موسم الطائرات الورقية - ازدهار عبد الحليم
مقتطفات من كتاب أحاديث من
التراث
حديثي اليوم عن الطائرات الورقية في فصل الخريف.
فصل الخريف، فصل الذكريات والحنين الى الماضي، يتقلب الطقس فيه، وظهور
الغيوم على ارتفاعات متوسطة، وهبوب الرياح أحيانًا، وحرارة الجوّ بين ارتفاع
وانخفاض! فصل تتساقط فيه كثيرٌ من أوراق الشجر، وتحملها الرياح مسافات بعيدة! نُحب
الخريف، فلنا فيه ذكريات جميلة... أصبحت من ماضينا.
في هذا الفصل، تظهر ألعاب مخصصة للأطفال، فلكل فصل ألعابه وفق حالة الجوّ،
لكن الخريف يشهد لعبة الأطفال المحببة وهي التحليق بالطائرة الورقية.
لعبة الطائرة الورقية من تصميم أولاد الحارة أيام زمان! وهي تُصنع من الخشب
والخيوط والورق المقصوص فأعواد الخشب تُربط بشكل دائري أو بيضاوي غالبًا يشبه شكل
الطائرة، وتوضع قصاصات الورق على جوانبها وتكون
طويلة نوعًا ما، ويُربط طرفها بخيط طويل، وتُلقى من نافذة مرتفعة أو من على
أسطح البيت، حتى هبت النسائم، حرّكت قصاصات الورق فطارت قليلاً ورفعت الطائرة، في
الفضاء
وجرّتها النسائم وفق اتجاهها!!
كان أولاد الحارة يتسابقون، أيهم طائرته ترتفع أكثر وتبتعد عن البيت!! حتى
الناس في بيوتهم ينظرون إلى طائرات الأطفال وهي تطير في الهواء... بشيء من السرور.
تكاد تكون هذه الهواية في زمننا هذا معدومة، وإن وُجِدت اليوم فقد تغيرت،
وأصبحت تُباع، وغدت مصنوعة من النايلون البلاستيكي الخفيف. بينما كانت طائرة الورق
يصنعها الأطفال بأيديهم، يشعرون بسعادة وهم يصنعونها، ويمضون وقتهم في هذه
الهواية... ثم ينتظرون عودتهم من المدرسة ليلقونها في الفضاء مع هبّات الرياح.
ما أجمل تلك الأيام! كنا نجلس ونشاهد الطائرات الورقية وهي تحلق في السماء،
وخلال ذلك تمر أسراب الطيور المهاجرة، على أشكال مختلفة كنا نستمتع بمراقبتها.
كان النظر إلى السماء والجبال متعة للنظر، وراحة للنفس، لذلك كان خيالنا واسعًا
مستمدًا من الطبيعة الجميلة!
أين أطفالنا بهذا الزمان من كلّ هذا؟
يا ترى يُحلقون بالنظر إلى السماء ويستمتعون بمشاهدة الطيور المهاجرة
والطائرات الورقية أو يلعبون بالأوراق المتساقطة!؟ نحن الكبار نفتقد لهذه الألعاب
والذكريات الخريفية.
نبكي لرحيل أعمارنا، كما تبكي الأشجار لرحيل أوراقها.
لو تأملنا أكثر في فصل الخريف، لأخذنا منه مجموعة من العبر!! وهذا لا يكون
إلا بالتأمل العميق في دورة الحياة! وعلاقة عمر الإنسان بفصول السنة!!
ولكن في هذا الزمن لم تعد الطائرات الورقية في فصل الخريف مجرد مشهدٍ
جميل يُزيّن السماء، بل أصبح مصدر قلقٍ للدول لذا بات يُنظر إليها أحيانًا كأنها
مسيّرات للاستكشاف والمراقبة، مما حوّل منظرها البريء الى مشهد يثير التوتر والحذر.
ومع ذلك، تبقى الطائرات الورقية رمزًا للفرح والجمال في خريفنا، فبدل أن
تكون مصدرًا للقلق، يمكن أن تبقى جزءًا من ذكرياتنا الجميلة، تُحلق في السماء
بأمان وتمنحنا لحظات من السعادة والحرية