حين رأيت تراثنا في شوارع ألبانيا
هديّة الخال في ألبانيا
ازدهار عبد الحليم
قبل فترة قصيرة، قمت برحلة في بلاد البلقان وتحديدًا في ألبانيا.
كنت قد كتبتُ قبل فترة قصيرة مقالة عن عباءة الخال، وهي إحدى صور تراثنا
وعاداتنا القديمة. وللأسف، اكتشفت كثيراً ممن قرأوا المقالة لم يسمعوا من قبل عن
عباءة الخال، فيما تُعرف في مناطق أُخرى مثل الأردن، باسم "خلعة
الخال" أو هدم الخال، وقد انتقد البعض ما بحثت فيه وكتبته عن عاداتنا وتراثنا
القديم وقالوا: لقد تطور العالم، فلماذا أنتم الباحثون في التراث تنبشون في عادات
اندثرت وتلاشت؟ لكن ما شاهدته في الأيام الماضية في ألبانيا جعلني أتوقف طويلاً
أمام هذا السؤال. رأيتُ هناك امتدادًا حيًّا لطقوس الزواج التقليدية في جنوب
البلقان، وشعرتُ أن ما أراه أمام عيني يرتبط بصورة عميقة بما كنت أبحث فيه عن "هدية
الخال"
" عباءة الخال" في تراثنا العربي. وهنا أدركتُ مرة أُخرى أن جوهر
دراسة التراث ليس البحث عن الماضي لمجرد الماضي، وإنما اكتشاف وحدة المشاعر
الإنسانية واختلاف التعبيرات عنها من مجتمع إلى آخر.
الخال... سند وفرح وهديّة
في ألبانيا يظهر في بعض تقاليد الأعراس طقس يرتبط بهديّة الخال، ومن صورة
جرّ الخروف هديّة من الخال. الخروف هنا ليس مجرد هدية مادية، بل يحمل معنى اجتماعيًا
ورمزيًا، ويُعبّر عن الحماية والسند والدعم الاقتصادي والاجتماعي لابن الأخ أو
ابنة الأخت. وكان هذا المشهد الذي رأيته في شوارع العاصمة الألبانية تيرانا، جزءاً
من طقوس عرس تقليدي، في واحد من المشاهد التي تختصر غنى الموروث الشعبي الألباني. رأيتهم
يتوجهون سيرًا على الأقدام في موكب موسيقي راقصي تتقدمه الطبول والمزامير، والخروف
المزيّن ويتوشح صوفه باللون الأحمر، وسط الرجال
والنساء والأطفال. وكان هذا المشهد أشبه بصفحة من كتاب تاريخ خرجت من الورق إلى
الشارع. يمشي الرجال في مقدمة الموكب وهم يجرّون الخروف،
مرتدين ملابسهم التقليدية، البيضاء والذهبية المطرزة.
ومن أبرز هذه الأزياء الفستانيلا، وهي تنورة بيضاء مطرزة ذات ثنايات كثيرة،
مع سترة مطرزة بلا أكمام بألوان الأحمر والأبيض والأسود. وعلى رؤوسهم القبعة البيضاء
الشهيرة المصنوعة من الصوف "اللباد"، وهي من أبرز رموز الهوية والكرامة
الألبانية. أما النساء والأطفال، فكانوا يسيرون خلف الموكب بملابسهم التقليدية مطرّزة، يغلب عليها الأبيض الناصع، والتطريز
الذهبي الكثيف.
وكانت الفتيات يرتدين أثوابًا مطرّزة، بينما يرتدي الصبيان أزياء قريبة من
أزياء الرجال. وترتبط هذه الملابس ارتباطًا وثيقًا بالأعراس والمناسبات الفاخرة.
فالمرأة ترتدي القميص الطويل القطني أو الحريري، الأبيض الناصع، بأكمام واسعة
مزيّنة بالدانتيلة، وفوقه سترة مخملية قصيرة، مطرزة بخيوط الذهب، وعلى ظهر السترة
تظهر رموز تاريخية وزخارف مستوحاة من الهوية الألبانية، ومنها النسر ثنائي الرأس, رمز العلم الألباني، إلى جانب الزهور والزخارف
الأخرى. أما الحزام العريض المطرز بالذهب، فتتدلى منه الليرات والسلاسل الذهبية،
فيكتمل المشهد بتراثه البصري وهيبته.
حين تصبح الشوارع ذهبًا
بدأت الشوارع تكتسي بلمسة ذهبية ممزوجة بالأحمر والأبيض. امتزج صخب المدينة
بقرع الطبول والمزامير وكأن رائحة التاريخ انبعثت من الخيوط الذهبية وصوت الطبول.
وكانت النساء يحملن أطباق الحلوى المغطاة
بالشيفون الأحمر، بينما يمضي الموكب بين الحارات، وسط الفرح والموسيقى وحضور
الناس.
كان منظر يبعث على الفرح، لكنه في الوقت نفسه أيقظ داخلي اشتياقًا كبيرًا
إلى أفراحنا القديمة، إلى تلك التفاصيل البسيطة التي كانت تصنع الفرح معنى
مختلفًا.
وأعترف بأنني، وأنا أشاهد هذا المشهد، شعرت أننا بحاجة إلى إعادة تعريف
مفهوم في مجتمعاتنا. لماذا لا يكون ارتداء الثوب المطرز التراثي، والاحتفاء بطقوس،
والاعتزاز بعاداتنا القديمة، قمة الأناقة والتميّز والوعي بالذات؟
لماذا أصبح بعضنا يخجل من شيء كان يومًا مصدر فخر لأجدادنا؟
ألبانيا أعادت إليّ ليلة الحناء.
