الأحد، 30 أغسطس 2026

سحماتا وما أدراك ما سحماتا : بقلم الأستاذ صالح عقل خطيب

 






سحماتا وما أدراك ما سحماتا

مصدر الاسم

كثيرًا ما يلتبس علينا اسم بلد أو منطقة أو نبات، فلا نعلم معنى ذلك الاسم أو مصدره. لو أخذنا بعين الاعتبار كثرة الشعوب واللغات في منطقة شرق المتوسّط والمزج الحضاريّ الذي حصل بين تلك الشعوب، وخاصّة أنّ بلادنا كانت طريق التواصل الأكثر يُسرَةً بين مركزيّ الحضارة الرئيسيّين (بلاد النيل وبلاد الرافدين)، لسَهُلَ علينا فكّ تلك الرموز وانقشعت معاني تلك الاسماء.

ذكر المؤرخ الفلسطينيّ مصطفى الدبّاغ في كتابه "بلادنا فلسطين" أنّ أصل تسمية سحماتا قد يكون مُحرّفًا عن كلمة "سماحا" السُريانيّة بمعنى النور والاشراق (الدباغ م 11 ص 426). يشار أنّ هذا الاعتقاد ما هو إلّا تفسير تراثيّ- شعبيّ، لكنّه غير دقيق لغويًا. فكلمة ܣܡܚܐ (سماحا) السُريانيّة تعني الفرح والانشراح كما هو الحال في الجذر العبريّ שׂמח، و ܫܡܚܐ (شمحا) الأراميّة، ولا تُستعمل بمعنى النور أو الضياء في المعاجم السُريانية المعتمدة.

أعتقد أنّ اسم قرية سحماتا يعود إلى أصل سُريانيّ/آراميّ بصيغته سَحْمَثا (ܣܚܡܬܐ)، وهو اسم سابق للّغة العربية، انتقل إليها مع تعديل طفيف في النطق. يتألّف الاسم من الجذر السامي سَحْم، الدالّ على السواد أو الشيء الداكن، وهو جذر مشترك في اللغات السامية، وعلى سبيل المثال שָׁחוֹם بالعبرية، أي داكن، مع إضافة اللاحقة (ثا) (ܬܐ) وهي لاحقة سريانيّة/آراميّة اسميّة وتعريفيّة شائعة في أسماء الأماكن، وتقوم بوظيفة مشابهة لـ«أل» التعريف في العربيّة. وهو تطوّر شائع في أسماء القرى ذات الأصول السريانيّة/الآرامية في فلسطين التاريخية.

وبذلك يكون معنى الاسم على الأرجح: السحم ويعني المكان الداكن أو القرية السمراء ومعروف لدينا اسم مشابه من الجولان (قرية سحم الجولان)، وهو تفسير ينسجم صوتيًا وصرفيًا ودلاليًا مع الأسماء الآرامية في بلدان شرق المتوسّط، أكثرَ من محاولة ربطه بكلمة سماحا بمعنى النور، وهو، كما ذكرنا، معنى غير مثبت في المعاجم السريانية.

تتّضح هذه البنية من خلال مقارنتها بأسماء مواضع أخرى في الجليل والجولان تحمل الصيغة السريانيّة/الآرامية نفسها، مثل بقعاثا (البقعة)، وجباثا (الجب/البئر)، وكُفرتا (الكفر ويعني القرية)، وديرثا (الدير)، عرمتا (العرم –عَرَمَة القمح مثلًا) ودلاثا (الدّلّا- الكروم المتدلّية/العريش).

ورد في بعض المصادر أن اسم سحماتا مُحرّف عن اسمها الصليبيّ Samueth الذي يشير، من حيث اللفظ، إلى ذات المصدر القديم ولكنّه متأخّر عنه تاريخيًّا ولا يمكن اعتباره مصدرًا للاسم سحماتا. 

إنّ فكرة النور والاشراق في اسم سحماتا (انظر تحليل الدباغ أعلاه) تفتح لنا مجالًا تحليليًّا آخر، فربما حصل تصحيف في جذر الاسم من سمح الذي يعنى الفرح والانشراح إلى سحم الذي يعني السواد. إذا أخذنا بعين الاعتبار أن فكرة اللون الأسوَد الداكن في منطقة سحماتا غريبة نوعًا ما لعدم بروز اللّون الأسوَد في معالم ومحيط القرية، فمن المفروض أنّ يكون اسم القرية سمحاتا (أي السمحة ذات الفرح والانشراح) أو بالأحرى سمحاثا إلّا أنّه وصلنا بصيغته المعروفة سحماتا.

وبالخلاصة، ومن أجل المعرفةِ الحقّةِ، يجب التحقّق من صحة ما نقرأه في المصادر التي تركها لنا مَن سبقَنا من أهل الكتابة والتوثيق.

                                                                                                            مودتي    

                                                                                                            صالح عقل خطيب

 



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق