الأحد، 4 ديسمبر، 2016

دراسة ٌ لِبَعض ِالقصص ِ من المجموعةِ القِصَصِيَّةِ الجَدِيدَةِ "سرير يوسف هيكل " للشَّاعرةِ والأديبةِ " شوقيّه عروق - منصور " -



                      بقلم : حاتم  جوعيه  -  المغار - الجليل
 

 
مُقدِّمَة ٌ: الشَّاعرة ُ والأديبة ُ والصَّحفيَّة ُ القديرة ُ والمُخضرمة ُ  " شوقيّه عروق -  منصور" أصلها من مدينةِ الناصرة ، متزوِّجة ٌ من الكاتبِ والأديبِ والمؤَرِّخ المعروف الدكتور " تميم  منصور" وتسكنُ في  مدينة "الطيره "- المثلث .  أنهت دراستهَا الثانويَّة  ودرَست بعدَ  ذلك عدَّة َ دورات - طباعة  وغيرها ،  ودرست أيضًا موضوعَ اللاهوت والفلسفة وحاصلة ٌعلى شهادةِ البكالوريوس ( b.a) في الفلسفةِ واللاهوتِ وعلم النفس- من الأكاديميةِ العالميةِ  للدراساتِ اللاهوتيَّة .  وهي من أوائِل ِالشعراءِ والأدباءِ المبدعين والصَّحفيِّين  المَحَلِّيِّين ،  وتُعتبرُ من رُوَّاد وَجهَابذةِ الصَّحَافةِ منذ ربع قرن تقريبًا ، ولها  الكثيرُ من التقارير والأعمال الصَّحفيَّة واللقاءاتِ المُمَيَّزة الحاصلة على السَّبَق الصَّحفي ( سكوب )  .     هي  تكتبُ الشِّعرَ  والخواطرَ والقصَّة َ القصيرة َ والرِّواية َ والدراسات النقديَّة  والمقالات على مختلفِ أنواعِها : السِّياسيَّة ، الإجتماعيَّة ، الثقافيَّة ، والفنيَّة ... وغيرها. وقد  أبدَعت وتميَّزَت في كلِّ الفنون والألوان والأنماطِ   الكتابيَّةِ    .    ومن  أهمِّ  ما   يُمَيِّزُهَا  عن  الكثيرين  غيرها  من  الكتابِ والشُّعراء المحلِّيِّين أنَّها  صادِقة ٌ وَمتمَكِّنة ٌ من أدَواتِهَا الكتابيَّة وتملكُ  ثقافة ً واسعة ً وآفاقَ  بعيدة َ المَدَى ، وهي  تكتبُ  بحِسٍّ  مُرهَفٍ   وبمشاعر جيَّاشَةٍ وبلغةٍ أدبيَّةٍ راقيةٍ عذبةٍ ساحرةٍ وَمُنمَّقةٍ.. والكتابة ُعندها رسالة ٌ مُقدَّسة ٌ وليست هدفا ً لأجل ِ الشُّهرةِ  والإنتشار الواسع  والمكسبِ المادِّي والمعنوي كالكثيرين  مِمَّنْ  يدخلون عالمَ  الكتابةِ ويُحاولونَ التَّسَلُّقَ على الدوحةِ  الادبيَّةِ المحلِّيَّةِ الباسقة َ بأيِّ شكلٍ ووَسِيلةٍ، حتى إذا هُم لم  يكونوا أهلاً وكفئًا لهذا الأمر.    

   لقد  حَقَّقتْ شوقيَّة عروق منصور شُهرَة ً واسعة ً  وانتشارًا مُنقطعَ النظير محليًّا  وعربيًّا  وحتى عالميًّا ، ووصلت  كتاباتُها  وإبداعاتُها  إلى كلِّ  مكان ...  وحظيت  كتاباتُها  بإعجاب  وتقدير واحترام  الشُّعراء  والأدباءِ  والنقاد  والباحثين  والمختصٍّين  بالأدبِ  والفكر والفنِّ  وجميع  القرَّاءِ على  مُختلفِ  شرائِحِهم  وأنواعِهِم ، وخاصَّة ً في لقاءَاتِها الصَّحفيَّةِ التي أجرتها مع  الكثيرين من  أربابِ  الفنِّ  والفكر ِ والإبداع ِ في  الدول ِ العربيَّةِ - في مصر وغيرها  والدول  والأجنبيَّة -  وَنُشِرَت في العديدِ  من وسائل  الإعلام ِ محليًّا وعربيًّا ...  وهي أوَّلُ صَحفيَّةٍ  محلِّيَّةٍ  تجري لقاءاتٍ مُطوَّلة وتقارير مع  فنانين من الدول  العربيَّة . ولقد أصدرت  شوقيَّة ُ العديدَ من  الكتبِ  الأدبيَّة والدَّواوين  الشِّعريَّة . وأمَّا  كتابُهَا هذا الذي بينَ أيدينا   فهو آخرُ إصدار ٍ لها ، بعنوان :   " سرير  يوسف  هيكل "  ويضُمُّ  مجموعة ً من  القصص ِ القصيرةِ ، ويقعُ  في  216   صفحة  من الحجم  المتوسِّط ،  طُبعَ  في  المؤَسَّسةِ   الفلسطينيَّةِ  للنشر والتوزيع - رام  الله – فلسطين  . وجاءَ  اسمُ  الكتاب ( سرير  يوسف هيكل ) على اسم ِ إحدى القصص  الموجودة  فيهِ   .  وتهدي  شوقيَّة  كتابَها  هذا إلى ابنتِها  " كيان "    .

 

مَدْخَلٌ  :  سأتناولُ  في هذهِ المقالةِ  بعضَ القصص ِ من  هذا الكتاب  مع الدراسة والتحليل ... وسأبدأ   بقصَّةِ  ( " البُن  والجُرح  العميق " – صفحة 30 - 36 ) والقصَّة ُ إنسانيَّة ٌ وسياسيَّة ٌ تتحدَّثُ عن الوضع ِالسِّياسي  والإجتماعي  ونوع  وطابع  المضاهراِت والمسيراتِ الشَّعبيَّةِ  التي  كانت  تجري في  مدينةِ  الناصرةِ -  في  سنواتِ  الخمسينيَّات والستينيَّات  من القرن الماضي ( زمن  الحكم العسكري)، وكانت الناصرة ُعاصمة َ الجليل بالفعل ِ والمركز الثقافي  والمعقل  السِّياسي والوطني والقومي الأوَّل  لفلسطينيِّي الداخل ، وفيها  كانَ ينبعُ وينبثقُ وينتشرُ  كلُّ  نشاطٍ  وكلُّ  تحرُّكٍ  سياسيٍّ فلسطيني في الداخل ، وكلُّ رفض ٍ واحتجاج ٍعلى سياسةِ السُّلطةِ الغاشمةِ والجائرة آنذاك ... عندما  كانت  الكلمة الصَّادقة  والإحتجاج الإنساني لأجل ِ نيل ِالحقوق  تُكلِّفُ  صاحبَهَا الكثيرَالكثير...كالفقر والجوع والضَّياع والسِّجن والتنكيل وحتى الموت الجسدي .

 وهذهِ القصيدة ُ تتحدَّثُ عن  شابٍّ  وطنيٍّ  مُتحَمِّس ٍ جدًّا يُحِبُّ  شعبَهُ وبلادَهُ اشتركَ في  إحدى المضاهرات في  مدينةِ  الناصرةِ ،  والمضاهرة ُ كانت -  كما  يعلمُ  الجميعُ -  مُرَخَّصة ً  وقانونيَّة ً ، ولكن  تفاجأ  جميعُ   المشتركينَ  فيها  باقتحام ِ رجال ِ الشُّرطة ِ والجنود بهراواتِهم  وعصيِّهم وأسلحتهم  الناريَّة لتفريق ِهذه المضاهرةِ وبالقوَّةِ . وهذا الشَّاب  تقبَّلَ  ضربة ً قويَّة من هراوة ِ  جنديٍّ وبشكل ٍ مفاجىءٍ  دونَ  أن ينتبهَ ويأخذ َ حذرَهُ  واحتياطهُ فشُجَّ  رأسُهُ وكانَ الجُرحُ عميقا وأليمًا جدًّا فهربَ  بينَ  الزقاقاِت والطرقاتِ الفرعيَّةِ  في  المدينةِ عن غير هُدى ووَعي، مثلهُ مثلَ الكثيرين الذين أشتركوا في المضاهرةِ ، تفاديًا من هراواتِ وأسلحةِ الجنودِ ورجال الشرطة... وكانت  في هذه  الساعةِ جميعُ الحاراتِ والشوارع  في المدينةِ خالية ً من السُّكان، ولمحَت هذا الشَّاب الهاربُ  إمرأة ٌ كبيرة  تقفُ على  إحدى  الشرفات  وقد عرفت  حقيقة َ أمرهِ  فدعتهُ للمساعدةِ  وللعلاج ِ وللحمايةِ فدخلَ  بيتهَا وَضمَّدَتْ  لهُ  جُرحَهُ  البليغ  وَسَدَّتهُ  بالبُنِّ ، وَرَوَت  لهُ   قصَّتهَا  الدراميَّة  بعدَ  ذلك  وكيفَ   أنَّها  كانت  مخطوبة ً لشابٍّ  بطل ٍ قُتِلَ  شهيدًا عندما  دخلَ الجنودُ اليهود عام ( 1948)  للناصرةِ ، وبقيت هي عزباء ولم تقبلْ  بالزَّواج من أحدٍ  غيره ، وانها  حتى الآن  جالسة  لوحدِها ، وتتساءَلُ : ( " شو  أخذتْ  أنا منَ  الناصرة -  حرام  على الشَّباب الِّي  بتروح ... نسيُوا الِّي دافع ، ونسيُوا إلِّي حَمى البلد ،  حتى ما في  حَدَا بقرا  الفاتحة  على  أرواح  الشُّهَدا ... " ) . 

    وبعدَ أنى  تعافى الشَّاب قليلاً  وَخَفَّ  ألمُ  جُرحِهِ   وأصبحَ الجَوُّ  آمناً في  الشَّوارع  والطرقات رجعَ إلى بيتِهِ من  خلال ِ زقاقاتٍ  وطرق ٍ مُلتويةٍ  كي  لا  يقبض عليه  رجال الشرطة الذين  يلاحقون  المشتركين في المضاهرةِ .  وبعدَ  أن  وصلَ  للبيت رَوَى لأمِّهِ ما جرى لهُ  مع هذهِ المرأةِ التي  عالجتهُ ،  فقالت لهُ  أمُّهُ : إنَّ هذهِ المراة َ التي عالجتكَ  خطيبها  لم  يكن  بطلاً  ولا  رجلاً طبيعيًّا، بل  كانَ مجنونا ً وعلى البَرَكةِ ، وكانَ دائِمًا يتحدَّثُ مع  نفسِهِ ، والناسُ تشفقُ عليهِ ... وعندما دخلَ  اليهودُ مدينة  الناصرة كانوا  يرتدونَ  لباسَ الجيش الأردني ، حَطَّات حُمر وَعُقل  وعليها شعار المملكة الأردنيَّة .    وخطيبها لهذهِ المرأة كان في تلكَ السَّاعات في حارةِ الخانوق ، ولم   يعرفْ أحدٌ ماذا كانَ يعملُ في هذهِ الحارةِ في الوقتِ الذي كانَ جميعُ الناس مُختبئينَ في  بيوتِهم   وهوَ  يتججوَّلُ  مثلَ  المجنون  ولمَّا  رأى  الدبَّابات  والحَطَّات  الحُمر صارَ يُغنِّي للجيش الأردني والملك عبد الله ، ويقولُ :( إجو يخلِّصونا  من  اليهود ، والناس  التي كانت  تنظرُ   وتتطلَّع  من  الشبابيك  رأوأ  كيفَ  اطلقَ أحد ُالجنود  اليهود  النار عليهِ   والرَّصاصة  جاءتهُ  في نصفِ رأسهِ  وبقي  ملقى  في  الشَّارع  أكثر من  ساعتين ، وبعدها  أخذهُ  بعضُ  السُّكان  ودفنوهُ  بسرعةٍ " ) . ولكنَّ الشَّاب  الجريح   استفزَّهُ  كلامُ  أمِّهِ  وكيفَ  أنَّها نعتت ووصَفتْ بطلَ المرأة  وخطيبها الشَّهيد بالمجنون والأبله . ويسألُ  هذا  الشَّاب أمَّهُ  في نهايةِ القصَّةِ بحيرةٍ : ( هل منَ المعقول أنى تبقى هذهِ  المرأةُ كلَّ  هذهِ السِّنين بدون زواج وفيَّة ً لرجلٍ مجنون ٍ، فبالتأكيدِ  كانَ منَ الثوَّار ِ الأبطال ِ، ولكن أنتِ  لا تعرفينَ  التاريخَ ... فترُدُّ  عليه أمُّهُ  بحِدَّةٍ وغضبٍ : ( أنتَ المجنونُ  والأهبل .. لو لاقت غيرَهُ  كانت  تزوَّجت ، ولكنّهَا  اختلقتْ هذهِ  القصَّة َ وحملتها  حتى  تحمي أنوثتهَا  من  الفشل ِ .   وتقول لإبنِها  في نهايةِ القصَّة، خلّيِك  أنتَ  برأسِك  الممفتوح  وما  تسمع  كلام  النسوان  .  

