سيميائيّة
دلاليّة في قصيدة "حديث الأمّة السّكرى" من ديوان "وتريّات الوجع
الأليف" للأديب صالح أحمد كناعنة.
بقلم: د.
محمود جمال ريّان، Mahmoud J Rayyan Dr.
الدكتور محمود ريان
الشاعر صالح أحمد كناعنة
-
توصيف للأديب والدّيوان:
صالح أحمد كناعنة من
فلسطينيّ الدّاخل، مواليد مدينة عرّابة البطّوف الجليل، 1961. شاعر وكاتب وباحث،
وناشط ثقافيّ وله حضور واسع بين الأدباء والمنتديات المحلّيّة والرّقميّة المختلفة.
عمل في التّدريس مدّةً طويلةً حتّى خروجه إلى التّقاعد المُبكّر.
للأديب عدّة مؤلّفات
ما بين مجموعات شعريّة ودراسات أدبيّة فكريّة. فمن إصداراته في الشّعر: أحلى نداء،
1985. سبعٌ عجافٌ، 1991. رموز فجر المرحلة، 1998. مدارات الرّوح، 2001. مدن
المواجع: خواطر شعريّة، 2010. اليوم قمحٌ غدًا أغنيةٌ، 2016. ليل وأسطورة 2022، وآخرها بذارٍ لربيعٍ آتٍ،
2024...
ومن دراساته: العمق
الفكريّ والفلسفيّ في أدب معين حاطوم، 2014. فلسفة معين حاطوم الحسيّة في
السّمفُسرديّة: دراسة نقديّة تحليليّة، 2015. المذهبيّة في الأدب العربيّ القديم،
2018. ومن إصداراته في مجال أدب الأطفال: مغامرات النّحلة سالي (قصة)، 2011. افهموني (شعر للأطفال)، 2018.
نُشرت دراسة حول شعره
في كتاب: بنية الشّعر الفلسطينيّ المعاصر- دراسة لديوان "مرثاة لتضاريس
السّلالة" للباحث المغربيّ محمّد داني، 2018.
يتّصف شعره بالالتزام
تجاه الوطن وفلسطين في تراثها الإنسانيّ ومعالمها التّاريخيّة والحياتيّة، وللأرض
حضورٌ في شعره، ولا سيّما حول القدس والمقدّسات.
· أمّا الدّيوان الموسوم بِ
"وتريّات الوجع الأليف" الصّادر عام 2018، فهو دلالة على توجّه الشّاعر
الثّيماتيّ وانتصاره المُبكّر للالتزام عبر الصّيغ البلاغيّة والأسلوبيّة الّتي
تُهيمن على دوالّ القصيدة، وهذا يضع الشّاعر في مصافّ الشّعر الملتزم الّذي يتّجه
إلى معاينة هموم الواقع وأزماته محاولًا أن يطرح حلولًا واقعيّةً.
من
قصائد المجموعة على سبيل المثال لا الحصر: أشرعة العراء، مراقي التجلّي، على وترِ
النّضوجِ، فصلُ الإيابِ، خربشاتٌ على الرّصيفِ، كيف امتطيتُ دمي؟، فجرٌ بلا رئةٍ،
قُدسيّةٌ، حديثُ الأمّةِ السّكرى، أوجاعُ الغيابِ، ذاكرةٌ لربيعٍ أعمى، ما بين
أُمنيةٍ وليلٍ، قبساتٌ من خريفِ الأغنيةِ، حين يطغى الخطرُ، ملامحُ الفجرِ
الحميمِ، نايُ الفجرِ الموعودِ، على شطٍّ بلا بحرٍ. يحوي الدّيوان بين دفّتيه على
ستّ وأربعين قصيدةً، متفاوتةً من حيث الطّول والقصر، وهي تشير إلى حالةٍ من
الأَنثولوجيا المهمّة بهذا النّوع الأدبيّ، فهي تصبّ في الاتّجاه الموضوعاتيّ
الملتزم تجاه الفرد والوطن والقارئ الجمعيّ!
تقديمٌ نظريٌّ:
إنّ
الشّعرَ المعاصر يحملُ رسالةً، قد تكون مباشرةً وقد تكون مُشفّرةً، هذه الرّسالةُ
تُعبّرُ عن حالة الشّاعر أو الأمّة؛ كونه يمثّل حالةً جمعيّةً يهمّهُ ما يهمّها،
ويُفرحهُ ما يُفرحُها.
لقد
أثبت النّقدُ السّيميائيّ فاعليّته وجدواه، حين تجاوز البنيويّة الشّكليّة الّتي
اقتصرت على وصف بنية النّصّ، وبيان علاقات وحداته ببعضها بعضًا. يحاول النّقد السّيميائيّ وصفَ البنيةَ الظّاهريّة
للنّصّ في مستوياتها الصّوتيّة والتّركيبيّة والمعجميّة والدّلاليّة، ثمّ يتعمّق
النّصّ الأدبيّ فيبحث في بنياته العميقة مُكتشفًا معانيه التّواصليّة والمصاحبة
للنّصّ. "إنّ الشّاعر المعاصر يعود إلى مجتمعه بالأمل والحياة، بالكفاح
المستنير، وهو يشارك مشاركةً جادّةً مع الشّعراء من أمثاله، والمفكّرين كذلك في
معركة بناء الحياة الجديدة، وهم شعراء صغارٌ؛ صغارٌ في أعمارهم، صغارٌ في تجاربهم،
صغارٌ في تعابيرهم ولكنّهم كبارٌ، كبارٌ حقًّا في هذه الأعباء الإنسانيّة الكبرى
الّتي يتحمّلونها، والقيم الّتي يؤمنون بها، فقد تمرّسوا بقيمٍ شكليّةٍ جديدةٍ
تتّفقُ وهذه المضامين المُشرقة وإنْ تفاوتَ هذا بين شاعرٍ وشاعرٍ. والحديث عن
الشّعر الجديد يتعلّق بأمورٍ أعمقَ وأدقَّ، ومن الخصائص العامّة المهمّة، ويتميّز
هذا الشّعر الجديد بعودة شاعره إلى الارتباط بالحياة الاجتماعيّة العامّة... وليس
شاعرًا اليومَ من يقصرُ ثقافتهُ على الثّقافة الشّعريّة فحسبَ، بل الشّاعر
الحقيقيّ مُثقّفٌ بالمعنى العميق والشّامل للكلمة، مثقّف ثقافةً شعريّةً وسياسيّةً
واجتماعيّةً وفنّيّةً؛ أي هو شاعرٌ وثائرٌ وفنّانٌ، ورجل علم اجتماع ونفسيّ،
وفيلسوف ذو قدرةٍ على النّفاذ والتّحليل، والرّؤية الجدليّة للأشياء والعالم،
مناضل ثوريّ في سبيل الخَلق والتغيُّرِ"[1].
سنتوجّه
إلى مقاربة قصيدة للشّاعر صالح كناعنة، وفق ما نرتئيه سيميائيًّا. والقصيدة الّتي
سنكون بصددها هي "حديثُ الأمّة السّكرى" من ديوان "وتريّات الوجعِ
الأليف"[2].
وتُعدُّ سيمياء الدّلالة بحثًا عن
قراءات دفينة في أغوار النّصّ، حيث يُعزى هذا الاتّجاه إلى
البنيويّ السّيميائيّ
رولان بارت Roland Barthes الّذي يرى أنّ جزءًا كاملًا من البحث السّيميولوجيّ المعاصر
مردُّهُ إلى مسألة الدّلالة[3]، حيث جعل بارت علم العلامة
جزءًا من علم اللّغة، فقد قلب فكرة اللّسانيّ فرديناند دي سوسير F.De. Saussure وأخذ موقفًا جليًّا وحاسمًا من النّصّ الأدبيّ، فآمن
بالإنتاج بدل الاستهلاك باحثًا عن نصّ مُنكتبٍ قابل للكتابة مُتعدّد الأصوات،
بخلاف دي سوسير الّذي رأى أنّ اللّسانيّات واللّغة هي جزء من علم الإشارات أو
السّيميولوجيا.
إنّ المقاربة
النّقديّة وفق سيمياء الدّلالة تفرض دلالةً تشتغلُ وفق علاقة دالّ ومدلول تحكمهُ
علاقة تدليليّة؛ فالبحث السّيميائيّ هو دراسة الأنظمة الدّالّة من خلال التّركيز
على الثّنائيّات اللّسانيّة؛ اللّغة / الكلام، الدّال / المدلول، اللّغة / الخطاب.
وعليه اكتسب المنهج السيميائيّ خصوصيّةً، وأصبحت القراءةُ النّقديّةُ قراءةً
إنتاجيّةً تحاولُ تقريب القراءة من الكتابة، فيصبح القارئ كاتبًا ومُنتجًا "وعليه
فلا مهرب للأبحاث المعاصرة في العديد من الحقول المعرفيّة من الخوض مباشرةً في
مسألة الدّلالة، وبالتّالي فإنّ المقاربة السّيميولوجيّة ضروريّةً، لأنّ أغلب
الوقائع تحمل الدّلالةَ، بل إنّنا نُواجهُ مُجدّدًا اللّغةَ. ومن الأكيد أنّ
الأشياء والصّور والسّلوكيّات يمكنها أن تدلّ، إلّا أنّها لا تقوم بذلك أبدًا
بصورة مُستقلّة عن اللّغة، فكلّ نسق سيميولوجيّ يمتزج باللّغة، وكلّ المحاولات ذات
العمق السّوسيولوجيّ تفرضُ وجودَ اللّغة"[4].
وللإيحاءِ دورهُ في
صقل المعنى وإثراء الدّلالة، لما له من تأثير على تعدّد التّفسير أو تعدّد المعاني
ذات الحقول الدّلاليّة الكثيرة، وبذلك يشكّل ثيمةً ذات أبعادٍ مختلفة، تعتمد في
إثرائها على ثقافة القارئ ومدى إلمامه بثقافة الأديب أو الشّاعر، بصفتها تُقرّبُ
الصّورةَ إلى أذهاننا، باعتبار الدّلالة أو المعنى صِنو الإشارة اللّغويّة، وهذا
بدوره يُعزّزُ نهج الإيحاء وبدونه لا نصل إلى خصوصيّات القراءة الشّعريّة في
تحوّلاتها الاجتماعيّة والسّوسيوثقافيّة والنّفسيّة والأيديولوجيّة.
ويُؤكّدُ بارت على
مفهوم الإيحاء بِوصفه مُحرّكًا ومنشّطًا لعمليّة التّحليل السّيميائيّ،
"وعندما نُمعنُ النّظرَ في التصوّرِ السّيميائيّ عند بارت، فإنّنا نلاحظ
انبناءهُ على مفهوم الإيحاء. فلا وجودَ
لأيّ قيمة سيميائيّة للكلام واللّسان، والدّال والمدلول عنده إلّا في حدود
أنساق إيحائيّة مُنسجمة مع الأنساق"[5]. يركّز بارت على فكرة
الإيحاء الدّافعة والمحفّزة لعمليّة القراءة العميقة، ولذلك فالنصُّ الأدبيّ
بالنّسبة لبارت يعني "أنّ مبدأ العقل ليتصوّر كلّ الاحتمالات أو الفروض
الممكنة الّتي تُفسّر الوقائعَ، ومعنى هذا أن يُحلّقَ العقلُ في آفاق الخيال
ليتصوّر الاحتمالات والفروض"[6].
يُعدّ النّصُّ
الأدبيُّ من هذه الوجهة التّربةَ الخصبةَ للخوض في قراءة دلاليّة واعية تسبحُ
عميقًا في مساراتهِ، وعليه تتعدّدُ القراءاتُ والتّأويلاتُ باحثةً عن الدّلالات
القابعة، جاعلةً المُتلقّي مُنتجًا ثانيًا فعّالًا، فنصُّ اللّذّة "ذلك الّذي
يُرضي، يُفعِمُ، يُعطي المرحَ، ذلك الّذي يأتي من الثّقافة ولا يتقاطعُ معها، إنّه
مرتبط بممارسةٍ مُريحةٍ للقراءة على حدّ تعبير تودوروف"[7].
إنّ الموضوع
السّيميائيّ يتجلّى على مستوى الإدراك الحسّيّ بشكل لسانيّ (شفويّ أو مكتوب) أو
غير لسانيّ (في حالة المرئيّ واللّمسيّ والذّوقيّ). ويمكن لهذا الموضوع أن يتأتّى
من البنيات الذّهنيّة. ويرى بن غنيسة "أنّ الدّرس السّوسيريّ القائل أن لا
وجود في اللّغة إلّا للاختلافات، يجعلنا نعتقد من غير شكّ، أنّ إدراك المعنى في
حالة مواجهة "موضوع سيميائيّ" ما لا يتأتّى إلّا بالقدر الّذي نُميّز
فيه بين الوحدات الدّالّة الثّابتة الّتي يمكن أن نتعرّف عليها في ذاتها وبين
متغيّراتها وفق سياقات مُعيّنة، بالطّبع لا يتأتّى ذلك إلّا إذا حافظنا على
المستوى نفسه من التّحليل. والسّيميائيّة الّتي تهدف إلى معاينة العلامات لا تُبدِ
موقفًا من حقيقة الأشياء المُتعلّقة بالإنسان وعالمه ولا من طبيعتها وجوهرها
وأصلها ومآلها: كلّ ذلك من شأن علوم المادّة والطّبيعة والحياة والإنسان أيضًا.
وعمومًا ليس من شأن علوم اللّسان أن تبدي رأيها، على سبيل المثال في مجال الوجود
الّذي هو من اختصاص الفلسفة، أو علوم الحياة أو الطّبيعة، على الأكثر يمكنها أن
تشير إلى المرجع؛ أي إلى الحقيقة خارج اللّسانيّة أو خارج السّيميائيّة الّتي يمكن
أن يُحيل إليها خطابٌ ما أو على العموم لغة ما، في شكل واقعيّ (مثل السّيرة
الذّاتيّة، الفعل الوثائقيّ) أو مُتخيّل"[8].
ونشير في هذا السّياق
إلى أنّ السّيمياء، وبالذّات السّيمياء الأدبيّة تحمل في حيثيّاتها الدّلالات
النصّيّة وفق الإيحاءات الظّاهريّة والخافية. وهذا السّيميائيّ الألسنيّ فرديناند
دي سوسير يشرح العلامة عبر الدّال (Signifier) والمدلول (Signified).
"ويعتقد أنّ دمج الفكرة والصّورة الصّوتيّة تؤدّي إلى تشكيل مجموعة تسمّى
الإشارة، والفكرة هي المدلول والصّورة الصّوتيّة دالّ"[9]. إنّ العلامة تتكوّنُ من
دالّ ومدلول، وعلم العلامات يدور حول العلامات وعلاقاتها البنيويّة. والعلامة
وحدةٌ دالّةٌ من
وحدات الرّسالة لا توجد أبدًا بمفردها، فهي دائمًا على علاقة إمّا بوحدةٍ أخرى أو
بوحداتٍ أُخر. والوحدات المترابطة تُكوّن ما يُسمّى بالنّظام في العلاقة
التّركيبيّة. وتُحلّلُ العلامة بالنّسبة للعلامات الأخرى. وفي العلامة الدّلاليّة
تُحلّل ابتداءً من وظائفها المعجميّة (المعنى، المضمون...) وفي العلامة العمليّة
تُحلّلُ العلامات في سلسلة التّواصل والمحيط الاجتماعيّ. والمرحلة التّالية هي
الانتقال من المرحلة المادّيّة إلى مرحلة المعنى. وبما أنّ المعاني ليست ثابتةً أو
مثاليّةً، وإنّما تتوقّفُ على المحيط الثّقافيّ والعصر، وعلى كلٍّ من المُرسل
والمتلقّي؛ فإنّ المعنى يُصبح علاقةً معيّنةً بين أناسٍ يتّصلون فيما بينهم في
فترة ما، وعلى هذا يمكنُ القولُ إنّ معنى الكلمات الّذي نجده في المعاجم ليس
دائمًا نفس المعنى الّذي نجدهُ في التّواصل الفعليّ. وعلم العلامات لا يهتمُّ إلّا
بالمعنى الأخير، وهذا يعني أنّه يكون للدّالّ الواحد مدلولاتٌ متعدّدةٌ، وكلّ
قراءة جديدة يمكن أن تكون تفسيرًا مختلفًا"[10].
أمّا الأمريكيّ
"تشارلز ساندرس بيرس" فقد ربط هذا العلم بالمنطق، حيث يقول: " ليس
المنطقُ بمفهومه العامّ إلّا اسمًا آخرَ للسّيميوطيقا. والسّيميوطيقا نظريّة شبه
ضروريّة أو نظريّة شكليّة للعلامات"[11]، وقد اهتمّ بيرس كثيرًا
بدراسة الدّليل اللّغويّ من وجهة فلسفيّة خالصة. وأمّا الباحثة "سيزا
قاسم" فَترى أنّ هدف السّيميائيّة أو طموحها هو "تفاعل الحقول المعرفيّة
المختلفة، والتّفاعل لا يتمّ إلّا بالوصول إلى مستوًى مشترك يمكن من خلاله أن ندرك
مقوّمات هذه الحقول المعرفيّة، وهذا المستوى المشترك هو العامل
السّيميوطيقيّ"[12].
ويُعرّف صلاحٌ فضلُ
علمَ الدّلالات والسّيميائيّات بقوله: "العلم الّذي يدرس الأنظمة الرّمزيّة
في كلّ الإشارات الدّالّة وكيفيّة هذه الدّلالة"، فصلاح فضل بهذا التّعريف
يشترط بأن تكون الإشارات المدروسة ذات دلالة، لأنّ السّيميائيّة تدرس دلالة هذه
الإشارات، أمّا سعيد علّوش فيربطها بالثّقافة ومظاهرها حين يقول: "هي دراسة
لكلّ مظاهر الثّقافة، كما لو كانت أنظمةً للعلامة اعتمادًا على افتراض مظاهر
الثّقافة كأنظمة علامات في الواقع"[13].
إنّ السّيميولوجيا هي
ذلك العلم الّذي يبحث في أنظمة العلامات لغويّةً كانت أو أيقونيّةً، أو حركيّةً،
وبالتّالي "فإذا كانت اللّسانيّات تدرس الأنظمة اللّغويّة، فإنّ
السّيميولوجيا تبحث في العلامات غير اللّغويّة الّتي تنشأ في حضن المجتمع. إنّ
اللّسانيّات هي جزء من السّيميولوجيا حسب سوسير، ما دامت السّيميولوجيا تدرس جميع
الأنظمة كيفما كانت سننها وأنماطها التّعبيريّة: لغويّة أو غيرها. ولقد حصر سوسير
هذا العلم في دراسات العلامات في دلالاتها الاجتماعيّة على العكس من
"بيرس" الّذي جعلها تدرس العلامات العامّة في إطارها المنطقيّ. حيث أنّ
سوسير يرى أنّ العلامات السّيميولوجيّة لا تؤدّي إلّا وظيفة اجتماعيّة، بينما بيرس
يرى أنّ وظيفة السّيميولوجيا منطقيّة فلسفيّة"[14].
والسّيميوطيقا دراسة
شكلانيّة للمضمون، تمرّ عبر الشّكل لمساءلة الدّوال من أجل تحقيق معرفة دقيقة
بالمعنى، ولتحديد منهجيّة السّيميوطيقا لا بدّ من مراعاة ثلاثة مبادئ ضروريّة ألا
وهي[15]:
1- التّحليل المحايث: إنّ
السّيميوطيقا تبحث عن الشّروط الدّاخليّة المولّدة للدّلالة الّتي تبحث عنها. ومن
ثمّ فالتّحليل المحايث يتطلّب الاستقراء الدّاخليّ للوظائف النّصّيّة الّتي تساهم
في توليد الدّلالة.
2- التّحليل البنيويّ: إنّ
السّيميوطيقا تتضمّن في طيّاتها "المنهج البنيويّ" القائم على النّسقيّة
والبنية وشبكة العلاقات والسّانكرونيّة. إنّها لا تفهم المعنى إلّا من خلال
الاختلاف، لأنّ فرديناند دي سوسير وَهلمسليف يُقرّان بأنّ المعنى لا يُستخلصُ إلّا
عبر الاختلاف.
3- تحليل الخطاب: إنّ
السّيميوطيقا النصّيّة تفترق عن لسانيّات الجملة، لأنّ هذه الأخيرة تركّز كثيرًا
على الجمل في تَمظهُراتها البنيويّة أو التّوزيعيّة أو التّوليديّة، تريد فهم
كيفيّة توليد الجمل اللّامتناهية العدد من خلال قواعد متناهية. أو كيفيّة توزيع
الجمل حسب مكوّناتها الفعليّة أو الاسميّة أو الحرفيّة أو الظّرفيّة، معَ تحديد
وظائفها التّداوليّة. بَيدَ أنّ السّيميوطيقا تحاول البحث عن كيفيّة توليد
النّصوص، واختلافها سطحيًّا واتّفاقها عمقيًّا.
تعتمد
السّيميائيّة من الوجهة البيرسيّة على "ميراث فلسفيّ منطقيّ، وتطمح إلى رسم
فهم للوجود من خلال تفسير العلامات وتحليلها وبيان وظائفها وفاعليّتها ومساهمتها
في إنشاء التّواصل بين مختلف الموجودات. من هذا المنطلق العميق، أو الطّرح
البيرسيّ توسّعت مباحثُ السّيميائيّة كي تشمل جميع جوانب الحياة السّياسيّة
والاقتصاديّة والثّقافيّة
والنّفسيّة،
فالسّيميائيّة استطاعت أن تُمثِّل الإرادة الواضحة والمنهجيّة الموسومة بالدقّة في
تفسير سلوك العلامات، إذ قدّمت تفسيرًا لكلّ ما هو موجود من الوجود بالاستفادة من
التّحليل المُحايث الّذي يعني عند البنيويّين أنّ النّصّ لا يُنظر إليه إلّا في
ذاته مفصولًا عن أيّ شيء يوجد خارجه[16]، ويرى سعيد بنكَراد أن
المحايثة مرتبطة بنشاطين : نشاط يُحيلُ على كلّ ما هو موجود بشكل ثابت وقارّ عند
كائن ما (والأمر يتعلّق برؤية ستاتيكيّة)، وآخر يُحيل على ما يصدر عن كائن ما معبّرًا عن طبيعته الأصليّة
(رؤية ديناميّة)[17].
"فالسّيميائيّات
هي كشف واستكشاف فالعلاقات دلاليّة غير مرئيّة من خلال التجلّي المباشر للواقعة:
إنّها تدريب للعين على التقاط الضّمنيّ والمتواري والمتمنّع، لا مجرّد الاكتفاء
بتسمية المناطق النصّيّة أو التّعبير عن مكوّنات المتن"[18].
تسعى
السّيميائيّة في إستراتيجيّاتها المتنوّعة إلى خلق أبعادها المحوريّة، استنادًا
إلى ذلك يمكن أن نكتب عنها "بأنّها دراسة العلامات من خلال الأدلّة اللّفظيّة
وغير اللّفظيّة الّتي تحقّق تواصلًا مطلوبًا لكنّه غائب في كنف العلامات"[19].
تدرسُ
السّيميائيّة شبكة العلاقات الدّلاليّة الموجودة في النّصّ، لذا لا بدّ لها أن
تُنجزَ عملًا ما من وراء هذه الدّراسة، أو تؤدّي وظيفة ما، وهذه الوظيفة هي
التّواصل، حيث توجّه السّيميائيّة اهتمامها عند دراسة العلامات اللّسانيّة وغير
اللّسانيّة، وتصبّ جلّ اهتمامها في تفسير الشّفرات الّتي تحملها العلامة، وهذه
العلامة هي الّتي تمنح قابليّة الفهم للأحداث من خلال الدّلالة؛ لكونها موسومةً
بأنّها تحمل معنًى. نستنتج من خلال ما سلف ذكرهُ المعنى الشّموليّ للسّيميائيّة،
والمجالات المتعدّدة الّتي تشغلها وتقف في حيّزها، وهذا ما أكّدهُ الباحث عادل
الفاخوري الّذي تطرّق للحديث عن السّيميائيّة[20].
