الثلاثاء، 6 أكتوبر 2026

رنّة هاتف لا تزال في الذاكرة -- ازدهار عبد الحليم - كيلاني

 

         *رنّة هاتف لا تزال في الذاكرة*





حديثي اليوم ليس عن هاتف عابر، ولا عن جهاز نستخدمه ثم نستبدله بآخر، بل عن زمنٍ جميل ترك بصمته في الذاكرة

 

سأتحدث اليوم عن شخصية بارزة من شخصيات الزمن الجميل

" السيّد سليم بشارات أبو بشارة"

شخصيّة كان لها أثر واضح في المجتمع العربي، وبقي حضوره في وجدان الناس مهما طال الزمن أو قصُر. هذا الرجل العصامي تمتع بالعديد من الصفات، وحسن التصرف، الذاتية والكفاءة، والإخلاص في العمل. وقد مكّنته كفاءته وخبرته من أن يكون عونًا للناس من حوله

فكان يسعى إلى مساعدتهم وتقديم ما يستطيع لهم وأخص بالذكر أهل قريته " يافة الناصرة"، الذين كان لهم نصيب كبير من عطائه واهتمامه.

لم يكن نجاحه نابعًا من الحظ، بل كان ثمرة للجد والاجتهاد وحسن التعامل، والإرادة القوية، وهي صفات جعلت منه شخصيّة تركت أثرًا طيّبًا في نفوس من عرفوه.

وفي تلك السنوات وخصوصًا خلال الستينات والسبعينات، مرَّ أهل قريته بمواقف وظروف صعبة وخطرة، ومن بينها أجواء حرب عام 1973 التي تركت أثرها على الناس وحياتهم اليومية.

 

وفي ذلك الزمن بدأت خدمة الهاتف الأرضي تأخذ مكانًا مهمًا في حياة الإنسان، وأصبح الهاتف وسيلة ضرورية للتواصل، وخصوصًا في أوقات الحاجة والظروف الصعبة. ومن هنا تبرز لنا

 قصة السيّد "سليم بشارات أبو بشارة"

الذي كان بحكم مهنته ووظيفته من أوائل من دخلت خدمة الهاتف الأرضي إلى بيته، بل كان من الأشخاص الذين ارتبط عملهم بدخول هذه الخدمة إلى بيوت أهل القرية. ولم يقتصر دور هذا الرجل، على عمله ومهنته، بل أتاح لأهل القرية فرصة الدخول إلى بيته المتواضع واستخدام الهاتف للإجراء الاتصالات.

ولزوجته كذلك دور لا يقل أهميّة

 فقد كانت تساعد النساء كيفية استخدام الهاتف.

أما الذكرى الأجمل، التي لا تزال عالقة في الذاكرة ولا تمحوها السنوات، فهي موقع بيته الذي كان يحتل مكانًا مميّزًا واستراتيجيًّا في القرية. فلم يكن البيت مجرد منزل تقيم فيه الأسرة، بل كان موقعًا يعرفه الجميع، وبجانب البيت دكان الجار" أبو نور" الذي كان بدوره نقطة التقاء لأهل القرية، ومكانًا يقصده الناس للشراء وللجلوس.

حتى أصبح البيت والدكان وما حولهم جزءًا من المشهد اليومي للقرية وللذاكرة.

وما أجمل تلك الذكريات التي لا تزال حاضرة في الوجدان، حين كانت

زفة العريس والحدّاية

تمر من أمام هذا الملتقى، فيجتمع الأهل والأصدقاء وتتعالى أصوات الفرح والأهازيج.   وكانت زوجته تقف في البرندة،

 ترش التوفية والملبس على العريس،

فتزداد أجواء الفرح بهجة، ويشارك الجميع في تلك اللحظات الجميلة التي كانت تجمع أهل القرية في جو من المحبة والتآخي.

وكان لصوت الطبلة في الزفة في الشارع، ورنّة الهاتف في البيت صوتان مختلفان، لكنهما يحملان في الذاكرة معنى واحد.

أما نحن الصغار في ذلك الوقت، فكنا نقف أمام الهاتف بدهشة وإعجاب، وكأننا أمام آلة من عالم آخر. نتساءل كيف ينتقل الصوت عبر الأسلاك، ليصل إلى شخص بعيد؟

كنا صغارًا!

كانت أشياء كثيرة تبدو لنا أشبه بالسحر، نسمع رنين الهاتف، بالنسبة لنا اختراعًا عجيبًا. ومع مرور السنوات، أصبح الهاتف في متناول الجميع ودخل كل بيت، ولم تعد هناك حاجة إلى أن يقصد الناس بيت جارنا لاستخدام الهاتف كما كان يحدث في الماضي.

وهكذا اندثر هاتف جارنا، وتغيّر الزمن وتبدلت وسائل التواصل؟ لكن ما لم يندثر هو وسيرته الطيّبة وذكراه الخالدة.

لقد رحل الهاتف،

 لكن الأثر بقي، وبقيت سيرة أبو بشارة جزءًا جميلاً من تاريخ القرية وذاكرة أهلها.

فبعض الناس لا تخلّدهم المناصب ولا الممتلكات وإنما تخلّدهم المحبة والسُّمعة الطيِّبة التي زرعوها في قلوب الناس


 

 

 

 

 

الاثنين، 5 أكتوبر 2026

حين يندثر ماضينا وتتفرق المودة مرعي حيادري

 

 حين  يندثر ماضينا وتتفرق المودة"

              *************************


             [مرعي حيادري يكتب:]

كان يا ما كان، في قريةٍ عتيقةٍ تستند إلى سفح الجبل كشيخٍ أنهكته السنون، بيتٌ من حجارةٍ هرمة، تتوسطه ساحةٌ صغيرة تلمع فيها شمس الظهيرة، وفي إحدى زواياها جرّةٌ فخاريةٌ عانقتْها يدُ الزمن، وإلى جوارها رحىً حجريةٌ صامتة، وعلى الجدار تدلّت أدواتٌ قديمة، كأنها بقايا أغانٍ ورثها أهل البيت عن آبائهم وأجدادهم..

كان الجدّ «سالم» يجلس كل مساء أمام أحفاده، وحين يهبط الليل على القرية، كان يشير إلى كل قطعةٍ منها، ويفتح لهم أبواب حكاياتها:- «هذه الرحى كانت تطحن قمح جدتكم، وتدور تحت يديها كأنها قلبٌ صبور. وهذه الجرّة كانت تحفظ ماءنا في قيظ الصيف، باردةً كظل شجرة. وهذا المفتاح كان يفتح باب البيت الذي وُلد فيه أبوكم، يوم كانت الجدران تحفظ أصوات أهلها.»..

 

لم تكن تلك الأشياء، في عينيه، أدواتٍ باليةً أكلها الصدأ؛ كانت صفحاتٍ من كتابٍ عظيم اسمه الذاكرة، وكانت كل ندبةٍ على حجر، وكل شقٍّ في فخار، سطرًا من سيرة العائلة،وفي يومٍ من الأيام، عاد أحد الأحفاد من المدينة، يحمل في عينيه بريقًا غريبًا، وقال لجده:- «يا جدي، ما فائدة هذه الأشياء القديمة؟ لقد تغيّر الزمن، وأصبح لكل شيءٍ بديلٌ حديث.» ..ابتسم الجد، ومسح كفّه على الرحى كما لو كان يربّت على كتف صديقٍ قديم، وقال:-  «يا بني، قد يؤدي البديل الوظيفة نفسها، لكنه لا يحمل الحكاية..

 

قد يطحن القمح، لكنه لا يعرف أنين السنين التي دارت فيها هذه الرحى. الأشياء تشيخ، نعم، أما الذاكرة فلا تشيخ؛ إنها كالنهر، قد يتبدّل مجراه، لكنه لا ينسى منبعه.»،، ومرت السنوات، وانطفأ صوت الجدّ، ورحل الأبناء والأحفاد في دروب الحياة، وتفرّقت بينهم المودة كما تتناثر أوراق الخريف في مهب الريح، وبقي البيت وحيدًا، يواجه الريح ببابٍ موصد ونوافذَ غطاها الغبار،ثم جاء يومٌ هُدمت فيه جدرانه، فتساقطت حجاراته كأنها أسنانُ شيخٍ فقد آخر ما تبقى من ابتسامته، وتبعثرت أدواته تحت الركام، وضاعت الجرّة والرحى والمفتاح بين التراب والحجارة..

 

وقف أحد الأحفاد أمام المكان، فلم يجد إلا صمتًا كثيفًا وحجارةً باردة، وشعر لأول مرة أن شيئًا عميقًا في داخله قد تهدّم مع البيت، وأن يدًا خفيةً اقتلعت من صدره نافذةً كانت تطل على طفولته.. قال بحزن:- «لم نكن نهدم بيتًا قديمًا، بل كنا نهدم جزءًا من ذاكرتنا.» ومنذ ذلك اليوم، أدرك أن التراث ليس حجارةً وأدواتٍ وعاداتٍ عابرة؛ إنه ظلّ الإنسان الممتد عبر الزمن، وشاهدٌ صامتٌ على جذوره، وعلى ما صنعته يداه، وما حفظه قلبه، وما تناقلته الأرواح من جيلٍ إلى جيل..

 

فالتراث لكل أمةٍ سجلٌّ حيّ، تنبض صفحاته بالهوية، ويصل الماضي بالحاضر كما يصل الجسر بين ضفتين متباعدتين. ولا يحق لأحدٍ أن يعبث به، أو يطمس معالمه، أو يبعثر شواهده؛ لأن من يعتدي على تراث شعبٍ إنما يمد يده إلى ذاكرته، ويقتلع جذوره، ويسلبه حقه في أن يروي حكايته للأجيال..

 

وهكذا تعلّم الأحفاد أن الحضارة لا تُقاس بما نبنيه فحسب، بل بما نملك شجاعة الحفاظ عليه أيضًا؛ وأن الإنسانية الحقيقية تبدأ حين نصغي إلى ذاكرة الآخرين، ونحترم وجعهم، كما نحب أن تُصان ذاكرتنا من النسيان..

 

فلا تهدموا ما صنعته الأجيال، ولا تتركوا الماضي يموت في صمت؛ فمن يقطع جذوره، قد يجد نفسه يومًا تائهًا في أرضٍ لا يعرف إليها طريقًا، ولا يتذكر من يكون..

 

الأحد، 4 أكتوبر 2026

حواس القلب الباطنة - بقلم : بسمة نعامنة

 

حواس القلب الباطنة

 

 
في ظل شاهقات القصور التي يتجمد الصمت على رخامها، التفتت نحو البيوت الطينية المعجونة بأنفاس ساكنيها، وأدركت أن الديار جميلة بذويها، لا بضخامة بنيانها .
في تلك اللحظة الوجدانية الفارقة، شعشع في قلبها ضياء غسل غبار الوجود المادي من حولها.
 
لم يكن ذلك النور خارجيا؛ بل كان الايلاد في حواس قلبها الباطنة. سمعت نبض الأرواح، وأبصرت الشفافية الكامنة خلف جدار النفس؛ لتعلم أن الأمان الحقيقي هو الانسان للانسان.
 

 

 *****************

 

 

معراج النور

 

 
أمضت عمرها داخل صندوق المظاهر الزائفة، تحرس قوالب المادة الضيقة. ذات صحوة، تمزق غلاف الوهم؛ فلمحت ثلة يرتدون الشفافية، ويصنعون من أرواحهم سلما نورانيا. ارتقت أول درجة، فأبصرت صندوقها يتلاشى،
وأيقنت أن روحها ستحلق في رحاب المعنى النبيل؛ لترفع البشرية من قاع العتمة الى آفاق الضياء الأكبر.

السبت، 3 أكتوبر 2026

أَتَيْتُ إِلَى الدُّنْيَا بقلم: سامية محمد ياسين

  

 
أَتَيْتُ إِلَى الدُّنْيَا
بقلم: سامية محمد ياسين






******

أَتَيْتُ إِلَى الدُّنْيَا صَغِيرًا

فَأَهْلِي أَسْمَوْنِي نَصْرًا

دُونَ اخْتِيَارِي

فَهَذَا عُنْوَانِي

وَعِرْقِي وَدِينِي

وَوَطَنِي وَدَارِي

 

عَرَبِيٌّ، أَجْنَبِيٌّ، هِنْدِيٌّ،

أَنَا هُنَا،

أَنَا ابْنُ هَذِهِ الأَرْضِ

وَهَذَا الْمَكَانِ

 