تحليلُ  القِصَّةِ :   هذهِ القصَّة ُ  وطنيَّة ٌ  وإنسانيَّة ٌ ووَاقعيَّة ٌ من الدَّرجةِ الأولى ، تتحدَّثُ بشكل غير مُباشر وبعفويَّةٍ  عن  فترتين زمنيَّتين متداخلتين -  فترة  حرب ال 48  والنكبة  الفلسطينَّة  وعندما  دخلَ  اليهود إلى البلاد ( فلسطين ) واحتلُّوها  وهَجَّرُوا وَشَرَّدُوا  الكثيرينَ من سكَّانِها ، وتتحدَّثُ  عن فترة  ما بعد  قيام  دولة إسرائيل ُ في العقدين ألأوّلين ( سنوات الخمسينيّات والسِّتينيات من القرن الماضي) ، زمن الحكم العسكري -  كما   ُذكرَ  أعلاه -   فالكثيرونَ  من  الشَّبابِ  المُتحمِّسين والرجال  الوطنيِّين  البواسل  كانوا  يخرجونَ في مُضاهراتٍ كبيرة  وصاخبةٍ  للمطالبةِ  بحقوق  ِالأقليَّةِ  العربيَّةِ  إجتماعيًّا  وإنسانيًّا  وسياسيًّا ، ومعظم  المضاهراتِ كانت تجري  في مدينةِ الناصرةِ  ويشتركُ  فيها الكثيرونَ  من  سكان  القرى المجاورةِ ، معظم هذهِ المضاهرات كانت تتعرَّضُ لملاحقةِ السُّلطةِ واقتحام الجنود ورجال للشرطةِ  المُدَجَّجين  بالأسلحةِ  الفتاكةِ  لِتفريقِهَا  بالقوَّةِ   .     ويظهرُ  في هذهِ  القصَّةِ   الجانبُ الوطني والإنتماءُ القومي والتضحية ُلأجل ِالأهل والشَّعبِ المُضطهد .  وأمَّا المرأةُ  التي  دَاوَتْ  وعالجَتْ  ذلكَ الشَّاب الجريح  َفتُمَثِّلُ هُنا  النموذجَ الحيّ والمَثلَ الأعلى للأمِّ الفلسطينيَّةِ الشُّجاعةِ والوفيّةِ للحُبِّ والوطن(الإنتماء العاطفي الوطني ) ، وكيفَ  أنّها  وقفت  شبَابَهَا  وبقيَتْ طيلة َ حياتِهَا عزباء وفاءً  لخطيبها  الشُّجاع  والشَّهيد ، ومثلها  الكثيرات  مِمَّن ضَحَّيْنَ  بشبابهِنَّ  وبأنوثتهنَّ وحياتهنَّ  إخلاصًا  لحُبِّهِنَّ  .    وأمَّا  زوجُها  الذي  استشهدَ  عام 1948  فهو نموذجٌ  للكثيرين الذين لا  يحصون  مِمَّن استشهدوا  دفاعًا عن الكرامةِ والوطن، ولكنَّ التاريخَ  نسيهم ولم  يُخَلِّدْهُمْ  ولم  يذكرهم  أحدٌ ، بل البعض  منهم  نُعِتَ  ووُصِفَ  بالجنون  وخفَّة  العقل ،  فالذاكرة ُ الجماعيَّة ُ والآباءُ والاجدادُ  يَرْوُونَ الكثيرَ من قصص البطولةِ والفداء والتضحيةِ  لشبَّان ٍ ورجال ٍ ضَحَّوا لأجلِ وطنهم  فلسطين، ولكن لم يذكرهم أيُّ  مُؤرِّخ ٍ وكاتبٍ ، بالمقابل هنالك أشخاصٌ  تآمروا وخانوا بلادَهم  ووطنهم وأرضَهم  وَكُتبُ التاريخ  ذكرتهم على أنهم أبطال ووطنيُّون مُخلصون، بل وسُمِّيت  بأسمائِهم  شوارع  وغيرها تخليدا  لهم  . 

   وفي نهايةِ القصَّةِ   تعطي  الأمُّ  لإبنِها  تحليلا ً بما  تفكِّرُ  كلُّ  امرأةٍ  مثل هذه التي توفيَ  خطيبُها  ولم  تجدْ  من يتقدَّمُ  إليها طيلةَ َهذهِ  السِّنين ، ولهذا لم  تتزوَّجْ  حتى الآن، وقصتها  التي روتهَا  هي مختلقة  ومن  نسج ِ خيالِهَا لِتُحيي أنوثتهَا   .                                                                           من ناحيةٍ فنيَّةٍ هذهِ القصَّة على مستوى عال ٍ ونُسِجَتْ بشكل ٍ جميل ٍ وَمُتقن ٍ وَمُتناغم وَمُتناسق، ولغتها  منمَّقة ٌوعذبة ٌوفيها مزيجُ بين الأسلوبِ الصحفي  والسَّردِي والأسلوب الأدبي الرَّاقي .. والجانب السَّردي كله  في باللغةِ  الفصحى  ، وأمَّا الحوار الذي دارَ  بين الشَّاب  والمرأة التي  قتل زوجها وبين  الشَّاب وأمِّهِ  فالبعضُ منهُ  كانَ  باللهجةِ  العاميَّة .. أو بالأحرى بالهجةِ  النصراويَّة  القريبة جدًّا إلى الفصحَى .  وفي القصَّةِ  تظهرُ  نبرة ُ التهَكُّم ، وخاصَّة ً من  قبل المرأةِ التي  استشهدَ  زوجُها عام ( 1948 )  وكيفَ أنَّ  الذينَ  يُضَحُّونَ  لأجل ِأوطانِهم  ينساهُمُ الناسُ ولا أحد  يذكرُهُم  فيما بعد  ولا يأخذونَ  شيئا ً ولا  أحد  ينفعُهُم  . 