النّصّ
أكثر من مجرّد خطاب أو قول "إذ هو موضوع لعديد من الممارسات السّيميولوجيّة
الّتي يعتدّ بها على أساس أنّها ظاهرة عبر لُغويّة، بمعنى أنّها مكوّنة بفضل
اللّغة لكنّها غير قابلة للانحصار في مقولاتها. وبهذه الطّريقة فإنّ النّصّ جهاز
عبر لغويّ، يعيد توزيع نظام اللّغة لكشف العلاقة بين الكلمات التّواصليّة مشيرًا إلى
بيانات مباشرة تربطها بأنماط مختلفة من الأقوال السّابقة والمتزامنة معها، والنّصّ
نتيجة لذلك إنّما هو
عمليّة
إنتاجيّة ممّا يعني أمرين:
1-علاقته
باللّغة الّتي يتموقعُ فيها تُصبحُ من قبيل إعادة التّوزيع.
2-يُمثّل
النصُّ عمليّةَ استبدالٍ أخرى للنّصوص، أي عمليّة تناصّ. ففي فضاء النصّ تتقاطع
أقوالٌ عديدةٌ مأخوذة من نصوص أخرى، ممّا يجعل
بعضها يقوم بتحييد البعض الآخر ونقضه[21].
والسّيميائيّة
علم دراسة العلامات المتعدّدة، إذ تدرس الأنظمةَ كاللّغة والرّموز وغيرها من
الأنظمة وقد توسّلنا مقاربة النصّ الشّعريّ وفق سيمياء الدّلالة الّتي من روّادها
رولان بارت الّذي عدّ "القارئ أو النّاقد ليس مستهلكًا للنّصّ فحسب، بل هو
منتج له أيضًا"[22].
ومن
المجدي أن نأتي على الاتّجاه السّيميولوجيّ لصاحبه "أُمبرتو إيكو" Umberto Eco السّيميائيّ الإيطاليّ، حاول أن يثبت تضامن
نظامي الدّلالة والاتّصال في علم السّيميوطيقا. فيرى "أنّ العلامة من حيث
وظيفتها تدخل في أنظمة ذات مستويات متعدّدة من العناصر المرتبطة ببعضها بعضًا عبر
شيفرة (Code) أو عدّة شيفرات، ومن
هنا لا بدّ أن تصطحب نظريّةُ الاتّصال بنظريّة الدّلالة، فسيمياءُ الاتّصالِ
قائمةٌ على نظريّة إنتاج العلامة، والعلامةُ لا يمكنُ فصلُها عن نظرّية الشّيفرات
الّتي هي أساس سيمياء الدّلالة"[23]. وهذا التّضامن بين
الاتّصال والدّلالة قائم على النّمط السّوسيري نفسه، ذلك النّمط الّذي يميّز بين
اللّغة Langue والكلام Parole والّذي يحوّل عند سوسير وغيره إلى التّمييز بين القدرة
والأداء، أو بين الشّيفرة والرّسالة.
"تجدرُ
الإشارةُ إلى أنّ ج. كريستيفا رغم تأكيدها مفهوم النّصّ/ البنية المُتميّز
بالانغلاق، أي بإقصاء مرجع النصّ/ العلامة الّذي يغدو مجرّد وَهْمٍ، لا يحقّ
للسّيميائيّ النّظر ُ فيه، لكن هذا لم يمنعها من الاشتغال خارج النّصّ، وهذا
باشتغالها على فكرة التّناصّ لِباختين الّتي فيعا فكرة الحواريّة ومفادها أنّ: كلّ
نصٍّ استغراقٌ وتحوّلٌ لنصّ آخر. والنصّ الشّعريّ يُقرأ على الأقلّ كمُضاعف، وهو
حسب كريستيفا لوحة فسيفسائيّة من الاقتباسات. وكلُّ نصٍّ هو تشرُّبّ وتحويل لنصوص
أخرى"[24].
تطرح
السّيميائيّات في معالجتها النّصّ الأدبيّ هدفًا رئيسيًّا، وهو اكتشاف المعنى،
"فالسّيميائيّة تركّزُ على العلاقات بين العلامات، وعلى المعنى النّاتج عنها،
بينما تُشدّدُ السّيميولوجيا على المماثلة والتّصنيف ونمذجة العلامات، موليةً
عنايةً أكثر لأشكال الاتّصال وللقنوات الّتي يعتمدها؛ فالمنظوران
يتكاملان..."[25].
فالسّيميائيّة
سراج منير يُمهّد الطّريق لاستيعاب أفضلَ لما يدور في العالم الّذي يكتنفنا، فهي
علم يجتمع فيه جميع العلامات. يرى دانيال تشاندلر أنّنا "نتعلّم من
السّيميائيّة أنّنا نعيش في عالم من الإشارات،
وأنّنا لا يمكننا فهم أيّ شيء إلّا بواسطة الإشارات والشّيفرات الّتي
تنظّمها"[26].
ويرى أنّ السّيميائيّة قيّمة إذا أردنا النّظر إلى ما وراء محتوى النّصوص الظّاهر.
يسعى السّيميائيّون البنيويّون إلى النّظر فيما وراء سطح المدروس، أو تحته لاكتشاف
تنظيم الظّواهر التّحتيّ. وكلّما بدا التّنظيم البنيويّ للنّصّ أو للشّيفرة
بيّنًا، ازداد احتمال وجود صعوبة في رؤية ما يقع ما وراء سمات السّطح. لكنّ البحث
عن البنى التّحتيّة جعل بعض النقّاد يعتبرون أنّ التّركيز عليها، وهو تركيز تتميّز
به الشّكلانيّة البنيويّة عند منظّرين مثل بروب وغريماس وليفي ستراوس، ينزعُ إلى
المبالغة في التّشديد على التّشابه بين النّصوص وإنكار وجود سماتها المميّزة.
إنّ
الشّيفرات تحتاج إلى قراءة بأضواء جديدة، على ظواهر مألوفة، لكن يعترض النقّاد على
كون بعض السّيميائيّين رأوا في كلّ شيء تقريبًا شيفرة وأهملوا توضيح تفاصيل بعض
هذه الشّيفرات، ويعتبرون أنّنا نستند إلى الشّيفرات الاجتماعيّة والنّصّيّة لإضفاء
معنًى على الصّور المُمَثّلة، وهذا بيِّنٌ لكنّهم أضافوا أنّنا نستند أيضًا بشكل
أوسعَ إلى المعرفة الاجتماعيّة والنصّيّة، ولا يمكن تحويل كلّ هذه المعرفة إلى
شيفرات. في الواقع لا يمكن تعلّم الشّيفرات وتطبيقها إلّا في السّياقات
الاجتماعيّة[27].
أمّا
هدف السّيميائيّة بشكل موجز فعبارة عن "استكشاف البنيات الدّلاليّة الّتي
تتضمّنها الخطابات والأنشطة البشريّة بُنيةً ودلالةً ومقصديّةً، والبحث عن الأنظمة
التّواصليّة تقعيدًا وتجريدًا ووظيفةً، كما تعمد السّيميولوجيا إلى وضع قواعد
مجرّدة كونيّة للخطابات الأدبيّة سطحًا وعمقًا، قصد فهم الإبداعات الفرديّة في كلّ
تجلّياتها السّطحيّة على المستويات الصّرفيّة والتّركيبيّة والدّلاليّة والمنطقيّة،
والبحث عن المولّدات الحقيقيّة لهذا التعدّد النصّيّ والخطابيّ على مستوى
السّطح"[28].
وقد استلهم رولان بارت عناصرَ لسانيّةً للدّفع بالبحث السّيميائيّ إلى
الأمام، بالاعتماد على اللّغات والإشارات والتّعليمات... وهذا التّحديد يجعل اللّغة جزءًا من السّيمياء.
الواقع أنّنا نجمع على الإقرار بأنّ للكلام بُنيتَهُ المتميّزة والمستقلّة، والّتي
تسمح بتحديد السّيمياء بالدّراسة الّتي تتناول أنظمة العلامات غير الألسنيّة ممّا
يُحتّم علينا تبنّي ذلك التّحديد[29].
·
المقاربةُ النّقديّةُ
تعرّضنا آنفًا لمفهوم السّيميائيّة عند النقّاد من مدارس
نقديّة مختلفة، لا سيّما سيميولوجيا الدّلالة وتمظهرها عند السّيميائيّين، والآن
سنتناول القصيدة الّتي اخترناها من ديوان "وتريّات الوجع الأليف" بقراءة
تحليليّة دلاليّة من خلال البنية السّطحيّة من تمازج المستويات الصّوتيّة
والمعجميّة والنّحويّة والتّركيبيّة بمحاورة دلالة البُنية الدّاخليّة، الأفقيّة
والعموديّة.
-
العنوانُ:
العنوانُ
هو البداية كمؤشّر أوّليّ للولوج إلى النّصّ، ويحمل صورةً مختزلةً لفكرة النصّ
الكلّيّة. فقد أوْلَت السّيميوطيقا أهمّيّةً كبرى للعنوان؛ باعتباره مصطلحًا
إجرائيًّا ناجعًا في مقاربة النّصّ الأدبيّ، ومفتاحًا أساسيًّا يتسلّح به المحلّلُ
للولوج إلى أغوار النّصّ العميقة قصد استنطاقها وتأويلها، "ويستطيع العنوان
أن يقوم بتفكيك النّصّ من أجل تركيبه عبر استكناه بنياته الدّلاليّة والرّمزيّة،
وأن يُضيء لنا في بداية الأمر ما أُشكلَ من النصّ وغمضَ. هو مفتاح تقنيّ نجسُّ به
نبضَ النّصّ وتجاعيده وترسّباته البنيويّة وتضاريسه التّركيبيّة على المستوَيَين:
الدّلاليّ والرّمزيّ"[30].
وللعنوان
وظائف كثيرة فتحديدها يساهم في فهم النّصّ وتفسيره، وخاصّة إذا كان نصًّا معاصرًا
غامضًا يفتقرُ إلى الانسجام والوصل المنطقيّ والتّرابط الإسناديّ.
أظهر"
البحثُ السّيميولوجيّ أهميّة العنوان في دراسة النصّ الأدبيّ، وذلك نظرًا للوظائف
الأساسيّة (المرجعيّة والإفهاميّة والتّناصيّة)
الّتي تربطه بهذا الأخير وبالقارئ، ولن نبالغ إذا قلنا إنّ العنوان يعتبر مفتاحًا
إجرائيًّا في التّعامل مع النّصّ في بُعدَيْهِ؛ الدّلاليّ والرّمزيّ"[31].
وهكذا
فإنّ أوّل عتبةٍ يطأها الباحثُ السّيميولوجيّ هو استنطاق العنوان واستقراؤهُ
بصريًّا ولسنيًّا، أفقيًّا وعموديًّا، "ولعلّ القارئ يُدركُ مقدارَ الأهميّةِ
الّتي يوليها الباحثون المعاصرونَ لدراسة العناوين، خاصّةً وأنّهُ ظهرت بحوثٌ
ودراساتٌ لسانيّةٌ وسيميائيّةٌ عديدةٌ في الآونة الأخيرة، وذلك بُغيةَ دراسة
العنوان وتحليله من نواحيه التّركيبيّة والدّلاليّة والتّداوليّة"[32]. وقد اختلف النقّادُ
المهتمّون بدراسة مكوّنات عتبات النّصّ وتحليل بنياتها في تحديد وظائف العنوان،
فذهب ج. جينيت إلى أنّها تنقسم إلى أربع وظائف: إشاريّة، وصفيّة، وإيحائيّة، ثمّ
إغرائيّة[33].
وبالنّظر
إلى تقارب بعض هذه الوظائف وتداخلها يمكن الاقتصارُ على ثلاثِ وظائفَ، هي:
1-
وظيفة التّسمية: إنّ عناوين النّصوص تقوم بتعيين
الأفكار، والأشخاص، والتّمييز بين الأشياء بسمات دقيقة ومحدّدة. إذ يحرص الكتّابُ
على توسيم نصوصهم بعناوين فريدةٍ وغير مسبوقة ضمانًا لتمييزها وتخصيصها.
2-
الوظيفة الإثاريّة: وقد سمّيناها إثاريّة لكونها ترتبط
بالأثر المزدوج الّذي يمارسه العنوان على المتلقّي، إذ يسعى العنوان جاهدًا بوعيٍ
وحرصٍ أيضًا من الكاتب، إلى استجلاب اهتمام القارئ أو الجمهور المستهدف من خلال
تبئير اهتمامه، لكون التّسمية مصاحبة له ومؤشّرة عليه، فيحاول أن يدفعه إلى حيازة
النصّ وقراءته. وفي الإطار نفسه يوجّهُ العنوانُ القارئَ نحو القراءة المناسبة
للنصّ، ويُعلّمه كيفيّة القراءة من خلال برمجة فعل القراءة، "فَيُملى عليه
نموذج الاستشفار Décodage الّذي يجب أن تتّبعه دون أن يعني ذلك أنّها تقع بكيفيّة كلّيّة
تحت وصاية هذا الموجّه، فلها هي الأخرى أثرُها وتأثيرُها".[34]
3-
الوظيفة الأيديولوجيّة: ينضبط العنوانُ في بنيته ومحتواه
معَ شروط الكتابة والتوجّه الأيديولوجيّ، ولما يفرضهُ كأفقٍ لدى القارئ، وإذا كان
يؤدّي وظيفةً أيديولوجيّةً، فإنّه يُلزمُ بطريقة معيّنة في القراءة، "ويحرص
في الوقت نفسه على إقصاء أُخرى، الأمر الّذي يستدعي معَه الاحتراس من
"الشّراك" الدّلاليّة الّتي ينصبُها، وذلك من أجل قراءته بكيفيّة
تحليليّة تضعُ في اعتبارها مكوّناته ومقوّماته أيضًا وعلائقه بجنس كتابته ومجاله
الموضوعيّ وبالقارئ والعالم أيضًا"[35].
والآن لنا عودةٌ معَ عنوان الدّيوان أوّلًا؛
"وتريّات الوجع الأليف"، فيبدو أنّ الشّاعر صالح أحمد يضربُ على وتر
الوجع، وهذا الوجع مألوف لديه ولا يخرج إلى الندّيّة أو التّعارض بما يجول في
داخله ونفسيّته الإنسانيّة.
لكن لا بدّ من الإشارة إلى التّعبير "الوجع
الأليف"، والّذي يدخل فيما يُعرف بلاغيًّا بِ الأوكسيمورون (الإرداف
الخُلفيّ) Oxymoron[36]، سواء أكان طباقيًّا أم اندماجيًّا استعاريًّا. ويعتبر
الأوكسيمورون مصطلحًا نقديًّا حديثًا وتنبّه إليه النقّادُ المعاصرون بسبب كثرة
حضوره في الشّعر المعاصر؛ فتناولوه وعرّفوه، وحدّدوا أنواعه.
وتتلخّص وظائف
الـأوكسيمورون الفنّيّة في إثارة الإعجاب أو المفاجأة أو الوصول إلى تأثير بلاغيّ،
أو السّخرية، أو التّعبير الحادّ الصّارخ، أو تناقض مفاجئ. وتتعلّق الوظائف
الثّلاث الأولى بإثارة المتلقّي، أمّا باقي الوظائف فترتبط بنفسيّة الشّاعر أو
رؤيته المتناقضة للأشياء، وبالتّالي أيضًا "بتعبيره عن الأمور المختلفة
المرئيّة كالمحيط، أو الابعاد المتناقضة للكون والحياة، وكثرة الوجود للظّواهر
الطّبيعيّة والعالميّة، بالإضافة إلى ذلك يلعب الأوكسيمورون دورًا على الصّعيد
الدّلاليّ، حيث يخدم الدّلالة ويُساهم في بنائها، فهو يعبّرُ عن التفكير المزدودج
النّاشئ من حمل رأيين في نفس الوقت، ونعرفُ أنّهما متناقضان ونؤمن بكليهما"[37].
وبناءً على تقسيم الأوكسيمورون إلى أنواعه، وأبرزها
المباشر وغير المباشر، فهنا نميل إلى اعتبار التّعبير "الوجع الأليف"
عند الشّاعر صالح كناعنة من قبيل الأوكسيمورون المباشر الّذي يقوم على التّناقض
المباشر بين مُرَكّبَيْهِ؛ فإنّ الوجع والأليف ضدّان مباشران، يتكاملان نحو توصيف
الحالة النّفسيّة والوجدانيّة تعبيرًا عن رؤية الشّاعر المناقضة الصّارخة للأشياء
المألوفة العاديّة، وبناءً على تجربته الحياتيّة، فضلًا عن إثارة الإعجاب لدى
المتلقّي. الوجعُ نألفه حين نتماثلُ معه، ويتحوّلُ إلى بعضٍ منّا، ويتأتّى ذلك مع
التّماهي والقبول كحالة في الوجدان والشّعور، وقد حصل التّآلفُ بفعل اتّساع دائرة
التردّد في الوجع والألم دون انفصامٍ أبدًا.
وإذا عدنا إلى عنوان القصيدة "حديث الأمّة السّكرى"
وجدنا أنّ القصيدةَ في عنوانها تتماهى والدّيوان، من حيث مبنى العنوان في وجود
جملةٍ اسميّةٍ، والأهمّ في نظرنا هو محاولة الشّاعر أن يذمّ الواقع المعيش بإكسابه
السّوداويّة وتبكيته. ومن خلال القراءة الأوّليّة للعنوان فإنّه يُحفّزنا لوضع
آليّةٍ لبحث المتن الشّعريّ، ليكون جوهر القراءة مُنصبًّا في البحث عن البُنية
والدّلالات، وبالتّالي فإنّ العنوان يُحيلُ على العنوان الكلّيّ، من الجزء إلى
الكلّ (Inductive) في أفق
سيميائيّ دلاليّ، لإغوائنا في البحث عن دلالة النصّ محاولين كشف الواقع الإنسانيّ
والوجوديّ للشّاعر فيه الّذي هو لبنةُ بناء المعنى وإطلاق الدّلالات فيما بعد.
·
وسننتقلُ لقراءة النّصّ الشّعريّ سيميائيًّا وفق
التّقسيمينِ، الأفقيّ والعموديّ.
أوّلًا: المحورُ
الأُفقيّ
سنتطرّق إلى مقاربة سيميائيّة دلاليّة تكشف عن دلالات
البنية السّطحيّة للنّصّ من خلال المستوى الصّوتيّ والمعجميّ والتّركيبيّ
والدّلاليّ.
أ-المستوى الصّوتيّ: لقد شغلت القيمة التّعبيريّة
للصّوت اهتمام الباحثين منذ اليونانيّين الّذين قالوا باعتباطيّة اللّغة، وصولًا
إلى القرن التّاسع عشر، حيث ظهرت بحوثٌ زعمت بوجود علاقةٍ بين أصوات اسم العَلَمِ
وبين خصائصه الجسميّة والنّفسيّة، وانتهاءً بالباحث اللّسانيّ دي سوسير الّذي يقول
بعفويّة اللّغة. أمّا في ثقافتنا العربيّة فقد قال بالقيمة الذّاتيّة للصّوت
النّحويّ "ابن جنّي" في كتابه الخصائص، فقارن بين الأصوات اللّغويّة،
فقد جعل الصّاد مثلًا أقوى من السّين، لما في الصّاد من الاستعلاء، ولما في السّين
من الاستتار، لكنّ السيّد البطليوسي رأى في كتابه الاقتضاب أنّ هذا قياسٌ غيرُ
مُطّردٍ.
وفي الدّراسات الحديثة لم يتوصّل الألسنيّون إلى رأي
واحد حاسم، وإنّما كانت مواقفُهم استمرارًا للنّقاش التّاريخيّ. "وفي مستوى
الكلمة انشغل النقّادُ أيضًا بالألفاظ وأعطوها تسمياتٍ مُتعدّدةً، من أشهرها
التّجنيس؛ وهو أن يتّفق اللّفظانِ صوتًا ويختلفانِ معنًى، فخصّص ابنُ جنّي فصولًا
لتقارب الحروف، لتقاربِ المعنى، وللاشتقاق الأكبر كذلك الّذي يعني، أخذَ أصلٍ من
الأصول الثّلاثةِ، وتقاليبه الستّة، حيث ترجع كلّها إلى معنًى واحد"[38].
مثل (ق.و.س) الّذي يدلّ على القوّة والاجتماع، وَ
(ج.ب.ر) الّذي يدلّ على القوّة والشّدّة، وَ (ق.و.د) الّذي يدلّ على الإسراع
والخفّة".
وفي القصيدة " حديث الأمّة السّكرى" نجدُ
أنّها جاءت على تفعيلة "مَفاعلَتُن"—مَفاعيلُن ساهمت في إضفاء الحركة
الدّاخليّة، وهناك حروفٌ تتكرّرُ كحرف الشّين والسّين، علمًا أنّ هذينِ الحرفينِ
يدخلان في كثير من اللّغات السّاميّة، وقد يُفاد المبالغةُ من خلال تكرارهما في
سياق النّصّ، وأيضًا يُساعدا في حصول الجرس الموسيقيّ والتّنغيم الدّلاليّ، كما في
" تضاريس، شبابنا، شحّتْ، الشّقا، الأسلم، السّما، ناقوسُ، الشّعبُ، سحابة،
بطشُوا، سقوط النّفس، وإلباسُ الهشِّ، سذاجة، النّشوة، سرير غربته، ويسرُقنا
السّدى، سكرتنا، نسيرُ السُّدى، شرخٌ، تنسكبُ وباسمِ الشّعب تنقلبُ..."
وفي الموسيقى هناك الوزنُ والإيقاعُ والنّبرُ
والتّنغيمُ، وقد اهتمّ العروضيّون العربُ بالأوزان والتّفعيلات، وما طرأ عليها من
زحافات وعلل، "وحاول حازم القرطاجنّيّ أن يُخصّص بعض الأوزان ببعض الأغراض وبعض المعاني"[39] وبالمقابل اهتمّ المحدثون
بالإيقاع وقسّموه ثلاثةَ أنواعٍ: إيقاع الوزن، وإيقاع النّغم، وإيقاع النّبر. وفي
القصيدة يظهر الإيقاع الوزنيّ، بما فيه حرفُ الرّويّ بشكل ملحوظ عدا التّنغيم والمَوسَقة
الدّاخليّة بين الفضاء الشّعريّ.
أسيرُ هَوانِنا
القسريّ
قتيلُ حِوارنا القهريّ
نزيفُ سلامنا العُهريّ
***
تُحاورُ بالمراثي بطشّ غازيها
وَتتبعُ في الضّحى إملاءَ فاشيها
وتُمضي صُبحها في دفنِ فاديها
ويُردي عَصرَها استجداءُ واليها (القصيدة؛ 98)
***
وقد استعاض الشّاعرُ عن القافية في هذا الشّعر
التّفعيليّ، باستخدام التّكرار على مستوى الصّوت والكلمة والتّركيب، فيقوم بدورٍ كبيرٍ
على التّأثير في نفس المتلقّي والإقناع:
وهلْ نَسلَمْ؟ متى نفهمْ؟ لكي نفهمَ؟ وَهلْ نَفهمْ؟ (ص؛ 96).
من شأن تكرار الكلماتِ والتّراكيب البنيويّة أن تُحدث
تنوّعًا موسيقيًّا شعريًّا، وبثّ حالة الشّاعر النّفسيّة المتأرجحة بين الأمل
واليأس. ولعلّ الشّاعر يمتحُ من قاموسه اللّغويّ ويُسبغُ عليه من شاعريّته ليخلقَ
دراما أو قُل سيمفونيّةً ليظهرَ البون الشّاسع بين الموجود والمنشود في ظلّ واقع قهريّ
ضاعت فيه القِيَمُ والمبادئ، واضمحلّ الخيرُ وأبدى الشّرُّ نابَهُ ليأتي السّقوطُ
المُحتَّم!
ولعلّهُ من الجدير الإشارة إلى توظيف ما يُسمّى بتُراسل
الحواسّ Correspondences، ذلك الأسلوب المبنيّ على اندماج حاسّتين، بحيث يثيرُ صوتَ
الشّاعر الدّاخليّ وربّما التّناقض في الرّؤية والفعل.
إنّ الشّاعر المعاصر صار اتّجاهُه إلى الاستعارة
والتّراسل في مجال الحواسّ وسيلتَهُ الفنّيّةَ في الخطاب الشّعريّ، وقد جرت بعضُ
أنماط الصّورةِ لدى الشّاعر في مضمار التّراسل بين الحواسّ والمُدركات في نظريّة
العلاقات أو التّراسل؛ رغبةً في إيجاد نمطٍ جديدٍ من العلاقات اللّغويّة ينبعُ من
فكرة نقض نظام الحواسّ ممّا يستدعي مزج عملها وتبادل اشتراكها في التّعبير عن
الصّورة الحسّيّة أو العقليّة. وهنا نلمس وجودَ مُدرَكِ حاسّةٍ ما يُوصَفُ بِمُدرك
حاسّةٍ أخرى؛ فتتولّدُ صورةٌ ممتزجةٌ بينهما تُخالفُ العُرفَ اللّغويّ والبلاغيّ
المألوف، كما هو عند الشّاعر صالح أحمد في استعماله "لون الصّمت"،
"طعم الغَمز"، "النّشوة الحمراء"... ففيها يدمج الشّاعرُ بين
الحواسّ؛ الحسيّ والمعنويّ المجرّد للتّعبير عن الحالة الإنسانيّة والواقع الغريب
الّذي يحياه الإنسان.
ب_ المستوى المعجميُّ: بإمكاننا أن ننظرَ إلى هذا
المستوى من زاويتين مختلفتين؛ الأولى تركيبيّة والثّانية دلاليّة. فالتّركيبيّةُ
ترى في المعجم مُكوّنًا أساسيًّا تنبني عليه الجملة النّحويّة ويتحدّدُ معناها.
فإنّ النّظرةَ النّحويّة المعجميّة الوظيفيّة تقوم على اعتبار علاقة المعجم
بالتّركيب، وعلى اعتبار العلاقة الدّلاليّة للمحمول بموضوعه. ومن ثمّ فَقدِ احتلّ
المحمولُ الّذي هو الفعلُ مركز الاهتمام، إذ كلٌّ من النّحويّ والمُحلّل الأدبيّ
يهتمُّ بالجملةِ، ولكنّ النّحويّ يقف عندها والمُحلّل الأدبيّ يتجاوزها إلى تحليل النّصّ
بكامله، ليكشف أبعادهُ المختلفة، ممّا يُحتّمُ عليه الاستعانة بقنوات معرفيّة
أخرى. لقد تبنّى الكثيرُ النّظَرَ إلى المعجمِ على أنه قائمة من الكلمات المنعزلة
الّتي تتردّدُ بِنسبٍ مختلفة أثناء نصّ مُعيّن، لكن هذا لا يكفي لمن يريد أن يصلَ
إلى وضعيّةٍ يعرف فيها العلاقة المشتركة أو المتشابكة، وبالتّالي الحقل الدّلاليّ
المشترك بين المفردات (Semantically).
وأمّا الزّاوية الدّلاليّة الّتي يمكن أن ننظرَ منها إلى
المستوى المعجميّ، فهي الطّريقة الأدبيّة "الّتي تُصبح أمرًا مشروعًا
مستمدًّا من المنهجيّة الّتي تتحكّم فيه ومن الغايات الّتي يتوخّاها، والتقنيّة
الّتي تبنّاها هذا التّناول هي أنّه نظر إلى المعجم على أنّه قائمة من الكلمات
المنعزلة الّتي تتردّد بنِسب مُختلفة أثناء نصّ مُعيّن. وكلّما تردّدت بعضُ
الكلمات بنفسها أو بمرادفها أو بتركيب يؤدّي معناها؛ كوّنت حقلًا أو حقولًا
دلاليّةً، وهكذا ذلك أنّ لكلّ خطاب معجمه الخاصّ به؛ فللشّعرِ الصّوفيّ مثلًا
مُعجمه، وَللمدح مُعجمه، وَللغزلِ وللخمريّات مُعجمهما. فالمعجمُ لهذا وسيلةٌ
للتّمييز بين أنواع الخطاب، وبين لغات الشّعراء والعصور"[40].
يبدو من خلال معجم القصيدة أنّ الشّاعر وظّفَ المفردات
توظيفًا دلاليًّا، وانصهرتِ الحقولُ المعجميّة مُكوّنةً لغةً شعريّةًّ فنّيّةً.
وقد برز حقلُ العزيمةِ ولرفض حالة الانطواء والاستسلام والصّمت، فلا خير فينا إذا
لم نُنكر مُنكرًا أو نُؤكّد معروفًا، فالشّاعرُ يقول: "ومذ باتت وجوهُ
شبابنا تأبى بأن تبدو بِلونِ الطّين، وَمُذ خطواتنا شحّتْ، ولم يثبتْ لنا أثرٌ على
حصباء واديها، وقد بتنا كَملحِ الجُرحِ عنوانَ الشّقا فيها، ويملأ أُفقَنا صمتٌ
يظلُّ يلوبُ وهو كظيم، وتُنكرُنا مواقفُنا كجلّادٍ ينالُ مرادَهُ منّا... ويمضي
مُغمضَ العَينين" (القصيدة، ص 95).
دلّت العلاماتُ والمفرداتُ الموظّفةُ على موقف الشّاعر
من الواقع المأزوم، وما الاستفهام البلاغيّ الإنكاريّ إلّا دليل على ما يُريبُ
ويُنغّصُ الشّاعر عليه حياته وآماله وتطلّعاته، يقول: "فهل نرضى؟ وهل نسلمْ؟
نظلّ على المدى خيمةْ، بظنِّ العالمِ الأعجم... متى نصحو؟ متى نفهم؟ أتُمطرُنا السّما
بَرَدًا بلونِ الصّمتِ والعَجَزِ؟ أينبتُ في ملامحنا وفي أصلابنا أثرٌ بِطعمِ
الطّعنِ والغَمزِ... لكي نفهم؟ وهل نَفهم؟ بأنّ الخيرَ لا يأتيه لا يدنو من الغافي
ولا يأتيه.. وأنّ الصّمتَ حينَ يُدقُّ ناقوسُ الرّدى خَبَلٌ، وأنّ مصيرَ من تَبعوا
الهوى للتّيهِ..." (القصيدة، ص
96). إذن، الشّاعرُ ينظرُ بنظرته الثّاقبة ويستشرفُ الحالة الإنسانيّة، من
خلال استعراض حيثيّات الواقع الّذي يحياهُ الواحدُ منّا، والّتي في مُحصّلة
توصيفها تضربُ في أعماقنا صارخةً بخَوَرِ الكيان الوجوديّ، فمن سيماته الاستسلام
للغريب، والصّمت الّذي لا يأتي إلّا بالعجز والقَهر، والخضوع الّذي يُبشِّرُ بخيرٍ
وإنّما نقيضهُ!
وتبقى هناك رسالةُ الشّاعرِ للرّجوع إلى جادّة العقل
والإنسانيّة والإنسانيّة في عوالمها، نهوضًا بالنّفس من براثن الانكسار نحو تجديد
بناء الذّات؛ فلا يُمكن استرجاع القوّة والأنفة والرقيّ إلّا بترميم النّفس
والتعلّم من ماضيها التّليد للتّعالي على الدّماء والنّزف والمراثي الّتي تؤول بنا
نحو التّقهقر والنّكوص دون تحقيق شيءٍ ذي بالٍ.
ج_ المستوى التّركيبيّ: نواصلُ مُساءلتنا النصّ
في بنيته السّطحيّة لِنعرّجَ على المستووينِ؛ النّحويّ والبلاغيّ.
1.
المستوى النّحويُّ: تراوحت الجملُ الفعليّةُ والاسميّةُ
في المتن الشّعريّ. واللّافت أنّ في الاستعمالَينِ، جاء الشّاعر على الحالة
الوجوديّة الّتي تحياها الأُمّةُ ولا تجد لذاتها مَخرجًا لما أصابها من ضعفٍ
وَسقطاتٍ وتبدّل حالها بما هو أسوأ...
الجمل الفعليّة طغت بشكلٍ كبيرٍ على التّراكيب اللّغويّة
الشّعريّةـ ولا سيّما الأفعال المضارعة الدّالة على الحال والاستقبال، وترسمُ
زمنيّة الوجود والانبعاث، وليس مجرّد أداء جماليّ يتحكّمُ الشّاعرُ في صياغتها.
انظروا إلى الأفعال المُستعملة: " تنامُ الأرضُ،
ولم يثبُتْ، وتُنكرُنا، ويمضي، يروحُ، نُريد، فهل نرضى؟ وهل نَسلَمْ؟، أتُمطرُنا،
أينبتُ، نُعطي، ويسرقُنا، يُخربشُنا، ونحضنُ، تُحاورُ، تُعانقُ، وتمضي، ويُردي
...". من شأن هذه الأفعال التّأكيدُ على حالة الدّيمومة منَ الضّعفِ والذّلّ والانقياد
الّذي يُؤكّدها العنوان "حديث الأمّة السّكرى"، وفي المقابل هناك الجملُ
الاسميّةُ الّتي تؤكّدُ أيضًا بمضمونها وبنائها الحالة الرّاهنة الّتي تحياها
الأمّة بمجموعها، ولا تزال تُراوح مكانها، فتحتاج إلى مُخلّصٍ يُخلّصها ممّا هي
فيه؛ "بأنّ الخيرَ لا يدنو من الغافي ولا يأتيه.. وأنّ الصّمتَ حينَ يُدقُّ
ناقوسُ الرّدى خبَلُ... وأنّ الشّعبَ إذ يقتادُهُ وَجِلُ، ومصيرَ من تبعوا الهوى
للتّيه".
ولعلّ من أبرز ظواهر اختراق الشّعر للمألوف؛ ظاهرةَ الانزياحِ.
وهو انحراف الشّعرِ عن قواعد مقام الكلامِ أو اختراق ضوابط المعيار. ويُعرّفُ
الانزياحُ "بأنّه ابتعادُ نظام الخطاب عن النّسق الأصل. وبناءً عليه يُعرّفُ
التّحليل الانزياحيّ، بأنّهُ فكُّ الخطاب الأدبيّ لُغويًّا وتركيبيًّا من أجل
إعادة بنائه دلاليًّا لدراسة ابتعاد نظام الخطاب عن النّسق الأصل"[41].
وهذه الظّاهرة تسمح بالابتعاد عن الاستعمال المألوف،
فتوقعُ في نظام اللّغة اضطّرابًا يصبحُ
هو نفسهُ انتظامًا جديدًا، "ذلك أنّ الانزياح إذا
كان خطأً في الأصل، فإنّه يمكن إصلاحُهُ بتأويله؛ فعندما يُحطّمُ الشّعرُ اللّغةَ
العاديّةَ للوهلة الأولى، فإنّه يُعيدُ بناءها بعد ذلك حسب جان كوهن على مستوى
أعلى" [42] . وإذا رجعنا إلى عنوان القصيدة لوجدنا أنّه
يتماسّ وينزاحُ ببُعد مُعيّن معَ الآية الكريمة، [لَعَمرُكَ إنّهم لَفي سَكرتهم
يعمهون] [43]
، ذلك أنّ النصّ في عنونته يثيرُ التفاتًا لافتًا في حديثه عن الأمّة السّكرى،
وكأنّ بالأمّة لا تفعل شيئًا من أجل الخروج من سَكرتها في حالة اللّاوعي. فكما أنّ
الأمّة مُستكينة لا تلوي الحفاظ على مؤثّثات وجوديّتها واستقامتها الّتي هي مناط
تدبيرها، فلا يمكنها أن تتقدّم وناقوس الموت يدقّ في جنباتها، ونحن نستمرئُ قهرنا
وعُهرنا وخداعنا بشكل لا نُحسَدُ عليه.
2. المستوى البلاغيّ: لقد
تنوّعتِ الجملُ في القصيدة بين خبريّة وإنشائيّة ضمن قالب استعاريّ ومجازيّ، فجاءت
متضافرةً مع الغرض الشّعريّ. فمن الجمل الخبريّة الّتي استحضرها الشّاعرُ: "تنامُ
الأرضُ خَجلى مُذ تملّكها الأُلى جهلوا تَضاريسَ النّدى والصّهد، ولم يثبُت لنا
أثرٌ على حصباءِ واديها، وقد بِتنا كَمِلحِ الجرحِ عُنوانَ الشّقا فيها، ويملأُ
أُفقَنا صمتٌ يظلُّ يلوبُ وهوَ كَظيم". ومن الإنشائيّة على سبيل التّمثيل؛
"نريدُ لحالنا الأسلمْ فهل نرضى؟ أتُمطرنا السّما بَرَدًا بلونِ الصّمت والعَجَزِ؟ فَهل
أحلامُكِ الصّفرا تُفيدُ بواقعِي الضّاري؟ وهل رَقصٌ على حَبلٍ لقلبِ الهولِ
يمتدُّ... سوى مَهوى غُبارِ النّشوةِ الحمراءِ نحوَ سريرِ غُربَتِهِ؟ إلامَ مَضى
بنا العبَثُ؟ ".
نجد
النّصَّ يزخرُ بالتّعابير المجازيّة والاستعاريّة، إذ إنّ من شأن الاستعارة أن
تحمل الفكرَ التّشابهيّ بشيء من الخيال التّصويريّ الخلّاق لدى الأديب المدروس،"
وعلى غرار ما يلاحظُ ستيفن أولمان فإنّ المشابهة يتمّ التّعبير عنها في نفس
النّصّ، بالتّشبيهات تارةً، والاستعارات طورًا آخرَ؛ وإنّ الفصل المطّرد بين نمطي
الصّورة، على غرار ما يفصّل بعض المؤلّفين يضلّ سبيل البحث، يمكن أن يمنع النّاقد
من إدراك الشّبكة العامّة للصّور والنّزعات العميقة المتحكّمة في نشوئها"[44].
إنّ
من شأن الاستعارات أن تصوّرَ المشهد الشّعريّ وتجعله قريبًا إلى الحسّيّة، مُعبّرة
عنه بشكل تصويريّ في تغليب الحواسّ لتضطّلع بمدى إصرار الشّاعر على تبيين المواجع
والسّقطات والخرافات، وقد وضع عبد القادر الجرجانيّ مفهومينِ إجرائيّينِ
للاستعارة،
هما:
الاشتراك في جنس الصّفة، والاشتراك في الحكم والمقتضى. فعندما نقولُ "الخدُّ
وردةٌ"؛ فإنّ الخدَّ والوردةَ يشتركانِ في صفةٍ واحدةٍ هي الاحمرار، وفي
حُكمٍ واحدٍ هو الحسّيّةُ.
عندما
يقول الشّاعر صالح أحمد: "اللّونُ صمتٌ" فإنّ اللّون والصّمت
يشتركان في صفة واحدة، هو البهوتُ والاضمحلال وعدمُ البزوغ، وفي حُكم الحالة
المعنويّة والقرينة الحاليّة. ولا شكّ أنّ الأدب تعبيرٌ بالصّور وأنّ الشّعر تعبير
عن اللّحظات الأقوى في الحياة، واللّحظات المُفعمة بالطّاقة الشّعوريّة والانفعال
المُتوهّج.
والصّورةُ
الشّعريّةُ هي أعلى ما يُرَشّحُ الشّاعرَ للتفوّق والمجد، فهي جوهرُ الشّعرِ
وتُحيلُ المجرّداتِ إلى امتثالاتٍ عينيّةٍ أو سمعيّةٍ تنفعلُ بها الحواسُّ.
إنّ
الشّاعر قد استعمل في قصيدته صُورًا مُتعدّدةً، تصفُ حالةَ الأُمّة السّكرى، ومن
هذه الصّورِ:
-
تنامُ الأرضُ خَجلى.
-
خطواتُنا شَحّتْ.
-
يملأُ أُفقَنا صمتٌ يظلُّ يلوبُ وهو كظيم.
-
وتُنكِرُنا مواقفُنا.
-
أينبتُ في ملامحنا وفي أصلابنا أثرٌ بِطعمِ الطّعنِ
والغمزِ...
-
يُدقُّ ناقوسُ الرّدى.
-
وَإلباسُ الكيانِ الهشِّ لونَ سذاجةِ القصدِ.
-
فهلْ أحلامُكَ الصّفرا تُفيدُ بواقعي الضّاري؟
-
وهذا صبرُنا المُسْوَدُّ فوقَ صحائفِ الأوهامِ يندلقُ.
-
ويسرُقنا السُّدى.
-
ضميرُ الموتِ.
-
يُخربِشُنا على جدرانِ غَفلَتنا بأقلامِ السُّدى
شَرْخٌ...
-
أسيرُ هَوانِنا
القَسْريّ...
-
نزيفُ سَلامنا العُهرِيّ...
-
تُحاورُ بالمراثي
بطشَ غازيها.
-
تُعانقُ في الأماسي طيفَ نَكْبَتِها.
-
فاصْغوا لِنبضِ الطّينِ.
-
لِهمسِ تُرابي المحتاجِ وجداني وإحساسي.
إذن،
الصّور بمجموعها تُحيل إلى الموتيف الأساسيّ والمُهيمن على محور القصيدة،
وبالتّالي فإنّ الشّاعر باستخدامه الصّورَ المُركّبةَ من استعارة ومجازٍ وتشبيه،
تُؤدّي المعنى من الإشفاق على حالنا الكئيب، وهذا الوجود العاجز عن الخروج من
الهوّة ومقارعة الخَوَرِ والذّلّ والانكفاء...
هذه
المعاني قد أفرزَتهْا الصّورُ البيانيّةُ في سيماءاتها، وجعلت من النّصّ ديناميّة
فكريّة تنبضُ بضرورة حركة التّغيير. يأتي أحدُ الباحثين على دراسة التّشبيه
والاستعارة، مُضيفًا "ويظهرُ بوضوحٍ أنّ الاستعارةَ أشدُّ مباشرةً وأكثرُ
ديناميّةً، في حين أنّ في التّشبيه بعضَ الحَشوِ كما أنّه أشدُّ ثباتًا. إنّ
الاستعارةَ هي حاملةٌ للفكرِ وتُساعد على تكوينهِ، في حين أنّ التّشبيهَ هو في
الغالب مجرّدُ زُخرفٍ لهذا الفكرِ"[45].
إلّا
أنّهُ من الخطأ اعتبارُ أحدِ المُحسّنَينِ أشدَّ إمتاعًا من الآخر، فإنّ أرسطو قد
توقّفَ بالضّبط عند حدودِ التّقويم البالغ الأهميّة، لكنّه لم يُدرك الفارق
الطّبيعيّ الّذي يفصل بينَ المُحسّنينِ. والواقع إنّنا لا نستطيع أن ندّعي أنّ
التّشبيهَ هو في ذاته أقلّ إمتاعًا أو أقلّ جمالًا من الاستعارةِ، كما لا نستطيع
أن ندّعي عكس ذلك.
د_
المستوى المعنويّ: وهو العنصرُ الرّابعُ في تحليل الأبنية الأفقيّة للنّصّ
الأدبيّ، ويفترضُ طرَفينِ أساسيّينِ: مُرسِلٌ وَمُتَلقٍّ، Target& Source فالمُرسِل يبثُّ رغبةً أو مقصدًا أوّليًّا،
والمتلقّي يُحلّلُ الرّسالةَ (مقصدًا ثانويًّا)، فإذا أجاب المُتلقّي على الرّسالة
فهذا مقصدٌ ثلاثيٌّ.
ومن
المعلوم بالضّرورةِ أنّ المُرسلَ يتفاعلُ مع المتلقّي، فليس هناك خطابٌ أُحاديُّ
الجانبِ مُوجّه إلى ذاته، بل نحتاج إلى المُتلقّي لِيُعيد صياغةَ الخطابِ ويُحدّد
وُجهتَهُ.
"فالمُتلقّي
لا يتلقّى النّصّ وهو صحيفةٌ بيضاءُ، وإنّما لديهِ معلوماتٌ مُختزنةٌ في ذاكرتهِ
تسمحُ له بالتّدخّل في النّصّ، اعتمادًا على مبدأ النّظير. كما تسمحُ له بإعادة
الرّأي في قياسه، فهو يتفاعلُ مع نفسه ومع غيره من النّصوص، حسب مقولَتي الاختلاف
والائتلاف، ووفقًا لمبدأ التّناصّ"[46].
والمقصديّة
تتجلّى في النصّ من وجهة نظرنا من خلال الشّاعر ورسالته؛ فقد استولى عليه الشّعورُ
بواقعه المرير المُحبط، فلم يجد إلّا أن يُصوّرَ عبر الصّور البيانيّة العديدة
حيثيّات ما يدور في واقعنا. فقد يكون أسلمَ لنا أن نتعرّف على عيوبه وإخفاقاته،
لعلّ ذلك يستحثّ الهمم ويَبين عن مواطن الضّعف والانهزام والتردّي بكلّ هيئاته،
وقد رأينا في تعرّضنا للمستويات آنفًا أنّ الشّاعر لائمٌ ويحاول أن يُحصي أمراض
الأمّة بشكل يُشرّح الحالة الاجتماعيّة والإنسانيّة والوجدانيّة وحتّى الفكريّة،
كما يفعل روّاد الواقعيّة النّقديّة في تحليل المجتمع وإبراز تناقضاته.
يبدو
أنّ الشّاعر صالح أحمد يُزركشُ النّصَّ ويُضفي على الواقع المعيش أوصافًا مؤلمةً،
فالمجتمع يهيمُ على وجهه وقد ضلّ طريقهُ وهداه، إذ في المشاهد الموصوفة يعرض
الأحوالَ المعنويّة في محاولة لتبكيت المتلقّي، في واقعٍ مكلوم بتجلّيه المحلّيّ
ولربّما الكونيّ (الكوسموس). هذا الأمر أتينا عليه في محاولةٍ لتفسير النّصّ
ليوصلنا بالتّالي إلى جادّة القصد عند الشّاعر.
هذا
الأمرُ ينقلُنا للحديث عن صحّة التّفسير النّصيّ، في حدود الموقف الفلسفيّ. فهناك
من النقّاد ممّن أشاروا إلى ذلك، ولعلّ أبرزهم السّيميائيّ "إ.د. هيرش" E. D. Hirsch الّذي طوّر ذلك في كتابه المُسمّى
"صحّة التّأويل"، ويرى أنّ المؤلّف يطمح إلى معنًى يُسمّيه المعنى
المقصود. وربّما حملنا هذا إلى أن نُميّز بين "معنى النّصّ" الّذي هو
دائم وغير مُتغيّر، و"مغزى العمل" الّذي يُحتملُ تغيّرهُ من جيل إلى جيل
وفقًا للمنظورات التّاريخيّة لدى أولئك الّذين يحاولون الدّخول في حالة تفاعل مع
ذلك المعنى. فعملُ النّاقد عندهُ يشتمل على عمليّتين مُستقلّتين ومتعارضتينِ
تعارضًا دراميًّا، يُسمّيها "مرحلة التوهّم" و "مرحلة
التّدقيق". فلكي يصلَ النّاقدُ إلى مرحلةِ الفهم لا بدّ له من أن يُعملَ
خيالهُ بصفةٍ أساسيّةٍ. ولكن هذه العمليّةُ الخياليّةُ كما يُدركُها هيرش لا بدّ
عندئذٍ من إخضاعها للنّظرة الموضوعيّة، أي النّظر إليها في نطاق السّياق
التّاريخيّ الّذي نشأ فيه النّصّ. وفي هذه العمليّة يحشد المرءُ كلّ معرفته
التّاريخيّة باللّغة في تلك المرحلة من مراحل تطوّرها ومعرفته بالظّروف
التّاريخيّة، بالإضافة إلى إدراك منه لِسُلّمِ القيمِ السّائد في تلك الحقبة[47].
