع وزمان إلى  ظرف  ومكان آخر،  ويرجع  بعدها إلى واقعه  وجلسة  الأصدقاء  حول النار، ويجيب  الطفل  أسعد  بحكمة  واتزان  وبعقلانية على سؤال ابن خالته  الذي أحرجه  كثيرا وضايقه  وأغضبه عن غير  قصد  من سؤاله هذا  . وينتقل الكاتبُ بأسعد بطل القصة إلى حياته  العادية وللمراعي ولغنمه ثم  رجوعه للبيت .. يتحدث بشكل جميل وبريء  وفلسفي  نوعا  ما  عن الأغنام  والمراعي  والطبيعة  وجمالها  ونقائها  ولذة  ومتعة العيش في  أكنافها وأجوائها،  وعلاقات المودة  والصفاء مع  الأم  والأهل  ثم رجوعه للبيت بفرح  وسعادة  كبيرين  ليشاهد ويرى ما  اشترى  له  أهله ُ من ملابس  جديدة  للعيد . ويتحدثُ عن وجبةِ  الطعام التي  تنتظره  بعد  يوم  طويل من التعب والإرهاق والكد،  فيعطينا صورة  واضحة عن الحياة  والطعام  المتبع في القرى . وكيف أنه قضى جزءا من يومه على مقاعد الدراسة  في المدرسة، وبعد  الدوام  الدراسي  يقضي باقي  يومه حتى  ساعات  المساء  وغروب الشمس في  رعي الأغنام  فهو  منذ  صغره يحس  بالمسؤولية  ويتكل  أهله عليه  ويساعد  الأهل   في العمل   والرعي  لتحسين   وضعهم  الاقتصادي .ويعطي هنا الكاتبُ درسا تثقيفيا وتعليميا  في المثل والأخلاق والمبادئ والتضحية فيحفز الأطفالَ  وكلَّ طفل  يقرأ  أو يستمع  لهذه  القصة  للاقتداءِ بالطفل أسعد المكافح لأجل أسرته وأهله وإخوته . ونحن في يومنا هذا نادرا ما نجد طفلا وصبيا  أو حتى شابا  بالغا  يكترث ويهتم  لوضع أهله وعائلته الاقتصادي، بل  الأطفال اليوم  وحتى الشبان  يهتمون  فقط  بأنفسهم  وعلى الأب والأم ان يلبيا  وينفذا لهم جميع حاجياتهم من : غذاء وطعام وملابس ورفاهيات وكماليات لم تكن  موجودة  إطلاقا  قبل عشرات السنين مثل :( جهاز الكومبيوتر ، البيلفون ( النقال ) ، سيارة  ومصروف جيبي يومي،  وغير ذلك  )  .
   وفي المشهد والفصل  الأخير من القصة يروي الطفلُ أسعد كيف  أن والديه قد حققا له  ولإخوته كل ما كانوا يريدونه ويحلمون  به من ملابس وأحذية ومبلغ من المال ( مصروف جيبي) لشراء العديد من الأشياء والحاجات( كالحلويات  والسكاكر والمسدسات المائية والألعاب وغيرها ) ،  وأن أباه نجح في إيجاد عمل ووفر معاش وراتب شهر واعطاه  للأم  لتأمين كل ما يلزم العائلة الوديعة من حاجات ولوازم  أساسية مهمة يوم العيد. ولقد صدق ظنُّ  وحدسُ الأمِّ  المترع  بالأمل  والتفاؤل  وكانت  تقول  له دائما : ستفرج .. ستفرج ..وكما أن الأم كانت إدارية وربَّة أسرة من الدرجة الأولى .( وهكذا كان معظم الأمهات والنساء قبل عشرات السنين ، بل جميعهن ) ..فهذه الأمُّ الاقتصادية  والإدارية استطاعت ان توفر مبلغا من المال من بيع بعض المنتوجات من البيت كالجبن والحليب والبيض لدعم العائلة وإخراجها قليلا  من الضيقة الاقتصادية . فيعطينا الكاتب هنا  صورة مشرقة  ورائعة  لروح المحبة والتعاون بين الأب والأم والأبناء أيضا كالابن أسعد الذي كان يساعد أهله وهو الذي كان يرعى الأغنام  التي  تمد  العائلة  بجزء كبير من  معيشتها  وإعالتها  من  خلال  ألبانها ومشتقاتها   كالجبن  واللبنة  واللبن .
