الخميس، 8 أكتوبر 2026

الشَّعرُ اليوم أضحى هيّنًا !!! زهير دعيم

 

الشَّعرُ اليوم أضحى هيّنًا !!!
زهير دعيم 




امتلأت البلاد بالشعراء ، فكل من عرف الابجدية واجاد حبك خيوط بعض الجمل ، راح " يخربش " فوق صفحات القرطاس همسات صبيانية،  واخرى عبثية ،  وثالثة رمزية غائصة في الرمزية ،  لدرجة لو انت سألت جابل هذه القصيدة ومؤلفها لما استطاع ان يفيدك بشيء ، فهذه القصائد على حد زعم البعض ذات موسيقى داخلية وايحاءات كامنة ، ورموز تاريخية وميثولوجيه !!! فإن غامرت يا صاحبي وابحرت اصطدمت بالكلمات المتناثرة والحروف السابحة في محيط من البياض ، وبأكثر من مصطلح يوناني او فينيقي او حتى اندلسي ، مرت في خاطر الشاعر او صادفها في مسيرة حياته التعليمية فلوَّنَ بها القصيدة العصماء واضفى عليها شيئًا من غموض ومِسحة من عبثية !!!
فكلّ من عرف الحبَّ اضحى شاعرًا ، فارتمى على بساط العشق يزركشه بالكلمات والنجاوى " المُقطّعة " " والموصّلة " وفي نظره انها قصيدة القصائد يستأهل عليها وبها ان تعلق مع المعلقات السبع لا العشر .
لقد اضحت كلمة شاعر " مبتذلة " هذه الايام تمامًا كما كلمة " فنّان " او " فنّانة " ، فكلّ طاؤوس او متطاوس او متطاوسة (استميحكم ألف عذر ) حباها الله ببعضِ جمالِ قدٍّ دون صوت ، راحت تتلوى " وتتفرّع " وتزفُّ الينا مشاهد بينها وبين الذّوق والفنّ والجمال وعبد الوهاب وفيروز والصّافي مساحات شاسعة فوقها الطائرات النفاثة ، وكذا الامر في شعراء اليوم او قل في معظمهم ، فالواحد لم يسمع بالأخطل لا الصغير ولا الكبير ، ولم يعانق قصيدة واحدة لشوقي او لسعيد عقل ، يروح يدبج لك في لحظات قليلة قصيدة ، يرمي بها من فرنه الساخن الى المواقع الالكترونية او الصُّحف فتنشرها مزدانة بصورته البهية وطلعته الاخّاذة ..
سقى الله الايام الخوالي ، ايام كان زهير ابن ابي سلمى يملّس ويمّسد قصيدته ويُدلّلها سنة كاملة حتى يتجرّأ فينشرها ... ينشرها والترقّب يأكل منه الاعصاب والاحساس ، اما اليوم ، عصر الحداثة والشيطنة الادبية السريعة والشعر الدفّاق ، فأنت يا صاحبي امام ظاهرة غريبة عجيبة ، يولد فيها الشّعر هكذا بدون موهبة او يحزنون ، وبدون ان تحمل نفسك عناء المطالعة والدراسة والتمحيص .
.. ضحك صديقي – القارئ المجتهد والمطالع الدائم – ضحك مرة من قصيدة نشرت في احدى المواقع الالكترونية فقرأها مثنى وثلاث خماس ولم يفهم منها شيئًا ، وغاص في كلمتيْ " افروديت " و " بطليموس " اللتين زينتا القصيدة وظل في مكانه ، فجاءني طالبًا العون والمدد ، فدفعته برفق قائلًا : " لقد سبقتك واعلنت عجزي وضعفي أمام هذا الادب والذي لا جبرانية فيه ، تمامًا كما عجزت امام الرسومات التجريدية والمرسومة على حدّ قول الفكهاء بذيل حصان " .فإن أنت اخي القارئ لم تفهم القصيدة ولم افهمها أنا ولم يفهمها كاتبها ، فلمن يكتب اذًا هذا الشاعر العظيم والذي يستأهل او قد احرز فعلا جائزة التفرّغ الادبي !!!.حري بنا ان نقف لحظة بل لحظات ونعيد حساباتنا ، حسابات بيدرنا الادبي ، فالزؤان ملأ البيدر ، والحنطة المباركة اضحت ندرة لا نعثر عليها الا بعد الف جهد وبمصباح ديوجينيس .
اين النقّاد الاحرار ؟! واين الناقد الناقد الذي لا يجامل ولا يسمح " بمسح الجوخ " وانما يجري مبضعه في عصب الادب فيبرز مواطن الجمال ومواطن الضّعف ، ويُسدي النصيحة النصوحة ولا يبغي الا خدمة الادب والادباء الحقيقيين .
رحمك الله يا استاذ الكل وشيخ النقاد مارون عبود ، رحمك الله وطيّب ثراك فما كنت تجامل احدًا وما كنت ترائي احدًا ، وإنّما ترنّحتَ طربًا عند كل فكرة هائمة وابداع يستحقّ الحياة ، وتأففت عند كل ادب حبا وزحف وأبى الانطلاق والقفز فوق السَّحاب .
ملّت نفوسنا المجاملة ، وملّت استعراض الصديق لكتاب صديقه ، فمثل هذه المداهنة ومثل هذا الاستعراض العجول والمعسول احيانًا بالسمّ لا يفيد احدًا ، وانما يخدّر صاحب " العطاء " الادبيّ فيشرئب ويسمو سموًا اجوف لا معنى ولا طعم في كثير من ادبه .حان الوقت ان نضع الفأس على اصل الشجرة التي لا تعطي ثمرًا ، وحان الوقت ان نقول للشّعر الفاقد الملح ... طعامك يا سيدي " مائع " ويفسد المعدة الفكرية والعقل والإحساس ، فارحمنا يا سيدي وعُدْ الى رُشدك ودعِ الادب لأصحابه وكفانا ما ذقنا من تصّنع واجترار وإسفاف .
أترانا نسمع ؟!!