·
البنيةُ العميقةُ للنّصّ (العموديّةُ):
في
هذه القراءة السّيميائيّة أتينا على تحليل البنية الأفقيّة للنّصّ، ولا نكتفي بذلك
بل نطمح لمقاربة البنية العموديّة، من خلال البحث عن المعنى التّواصليّ وهو ما
يُعطيه الأديب للنّصّ. والتّفسير السّيميائيّ يرمي إلى المعنى الّذي يختلف باختلاف
القرّاء والنقّاد، إذ إنّ سيمياء الدّلالة وفق "رولان بارت" تمنح القارئ
دورًا فعّالًا بوصفه مُنتجًا ثانيًا وليس
مُستهلكًا
للنّصّ فحسب.
ومن
هنا فإنّ النّصّ، أيّ نصّ هو غير مكتمل، وعمليّة استكماله تتمّ بواسطة قراءته. وهناك
التوجّه عن "فولفغانغ إيزر" Wolfgang Iser أحد روّاد نظريّة الاستقبال البارزين، وهو لم يُرد
اتّباعَ التّفسيرَ التّقليديّ الّذي يُوضّح معنًى خافيًا في النّصّ، بل يريد
اتّباع إجراءات قرائيّة حين يتمّ التّفاعل بين النصّ والقارئ.
والقضيّة
الّتي أثارت اهتمامه ومعاصريه منذ البداية هي إجراءات القراءة وأهميّة الدّور
الّذي يضطّلع به القارئ في تفاعله مع النّصّ، حتّى كان التّساؤل الّذي ألحّ على
إيزر، وهو يواجه نظريّة التحوّل من النصّ والكاتب إلى النصّ والقارئ؛ هو كيف يكون
للنّصّ معنًى بالنّسبة للقارئ؟ فالعمل الأدبيّ عنده ليس نصًّا فحسب، ولا قارئًا
فقط، بل هو تركيب أو التحام بين الاثنين.
وفي
تصوّرنا أنّ فكرة النّظم لعبد القاهر الجرجانيّ كانت مُلحّةً على رؤية إيزر، وهو
يُدلي بِدلْوهِ في تأسيس نظريّة الاستقبال؛ فهي من القضايا النّقديّة الّتي تجاوزت
حدود البيئةِ إلى النّطاق العالميّ، فكانت من هؤلاء الروّاد على مدّ ذراعٍ. بيد
أنّ "إيزر في رؤيته كان مُهتمًّا بالنّصّ في علاقته بالقارئ أكثر من علاقته
بالأديب أو صاحب النّصّ، ممّا جعل النّظم عندهُ شبيهًا بالسّور الّذي يحتوي
الأمرين معًا: النّصّ في بنائهِ الثّابت، والقارئ في سلوكيّات الإدراك، وهذا يعني
أنّ التحام الشّكل بالمضمون أو القاعدة الأماميّة بالقاعدة الخلفيّة هو حاصل
إجراءات القراءة، لا حاصل عمل الأديب"[48].
وعليه
فإنّ الفكرة الّتي تُمثّل جوهر نظريّة الاستقبال الجديدة، هي مسألة التحوّل في
مفهوم الاستقبال من الاهتمام بالكاتب إلى أهميّة ودور القارئ.
"والقارئ
الضّمنيّ عند إيزر مُحدّد من خلال حالة نصّيّة واستمراريّة لنتاج المعنى، على أساس
أنّ النتاج من صنيع القارئ لا من صنيع الأديب وحدهُ، وما يريدهُ إيزر هو طريقة
لإلقاء الضّوء على وجود القارئ دون الحاجة للتّعامل مع القرّاء التّجريبيّين أو
الحقيقيّين، وكذلك القرّاء المجرّدين المفترض وجودهم مُسبقًا"[49].
ومن
هنا يمكن القولُ إنّ النصّ هو مُتغيّرٌ باستمرار ديناميّ، وبالتّفاعل معَ
الشّيفرات النّصّيّة قد تكتمل الدّلالات، على اعتبار الاهتمام في تقاطعات النّصّ،
حين تعتبرهُ جزءًا من كلّ، أو مفردًا بصيغة الجمع، وأنّ له ماضيًا وحاضرًا ومستقبلًا.
وهنا يمكن الإشارةُ إلى نوعين من البنى الأساسيّة:
1.
بُنيةُ التّشابهِ:
يتمثّلُ ذلك فيما أفاضَ
الشّاعرُ من تعابيرَ تصفُ الحالة العامّة للأمّة السّكرى، الّتي بأفاعيلها اندحرت
وتردّتْ وليس أدلّ على ذلك من سقوط النّفسِ نحو الهوان، ولم تعُد تميّزُ بين الخير
والشّرّ، السّعادة والشّقاء، والعدل والظّلم، والانتصار والهزيمة فلقد أسرفت في غيّها
وظلماتها حتّى لم تعد تقوى على النّهوض مُجدّدًا من كبْوتها. وهذا كلّه محمولُ
النّصّ، وهو يُعدّد مثالبَ هذه الأمّة. وقد أجاد الشّاعرُ وصفًا حين بيّنَ أنّ
أثَرَنا على هذه الأرض باهتٌ وخجلٌ، فَعلى الوجوهِ أن تعودَ إلى لون الطّين
لتستعيد خاصّتها، وجاء في النّصِّ "تنامُ الأرضُ خجلى، مُذ تملّكها الأُلى
جهلوا تضاريسَ النّدى والصّهدْ /
ولم يثبُتْ لنا أثرٌ على حصباءِ واديها/ وقد بتنا كَملح الجرحِ عنوانَ الشّقا
فيها/ وَتُنكرنا مواقفنا كجلّادٍ ينالُ مُرادهُ منّا...". ويمكن القولُ أنّ
الأمّةَ في سكرتها شبيهة العَدم والعبث، فهي تُبدعُ في جلد ذاتها، ومن غيرها كذلك.
فمتى ستصحو من غفوتها
وتمضي في رَكبها، وهي الّتي آثرتْ حديث الأمّةِ السّكرى؛ "تُحاورُ بالمراثي
بطشَ غازيها، تُعانقُ في الأماسي طيفَ نكبتِها، وتتبعُ في الضّحى إملاءَ فاشيها،
وتمضي صُبحَها في دفنِ فاديها، ويُردي عَصرَها استجداءَ واليها.."
إنّه التّماثلُ في الشّكل
والمضمون، وما كثرةُ الاستفهام الإنكاريّ إلّا ليعضدَ الحالة البشريّة والّتي
يُحيل عليها عنوانُ المجموعة "وتريّات الوجع الأليف"، وبالتّالي يشكّل
النّصُّ نسيجًا من الثّيمات والمعاني في تأطير الواقع، ليُبدّلَ الصّمت والخفوت
أصواتًا وصُراخًا يشي بضرورة التّغيير والثّورة على هذه الحالة السّكْرى.
2.
بُنيةُ التّناقضِ/ التوتّرُ والصّراعُ:
إنّ مجال التوتّر
والتّناقض في القصيدة يبدو بين الأنا الشّعريّة (البرسونا) والأمّة أو الشّعب
الّذي يحيا على واقع سوداويّ لا يُرجى منه خلاصٌ أو تفاؤلٌ في أُمّةٍ سَكرى. وهنا
الشّاعر ليس راضيًا عن حال أُمّةٍ كهذه عنوانُها الشّقاء، وأُفقها صمتٌ وهو كظيم،
وتُنكرها مواقفها، ضميرها أبكمُ، وحالُها مُسالمٌ ومُستسلمٌ لا يُرجى برؤها. إذن، يبقى
الشّاعرُ المُبدعُ ذاته البطل الّذي يريد أن يتمرّد بعد أن رثى حالَ الجموعِ في
وضعيّةٍ تعطّلت فيها حواسّها، وتجرّدت من إنسانيّتها ورضيت الهوانَ واستمراء حالة
التردّي والصّمت والقهر الغاصب.
يتّضحُ وصفُ الشّاعر
المُسترسل لأُناسٍ في وطنه بشكلهِ القاسي والمتورّط، وهو يُوظّفُ وجودَهُ
ومشاعرَهُ، ولكنّ الأمرَ لا يُسعفُهُ، إذ يُمثّلُ صوتًا خارج السّرب في أمّةٍ
لا تحسبُ أن تصنع لنفسها
مكانةً وموقفًا مُؤثّرًا بين الأمم، ولذلك كان لزامًا عليه أن يصف أفعالهم
وسلوكيّاتهم كعامل مؤثّر في توتّرٍ تجاههم، فأفعالهم لا تسرّ صديقًا ولا تُغيظُ
عدوًّا! وَلِتأتي اللّحظةُ الدّراميّةُ في خاتمة القصيدة الّتي فيها تأكيد لمعنى
القصيدة أو مضمونها. وبالطّبع فإنّ المضمون القاسي والمتشرذم قاد الشّاعر كونهُ
المحرّك الأساسيّ، والشّاهد العيان على الحالة الجمعيّة بكلّ أطيافها، قاد إلى
نهاية مفتوحة فيه أمر وطلب لما سيقوله، وهي بمثابة نصائح أساسيّة لتفادي الحالة
الوجدانيّة والوجوديّة الصّعبة، إذ يقول الشّاعر في الأسطرِ الأخيرة:
ألا فاصغُوا لنبض
الطّين يا صَلصالَهُ القاسي
لِهمسِ ترابيَ
المحتاجِ وجداني وإحساسي
يعودُ كيانُنا حيًّلا
إذا تفديهِ أنفاسي..
ويعلو شأنُنا حقًّا
بحبِّ النّاسِ للنّاسِ..
·
الزّمنُ ودلالتُهُ:
للزّمنِ
دلالتُهُ وبخاصّة في السّرد، فالسّردُ نظامٌ زمنيٌّ سواء أكان ذلك بوساطة الأفعال
المختلفة في إشاراتها الزّمنيّة (ماضٍ- حاضر- مستقبل)، أم كان بوساطة الإشاراتِ
الزّمنيّة والقرائن الأخرى في النّصّ (المساء- الغروب...)، "وليسَ من
الضّروريّ أن يتطابقَ تتابُعُ الأحداث في عمل فنّيّ ما مع التّرتيب الطّبيعيّ
لأحداثها، ولذلك اعتادَ الدّارسونَ أن يُميّزوا بين زمنينِ: زمنُ السّردِ وزمنُ
الأحداثِ، فالزّمن الأخير متتابع متّصل بالضّرورة ( حبّ- هجران- ألم)، ولكن زمن
السّرد لا يتقيّد بهذا التّتابع المنطقيّ"[50]. فقد تحدث المفارقة بين
زمن السّرد وزمن الـأحداث، وقد تكون المفارقةُ استرجاعًا لأحداث ماضويّة (Retrospection) أو استباقًا لأحداث
لاحقة (Anticipation).
وإذا
عدنا إلى النّصّ الّذي نحن بصدده وجدناه نصًّا شعريًّا وجدانيًّا وجوديًّا، ولا
يخلو من السّرد، فهو يتلوّنُ بالوصف والسّرد معًا، فالشّاعرُ يصفُ في أربع صفحاتٍ
(95 -98) حالةَ الأُمّة الّتي ارتضت لنفسها الهوان والذّلّ بكلّ التّعابير الّتي
تومئ إلى سكرتها وعدم فاعليّتها، فهي تحيا على هامش الأمم دون أن تُحقّق لنفسها
قَصَب السّبق.