  وهذهِ  القصَّة ُ رغم  قصرها  فهي عريضة ٌ وواسعة ٌ في قيمتِها ومُستواها  وأبعادِها وفحواها، ويظهرُ  فيها الجانبُ الوطني والإنساني والعاطفي والمحبَّة ُ التي بلا حدود  وغير المشروطة  للآخرين  ... للوطن ِ والأرض  وللنصفِ الآخر . وهذهِ القصَّة ُ- مفادُها وفحواها - إظهار وتوضيح  ملامح  وتضاريس  القضيَّة الفلسطينيَّة وبكلِّ ما هو مخفي منها  قبل وبعد عام  1948 -  بجميع  عناصرها  وتمَوُّجَاتِهَا  ومُركَّباتِها  وَمُعَقَّداتِهَا ...  وأهمُّ   بندٍ  وجانبٍ  تُرَكِّزُ  عليهِ القصَّة ُ : إنَّ  الكثيرَ مِنَ الدِّماءِ الطاهرةِ والبريئةِ  أريقت  وذهَبَت  هباءً  ولم  يُحَرَّرْ الوطن، والذينَ  ضحَّوا لم  يجنوا شيئا ً أو  أيَّ  مكسب وتناسَاهُم  التاريخُ  والناسُ وَطواهُم  الضَّبابُ، والقضيَّة ُ ما زالت إلى الآن  مُعَلَّقة ً ولا  حلول  لها  حتى الآن  .   

  ولننتقل إلى  قصَّةٍ  أخرى  من  الكتاب ، بعنوان :  ( " ليل  بدون  نوافذ " - صفحة 72- 76 )  والقصَّة ُ تتحدَّثُ  باختصارٍعن طالبٍ  كسول ٍ ومهمل ٍ لدروسِهِ ، وهو مُدلَّلٌ من قبلِ والدتِهِ، ففي كلِّ نهايةِ  فصل وتوزيع  شهاداتِ  المدرسةِ على الطلاب  يأخذ ُ العلامات  الواطئة ( الرسوب )  فيُهدِّدُهُ  والدُهُ  بالعقابِ الجسدي والصَّلب على النافذةِ  لساعاتٍ  طويلةٍ ، ولكنَّ  أمَّه ُ تحميهِ ..وفي  نهايةِ الفصل ِ الثاني من المدرسة حدثَ  نفسُ الشيىء  فيحتمي  بأمِّهِ  وينجو منَ  عقاب  والدِهِ .  ولكن  في نهاية السنةِ ( الفصل  الأخير ) يرسبُ أيضًا ويغضبُ منهُ المديرُ ويُهدَّدُهُ  بأنَّهُ سيذهبُ بنفسِهِ  ويسلِّمُ الشَّهادة َ لوالدهِ  ، وبالطبع إدارة المدرسة  تبلغُ  الوالد بالنتيجةِ  قبل  أن  أن  يرى الشَّهادة .    وعندما يرجعُ الطالبُ للبيت ومعهُ الشهادة المخزية  ويظنُّ انهُ  سينجو  مثلَ  كلِّ مَرَّةٍ من العقابِ ، ولكنَّهُ  يتفاجأ أنَّ والدَهُ مع امرأةٍ غريبة  فيُوبِّخُهُ ويشدُّهُ بالحبلِ  ويربطهُ  ويُعلِّقهُ على الشُّبَّاك ويتضحُ  لهُ أنَّ هذه المرأة َ هي  زوجة أبيه  الجديدة حيث أبوه  طلَّق  أمَّهُ  لأجلِهِ  .      وهذهِ  القصَّة ُ واقعيَّة ، لأن  في مجتمعِنا  الكثير من الأمَّهات  بدلالِهنَّ  المُفرط  لأبنائِهِنَّ  والتغاضي عن  أخطائِهم المتفاقمةِ يقودونهم ويجرُّونهم  بشكل ٍ  لا  مباشر إلى  الفشل  الكلِّي  في الحياةِ وإلى الإنحدار والإنحراف إجتماعيًّا وأخلاقيًّا . فالأمُّ هي المدرسة ُ الأولى ( في البيت  قبل المُعلِّم في المدرسةِ وقبلَ الأب )، لأنَّ  الأبَ  يقضي  طيلة َ يومِهِ  في  العمل  خارجَ   البيت  ولا  يعرفُ  كلَّ  ما  يدورُ  بالضَّبط  في البيت  وماذا  يصنعُ  أولادُهُ  .   فهذهِ القصَّة ُ تحُثُّ  وتعلمُ  وترشِدُ : ماذا  سيكونُ  الدَّورَ الحقيقي  للأمِّ ، وماذا عليها أن تعملهُ  وتنتهجَهُ  تجاهَ  أطفالِها ...  أي  يجبُ  عليها   إرشادهم  وتعليمهم وتصحيحهم  وتعريفهم  الصَّحيحَ من الخطأ وعدم التغاضي عن  سلبيَّاتِهم ، ولكي  يسلكوا في طريقٍ صحيح ٍ  ومستقيم ٍ وينجحُوا علميًّا واجتماعيًّا  في حياتهم  العمليَّة والمهنيَّة  والإجتماعيَّة  مستقبلاً  .  وأنَّ  الأبَ  ليسَ  دائِمًا على خطأ  في قسوتِهِ وشِدَّتِهِ ، بل أحيانا ً  يضطرُّ  أن  يَتَّخِذ َ  قرارًا  صعبًا   وقاسيًا  ومصيريًّا  تجاهَ  زوجتِهِ   ويكونُ مضطرًّا ، وذلك  عندما الزَّوجة ُ تُهْمِلُ أسرَتهَا وأطفالها  وبيتهَا  ولا  تعرفُ   كيفَ  تربِّي  أطفالهَا  وتكونُ السَّببَ الرَّئيسي  في  فشلِهم  الذريع  وَجُنوحِهم  وانحدارهِم  وشذوذِهِم  والقضاء على مستقبلهم ،  فيضطرُّ الزَّوج  ( الأب )  إلى طلاق الأمِّ ويبحثُ ، بدورهِ،عن زوجةٍ أخرى شريكة فيها كلّ المقوِّمات  والمواصفات الإيجابيَّة  للأمِّ  المثاليةِ  والمرأةِ  الفاضلةِ  والطاهرةِ  لتشاركهُ مشوارَ الحياةِ  ولبناءِ أسرةٍ  سليمةٍ  ومُعافاة   .       إنَّ هذهِ القصَّة إجتماعيَّة من الطراز الأوَّل  وفيها  عنصر الحوار ( ديالوج ) ، وهو الجانبُ المُهَيمنُ  على  القصَّة .. وقليلٌ  جدًّا  من  السِّرد  .  

  وأمَّا قصَّة ُ ( " العشاء  قبل الأخير "  صفحة 54- 66 ) فهي أطولُ  قصَّةٍ في  الكتاب ، وهي عبارة عن  قصَّتين  مُتداخلتي   ومُرتبطتين  مع بعض .   وتبدأ الكاتبة ُ القصَّة َ بمقدِّمةٍ شاعريَّةٍ  مُنمَّقةٍ  تعيدُ إلى أذهانِنا  روائعَ جبران  خليل جبران  وشطحاتِهِ وتأمُّلاتهِ  في وصفِ الطبيعةِ السَّاحرةِ  والتعمُّق في  فلسفةِ الحياةِ  والوجود ، فتقول : ( " يمتدُّ البحرُ أمامَهُ ، زرقتهُ تعانقُ  حَافًّة َ  السَّماء ، تنشرُ نشوة َ الاعناق  ضبابًا  رماديًّا يمسكُ  الأطرافَ اللاهثة خلفَ الأمواج ،  ليصبحَ اللون الأزرق  المائل  إلى الون الرَّصاصي ، شاهدًا  في حضرة التاريخ ، الذي اقتلعَ  لحظات من  أغصان  شجرةِ  التأمُّل  ليزرعَهَا تفاحة حيرى  في  قلبِ  الغصَّة  ويقضمها الآن  بوجع ( إنَّهُ  لتعبيرٌ شاعريٌّ  جميلٌ ) .. وتتابعُ الكاتبة ُ : ( " تأمَّلَ صورة َ جدِّهِ  مُمتطيًا حصانهُ الأبيضَ ، وعباءتهُ السوداء الفضفاضة  تغطي صدرَهُ  وتنسدلُ  على القسم الحلفي من  الحصان لا أحد  يُشبهُ جدَّهُ ، هكذا لخَّصَ وَالدُهُ  َتناثُرَ ذريَّة الجد .. جدُّهُ  قويّ صاحب ملامح  جميلة  وعيونه  تتميز  ببريق  حازم  ورائحة  شباب  يعصرُ العشق  والفحولة، وعلى ذمَّةِ  والدِهِ  يقال  إنًّ  امرأة  من عائلة  " سرسق " اللبنانيَّة المعروفة  بثرائِها، وعرفت أيضًا أنَّها باعت أراض لها في مرج  بن  عامر  للحركةِ  الصُّهيونيَّةِ  ، هذهِ  المرأة  أحبَّتهُ  بجنون  وقرَّرت  أن  تهربَ  معهُ  ، لكن  معرفة  عائلتها  بهذا  الحبِّ  وخطَّة  الهروب  جعلتهم   يُحاصرونها  ويرجعونها  إلى  لبنان  بسرعة  البرق ، أما جدهُ  فكان  من  البداية  متردِّدًا  ف " الكف  لا  تلطم  المخرز " ،  لكن  بعد  ذلك  تركَ العمل في الأرض ، فقد كانَ  مُشرفا زراعيًّا على الأراضي التابعةِ  لهذهِ العائلةِ وتوَجَّهَ إلى لبنان مشيًا على الأقدام  ... " ) .. إلخ  . . 

 تبدأ القصَّة ُ بالتحَدُّثِ عن الجَدِّ الشُّجاع والمُغامر الذي أحبَّ  فتاة ً من عائلةِ  سرسق اللبنانيَّة ولكنَّ العائلة رفضت هذا الحبَّ وارتباط الفتاة  بهِ ، فاضطرَّ  أن  يتركَ عمَلهُ بعدَ  أن سَفَّروها ، وسافرَ إلى  لبنان  للبحثِ عنها ، وبعدَ أن أعْيَا  رجعَ  لبلادِهِ  وتزوَّجَ  وأنجَبَ  أولادًا  وماتوا جميعًا  سوى  ولدٍ  واحد أنجبَ العديدَ  مِنَ الاولاد  فيما  بعد وأحَدُهُم ( الحفيد) بطل هذه القصَّة  الذي يُحبُّ  المُغامراتَ والسَّفرَ ولم  يُعجبُهُ السَّكن في  مدينةِ حيفا ، فسافرَ لأمريكا  وعملَ  هناكَ  وتزوَّجَ  أكثرَ من  مرَّةٍ ، وكلَّ مرَّة  تخونهُ  زوجتهُ  فيضربُها ويُسجنُ  لذلك ، وبعدَها  يتمُّ الطلاقُ  ويضطرُّ  لِدفعِ  تكاليفِ النفقةِ ، وعاش  بعد هذه المشاكل ( الخلافات مع الزوجةِ والطلاق والخسائرالماديَّة الباهضة التي أجبرَعلى دفعِها وتسدِيدها) في ضياع وفقر ٍ مُدقع وعاشَ حياة َ التقشُّف ... وتوفيَ  أبوهُ  وامُّهُ  في  هذهِ  الفترةِ ، وبعدَ  سنواتٍ  طويلةٍ  ومريرةٍ  في الغربةِ  قرَّرَ  أن يرجعَ إلى بلادِهِ .   وفي  بلدِهِ (  بعد  الرُّجوع ) كانَ  قرارُ  الأخوةِ أن  يبيعوا البيتَ القديمَ ( بيت والدهم ) ولأجلِ هذ  حاولوا أن يأخذوهُ  بالسِّياسةِ والدَّهاء ِلِيُوَقِّعَ لهم على بيع البيت ، فاحتفلوا بمجيئِهِ زيفا ً  وضيَّفوهُ  وعملوا  لهُ عشاءً  فاخرًا لكي  يُخَجِّلوهُ ويقنعوهُ ، ولكنَّهُ رفضَ وعرفَ نيَّتهم  المُبَطَّنة َ  تِجاهه  فغضبوا عليهِ  وصرخوا  في وجههِ ونعتوهُ  بأقبح ِ الشَّتائم  وهو ،  بدورهِ ، تمَسَّكَ  برأيِهِ  وموقفِهِ  ولم  يُوَقِّعْ  ،  وألغِيَ البَيْعُ  كليًّا .... وبقيَ  هوَ  في  بيتِ  والِدِهِ  وأمِّهِ  القديم وأحسَّ  بالسَّعادةِ  الكبيرةِ  وِشعَرَ أنَّ  الجدرانَ  كلَّها  تبتسمُ  لهُ  وتتذكَّرَهُ ، وكان  من المُخَطَّط ِ والمُقرَّر أن  يكونَ  في  الصَّباح الباكر  سَفرُهُ  إلى أمريكا  بعد  العشاءِ الأخير وإجراءِ  مراسيم  البيع  للبيت القديم  ،  ولكنهُ  ألغى هذا  السيناريو  كلِّيًّا ...  ودارَ حديثٌ  بينهُ وبينَ نفسِهِ : لماذا فعلَ  كلَّ هذا بشكل ٍ تلقائي ومن دون ِتخطيطٍ  وتفكير ٍ -  ألأنَّهُ  كرهَ الرَّجلَ السَّمين الذي  كانَ سيشتري  البيت ( بيت اهله ) .. وهل  سيبقى ويستقرُّ  ويجبرُ  زوجتهُ على المجيىءِ والسكن  في  حيفا  إلى ... لا  يعرفُ ..  الذي  يعرفهُ أنهُ كرِهَ الرَّجلَ السَّمينَ ولم يستطع التَّصَوُّرَ أنَّ  منَ  المُمكن أن يعيشَ في هذا البيت أو يهدِمَهُ ليخفي آثارَهُ ويمحو رائحة َ ساكنيهِ . إنَّ القصّة َ بشكل ٍ  مُختصر ٍ تتحدَّثُ عن  أهميَّةِ  الوطن ِ  والأرض  والإنتماء  والهويَّة ،  وانَّ الغربة  هي  ضياعٌ  وموتٌ  وفقدان  للجذور وللكيان ِ وفقدان  لهويَّةِ  الإنسان  ، فعلى الشَّخص الواعي والمُدرك والبصير مهما عرضُوا عليهِ من مغرياتٍ وأموال ألاَّ  يتركَ وطنهُ  ويُهاجر حتى  لو كانتِ الحياةُ مريحة ًهناك   فأرضُ الوطن وهواءُ الوطن أفضلُ مليون مرَّةٍ  من بلادِ الغربة .  وأنَّهُ  منَ المُفضَّل والأحسن لكلِّ شابٍّ أن يتزَوَّجَ من فتيات بلادِهِ  وليسَ مِنَ الأجنبيَّات ، فالكثيرُ من حوادث الزّواج من الأجنبيَّاتِ لم تكن  ناجحة ، بل كانَ مصيرُهَا الفشلَ ، وهنا تُظهر وتبرزُ الكاتبة ُ صورة ًحقيقيَّة ًومقارنة ً بين الفتاةِ الشِّرقيَّةِ والأجنبيَّةِ، فالفتاة ُ الشِّرقيَّة ُ مهما كانت وكان نوعُ  ثقافتها ومستواها العلمي والفكري  تظلُّ  مُحَافظة ًعلى نفسِها وشرفِها  وطهارتِها ، وأمَّا البنت الأجنبيَّة  فالعلاقاتُ المشبوهة ُ والعشوائيَّة مع رجال آخرين ومع من هبَّ  ودبّ ( ما نُسَمِّها  عندنا  بالخيانةِ وبالزِّنا ) هي في مفاهيمها  شيىءٌ طبيعيٌّ  وعند  كلِّ الأجانب أيضًا  .. هذا هو مُنطلقُهُم ونهجُهُم في الحياةِ ، فالفوضَى الجنسيَّة مثل البهائم  والحشراتِ لدَى الغرب المادِّي هو التقدُّم والرّقيّ والحضارة ... وحتَّى الفتيات العربيَّات اللَّواتي وُلِدنَ  في بلادِ الغربةِ  ويسكنَّ هناكَ منذ  سنينَ طويلة فالبعضُ منهنَّ يتصرَّفُ ويسلكُ مثلَ الأجانب من ناحيةٍ  إجتماعيَّةٍ  وأخلاقيَّةٍ ( وهنا  يظهرُ  في القصَّةِ جانبُ الفضيلةِ  والأخلاق - أحد الأمور المُهِمَّة التي  تركِّزُ عليها الكاتبة ُ)، وأنَّ العلمَ  والثقافة َ والتطوُّر والرُّقيّ  ليسَ  في الإنحلال والتسيُّب  الأخلاقي  كما هو موجودٌ  عندَ الأجانب . وهذِهِ القصَّة ُ تنصَحُ وبشكل ٍ غير مباشر كلَّ  شابِّ شرقيٍّ  مُتغرِّبٍ  سواءً لأجلِ  العلم  أو العمل  وكسبِ  لقمةِ العيش أن يرجعَ إلى وطنِهِ بعدَ إنهاءِ علمِهِ أو تحقيق ِ هدفهِ  في جمع ِ بعض ِ المال لتأسيس وتكوين مستقبلهِ من خلال ِ العمل  وليتزَوَّج  من  بلدِهِ  فقط  .