العربية تشكو ، بقلم : بسمة نعامنة

 

 

العربية تشكو

 
تشكو لغتي،
وأنا أغار وأحار على حالك في العصر الحديث ..
لأنك تجدين نفسك اليوم غريبة بين ذويك،
يستبدل  بك حرف هجين، وكلمات عابرة .
 
تشكو العربية غربتها في لافتات الشوارع التي نسيت رسم الحرف الجميل؛ فغابت عن وجه المدينة تلك الخطوط التي كانت تتنفس فنا وسحرا، ليحل محلها جفاء الحداثة، وأخطاء الهواة، وتشويه الأصالة.. وتئن حروفها الشامخة في زوايا الاهمال، بعد أن كانت تيجانا على رؤوس البيان.
تشكو من ألسنة تظن الرطانة بغيرها رقيا، فتقحم محل الضاد حرف مشوه، وكلمات عابرة.
حينما تعبر كلمات اللغات الأخرى ببريقها الزائف، يزهد بك أهلك، وينفض عن سحرك الأقربون.
تلتفت اليوم حولها، وتهمس بعتب خفي .. تحن الى مجد تليد يصنعه أبناؤها، الذين استهوتهم أضواء التكنولوجيا، وأسرتهم اللغات الأخرى، فظنوا أن التطور يقتضي الهجران، وأن اللحاق بالركب يتطلب نسيان الجذور .
ولأن الأمر كذلك، جئت بكلماتي هذه لتكون ضمادا لقلبك المثقل بالجراح، فالسلام عليك مني، ومن كل الذين يمتلكون ويحملون في هذا العصر رسالة حضارية ورؤية، ويكنون بين ضلوعهم وعيا يداوي جروح قلبك المكلوم.
 
 
 
 
 
 
 

الثلاثاء، 6 أكتوبر 2026

رنّة هاتف لا تزال في الذاكرة -- ازدهار عبد الحليم - كيلاني

 

         *رنّة هاتف لا تزال في الذاكرة*





حديثي اليوم ليس عن هاتف عابر، ولا عن جهاز نستخدمه ثم نستبدله بآخر، بل عن زمنٍ جميل ترك بصمته في الذاكرة

 

سأتحدث اليوم عن شخصية بارزة من شخصيات الزمن الجميل

" السيّد سليم بشارات أبو بشارة"

شخصيّة كان لها أثر واضح في المجتمع العربي، وبقي حضوره في وجدان الناس مهما طال الزمن أو قصُر. هذا الرجل العصامي تمتع بالعديد من الصفات، وحسن التصرف، الذاتية والكفاءة، والإخلاص في العمل. وقد مكّنته كفاءته وخبرته من أن يكون عونًا للناس من حوله

فكان يسعى إلى مساعدتهم وتقديم ما يستطيع لهم وأخص بالذكر أهل قريته " يافة الناصرة"، الذين كان لهم نصيب كبير من عطائه واهتمامه.

لم يكن نجاحه نابعًا من الحظ، بل كان ثمرة للجد والاجتهاد وحسن التعامل، والإرادة القوية، وهي صفات جعلت منه شخصيّة تركت أثرًا طيّبًا في نفوس من عرفوه.

وفي تلك السنوات وخصوصًا خلال الستينات والسبعينات، مرَّ أهل قريته بمواقف وظروف صعبة وخطرة، ومن بينها أجواء حرب عام 1973 التي تركت أثرها على الناس وحياتهم اليومية.

 

وفي ذلك الزمن بدأت خدمة الهاتف الأرضي تأخذ مكانًا مهمًا في حياة الإنسان، وأصبح الهاتف وسيلة ضرورية للتواصل، وخصوصًا في أوقات الحاجة والظروف الصعبة. ومن هنا تبرز لنا

 قصة السيّد "سليم بشارات أبو بشارة"

الذي كان بحكم مهنته ووظيفته من أوائل من دخلت خدمة الهاتف الأرضي إلى بيته، بل كان من الأشخاص الذين ارتبط عملهم بدخول هذه الخدمة إلى بيوت أهل القرية. ولم يقتصر دور هذا الرجل، على عمله ومهنته، بل أتاح لأهل القرية فرصة الدخول إلى بيته المتواضع واستخدام الهاتف للإجراء الاتصالات.

ولزوجته كذلك دور لا يقل أهميّة

 فقد كانت تساعد النساء كيفية استخدام الهاتف.

أما الذكرى الأجمل، التي لا تزال عالقة في الذاكرة ولا تمحوها السنوات، فهي موقع بيته الذي كان يحتل مكانًا مميّزًا واستراتيجيًّا في القرية. فلم يكن البيت مجرد منزل تقيم فيه الأسرة، بل كان موقعًا يعرفه الجميع، وبجانب البيت دكان الجار" أبو نور" الذي كان بدوره نقطة التقاء لأهل القرية، ومكانًا يقصده الناس للشراء وللجلوس.

حتى أصبح البيت والدكان وما حولهم جزءًا من المشهد اليومي للقرية وللذاكرة.

وما أجمل تلك الذكريات التي لا تزال حاضرة في الوجدان، حين كانت

زفة العريس والحدّاية

تمر من أمام هذا الملتقى، فيجتمع الأهل والأصدقاء وتتعالى أصوات الفرح والأهازيج.   وكانت زوجته تقف في البرندة،

 ترش التوفية والملبس على العريس،

فتزداد أجواء الفرح بهجة، ويشارك الجميع في تلك اللحظات الجميلة التي كانت تجمع أهل القرية في جو من المحبة والتآخي.

وكان لصوت الطبلة في الزفة في الشارع، ورنّة الهاتف في البيت صوتان مختلفان، لكنهما يحملان في الذاكرة معنى واحد.

أما نحن الصغار في ذلك الوقت، فكنا نقف أمام الهاتف بدهشة وإعجاب، وكأننا أمام آلة من عالم آخر. نتساءل كيف ينتقل الصوت عبر الأسلاك، ليصل إلى شخص بعيد؟

كنا صغارًا!

كانت أشياء كثيرة تبدو لنا أشبه بالسحر، نسمع رنين الهاتف، بالنسبة لنا اختراعًا عجيبًا. ومع مرور السنوات، أصبح الهاتف في متناول الجميع ودخل كل بيت، ولم تعد هناك حاجة إلى أن يقصد الناس بيت جارنا لاستخدام الهاتف كما كان يحدث في الماضي.

وهكذا اندثر هاتف جارنا، وتغيّر الزمن وتبدلت وسائل التواصل؟ لكن ما لم يندثر هو وسيرته الطيّبة وذكراه الخالدة.

لقد رحل الهاتف،

 لكن الأثر بقي، وبقيت سيرة أبو بشارة جزءًا جميلاً من تاريخ القرية وذاكرة أهلها.

فبعض الناس لا تخلّدهم المناصب ولا الممتلكات وإنما تخلّدهم المحبة والسُّمعة الطيِّبة التي زرعوها في قلوب الناس


 

 

 

 

 

الاثنين، 5 أكتوبر 2026

حين يندثر ماضينا وتتفرق المودة مرعي حيادري

 

 حين  يندثر ماضينا وتتفرق المودة"

              *************************


             [مرعي حيادري يكتب:]

كان يا ما كان، في قريةٍ عتيقةٍ تستند إلى سفح الجبل كشيخٍ أنهكته السنون، بيتٌ من حجارةٍ هرمة، تتوسطه ساحةٌ صغيرة تلمع فيها شمس الظهيرة، وفي إحدى زواياها جرّةٌ فخاريةٌ عانقتْها يدُ الزمن، وإلى جوارها رحىً حجريةٌ صامتة، وعلى الجدار تدلّت أدواتٌ قديمة، كأنها بقايا أغانٍ ورثها أهل البيت عن آبائهم وأجدادهم..