     وكان بإمكان كاتب القصة أن يتوسّع أكثر  نوعا ما  في مسافة  ومساحة القصة ، وخاصة في  جانب الحوار ( الديالوج )  بين  الابطال  وشخصيات القصة ..لأن  قسما كبيرا من القصة صيغ ونسج بشكل وبطابع سردي  على لسان بطل القصة (الطفل أسعد)،وهنالك شخصيات وعناصر قد تكون مهمة جدا في  البناء  الهرمي  للقصة  لم  يدخلها  ويشركها  إطلاقا  في  الحديث والحوار المتبادل  وفي مجرى الأحداث  كوالد أسعد  -مثلا-  الذي يعمل ويكد طيلة  النهار  لأجل  إعالة  العائلة.  ولم يذكر إخوته  أيضا  وأسماءهم  في بداية  القصة وحتى في نهايتها  وماذا اشترى لهم الأهل من ملابس  وأحذية وغير ذلك  من  حاجات  العيد  وكيف  كانت   فرحتهم  وسعادتهم  للملابس الجديدة  .واكتفى  بذكر اسم  واحد  من  أخوته الذي  كنت أمه  تحمله  وهو متشبّث  بملابس العيد الجديدة التي اشتراها  له  الأهل .. ولم  يدخل أباه  في القصَّة  كشخصية مهمة   ومحوريّة  ومركزيَّة،  ولم  يشركه  في  أي  حوار وحديث..وكان الحوار معظمه يدور مع أمِّه..وفي بداية القصَّة مع الأصدقاء المتحلقين حول النار التي أوقدوها لشواء حبات البطاطا . وهنالك شخصيات أخرى إكتفى الكاتب بذكر أسمائها وتعريفها بجملة او جملتين ( كالعم " ابو السعيد" الذي صنع له اليرغول والشبابة، وصاحب الدكان والشاربين( الذي وصفهُ الكاتبُ على لسان الطفل أسعد  بشكل كوميدي ضاحك ساخر ) ..
     إن هذه القصَّة جميلة  ومتماسكة ومترابطة  وسلسة ولغتها الأدبية راقية ومنمَّقة  وفيها كل عناصر الجمال  وفيها التفنن  بشكل تقني رائع ، وخاصة في كيفية  الانتقال من موضوع  لموضوع  ومن مشهد  درامي لمشهد  آخر وبشكل غير مباشر وعن  طريق  الخيال  المجنح  لبطل  القصة ، في أغلب الأحيان ،  الذي يأخذه من مكان لمكان ومن حدث لحدث  وموضوع جديد ، معتمدا أسلوب الفلاش-باك/ الاسترجاع. وهذا  اللون  والأسلوب  متبَّعٌ  في القصص  والروايات  العالمية  للكبار وللصغار. ولقد ذكرتُ هذا الأمر في بداية القصة             ( عندما كان البطل متحلقا مع أصدقائهِ حول النار )  وبعدها  ينتقلُ  خيالهُ  إلى بيتهم  ولأمِّهِ  ولإخوته ولوضعهم الاقتصادي الصعب وحديثه المطول وحواره مع أمه ثم رجوعه بخياله وفكره إلى واقعه وعالمه ومع أصدقائه المتحلقين حول النار. ثم عن حياته في المراعي ومع الأغنام وتفكيره الملحاح  بهدية العيد  قبل رجوعه للبيت عند الغروب مع أغنامه   ليرى  ويشاهد  هدية العيد التي اشتراها  له أهله .. إلخ ..) .
وكاتب القصة ( الأستاذ نظير شمالي ) يتوقف ويقفل القصة عندما يتسلّم أسعد هدية العيد من أمه. وكان  بإمكانه أن يستمر في مجرى أحداث القصة لليوم التالي يوم العيد ويذكر أجواء البهجة والوداعة والمحبة بين الناس وفرحة الأطفال والصبيان (أسعد وأصدقائه)  بهذا اليوم المنشود - يوم العيد - ويصف لعبهم ومرحهم  والأشياء التي اشتروها يوم العيد ويذكر أيضا أخوة أسعد .. وبإمكانه أيضا  إدخال  بعض الشخصيات الجديدة  يوم العيد  وفي نهاية القصة  .
   يظهر بوضوح أن الكاتبَ متأثر بالقصص والروايات العالمية التي تخرج عن المألوف والروتين والنمط والأسلوب التقليدي الجاف وتتشعب وتتموج  إلى أبعاد وآفاق عديدة في التلوين  والتفنن والتغيير .                                    
وهذه القضيَّة ترفيهية  من الدرجة الاولى  تسلي  للطفل  وتمتعه، وفي الوقت ذاته تحملُ رسالة  كبيرة  مثلى وتحوي  وتضم  أهدافا  عديدة  في طيّاتها - ذكرتها سابقا  .   ويظهر عنصر المفاجأة في عدة مواقع  ومشاهد منها ... وهذا العنصر والجانب المهم يضيف بعدا فنيا وجماليا لكل قصة سواء كانت للكبار أو للصغار.  يظهر عنصر المفاجأة –مثلا- في نهاية القصة حيث تنتهي نهاية سعيدة وشبه مفتوحة عندما يشتري الأهل جميع احتياجات أطفالهم يوم العيد من أحذية  وملابس وحلوى وغيرها ، وكان  من  المتوقع  أن الأهل لم يتمكنوا من شراء الملابس والأحذية لأطفالهم ولم يعيدوا وستنتهي القصة نهاية حزينة بائسة .  وأيضا  بطل  القصة أسعد  وابن  خالته  الذي  أحرجه بسؤاله  لم يظهر اسماهما في البداية . بل ظهرا، فجأة  بعد  مساحة معينة من القصة. ولم يرد ذكر إطلاقا لجد ولجدةِ الطفل أسعد فيظن القارئ أنهما متوفيان، ويذكرهما الكاتبُ  فقط في نهاية القصة وصباح يوم العيد . ولقد كان  الحديث مركزا  طيلة  الوقت على بطل القصة  وعلى أمه   فالكلُّ يظنُّ في البداية أنه يتيم الأب ولا يوجد له اخوة .. ويُكتشفُ ويظهر  فجأة  ان أباه  حيٌّ ويعمل ويكد لأجل الأسرة،  وأن له أخوة  أيضا بعد قطع مسافة واسعة  من القصة.
  وأخيرا : نهنئ الشاعر والكاتب والباحث  والأديب الكبير والقدير الأستاذ نظير شمالي  على هذا المؤلف  والإصدار القيّم  والرائع.  ونتمنى  له العمر المديد  والصحة   والعافية  والمزيد  من  الإصدارات  الإبداعية   في  شتى المجالات والموضوعات: الأدبية  والشعرية والتاريخية  والتراثية . 

( بقلم : حاتم جوعيه – المغار  -  الجليل )

...........................................................................................................

·      ط ١، ١٤٣٥ه= ٢٠١٤م.

 

                                                     الكاتب  نظير  شمالي 

تراحيل الأرمن كتبت بحبر آهات تتلوى حتَّى ولدت الفراشة!

*القدس- 19/1/2017 من رنا القنبر- ناقشت ندوة "اليوم السابع" الثقافية في المسرح الوطني الفلسطيني في القدس رواية تراحيل الأرمن للأديبة الفلسطينيّة ميسون أسدي، وبحضورها وتقع الرواية الصّادرة هذا العام 2017 عن دار الرصيف للنشر والتوزيع في رام الله في (140) صفحة من الحجم المتوسط.
وفي نهاية الأمسية تسلّمت الأديبة أسدي درع الندوة تقديرها لدورها في رفد الثّقافة العربيّة بإبداعات لافتة.
شارك في النقاش كل من: عبد الكريم الشويكي، طارق السيد، رائدة أبو صوي، ماجد لماني، سعيد عياش، مهند الصباح، رنا القنبر.
**جديد ميسون في مضمون الرّواية العربيّة
بدأ الندوة الكاتب جميل السلحوت حيث قال:
تواصل الأديبة الفلسطينيّة ميسون أسدي مشروعها الأدبيّ بخطى واثقة، فهذا العمل الأدبيّ هو الرّواية الثّانية التي تكتبها أديبتنا، وميسون أسدي التي تستفيد من تجربتها الحياتيّة والعمليّة في التقاط مضامين قصصها ورواياتها، فتقدّم لنا أدبا واقعيّا لافتة الانتباه إلى ما يدور في مجتمعنا العربيّ، خصوصا من بقوا في ديارهم من أبناء الشّعب الفلسطينيّ في نكبة العام 1948، وتحوّلوا إلى أقلّيّة في وطنهم بفعل آلة الحرب والدّمار الصهيونيّة الامبرياليّة، وما تعرّضوا ويتعرّضون له من اضطهاد قوميّ وطبقيّ ودينيّ في ظلّ ما يحلو للبعض تسميته بواحة الدّيموقراطيّة في الشّرق الأوسط.
وأديبتنا في روايتها الجديدة "تراحيل الأرمن" خرجت بنا إلى موضوع إنسانيّ يتعلّق بالشّعب الأرمنيّ، وما تعرّض له من مذابح وتشريد في العام 1915 أثناء الحرب الكونيّة الأولى على أيدي العثمانيّين الأتراك، حيث قُتل منهم ما بين مليون ومليون ونصف شخص، مع أنّهم كانوا من رعايا الامبراطوريّة العثمانيّة التي كان الأجدر بها حمايتهم بدل ذبحهم وتشتيتهم. وأديبتنا هنا اصطادت عصفورين بحجر واحد، فقد كتبت عن قضيّة انسانيّة، وكان لها السّبق أيضا بأن تكون أوّل أديب عربيّ يكتب رواية عن مأساة الأرمن. وإن سبقتها كاتبة أرمنيّة بتقديم كتاب باللغة العربيّة عن نفس الموضوع، بعنوان "قافلة الموت" للكاتبة الأرمنيّة ربيكا ملكيان، والصادرة في نيسان 2015 عن دار "الآن ناشرون" في عمّان متزامنة مع الذّكرى المئويّة للمجازر. "وتعاين ملكيان في كتابها أسئلة الهويّة والإنسان والوطن وقضايا الوجود والموت وحياة شعبٍ، مستنطقة المعمّرات الأرمنيّات والمتاحف وشهود العيان، في بحثها عن إجابات أغمضت عليها عيون أهلها وأقاربها وأسرتها وأحفادهم، وتحديدا النّساء الّلواتي طرد أجدادهنّ من أرمينيا الغربيّة مطلع القرن العشرين."