وأنا أمشي خلف الموكب في شوارعها، عادت بي الذاكرة إلى ليلة الحناء في
بلادنا.
اشتقت إلى فاردة ليلة الحناء عندما كانت النساء يخرجن ليلاً مشيًا على
الأقدام، تحمل إحداهن صينية الحناء المُشكّلة بالزهور والشموع للعروس وعلى نغمة
الطبلة تمشي في شوارع البلدة.
كنا نحن الأطفال نلهو ونرقص، فرحين بالحناء، وبالناس وبصوت
الطبلة، وبذلك الشعور الذي كان يجعل البلدة كلها تبدو وكأنها بيت واحد.
لهذا أحببت شوارع ألبانيا، لم أكن مجرد سائح يشاهد طقسًا شعبيًا، كنت
أستعيد شيئًا من ذاكرتي. رافقت الموكب ومشيت معهم، واستمتعت بمشاهدة الناس وهم
يحتفلون بزيّهم التقليدي وموسيقاهم في الحارات.
كان المشهد دافئ وشعور بالانتماء.
وهنا فهمت أن التراث عندما يعيش في الشارع يُعاش، وليس معروضات في متحف أو
فلكلور يُقدم للسيّاح.
هذه عاداتهم وتقاليدهم، وهم يمارسونها ويعتزون بها.
لماذا فقدنا أفراحنا؟
في مجتمعاتنا، فقدنا الكثير من هذه الأصالة، وفقدنا بساطة طقوسنا
الاجتماعية القديمة.
حتى الفرح نفسه أصبح في بعض الأحيان عبئًا على الناس
ولا أعتقد أن اندثار، بعض عاداتنا ونسيانها يعود إلى سبب واحد. أو يعني
أننا بلا وطن. المسألة أكثر تعقدًا لدى بعض الأجيال الجديدة وترتبط بعدة أسباب
متشابكة. من بينها الخلط بين التحديث واللحاق بالتطور، فقد ترسخ لدى بعض الأجيال
الجديدة، بصورة غير واعية ولأن التمسك بالتراث يعني التخلف أو العودة إلى الماضي. الفرق
أنني رأيت في ألبانيا نموذجًا مختلفًا منفتحًا على العالم لكنه في الوقت
نفسه يحتفظ بجزء مهم من تراثه، ويُقدمه باعتباره مصدرًا للوطن والهوية، لا
باعتباره عائقًا أمام الحداثة.
التراث ليس متحفًا
رموزنا التراثية في بلادنا تحولت، في بعض الأحيان من ممارسة يومية حيّة إلى
شيء بعيد عنا. أصبحنا ننظر الى التراث وكأنه مجموعة كتب تاريخ ومتاحف مغلقة، بدل
أن يكون جزءًا من حياتنا اليومية. وطغى الاستهلاك على بعض عاداتنا واستبدلنا طقوس
الأعراس البسيطة والعميقة مثل "هديّة الخال"، بمصاريف كثيرة ومظاهر
مكلّفة لا تنتهي. بدل المشي في شوارع
البلدة في زفة العريس،
أصبح الاحتفال في الفنادق والصالات الفاخرة تحت الأضواء المصطنعة.
وبدل الفرحة الشعبية العفوية والأغاني التراثية، أصبحنا نبحث عن كل ما هو
جديد ومختلف وكأن القديم لا يليق بنا. حتى الأثواب المطرّزة بدأت تختفي.
لم نعد نجد بسهولة من يُطرّزها أو
يصنع الأزياء التراثية وأصبح من السهل شراء فستان جاهز.
بين الماضي والحاضر
ربما لا تكمن المشكلة في أننا تطورنا فالتطور ليس عدوًا للتراث، ولا أن
نعيش عصرنا ونستفيد منه ونفتح أبوابنا على العالم. المشكلة تبدأ عندما نعتقد أن
الحداثة تعني قطع الصلة بالماضي. يمكن للإنسان أن يعيش عصره بكل تفاصيله، وأن يكون
منفتحًا على العالم، وفي الوقت نفسه يعتز بملابسه الشعبية، وأغانيه، وأعراسه،
وحكايات أجداده، وطقوس الفرح التي صنعت ذاكرته.
وهذا ما رأيته في ألبانيا
رأيت الحداثة تسير إلى جانب التراث، لا في مواجهته.
ورأيتُ طقسًا قديمًا يعيش في شوارعها والشباب والأطفال والنساء، يشاركون
فيه، وكأنهم يقولون ببساطة: هذا جزء منا، ولذلك نحافظ عليه. ربما لهذا السبب كان
مشهد الخروف الذي يجرّه الخال في شوارع تيرانا أكثر من مجرد طقس عرس بالنسبة لي،
لقد أعاد إليّ سؤالاً قديمًا:
ماذا خسرنا عندما تركنا بعض عادات
وربما كان الأهم من ذلك سؤال آخر.نا خلفنا؟
هل نستطيع أن نعود إلى تراثنا دون أن نعود إلى الوراء؟
أعتقد أن الجواب نعم.
فالتراث ليس دعوة للعيش في الماضي، وإنما هو طريقة لأن نعرف من نحن، ونحن
نمضي إلى المستقبل. وفي النهاية، ربما لا نحتاج إلى أعادة كل شيء كما كان، لكننا
بالتأكيد بحاجة إلى أن لا ننسى كل شيء. فبعض التفاصيل الصغيرة التي تركها لنا الأجداد
ليس مجرد عادات قديمة. إنها ذاكرة مجتمع ودفء بيت وصوت طبلة، ورائحة حناء، وثوب
مطرّز. وهديّة خال، وفرحة كانت تكفي لأن تجعل البلدة كلها تشعر بأنها عائلة واحدة