مُسْلِمٌ، مَسِيحِيٌّ، يَهُودِيٌّ،

دِينِي لَمْ أَخْتَرْهُ

وَلَمْ يَكُنْ لِي فِيهِ قَرَارِي

 

أَسْمَرُ كُنْتُ، أَوْ كُنْتُ أَبْيَضَا،

هَذَا لَوْنِي

وَهَذَا مَدَارِي

 

هُنَا وُلِدْتُ،

كَالنَّبْتَةِ أَنْمُو،

تَحْتَ السَّمَاءِ

وَبَيْنَ الْجِدَارِ

 

هَذَا انْتِمَائِي،

وَهَذِهِ سَمَائِي،

أَعِيشُ وَأَحْيَا

وَأَحْفَظُ أَسْرَارِي

 

وَفِي رَأْسِيَ الْفُضُولُ

وَأَلْفُ سُؤَالٍ

يَدُورُ وَيَبْحَثُ

عَنْ كُلِّ سِرٍّ وَخَبَرْ

 

لُغَتِي وَدَارِي،

وَوَطَنِي وَجَارِي،

فِيهَا قَدَرِي،

وَفِيهَا مَسَارِي

 

لَمْ أَخْتَرِأُمِّي،

وَلَمْ أَخْتَرْ أَبِي،

وَهُمْ صَنَعُوا لِي

بِدَايَةَ مَشْوَارِي

 

وَلَمَّا كَبِرْتُ،

وَعَلِمْتُ أَنَّ الْحَيَاةَ

لَيْسَتْ كُلُّهَا اخْتِيَارِي،

 

بَدَأْتُ أَخْتَارُ

مِهْنَتِي وَطَرِيقِي،

وَأَخْتَارُ لِبَاسِي

وَذَوْقِي وَفِكْرِي،

وَأَصْنَعُ فِي الْحَيَاةِ

بِنَفْسِي قَرَارِي.

 

مَا أُحِبُّهُ أَخْتَارُ،

وَمَا لَا أُرِيدُهُ

أَتْرُكُهُ دُونَ إِقرار

 

هَكَذَا أَتَيْتُ إِلَى الدُّنْيَا

دُونَ اخْتِيَارِي،

وَلَكِنَّنِي حِينَ كَبِرْتُ

أُرِيدُ أَنْ أَحْيَا

حُرًّا بِقَرَارِي،

وَأَمْشِي فِي دَرْبِ الْحَيَاةِ

مِثْلَ كُلِّ الْأَحْرَارِ.

 


حين رأيت تراثنا في شوارع ألبانيا هديّة الخال في ألبانيا -ازدهار عبد الحليم

 

حين رأيت تراثنا في شوارع ألبانيا

        هديّة الخال في ألبانيا

 ازدهار عبد الحليم




قبل فترة قصيرة، قمت برحلة في بلاد البلقان وتحديدًا في ألبانيا.

كنت قد كتبتُ قبل فترة قصيرة مقالة عن عباءة الخال، وهي إحدى صور تراثنا وعاداتنا القديمة. وللأسف، اكتشفت كثيراً ممن قرأوا المقالة لم يسمعوا من قبل عن عباءة الخال، فيما تُعرف في مناطق أُخرى مثل الأردن، باسم   "خلعة الخال" أو هدم الخال، وقد انتقد البعض ما بحثت فيه وكتبته عن عاداتنا وتراثنا القديم وقالوا: لقد تطور العالم، فلماذا أنتم الباحثون في التراث تنبشون في عادات اندثرت وتلاشت؟ لكن ما شاهدته في الأيام الماضية في ألبانيا جعلني أتوقف طويلاً أمام هذا السؤال. رأيتُ هناك امتدادًا حيًّا لطقوس الزواج التقليدية في جنوب البلقان، وشعرتُ أن ما أراه أمام عيني يرتبط بصورة عميقة بما كنت أبحث فيه عن "هدية الخال"

" عباءة الخال" في تراثنا العربي. وهنا أدركتُ مرة أُخرى أن جوهر دراسة التراث ليس البحث عن الماضي لمجرد الماضي، وإنما اكتشاف وحدة المشاعر الإنسانية واختلاف التعبيرات عنها من مجتمع إلى آخر.