وما يهمّنا هنا أنّ الأديبة ميسون الأسدي قد أتتنا بجديد في مضمون الرّواية العربيّة، وهذا يسجّل لصالحها، ويعطيها تميّزا جديدا يضاف إلى تميّزها في الكتابة عن القضايا الاجتماعيّة، خصوصا ما يتعلّق بقضايا المرأة. وبغضّ النّظر عن منطلقات وأسباب الأديبة في عملها الأدبيّ هذا، إلّا أنّه لا يمكن إغفال مقارنة نكبة الشّعب الأرمنيّ على أيدي العثمانيّين بنكبة الشّعب الفلسطينيّ على أيدي الحركة الصّهيونيّة المدعومة من الامبرياليّة العالميّة، سواء قصدت أديبتنا ذلك أم لن تقصده. فالفهم الإنسانيّ واحد، وحرمة الدّم الانسانيّ واحدة أيضا بغضّ النّظر عن الجنس أو الدّين أو العرق.
ورواية أديبتنا هذه لا ينقصها عنصر التّشويق، ولغتها فصيحة بليغة انسيابيّة طغى عليها السّرد الحكائيّ والتّقرير الصّحفيّ، وقلّ فيه الحوار الذي يعطي حرّيّة الحركة لشخوص الرّواية.
يبقى أن نقول أنّ هذه الرّواية تشكّل إضافة للمكتبة الفلسطينيّة بشكل خاصّ، وللمكتبة العربيّة بشكل عامّ.
**تراحيل الأرمن كتبت بحبر آهات تتلوى حتَّى ولدت الفراشة
وكتبت رشا السرميطي :
رواية ميسون أسدي"تراحيل الأرمن"  الصادرة عن دار الرّصيف للنشر والاعلام/ رام الله، في (140) صفحة من القطع الصغير. رواية تتحدث عن الأرمن بين الماضي والحاضر، قصة شعب تعذب، تشرد، وقاوم، لم يزل هناك في حيفا ربما يحمل أعباء الماضي وتراحيله، أرمنيون جدد يتحدثون بالعبرية بدلا من الأرمنية، فهم لا يشبهون الأرمن في أرمينيا وموسكو وأمريكا وفرنسا.
تصنف الرواية ضمن باب الرواية التاريخية، إذ كتبت بها ميسون أسدي أحداثا، تاريخيّة مرّت على الشعب الأرمنيّ، في تراحيل لم تحمل فصولها سوى الوجع والألم مع اختلاف في الزمان والأمكنة، لكنّ الجور على هذه الأقليّة يتكرّر باختلاف فاعله، ليغدو التشتت من نصيب عائلاتهم، ويكبر المصاب بعدما تتوالى السنون، في أوراقها تطرقت لهذه العائلة الأرمنية الكبيرة والمتشعبة بعاداتها وتقاليدها وكذا طقوس احتفالاتها وشعائرها.
أثقلت الكاتبة على القارئ بالأسماء المتفرعة وتفصيل معانيها، إذ كنت أرى لو تركتها دون إيضاح لكان ذلك أيسر على القارئ وأكثر تشويقا لفهم المعنى ضمنيا، وربما أرادت الكاتبة ربط دلالات الأسماء بأصحابها رغم أنها ابتدأت بنفي ذلك عنها صفحة (10) لتقول: " نادرا ما يشبه الشخص الاسم الذي أعطاه إياه ذووه". لم توفق الكاتبة من وجهة نظري في تفصيل الشخصيات صفحة (8) إذ لم يكن ذلك ضروريا، بالنسبة لي كقارئة لا أعرف شيئا عن الأرمن وأسمائهم، كنت أفضل لو بدت الأسماء لي مبهمة أجنبية.
الهجرة والشتات لون النص- تراحيل الأرمن- حكاية قلم وفيّ لما سمعته كاتبته من أرواح صادقة، بنيت عليها أعمدة الرواية جميعها، وقد اعتمدت الروائية أسلوب الحوار بالسؤال والجواب مع سردية قصيية بسيطة عما أرادت اخبارنا عنه من أحداث الرواية، التي كانت تدعو بها للمسامحة والانسانية والتعارف من أجل تقليل العدائية؛ لاكتشاف الآخر في الانسان المختلف عنا، وقد غنيت نصوصها بعادات أرمنية مثل الهريسة المصنوعة من اللحم والقمح، قنابل الأرمن وهي الكبة، مباركة العنب وهو طقس ديني له شعائره بالكنيسة في شهر آب، مباركة الزرع في كانون، ومباركة السنابل في أيار. حيفا كانت سيدة المكان في الوصف والسرد، حي وادي النسناس، كنائسها، الأديرة، ساحة الحناطير، جبلها وبحرها، مستشفى رمبام، سوق تلبيوت، قرية الأرمن "الشيخ بريك" قرب عتليت، ميناء حيفا، شارع عباس، الهدار وغيرها.
أعتقد أنّ هدف كتابة الرواية هو الاخبار عن الإبادة الجماعية للأرمن عام 1915 على يد العثمانيين، وما تعرض له الأرمن من أمواج عصفت بتاريخ هذا الشعب، تاريخ يعيد نفسه ببطولات مختلفة لكنّها متكررة، تلا ذلك ما حلّ بهم في حرب 1948 على يد الكيان الصهيوني الاسرائيلي، ليغدو ما تبقى من هؤلاء مهجرين ومتشتتين في المخيمات والاطراف الأخرى من البلاد.
من الأحداث التي أحبت مشاركتنا بها الكاتبة، قرع جرس الكنيسة الأرمنية بغير المناسبات الدينية والزواج والموت، عندما حضر الفنان "وليام سارويان" المولود في كاليفورنيا إلى حيفا، طرد طلاب الأرمن من مدرسة راهبات الناصرة، حكاية البسطار، نحاس الصحراء وهي رحلة البطل إلى ايلات وعمله في مناجم النحاس، وقصص أخرى قدمها الرحالة " البرق" جايزاك بطريقة سلسلة وبسيطة يبغي منها الإخبار، والتدليل لكون هذه الشعوب إنسانية محبة، لا تستحق تلك الإبادة والتنكيل الذي تعرضت له من قبل أي جهة معتدية.
هل اكتملت أدوات وعناصر الرواية الفنية في تراحيل الأرمن؟
استطاعت الكاتبة سرد الأحداث وتنقلت بالقارئ من مرحلة إلى أخرى، لكن الوصف بدا مقتضبا، أعتقد بأننا أمام مجموعة قصصية وليست رواية، لقد فقدت الكاتبة خيط الأحداث والحوار الداخلي والذاتي للمؤلف، لم تبرز عقدة لتأخذ القارئ للتفكير والتحليل أي لم تكن مربكة له، وبدأت تتواتر القصص على لسان جايزاك دون ترابط يلملم شمل هذه الأحداث الغزيرة، التي لم توظف في سياق روائي من حيث الوصف والاسهاب وكذا التشويق، لقد كانت بمثابة سرد مثل ومضات عن حياة الأرمن، وما يجري معهم في بقاع الأرض فرحا وترحا، كما أنها كانت مباشرة دون غموض أو خيال، أي بلغة تقريرية دون الاستنجاد بصور بلاغية وصفية للمكان والأشخاص، لم أعرف شخصيا كقارئة عن أبطال الرواية أكثر من أسمائهم، حتى جايزاك الذي تربع على منصة السرد كان يسرد الأحداث منحيا رأيه وفكره كانسان، لم تثر في داخلي قصصه الأسئلة، فمررت عنها لغرض المعرفة فقط. أما الفكرة الرئيسية للرواية فهي واضحة: الانسان لا يفرقه عن الانسان دين أو لغة، وإنما علينا أن نسمو في تقبل الآخر والتعايش معه، وهذه رسالة لشعوب العالم وليس للأرمن فقط.
أعجبت بالخاطرة (بلا بطاقة) صفحة (120) للشاعر الأرمني " بايروير سيفاك" التي قرأتها عبلة – مصدرة الأسئلة – على جايزاك، تقول:" أنا عميل للفرح/ وبائع للسرور الواسع/ إنني أملك حانوتا على مصراعيه/ للضحكة الرنانة/ وأملك أيضا/ دكانا مغلقا نصف إغلاقة لبيع الابتسامة/ أما راحة كفي/ وأصابعي العشرة/ فهي ناقلة للسعادة/ فمي غرفة مطالعة للحب/ وقدماي سيارة تقلني إلى المواعيد/ وأما يداي/ فهما واسطة ذكية للاحتضان/ صدري لوحة لوسام/ لوحة لوسام اسمه القلب/ والذي يحملونه في الوجه الداخلي للوحة/ بعد كل هذا/ فما هي الحاجة؟/ لكي أكتب عن نفسي/ كل هذا شعرا/ أنا../ أنا بطاقة موجهة إلى العالم/ لا تثنوني/ ولا تلصقوني بالصمغ..".
تطرقت الكاتبة للعنصرية التي يمارسها اليهود والعرب ضد الأرمن، وقد دللت على ذلك بتطبيق قاعدة " كل أربعين يهودي بأرمني واحد"، وهذا مطبق في مجال العمل والتعليم وتقلد الوظائف، التجارة والمناقصات، تقول:" نحن في بلاد الحرب الدائمة، والأرمن في إسرائيل عندهم مشكلة كبيرة مع هذا الوضع"، " العرب أيضا لا يحبون الأرمن، لأنهم يشعرون بأنهم أحسن منهم، فلا يعطي العرب الأرمن أي شغل".
أخيرا وبعد انتشار دخان الوجع الذي حملته صفحات – تراحيل الأرمن – طارت الفراشة حتى وصلت لزهرة عربية فقرأتها، ونقلت رحيقها لكثير من العرب المسلمين حولها، لنسمو بإنسانيتنا ونغدو شعوبًا متحضرة، لا يفرقها الدين والحزب والتوجه واختلاف الأفكار فما ذلك إلا ثراء.
**حولت الكاتبة الرواية من تراجيدي إلى شبه ملهاة
وقال محمد عمر يوسف القراعين:
يوهم العنوان أن الأرمن بعد المذبحة الكبرى عام 1915، وتهجيرهم من أراضيهم في أرمينيا أيام الحرب العالمية الأولى، خوفا من مساعدتهم الروس أعداء الدولة العثمانية، ظلوا في ترحيل مستمر قسري ونكبة متواصلة، في حين أن من نجوا من تلك المحنة بعد فقدان مليون ونصف من البشر، استقروا في سوريا ولبنان وفلسطين، وانطلقوا منها إلى أوربا وأمريكا، ومنهم من عاد إلى وطنه في أرمينيا بعد الحرب، والتي أصبحت إحدى جمهوريات الاتحاد السوفياتي، حيث كان ميكويان الأرمني من قادة السلطة هناك.
وفي توطئة الرواية، تنقل الكاتبة عن الكاتب الأرمني وليام سارويان أن في قلب المأساة ثمة دائما الملهاة، وفي قلب كل ما هو شر هناك دائما خير كثير. وهكذا كان، حيث حولت الكاتبة الرواية من تراجيدي إلى شبه ملهاة، بدأتها باحتفال لمباركة العنب في كنيسة الأرمن في حيفا، يدعو إليه جايزاك بطل الرواية صديقتهم عبلة وزوجها ماجد المصور، وذلك في منتصف آب، لأن العنب لا ينضج إلا في هذا الموعد، وهو يصادف عيد السيدة العذراء، كما لديهم مباركة للزرع في 15 كانون أول، ومباركة السنابل في 15 مايو، هذه نقلوها عن تراثهم الزراعي في أرمينيا.
الأقليات دائما عرضة للاضطهاد وتصفية الحساب، باختلاق أعذار أثناء الحروب، كما حدث مع الأرمن والشركس والشيشان، وأثناء أزمات اقتصادية، كما حدث في أوربا في الثلاثينات من القرن الماضي، حيث أراد هتلر حل المشكلة على حساب اليهود، الذين حلت أوربا وأمريكا مشكلتهم على حساب الفلسطينيين، مما أدى إلى نكبة لم تُحل بعد بل تتفاقم.
روايتنا المسلية والملهاة شخوصها كثيرون، بأسماء ربما حقيقية من معارف الراوية عبلة وزوجها ماجد، ولكنها غير مألوفة لدينا، حيث عرفنا جارو المصور وأرتين الصايغ وسركيس مصفف الشعر، وشوهمليان تاجر الأحذية وأغازريان في الملتقى الفكري، وقلبيان طبيبة الأطفال.
والأرمن الذين هاجروا إلى فلسطين، سكنوا في عتليت في مزرعة الشيخ بريك قبل 1948، أما في حيفا فقد ابتدأ وصول الأرمن عام 1927، حيث افتتحوا النادي وأقاموا الكنيسة الحالية.