  وتتحَدَّثُ القصَّة ُ( في بدايتها ) عن قضيَّةٍ وحكايةٍ أصبَحت  تاريخيَّة، وهي عائلةِ " سرسق " البنانيَّة التي كانت  تملكُ أراضي مرج  بن عامر وغيرها في الجليل، والآلافُ من الفلاحين الفلسطينيِّين  من عدَّةِ  قرى كانوا  يعملونَ  بالأجرةِ لديها، وكيفَ هذهِ العائلة ُ البرجوازيَّة  الإقطاعيَّة  باعت  جميعَ هذهِ الأراضي  وبشكل ٍ مُفاجىءٍ لليهود .. وأصبحَ  سكَّانُ هذهِ  القرى الفلسطينيَّة  دونَ عمل ٍ ودونَ مأوى ودونَ قوت... وهذه  كانت مأساة ً وكارثة ً لا  توصف.  وكيفَ الجدُّ عندما  كان شابًّا  عشقَ  فتاة ً من هذهِ العائلة  وحاولَ  المستحيلَ  أن  يحضَى  بها  وتكونَ من  قسمتِهِ  ونصيبِهِ ، ولكن  لم  يُحالفهُ  الحظ  ولم  يبتسمْ  لهُ  القدر .  وبعدَ  أن عجزَ  ويأسَ  منَ الوصول ِ إليها وحتى  العثور عليها  ورؤيتها  تزوَّجَ  بفتاةٍ  فلاحةٍ  من قريتِهِ  وأنجبَ  منها عدَّة  أولاد ... فقصَّة ُ هذا الجدّ هي دراميَّة  تراجيديَّة، وكانَ بإمكان ِ الكاتبةِ  شوقيَّه عروق منصور أن تتوسَّعَ  فيها أكثر وأكثر لتجعلَ منها عملاً  دراميًّا طويلاً  وليسَ على مستوَى محلِّي وعربي، بل  وعالمي ،لأنَّ هذا الموضوع  وقصَّة الحبِّ هذه المُركبَّة والمعقَّدة والغريبة تحملُ  في طيَّاتِها عِدَّة َ أبعادٍ في داخلِها ، ويظهرُ فيها  الفارقُ  الطبقي  بين  الجدِّ  الشَّاب الشُّجاع  العاشق  آنذاك  وبين  الفتاة الأرسطقراطيَّة  من عائلةِ  سرسق .  وأنَّ  الحُبُّ  الحقيقي الطاهر والنظيف   لأجل ِ هدفٍ  مُقدَّس لا يعرفُ الفوارقَ الطبقيَّة والإجتماعية والأبعادَ  الجغرافيَّة  والإقليميَّة  فالحبُّ يتحدَّى جميعَ الأهوال والصِّعاب، ولكن الظروف والأقدار هي التي تقرِّرُ  في نهايةِ  الأمر وترسمُ  لنا ( لجميع البشر) حياتنا ومصيرنا ومستقبلنا ، وأمر الزَّواج  والإرتباط  هو  كأمر الموت  ولا أحدٌ  منَ  البشر  يستطيعُ أن يضمنَ نفسَهُ  مِمَّنْ سيتجوَّز  ويربط ُ  مصيرَهُ  بهِ ، وهنالك الكثير  من  قصص الحبِّ - مثل هذا  الجد  التي لم تتكلل  بالزواج  والإرتباطِ ، بل هنالك  قصص  حُبِّ  طاهرة وعفيفة  إنتهت  بمأساةٍ  وفجيعة ٍ.. حيث يموتُ أحدُ أبطالِها أو الإثنان معًا .  وأمَّا قصَّة ُ ذلك الحفيد  المغامر فيما  بعد  فهي  امتداد واستمرار للجدِّ  حيثُ  عشقَ السَّفرَ والمغامرات غير المضمونةِ  أيضًا   ( ولقد  تأثَّرَ  من شخصيَّةِ جدِّهِ حسبما  كانوا يرونَ قِصَصَهُ  في صددِ الحبِّ والمغامرات  وغيرها  )  فيتركُ  البلادَ  أيضًا  ويسافرُ إلى أمريكا ،  وحياتهُ تكونُ  هناكَ في  صُعودٍ وَهُبوطٍ ، وفي النهايةِ  يُواجهُههُ الكثيرُ من المشاكل والأزمات  الشَّخصيَّة  والأسريّة  ( الزوجة  والأولاد ) والماديّة  والقضائيَّة وسجنه وطلاق زوجتهِ وموت والديهِ  وهو في  بلاد غربةِ  ومعاناته النفسيَّة والصحيَّة والماديَّة والأسريَّة .. يقرِّرُ أخيرًا العودة َ إلى بلادِهِ ومسقط رأسِهِ .       وهنا  تُعطينا  الكاتبة ُ  وصفا  رائعًا  للإنتماءِ  الوطني  والتشبُّثِ   بالأرض ِ والوطن وعدم التفريط  بالأرض والعقارات والأملاك  الموروثة  من الأهل والأجداد ، ولأنَّ  الأرضَ والعرضَ صنوان وأقنومان مقدَّسان  ويجبُ على الإنسان ِ أن يتمسَّك  بجذورهِ  وبيتِهِ  وأرضِه .                                  ولننتقَل  إلى  قصَّةٍ أخرى  بعنوان : (" قفَّازات أم حسين " - صفحة191 – 203 )  وهذه القصَّة ُ يغلبُ عليها  الطابعُ التراجيدي واللوعة والألم  .  تتحدَّثُ القصَّة ُ عن إمرأةٍ اسمها ( أم حسين ) تبيعُ اللبن ، وأصلها من  قرية  المجيدل التي دُمِّرَت وَهُجِّرَ  ُسكَّانها عام 1984 . وكانت  تلبسُ  قفازاتٍ في كفيها ، والكثيرون لا  يعرفون ما هو سرّ وضعها للقفازاتِ في كفيها دائما .        وهذه المرأة ُ التي أصلها من المجيدل طردَتْ وهُجِّرت  مع الناس من  قريتها إلى الناصرةِ  وسكنت  في برَّاكيَّةٍ في الحارة الشِّرقيَّة ، وكانت في تلك السَّنةِ ( عام النكبة) زارعة  حاكورتها التي بجوار البيت  بالبندورة ، وطلبت  بعد هجيجها إلى الناصرة بأيَّام من ابنها ( 15 سنة  أن  يذهبَ  إلى المجيدل  مع أخيهِ الأصغر  وَيُحَوِّشَ ويقطفَ  بعضَ  ثمار  البندورة  فركبَ حسين  على حمارةٍ استعاروها من  الجيران  وأخذ َ معهُ  أخاهُ حسن  وذهبا لقريتهم التي هُجِّروا منها ( المجيدل )  وبعد  أن  وصلا  وقطفا  ثمار البندورة  الناضجة  فاجَأهم اليهودُ الذين  كانوا  محتلِّين  القرية  وأطلقوا الرَّصاصَ على  حسين فأردوهُ قتيلاً ، وذلك  بعد  أن  ضربوهُ ضربًا  مبرحًا وصلبُوهُ على الحائطِ ، وأمَّا  أخوهُ  حسن   فقد  كانَ  يصرخ  مثلَ  المجنون ، ووضعوا  جثَّة َ الأخ  القتيل على ظهر الحمارة  من  فوق الخرج وأمسكوا حسن من  قبَّةِ  قميصِهِ  وقالوا لهُ بالعريبَّةِ  المُطبَّشَةِ والمُكسَّرة : " إلِّي بَدُّو  يرجع عالبلد راح  ينطخ زيّ  هذا ")) ورَكَّبوُا أخاهُ حسن وراءَهُ   فانطلقت  الحمارة في سيرها  حتى وصلت الناصرة  وعلى  ظهرها  جثة  حسين القتيل  ووراءه أخوه الصغير حسن .. وأمَّا أمُّهما فكانت  تخبزُ على الطابون فعندما علمت بالخبر خرجت عن طورها وفقدت صوابَها وصارت تمسك بالجمر ِ والسكن السّخن  وتهيل فوق  رأسِها   الجمر الذي  حرق  وجههَا   ورقبتها  وصدرَها  وما  شعرَت  بالحروق ِ ، النار في  قلبِها  أقوى من الجمر ، والحروقُ التي في وجهها مع  الزَّمن  خفَّت ، ولكن في أصابعها وأيديها  كانت صعبة ً  وخنصرها مشوَّها  فاضطرَّت فيما  بعد إلى  لبس الكفوف .  وكانت  هذهِ المرأةُ مثالاً ونموذجًا للمراةِ  الفلسطينيَّة الطاهرة والصَّابرة والملوَّعة والمنكوبة والمُكافخة لأجل ِ لقمةِ  العش ِ الشَّريف  والنظيف .  