الخال... سند وفرح وهديّة

في ألبانيا يظهر في بعض تقاليد الأعراس طقس يرتبط بهديّة الخال، ومن صورة جرّ الخروف هديّة من الخال. الخروف هنا ليس مجرد هدية مادية، بل يحمل معنى اجتماعيًا ورمزيًا، ويُعبّر عن الحماية والسند والدعم الاقتصادي والاجتماعي لابن الأخ أو ابنة الأخت. وكان هذا المشهد الذي رأيته في شوارع العاصمة الألبانية تيرانا، جزءاً من طقوس عرس تقليدي، في واحد من المشاهد التي تختصر غنى الموروث الشعبي الألباني. رأيتهم يتوجهون سيرًا على الأقدام في موكب موسيقي راقصي تتقدمه الطبول والمزامير، والخروف المزيّن ويتوشح صوفه باللون الأحمر، وسط   الرجال والنساء والأطفال. وكان هذا المشهد أشبه بصفحة من كتاب تاريخ خرجت من الورق إلى الشارع. يمشي الرجال في مقدمة الموكب وهم يجرّون   الخروف، مرتدين ملابسهم التقليدية، البيضاء والذهبية المطرزة.

ومن أبرز هذه الأزياء الفستانيلا، وهي تنورة بيضاء مطرزة ذات ثنايات كثيرة، مع سترة مطرزة بلا أكمام بألوان الأحمر والأبيض والأسود. وعلى رؤوسهم القبعة البيضاء الشهيرة المصنوعة من الصوف "اللباد"، وهي من أبرز رموز الهوية والكرامة الألبانية. أما النساء والأطفال، فكانوا يسيرون خلف الموكب بملابسهم التقليدية   مطرّزة، يغلب عليها الأبيض الناصع، والتطريز الذهبي الكثيف.

وكانت الفتيات يرتدين أثوابًا مطرّزة، بينما يرتدي الصبيان أزياء قريبة من أزياء الرجال. وترتبط هذه الملابس ارتباطًا وثيقًا بالأعراس والمناسبات الفاخرة. فالمرأة ترتدي القميص الطويل القطني أو الحريري، الأبيض الناصع، بأكمام واسعة مزيّنة بالدانتيلة، وفوقه سترة مخملية قصيرة، مطرزة بخيوط الذهب، وعلى ظهر السترة تظهر رموز تاريخية وزخارف مستوحاة من الهوية الألبانية، ومنها النسر ثنائي الرأس,  رمز العلم الألباني، إلى جانب الزهور والزخارف الأخرى. أما الحزام العريض المطرز بالذهب، فتتدلى منه الليرات والسلاسل الذهبية، فيكتمل المشهد بتراثه البصري وهيبته.

حين تصبح الشوارع ذهبًا

بدأت الشوارع تكتسي بلمسة ذهبية ممزوجة بالأحمر والأبيض. امتزج صخب المدينة بقرع الطبول والمزامير وكأن رائحة التاريخ انبعثت من الخيوط الذهبية وصوت الطبول.

 وكانت النساء يحملن أطباق الحلوى المغطاة بالشيفون الأحمر، بينما يمضي الموكب بين الحارات، وسط الفرح والموسيقى وحضور الناس.

كان منظر يبعث على الفرح، لكنه في الوقت نفسه أيقظ داخلي اشتياقًا كبيرًا إلى أفراحنا القديمة، إلى تلك التفاصيل البسيطة التي كانت تصنع الفرح معنى مختلفًا.

وأعترف بأنني، وأنا أشاهد هذا المشهد، شعرت أننا بحاجة إلى إعادة تعريف مفهوم في مجتمعاتنا. لماذا لا يكون ارتداء الثوب المطرز التراثي، والاحتفاء بطقوس، والاعتزاز بعاداتنا القديمة، قمة الأناقة والتميّز والوعي بالذات؟

لماذا أصبح بعضنا يخجل من شيء كان يومًا مصدر فخر لأجدادنا؟

ألبانيا أعادت إليّ ليلة الحناء.

وأنا أمشي خلف الموكب في شوارعها، عادت بي الذاكرة إلى ليلة الحناء في بلادنا.

اشتقت إلى فاردة ليلة الحناء عندما كانت النساء يخرجن ليلاً مشيًا على الأقدام، تحمل إحداهن صينية الحناء المُشكّلة بالزهور والشموع للعروس وعلى نغمة الطبلة تمشي في شوارع البلدة.