جد بطل الرواية سيمون سكن في وادي النسناس، وكان تزوج من ميرانوش تحت جنح الظلام، وهو يكبرها بعشرين عاما، زوجه إياها أبوها لأن الأتراك يستعبدون الفتيات العذارى، وقد هرب من رصاص الأتراك، واختبأ في كهف سبعة أيام حتى أنقذه صيادون أتراك. وصل بيروت ومنها إلى القدس، حيث كان يبيع الكبة والصفيحة في باب الخليل، ثم انتقل إلى حيفا وعمل في ساحة الحناطير في بيع الكبة والفاصوليا الناشفة
كان الأرمن مهرة في القدس، فالصاغة في سوغ الدباغة كلهم أرمن زمن الانتداب، ويشتهرون بعمل البسطرمة والصفيحة الأرمنية والتصوير. والخواجه نِجِر كان معروفا لأصحاب الحلال الذين كانوا يوردون الحليب له ليتصرف فيه. وكانوا منغلقين في ديرهم، ولا يختلطون كثيرا مع العرب، ولهم مدرستهم الخاصة، حيث لم ألحظ أحد طلابهم في الرشيدية مثلا، في حين كان لي زميل سرياني مرقص نعموج في الصف، وكان يدرسنا الأستاذ جبرا إبراهيم السرياني.
ربما كان الوضع يختلف في حيفا، حيث سكنوا بين العرب في وادي النسناس، وأنا أعرف أستاذة في الجامعة دكتورة في علم الكريمونولوجي، متزوجة من طبيب أرمني هاجوب، وماهي لبطجيان متزوج من فتاة عربية، مع أنهم لا يحبون تزويج بناتهم لشباب غير أرمن، كما حدث مع أخت البطل جايزاك التي تعرفت على شاب مثقف هندي، رفض أهلها تزويجها له، لأنه داكن اللون لولا تدخل أخيها.
كان للأرمن ناديان من النوادي العشرة في القدس، هما نادي الهومنتمن والهويتشمن، ولكن لم يلعب منهما أحد في نوادي العرب، بينما لعب جبرا السرياني مع نادي الدجاني، وجبرا الزرقا مع شباب العرب في حيفا.
عودة للرواية، جايزاك كان يوصف بالبرق، لأنه لا يثبت في مكان. لم يتح له الالتحاق بالجيش ليتعلم مهنة، ولا بالسفن لأنه أرمني، فسافر إلى أيلات ليعمل في استخراج النحاس من تيمناع، حيث وفر بعض المال، ثم غادر إلى النرويج، فعمل في مطبخ أحد المطاعم، ثم أصبح شريكا فمالكا للمطعم. وكان كغيره من الميسورين يتبرعون لمشاريع الأرمن في أرمينيا، وله علاقات مع الجميع، وقد تزوج ثلاث مرات، من ليسا الدنمركية وأونيي النرويجية ومالاريكا الأرمنية، وأقام مع كل وحدة ثلاث سنوات ضمن إطار الزواج انتهى بالفراق، لذلك أطلق عليه" لعنات الثلاث سنوات".
تحدثنا الرواية عن عائلات قاست في بداية حياتها، مثل عائلة هايج صديق جايزك أيام الشقونة، الذين عاشوا سبعة في غرفة، لم يكن غريبا علينا، ثم رحلت العائلة إلى كندا عام 1961، حيث حصل هايج على عمل كمدير في شركة كبيرة للأدوية، وهم يعيش في سويسرا.
يقدر الأرمن الروائي والكاتب المسرحي الأمريكي وليام سارويان، الأرمني الأصل، إذ عندما حضر إلى حيفا، دقت أجراس الكنيسة، مع أنها لا تدق إلا للمناسبات الدينية والزواج والوفاة، وتعرفنا الرواية أن اللغة الأرمنية أصبحت تكتب بثلاثة وثلاثين حرفا منذ عام 406 م.
كثير من أسماء الأرمن مأخوذة من المهن مثل دمرجيان تعني حداد، ففي فترة الأتراك كانت أسماء المهن حداد ونجار ونحاس وفران وغيرها تعطي للمسيحيين العرب والأجانب، وليس للمسلمين الذين يخدمون في الجيش، ولم يعملوا في المهن الحرة.
والبدو من العرب يأنفون من العمل في المهن، وخاصة الخباز والحلاق والجزار، حتى أن الحجاج في خطبته الشهيرة في الكوفة يقول عن نفسه: ليس براعي إبل ولا غنم، ولا بجزار على ظهر وضم.
وأخيرًا، استطاعت الكاتبة بجمع قصص، حول هذه المجموعة من الناس المجتمعين لحفل تبريك العنب، وتشكيل رواية بدأتها تراجيديا وحولتها ملهاة، معتمدة على سرد شيق، ومغامرات مسلية وحوارات لطيفة.
**صورة حيّة عن حياة الأقلية الأرمنية
وقال عبدالله دعيس:
تاريخ الشعوب مليء بالمآسي والمجازر، نقرأ عنها في صفحات قليلة من كتب التاريخ، أعدادا وإحصائيات، ولكن كثيرا ما ننسى البعد الإنساني للأشخاص الذين عانوا خلال هذه الأحداث. فالقرن العشرين شهد استغوالا على الشعوب المستضعفة، فقتل عشرات الملايين خلال الحربين العالميتين، وشرّدت شعوب باكملها في الشرق مع التوسع الاستعماري لروسيا ثم الاتحاد السوفيتي على حساب الكثير من الشعوب التي تمّ إبادتها أو تهجيرها، أو الاستعمار الغربيّ الذي استعبد الشعوب في أقطاب الدنيا وسرق خيراتها وساق أبناءها ليعملوا عبيدا في مزارعه ومصانعه. وكان الأرمن من هذه الشعوب التي وقعت بين سندان الشرق ومطرقة الغرب، فانقلب عليهم الأتراك الذين جاوروهم وعاشوا في كنفهم قرون عدة؛ فقتل منه أعداد كبيرة وشُرّد الكثيرون في أصقاع الأرض.
هذه الأحداث التاريخية تحمل في طياتها حكايات ناس كثيرين عاشوها وذاقوا ويلاتها. يحمل حكاياتهم أولئك الذين يعيشون في الشتات من بعدهم، يسترجعون حكايات عذابات أجدادهم ويعانون غربة بعد غربة. فالأرمن تشتّتوا في أرجاء الارض يحملون قصصهم وحكاياتهم، ولكنهم أيضا يصنعون مستقبلا لهم في غربتهم، وهم في نفس الوقت يحافظون على لغتهم وتراثهم وطقوسهم مستعصين على الذوبان في الشعوب التي احتضنتهم، فكانوا وما زالوا يثرون هذه المجتمعات بثقافتهم ويتعايشون معها. ومع أن كثير من التجمعات الأرمنية تعيش في فلسطين وفي القدس خاصة، ونتعامل معهم بشكل يومي، ونتعجب من قدرتهم على الحديث بلغتهم حتى بعد مائة عام من الشتات، لكننا قد لا نعرف الكثير عن ثقافتهم وحياتهم اليومية.
أرادت الكاتبة ميسون أسدي في كتابها "تراحيل الأرمن" إعطاء صورة عن حياة الأرمن اليومية في اصقاع الأرض التي شتتوا إليها، وخاصة في فلسطين، فساقت قصة عائلة من الأرمن الذين لجأوا إلى حيفا، ثمّ أصبح بعضهم لاجئين مرّة أخرى بعد احتلال فلسطين وتشريد أهلها ومنهم الأقلية الأرمنية. حكت الكاتبة عن الحياة اليومية لأولئك وعلاقاتهم الاجتماعية وذكرياتهم التي تناقلوها عن أجدادهم عن مذبحة الأرمن التي حدثت قبل مائة عام. موضوع مشوق ومفيد، غنيّ بالمعلومات والحكايات.
والرواية تعطي صورة حيّة عن حياة الأقلية الأرمنية في حيفا، خاصة طقوسهم الدينيّة وعاداتهم وتقاليدهم وآدابهم وارتباطهم بوطنهم الأم وارتباطهم بفلسطين أيضا. وكذلك عن حياة المغتربين منهم في أوروبا وأمريكا وتأثير النكبة الأرمنية، وكذلك تؤثرهم بالمجتمعات العربية التي احتضنتهم ونجاحهم الباهر في أعمالهم أينما حلّوا.
لكن، هل استطاعت الكاتبة أن تعطي هذا الموضوع حقّه؟ عندما تعرضت الكاتبة إلى مذبحة الأرمن لجأت إلى سرد سريع موجز لبعض الأحداث التاريخية وبلغة تقريريّة مباشرة تخلو من التشويق والتأثير على القارئ. ثمّ بدأت تسرد الحكايات عن بعض الشخصيات الأرمنية التي اختارتها، بشكل متداخل غير واضح الزمن، ومشتت للقارئ، ودون أن تستطيع أن تبني شخصيّات روائيّة حيّة يتفاعل معها القارئ ويحسّ بها، وكررت الكثير من الحكايات والمعلومات في أرجاء الكتاب دون حبكة واضحة للرواية. وكانت لغة الكاتبة بسيطة عفويّة أقرب ما تكون من الكتابات الموجهة للأطفال، ولجأت إلى التكرار غير المبرّر، فقد وضحت معاني بعض الكلمات (كالبرق) مثلا مرّات ومرّات. لذلك فإنّ مضمون هذه الرواية برأيي لا يضاهي عنوانها ولا يعطي هذا الموضوع حقّه.

مع أهمية الموضوع، وافتقار المكتبة العربية إلى الكتابات فيه، تبرز أهمية هذه الرواية، التي كنّا نتمنى على الكاتبة أن تبذل جهدا أكبر في إخراجها، لتكون بمستوى هذا الحدث وهذه الأمّة (الأرمن) الذين نكنّ لهم كلّ الاحترام والتقدير.