كان الجدّ «سالم» يجلس كل مساء أمام أحفاده، وحين يهبط الليل على القرية، كان يشير إلى كل قطعةٍ منها، ويفتح لهم أبواب حكاياتها:- «هذه الرحى كانت تطحن قمح جدتكم، وتدور تحت يديها كأنها قلبٌ صبور. وهذه الجرّة كانت تحفظ ماءنا في قيظ الصيف، باردةً كظل شجرة. وهذا المفتاح كان يفتح باب البيت الذي وُلد فيه أبوكم، يوم كانت الجدران تحفظ أصوات أهلها.»..

 

لم تكن تلك الأشياء، في عينيه، أدواتٍ باليةً أكلها الصدأ؛ كانت صفحاتٍ من كتابٍ عظيم اسمه الذاكرة، وكانت كل ندبةٍ على حجر، وكل شقٍّ في فخار، سطرًا من سيرة العائلة،وفي يومٍ من الأيام، عاد أحد الأحفاد من المدينة، يحمل في عينيه بريقًا غريبًا، وقال لجده:- «يا جدي، ما فائدة هذه الأشياء القديمة؟ لقد تغيّر الزمن، وأصبح لكل شيءٍ بديلٌ حديث.» ..ابتسم الجد، ومسح كفّه على الرحى كما لو كان يربّت على كتف صديقٍ قديم، وقال:-  «يا بني، قد يؤدي البديل الوظيفة نفسها، لكنه لا يحمل الحكاية..

 

قد يطحن القمح، لكنه لا يعرف أنين السنين التي دارت فيها هذه الرحى. الأشياء تشيخ، نعم، أما الذاكرة فلا تشيخ؛ إنها كالنهر، قد يتبدّل مجراه، لكنه لا ينسى منبعه.»،، ومرت السنوات، وانطفأ صوت الجدّ، ورحل الأبناء والأحفاد في دروب الحياة، وتفرّقت بينهم المودة كما تتناثر أوراق الخريف في مهب الريح، وبقي البيت وحيدًا، يواجه الريح ببابٍ موصد ونوافذَ غطاها الغبار،ثم جاء يومٌ هُدمت فيه جدرانه، فتساقطت حجاراته كأنها أسنانُ شيخٍ فقد آخر ما تبقى من ابتسامته، وتبعثرت أدواته تحت الركام، وضاعت الجرّة والرحى والمفتاح بين التراب والحجارة..

 

وقف أحد الأحفاد أمام المكان، فلم يجد إلا صمتًا كثيفًا وحجارةً باردة، وشعر لأول مرة أن شيئًا عميقًا في داخله قد تهدّم مع البيت، وأن يدًا خفيةً اقتلعت من صدره نافذةً كانت تطل على طفولته.. قال بحزن:- «لم نكن نهدم بيتًا قديمًا، بل كنا نهدم جزءًا من ذاكرتنا.» ومنذ ذلك اليوم، أدرك أن التراث ليس حجارةً وأدواتٍ وعاداتٍ عابرة؛ إنه ظلّ الإنسان الممتد عبر الزمن، وشاهدٌ صامتٌ على جذوره، وعلى ما صنعته يداه، وما حفظه قلبه، وما تناقلته الأرواح من جيلٍ إلى جيل..

 

فالتراث لكل أمةٍ سجلٌّ حيّ، تنبض صفحاته بالهوية، ويصل الماضي بالحاضر كما يصل الجسر بين ضفتين متباعدتين. ولا يحق لأحدٍ أن يعبث به، أو يطمس معالمه، أو يبعثر شواهده؛ لأن من يعتدي على تراث شعبٍ إنما يمد يده إلى ذاكرته، ويقتلع جذوره، ويسلبه حقه في أن يروي حكايته للأجيال..

 

وهكذا تعلّم الأحفاد أن الحضارة لا تُقاس بما نبنيه فحسب، بل بما نملك شجاعة الحفاظ عليه أيضًا؛ وأن الإنسانية الحقيقية تبدأ حين نصغي إلى ذاكرة الآخرين، ونحترم وجعهم، كما نحب أن تُصان ذاكرتنا من النسيان..

 

فلا تهدموا ما صنعته الأجيال، ولا تتركوا الماضي يموت في صمت؛ فمن يقطع جذوره، قد يجد نفسه يومًا تائهًا في أرضٍ لا يعرف إليها طريقًا، ولا يتذكر من يكون..