كنا نحن الأطفال   نلهو ونرقص، فرحين بالحناء، وبالناس وبصوت الطبلة، وبذلك الشعور الذي كان يجعل البلدة كلها تبدو وكأنها بيت واحد.

لهذا أحببت شوارع ألبانيا، لم أكن مجرد سائح يشاهد طقسًا شعبيًا، كنت أستعيد شيئًا من ذاكرتي. رافقت الموكب ومشيت معهم، واستمتعت بمشاهدة الناس وهم يحتفلون بزيّهم التقليدي وموسيقاهم في الحارات.

كان المشهد دافئ وشعور بالانتماء.

وهنا فهمت أن التراث عندما يعيش في الشارع يُعاش، وليس معروضات في متحف أو فلكلور يُقدم للسيّاح.

هذه عاداتهم وتقاليدهم، وهم يمارسونها ويعتزون بها.

لماذا فقدنا أفراحنا؟

في مجتمعاتنا، فقدنا الكثير من هذه الأصالة، وفقدنا بساطة طقوسنا الاجتماعية القديمة.

حتى الفرح نفسه أصبح في بعض الأحيان عبئًا على الناس

ولا أعتقد أن اندثار، بعض عاداتنا ونسيانها يعود إلى سبب واحد. أو يعني أننا بلا وطن. المسألة أكثر تعقدًا لدى بعض الأجيال الجديدة وترتبط بعدة أسباب متشابكة. من بينها الخلط بين التحديث واللحاق بالتطور، فقد ترسخ لدى بعض الأجيال الجديدة، بصورة غير واعية ولأن التمسك بالتراث يعني التخلف أو العودة إلى الماضي. الفرق أنني رأيت في ألبانيا نموذجًا مختلفًا منفتحًا على العالم لكنه في   الوقت نفسه يحتفظ بجزء مهم من تراثه، ويُقدمه باعتباره مصدرًا للوطن والهوية، لا باعتباره عائقًا أمام الحداثة.

التراث ليس متحفًا

رموزنا التراثية في بلادنا تحولت، في بعض الأحيان من ممارسة يومية حيّة إلى شيء بعيد عنا. أصبحنا ننظر الى التراث وكأنه مجموعة كتب تاريخ ومتاحف مغلقة، بدل أن يكون جزءًا من حياتنا اليومية. وطغى الاستهلاك على بعض عاداتنا واستبدلنا طقوس الأعراس البسيطة والعميقة مثل "هديّة الخال"، بمصاريف كثيرة ومظاهر مكلّفة لا تنتهي.  بدل المشي في شوارع البلدة في زفة العريس،

أصبح الاحتفال في الفنادق والصالات الفاخرة تحت الأضواء المصطنعة.

وبدل الفرحة الشعبية العفوية والأغاني التراثية، أصبحنا نبحث عن كل ما هو جديد ومختلف وكأن القديم لا يليق بنا. حتى الأثواب المطرّزة بدأت تختفي.

 لم نعد نجد بسهولة من يُطرّزها أو يصنع الأزياء التراثية وأصبح من السهل شراء فستان جاهز.

  بين الماضي والحاضر

ربما لا تكمن المشكلة في أننا تطورنا فالتطور ليس عدوًا للتراث، ولا أن نعيش عصرنا ونستفيد منه ونفتح أبوابنا على العالم. المشكلة تبدأ عندما نعتقد أن الحداثة تعني قطع الصلة بالماضي. يمكن للإنسان أن يعيش عصره بكل تفاصيله، وأن يكون منفتحًا على العالم، وفي الوقت نفسه يعتز بملابسه الشعبية، وأغانيه، وأعراسه، وحكايات أجداده، وطقوس الفرح التي صنعت ذاكرته.

وهذا ما رأيته في ألبانيا

رأيت الحداثة تسير إلى جانب التراث، لا في مواجهته.

ورأيتُ طقسًا قديمًا يعيش في شوارعها والشباب والأطفال والنساء، يشاركون فيه، وكأنهم يقولون ببساطة: هذا جزء منا، ولذلك نحافظ عليه. ربما لهذا السبب كان مشهد الخروف الذي يجرّه الخال في شوارع تيرانا أكثر من مجرد طقس عرس بالنسبة لي، لقد أعاد إليّ سؤالاً قديمًا:

ماذا خسرنا عندما تركنا بعض عادات

وربما كان الأهم من ذلك سؤال آخر.نا خلفنا؟

هل نستطيع أن نعود إلى تراثنا دون أن نعود إلى الوراء؟

أعتقد أن الجواب نعم.

فالتراث ليس دعوة للعيش في الماضي، وإنما هو طريقة لأن نعرف من نحن، ونحن نمضي إلى المستقبل. وفي النهاية، ربما لا نحتاج إلى أعادة كل شيء كما كان، لكننا بالتأكيد بحاجة إلى أن لا ننسى كل شيء. فبعض التفاصيل الصغيرة التي تركها لنا الأجداد ليس مجرد عادات قديمة. إنها ذاكرة مجتمع ودفء بيت وصوت طبلة، ورائحة حناء، وثوب مطرّز. وهديّة خال، وفرحة كانت تكفي لأن تجعل البلدة كلها تشعر بأنها عائلة واحدة


 

 

الجمعة، 2 أكتوبر 2026

صدر حديثا قصة " مشمش والأرجوحة " للأديبة سامية موسى زهران

 صدر حديثا قصة " مشمش والأرجوحة " للأديبة سامية موسى زهران







تقع القصة في 24 صفحة من الحجم المتوسط ، ترافقها رسومات جميلة.
تتناول القصة العلاقة الأسرية المتينة
ودعم الأطفال ، وتحقيق رغباتهم ، الغيرة بين الأخوة ، ايجاد حلول مناسبة لكل طفل ، الأرجوحة ، ودوها في اللعب والترفيه عن النفس والتأمل.
كتب القصة بلغة جميلة وسلسة ومناسبة للأطفال.
القصة معدة للفئة العمرية 5-8 سنوات.

صدر حديثا : " الأنساق والثقافة الفنية في القصيدة العربية المعاصرة " - الشاعر سامي مهنا أنموذجا . للأديبة والباحثة ايمان مصاروة.

 صدر حديثا ؛ عن دار سهيل عيساوي للطباعة والنشر ، كتاب بحثي بعنوان " الأنساق والثقافة الفنية في القصيدة العربية المعاصرة " - الشاعر سامي مهنا أنموذجا .

للأديبة والباحثة ايمان مصاروة.













تصميم ومونتاج ، عمر رزوق وسمير حنون.
يقع الكتاب في 274 صفحة من الحجم الكبير ،
جاء في مقدمة الكتاب " وتتمثل الإضافة العلمية للدراسة في تقديم قراءة نقدية تكاملية لتجربة سامي مهنا ، تجمع بين التحليل الثقافي والإسلوبي والتفكيكي في إطار منهجي واحد ، بما يكشف عن البنية العميقة للخطاب الشعري وآليات توظيف الأنساق الثقافية داخله ، مما يثري الدراسات النقدية العربية المعاصرة في مجال النقد الثقافي وتحليل الخطاب الشعري ، ويؤكد أن شعر سامي مهنا يمثل نموذجا متقدما للقصيدة العربية الحديثة في قدرتها على مواءمة الجمالي بالمعرفي والفردي بالجماعي والمحلي بالإنساني".
من مواضيع الكتاب ؛ الشاعر سامي مهنا سيرة وإبداع ،الأنساق الوجودية في شعر سامي مهنا ، النسق الأسطوري والفلسفي ، التناص والحوارية في شعر سامي مهنا جدلية اللغة والهوية ، البنية الرمزية للصورة الشعرية ، البعد الكوني في التجربة الشعرية ، المنهج الثقافي والأنساق الثقافية ، التطبيق الثقافي على شعر سامي مهنا ، النسق الوطني ؛ الأرض والجرح كأيقونة وجودية ، قراءة حداثية في قصيدة " شطب من سطور الحياة " ، نقاط الالتقاء في النصوص الشعرية القصيرة " قبلة الوجود ". تحليل تفكيكي ونقدي لقصيدة من لا تحب الشعر ". استراتيجيات التمثيل الاستعماري ، صراعات بروميثيوس .
تعمد الدراسة على عشرات المصادر والمراجع باللغتين العربية والإنجليزية.