  ولننتقلَ  إلى قصَّةِ  (" سرير يوسف هيكل " صفحة 248 – 156 )  وهي من أجمل ِ القصِص ِ في هذا الكتاب ، وقد  سمِّيت هذه المجموعة القصصيَّة الكاملة  باسمِها . ويوسف هيكل كانَ  آخرَ رئيس لبلديةِ  يافا واستلمَ  رئاسة َ البلديَّة َ من سنة ( 1945 - 1948) . ولقد كُتِبت هذهِ القصَّة بأسلوبٍ  مُحكم ٍ وجميل ٍ  وشائِق ٍ وجذاب ، ومفادُ  القصَّةِ  وفحواها هو المأساة  الفلسطينيَّة  والتشرُّد  والإقتلاع من الجذور من  قبل الغازي المُحتل، والنضال من أجل ِ الحياةِ والبقاءِ رغم الظروف القاهرة والأليمة .  تتحدَّثُ القصَّة ُعن صديقين  يذهبان إلى مدينة  يافا  بعد عام 1948 لشراءِ  سرير ... ويدخلان إلى سوق  يافا (  وكان  يُسّمَّى سوق الرَّابش ) وفيه  يجمعون الأثاث المسروق وجميع الأدوات  المنزليه  والصحون  والأواني والخوابي  والملابس  وغيرها  من  بيوت اليافويَّة الذين هُجِّرُواعام 1948 ويبيعونها مرة ً أخرى للعرب أنفسهم . وكان هنالك سوق  في مدينةِ حيفا أيضًا  يحملُ نفسَ الإسم (سوق الرّابش) .   وهذان الصَّديقان  يدخلان على تاجر ٍ يهوديٍّ  ويشتري أحدهما وكان خاطبًا ومقبلا ًعلى الزَّواج  سريرًا لعشِّ الزَّوجيَّة  وكان هذا السِّرير ليوسف  هيكل - آخر رئيس لبلديَّة  يافا  قبل احتلال المدينة وتشرُّد ونزوح  أهلِها .. . وبعد  مُسَاومَةٍ  طويلة وَمُضنيةٍ مع  التاجر اليهودي الجشع  يوافقُ على بيعِهِ  بمئة  ليرة ..  وهذا  السَّرير كان منهوبًا  ومسروقا  من  ضمن  الكثير من  الأثاثِ والأمتعةِ  التي  نهبَهَا  وسرقهَا  هذا  التاجرُ الماكرُ من السكان ِ العربِ الذين هُجِّروا وتركوا البلاد ( كغيرهِ من التجار والسَّماسرة )  ويبيعها مرَّة ً أخرى للعرب ، فهو كالمنشار الذي في صعودِهِ  ونزولِه ينشر ويأكل .  وهنا نتذكَّرُ  بشكل ٍ تلقائي مسرحيَّة   تاجر البندقيَّة  لويليم  شكسبير والتاجر اليهود الذي لا يشبع  . وعندما رجعَ  الشَّاب الذي اشترى السَّرير إلى  قريتِهِ  وبيتهِ  فرحت أمُّهُ  كثيرًا بهذا السَّرير التاريخي والعريق، وصارَ هذا السَّريرُ حديثَ القرية جميعها .  والتاجرُ اليهودي  يرمزُ هنا  إلى  مَن  أسهَمَ   وَمَهَّدَ  وَسَهَّلَ  لنقل ِ شرعي ولإجازةِ  بيع السَّرير الأسطوري - أي الوطن المنهوب -  كما  جاء  في مقدِّمةِ الكتاب ، ويربحُ  ويكسبُ هذا  التاجر مرَّتين  حسب  ما  جاءَ  في  القصَّة .  وهنا  تربط ُ الكاتبة ُ  بين الجزءِ  والكُل بشكل ٍ ذكيٍّ ، فتتحدَّث عن المصيرالتراجيدي للسرير ثمَّ ترتقي بهِ ومن خلالِهِ  وبشكل ٍ تلقائيٍّ  فتتحدَّثُ عن  المصير الحقيقي المأساوي للقضيَّةِ الفلسطينيَّةِ ،ولكنَّ الكاتبة في النهايةِ  لا  تفقدُ  الأملَ من  غدٍ  جديد مشرق  تتغيَّرُ وتتبدَّلُ  فيهِ الأوضاعُ والأحوالُ ويأخذ الشَّعبُ  الفلسطيني المسلوبُ والمنهوبُ والمكلوم والمُشَرَّد حقَّهُ  وترجعُ  لهُ  آمالهُ  وأمجادُهُ  ويسطعُ  فجرُهُ المنشود  . 

 

خَاتِمَة ٌ :  إنَّ  جميعَ القصص ِ التي  في هذا الكتاب على مستوًى عال ٍ ، تتناولُ  شوقية ُ  فيها  المواضيعَ  والجوانبَ  الإنسانيَّة َ والسِّياسيَّة َ والوطنيَّة  والوجدانيَّة والتراثيَّة ، وبالذات القضيَّة الفلسطينيَّة ، وهذهِ القصص  صِيغت وَنُسِجَتْ بلغةٍ أدبيَّةٍ  شاعريَّةٍ  وسرديَّةٍ  مُنمَّقةٍ وعذبةٍ وشائقةٍ تجذبُ القارىءَ  وتأسرُ القلبَ والفكر وتُحرِّكَ لواعجَ الوجدان . فهذهِ القصص جميعها مسربلة ٌ ومُترعة  بعنصر ِ الإثارةِ  والتشويق، والبعضُ منها واقعيٌّ ويُجَسِّدُ  بالضَّبطِ الواقعَ العربي والفلسطيني من  كلِّ  الجوانب ، ولكن هنالك  بعض القصص  التي يُترعُهَا الخيال والفانتازيا  بشكل ٍ مُكثَّف  وواسع  وبعيدة  كليًّا عن عالم الواقع  والبشر  َفيَسْرَحُ  ويجنحُ  خيالُنا  معها  .   ويوجدُ  في هذهِ المجموعةِ  أيضًا  بعضُ  القصص  المفتوحة التي  لا  يوجد  لها   نهاية ٌ وخاتمة ، مثل الكثير منَ القصص الأجنبيّةِ  .  ولقد  حاولت  الكاتبة ُ شوقيَّه  عروق -  كما  هو  واضحٌ - أن  تُلوِّنَ  وتُنوِّعَ  من  هذهِ  القصص ِ المُدْرَجَةِ في هذا الكتاب كي  لا   تكون  كلَّها  على  نفس ِ الوتيرةِ ... لقد  نوَّعت  ولوَّنت  في  الشكلِ  والأسلوبِ  والنوعيَّةِ   والموضوعيَّةِ ،  فنجدُ  القصصَ  الأنسانيَّة والعاطفيَّة والوطنيَّة والسِّياسيَّة والإجتماعيَّة .. إلخ .  ولكن أغلبها تتحدَّثُ  عن الأرض والوطن  والقضيَّةِ الفلسطينيَّةِ التي هي  جوهر ومحور القضايا  جميعها  . 

وأخيرًا : نُهنِّىءُ  الكاتبة َ والأديبة َ والشَّاعرة َ والصحفيَّة َ الكبيرة َ والمُبدعة الزميلة  شوقيَّه عروق - منصور على هذا الإصدار الرَّائع  والنفيس ونتمنَّى لها  المزيدَ منَ الإنتاج الأدبي والفكري المتواصل والكثيرَ الكثيرَ منَ الإصداراتِ الأدبيَّة  والشِّعريَّة  المُكثَّفة  في الوقت  القريب  .