 

الأحد، 4 أكتوبر 2026

حواس القلب الباطنة - بقلم : بسمة نعامنة

 

حواس القلب الباطنة

 

 
في ظل شاهقات القصور التي يتجمد الصمت على رخامها، التفتت نحو البيوت الطينية المعجونة بأنفاس ساكنيها، وأدركت أن الديار جميلة بذويها، لا بضخامة بنيانها .
في تلك اللحظة الوجدانية الفارقة، شعشع في قلبها ضياء غسل غبار الوجود المادي من حولها.
 
لم يكن ذلك النور خارجيا؛ بل كان الايلاد في حواس قلبها الباطنة. سمعت نبض الأرواح، وأبصرت الشفافية الكامنة خلف جدار النفس؛ لتعلم أن الأمان الحقيقي هو الانسان للانسان.
 

 

 *****************

 

 

معراج النور

 

 
أمضت عمرها داخل صندوق المظاهر الزائفة، تحرس قوالب المادة الضيقة. ذات صحوة، تمزق غلاف الوهم؛ فلمحت ثلة يرتدون الشفافية، ويصنعون من أرواحهم سلما نورانيا. ارتقت أول درجة، فأبصرت صندوقها يتلاشى،
وأيقنت أن روحها ستحلق في رحاب المعنى النبيل؛ لترفع البشرية من قاع العتمة الى آفاق الضياء الأكبر.

السبت، 3 أكتوبر 2026

أَتَيْتُ إِلَى الدُّنْيَا بقلم: سامية محمد ياسين

  

 
أَتَيْتُ إِلَى الدُّنْيَا
بقلم: سامية محمد ياسين






******

أَتَيْتُ إِلَى الدُّنْيَا صَغِيرًا

فَأَهْلِي أَسْمَوْنِي نَصْرًا

دُونَ اخْتِيَارِي

فَهَذَا عُنْوَانِي

وَعِرْقِي وَدِينِي

وَوَطَنِي وَدَارِي

 

عَرَبِيٌّ، أَجْنَبِيٌّ، هِنْدِيٌّ،

أَنَا هُنَا،

أَنَا ابْنُ هَذِهِ الأَرْضِ

وَهَذَا الْمَكَانِ

 

مُسْلِمٌ، مَسِيحِيٌّ، يَهُودِيٌّ،

دِينِي لَمْ أَخْتَرْهُ

وَلَمْ يَكُنْ لِي فِيهِ قَرَارِي

 

أَسْمَرُ كُنْتُ، أَوْ كُنْتُ أَبْيَضَا،

هَذَا لَوْنِي

وَهَذَا مَدَارِي

 

هُنَا وُلِدْتُ،

كَالنَّبْتَةِ أَنْمُو،

تَحْتَ السَّمَاءِ

وَبَيْنَ الْجِدَارِ

 

هَذَا انْتِمَائِي،

وَهَذِهِ سَمَائِي،

أَعِيشُ وَأَحْيَا

وَأَحْفَظُ أَسْرَارِي

 

وَفِي رَأْسِيَ الْفُضُولُ

وَأَلْفُ سُؤَالٍ

يَدُورُ وَيَبْحَثُ

عَنْ كُلِّ سِرٍّ وَخَبَرْ

 

لُغَتِي وَدَارِي،

وَوَطَنِي وَجَارِي،

فِيهَا قَدَرِي،

وَفِيهَا مَسَارِي

 

لَمْ أَخْتَرِأُمِّي،

وَلَمْ أَخْتَرْ أَبِي،

وَهُمْ صَنَعُوا لِي

بِدَايَةَ مَشْوَارِي

 

وَلَمَّا كَبِرْتُ،

وَعَلِمْتُ أَنَّ الْحَيَاةَ

لَيْسَتْ كُلُّهَا اخْتِيَارِي،

 

بَدَأْتُ أَخْتَارُ

مِهْنَتِي وَطَرِيقِي،

وَأَخْتَارُ لِبَاسِي

وَذَوْقِي وَفِكْرِي،

وَأَصْنَعُ فِي الْحَيَاةِ

بِنَفْسِي قَرَارِي.

 

مَا أُحِبُّهُ أَخْتَارُ،

وَمَا لَا أُرِيدُهُ

أَتْرُكُهُ دُونَ إِقرار

 

هَكَذَا أَتَيْتُ إِلَى الدُّنْيَا

دُونَ اخْتِيَارِي،

وَلَكِنَّنِي حِينَ كَبِرْتُ

أُرِيدُ أَنْ أَحْيَا

حُرًّا بِقَرَارِي،

وَأَمْشِي فِي دَرْبِ الْحَيَاةِ

مِثْلَ كُلِّ الْأَحْرَارِ.