وهذا
الوصف في انسيابيّته يمتزج بالسّلاسة والإيحائيّة الّذي يُقرّبهُ من السّرد
قليلًا، مَع أنّ الشّاعريّةَ حاضرةٌ بقوّةٍ، وهو يستغرقُ الزّمنَ الحاضرَ بكلّيّته
معَ أنّهُ يستعملُ الماضي ليُصوّر واقعيّة النّاسِ بتلوينٍ زمنيّ أسلوبيّ، (تنامُ
الأرضُ/ باتت وجوهُ شبابنا تأبى بأن تبدو بلونِ الطّين/ ولم يثبُتْ لنا أثرٌ/
ويملأُ أُفقَنا صمتٌ يظلُّ يلوبُ/ وتُنكرنا مواقفُنا، وَيمضي مُغمضَ العينَين...).
وإذا
استعرضنا الأزمنةَ بدلالتها في النّصّ، وجدنا أنّ الماضي تَداخلَ ليُكملَ الصّورةَ
المشهديّةَ، ومنه نستنتجُ أنّ ظروفًا يبدو أنّها أثّرت على قبول الأُمّة بهذا
الضّعف والخنوع، ولم تشرئبَّ للنّهوضِ من الأرضيّة المُهمّشة، وهذا الأمرُ يستطيع
القارئ تأويلَهُ من خلال مشاركته الشّاعرَ في بناء المعنى.
من
خلال توالي أفعال المُضارعة، تُظهِرُ أنّ الشّاعر مُتعلّق بِحاضره، على عكس
الشّعبِ الّذي لا يهمّهُ حقيقةُ وجودِهِ، وقيمةُ حياتهِ الإنسانيّة. وعلى الرّغم
من أنّ صوت الشّاعر هو الصّوت الوحيد الّذي نسمعُهُ في النّصِّ، وهو صوتٌ فيهِ
تبكيتٌ وتقريعٌ لهؤلاءِ النّاس الّذين يلوذون بالاستكانةِ والمهانة وقبول الواقع
والاستسلام له.
لكنّ
الخلاصَ ينبثقُ من هذا اللّومِ والتّقريعِ؛ فالاستسلامُ والخنوعُ دون مقاومةٍ
ورفضٍ يُساوي الموتَ الطّائشَ لا القُدسيّ، دون أن يحدثَ تطهيرٌ للنّفوسِ؛ لذلك
فإنّ الشّاعرَ المعاصرَ يتقابلُ ويتوازى مع الشّاعر الكلاسيكيّ الّذي سبقهُ زمانيًّا،
ولذا يأتي صوتُهُ نابضًا هادرًا بضرورة إحداثِ التّغيير! باستعمال فعل الأمرِ في
الأسطر الأربعة الأخيرةِ:
ألا فاصغوا لنبضِ الطّينِ يا صلصالَهُ القاسي
لهَمسِ ترابيَ المحتاجِ وجداني وإحساسي
فالشّاعرُ
مُدركٌ تمامًا أنّ ترابَهُ محتاجٌ لوجدانه وإحساسه، ويعودُ الكيانُ الإنسانيُّ
للحياةِ إذا فَدتْهُ أنفاسُهُ الحقيقيّةُ، ولا يعلو الشّأنُ والقيمةُ إلّا بحبّ
النّاسِ بعضهم بعضًا. إنّهُ في تداخُلهِ إنّما يُصغي لصوت الإنسان الحرّ، ويُدركُ
أنّه لا بدّ في هذا الزّمن حدوثُ تغيير لنعودَ لسابق عهدنا، وثمّ إشارات ودلالات
دالّة على الزّمن المُرتجى؛ فاصغوا لنبض الطّين/ لِهمسِ ترابي/ وجداني وإحساسي/
تُفديهِ أنفاسي/ ويسرقُنا السّدى من ظلّ أيّامٍ ذوتْ في غبِّ سكرتِنا...
· خاتمة:
أتينا على نهاية مقاربتنا السّيميائيّة الدّلاليّة حول
قصيدة "حديث الأمّة السّكرى" المأخوذة من ديوان "وتريّات الوجع
الأليف" للأديب صالح أحمد كناعنة، ووقفنا على ثيماتٍ عدّةٍ تنضوي عليها
دراستنا للقصيدة المختارة. وقد قمنا بتحليل البنية الظّاهريّة للنّصّ، في المستوى
الصّوتيّ والتّركيبيّ والمعنويّ، ثمّ اتّجهنا إلى تحليل البنية العميقة للنّصّ،
وقوفًا على بُنية التّشابه، وبنية التّناقض / التوتّر والصّراع، عطفًا على الزّمن
ودلالته.
أبانت تحليلات البنى بنوعيها عن نصّ شعريّ متماسك بحيث
تلازمت الأفكار مع تصوّر الجماليّة عند الشّاعر، وكشفت الدّراسةُ عن ماهيّة
الصّراع والتّضادّ بين توجّه الشّاعر الواقعيّ الوجوديّ مقابل توجّه النّاس
والأمّة جمعاءَ؛ فهي لم تُحسن الخروجَ من دائرة الصّمت والقهر والرّقص على مواطن
الجراح دون البحث عن سبيل للخروج من الواقع المتردّي الآثم. كما يقول الشّاعرُ في
قصيدته: "ويزدادُ الصّدى عُهرًا، وما زال الجوابُ دماءَ أيّامي على أجداثِ
ذاتِ العُذرِ تَنسكِبُ، ونحضنُ عُذرَنا الأسودَ".
وقد وقفنا على عنوان الدّيوانِ وأشرنا إلى خاصّيّته
الأسلوبيّة، ومن ثمّ عنوانَ القصيدةِ؛ فإنّ عنوان القصيدة يمدّ القارئ بزادٍ ثمين
لتفكيك النصّ ودراسته، وهو المحور الّذي يتوالدُ ويتنامى ويُعيد إنتاج نفسهِ،
ويُحدّدُ هويّة القصيدة، وقد توقّعنا المضمونَ الّذي يتلو العنوانَ كعتبة
أوّليّة...
وقد أتينا على الزّمان في القصيدة، ووجدنا أنّ الزّمن هو
الحاضر بصُورهِ المختلفة. والشّاعر في هذه الزّمنيّة يُحيلُ إلى الحالة الجمعيّة
عند الأمّة، فحاضرُها ومُستقبلُها لا يشي بخيرٍ طالما استمرأت حالة الاستكانة
والخَور والاتّضاع في مهاوي الظّلام والانهزام، في استباقٍ من الشّاعر ونذير يدقُّ
ناقوسَ الخطر قبل الوقوع في الهاوية أخيرًا؛ ولاتَ ساعةَ مندمٍ!
· المصادر والمراجع:
- القرآنُ
الكريمُ.
-
الأحمد، علي أحمد. "جدليّة الشّاعر المعاصر ووظيفة الحداثة"، مقالة
داخل أوراق
ثقافيّة:
مجلّة الأدب والعلوم الإنسانيّة،
لبنان. م3. ع 14 صيف (2021)، 45-77.
-
الأحمر، فيصل. معجم السّيميائيّات، ط1. الجزائر: منشورات الاختلاف؛ بيروت: الدّار
العربيّة للعلوم ناشرون، 2010.
-
الإدريسي، يوسف. عتبات النّصّ في التّراث العربيّ والخطاب النّقديّ المعاصر. ط1.
بيروت – لبنان: الدّار العربيّة للعلوم
ناشرون، 2015.
-
الأزدي، عبد الجليل. "عتبات الموت قراءة في هوامش لأعشاب البحر". فضاء
مستقبليّة.
المغرب: الدّار البيضاء، العددان 2 -3 (مارس
1996)، 37-53
-بن
غنيسة، نصر الدّين. "الموضوع السّيميائيّ ولعبة المعنى"، مجلّة سمات،
جامعة
البحرين: مركز النّشر العلميّ. المجلّد 2،
العدد 2 (مايو 2014)، 141-151.
-
بنكَراد سعيد. السّيميائيّات: مفاهيمها وتطبيقاتها، ط2. سوريّة – اللّاذقيّة: دار
الحوار، 2005.
-
تشاندلر، دانيال. أسس السّيميائيّة، ترجمة: د. طلال وهبة، ط1. بيروت: المنظمّة
العربيّة للتّرجمة، 2008.
-تودوروف،
تزفيتان. نقد النّقد رواية تعلّم، ترجمة: سامي سويدان وليليان عويدان.
ط2، د.م.: دار الشّؤون الثّقافيّة العالميّة،
1996.
-حاج
يحيى، آثار. "الإرداف الخُلفيّ (الأوكسيمورون) في شعر محمود درويش"،
مجلّة
الحصاد، ع 5 (2015). بيت بيرل: المعهد الأكّاديميّ العربيّ
للتّربية، 131- 154.
-حسنين،
نبيل علي. "الانزياحُ معيارًا نقديًّا"، مجلّة اللّغة العربيّة،
ع 25. الجزائر،
2010، 91-131.
-
حمداوي، جميل. "السّيميوطيقا والعَنونة"، مجلّة عالم الفكر، م25،
ع3 (يناير –
مارس 1997). دولة الكويت: المجلس الوطنيّ
للثّقافة والفنون والآداب، 79-112.
-
____________. الاتّجاهات السّيميولوجيّة (التيّارات والمدارس السّيميوطيقيّة في
المدارس الغربيّة)، ط1. شبكة الألوكة (www. Alukah.net) ، 2015.
-حنون،
مبارك. دروس في السّيميائيّات، ط1. المغرب: دار توبقال- الدار البيضاء، 1987.
-خالقي
حسين. البلاغة وتحليل الخطاب، ط1. بيروت: دار الفارابي؛ الجزائر: منشورات
الاختلاف، 2011.
-خلف،
عصام كامل. الاتّجاه السّيميولوجيّ في نقد الشّعر. القاهرة: دار فرحة للنّشر
والتّوزيع، 2003.
-دي
سوسير، فردينان. علم اللّغة العامّ. ترجمة: يوئيل يوسف عزيز. بغداد: دار آفاق
عربيّة، 1985.
-ريّان،
محمود جمال. "قراءة بنيويّة سيميائيّة لشخصيّة يونس عليه السّلام القرآنيّة
وجماليّات المكان في القصّة القرآنيّة"، مجلّة
إيجهار. تركيّا: إستانبول/ م 5، ع 2 (إبريل
2023). 239-260.
-الزّامل،
منير. التّحليل السّيميائيّ للمسرح. سوريّة – دمشق: دار مؤسّسة رسلان
للطّباعة والنّشر، 2011.
-عبد
الواحد، محمود عبّاس. قراءة النّصّ وجماليّات التلقّي: دراسة مقارنة،
ط1. القاهرة: دار الفكر العربيّ، 1996.
-العرباوي،
عزيز. "رولان بارت وسيميائيّات الصّورة الإشهاريّة"، مجلّة أيقونات.
الجزائر:
مجموعة سيما للبحوث السّيميائيّة سيدي بلعباس،
ع 5 (2015)، 50-69.
-عزّام،
محمّد. النّقد والدّلالة- نحو تحليل سيميائيّ للأدب. دمشق: منشورات وزارة
الثّقافة، 1996.
-العزاوي،
أبو بكر. "الحجاج والشّعر: نحو تحليل حجاجيّ لنصّ شعريّ معاصر".
دراسات
سيميائيّة أدبيّة لسانيّة، ع 7
(1992)، 98-116.
-
غيرو بيير. السّيمياء. ترجمة: أنطوان أبي زيد، ط1. بيروت – باريس: منشورات عويدات،
1984.
-
الفاخوري عادل. "حول إشكاليّة السّيمياء"، مجلّة عالم الفكر، م 24، ع 3
(1996)،
179-188.
-فضل
صلاح. بلاغة الخطاب وعلم النّصّ. الكويت: المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون
والآداب، أغسطس 1992.
-قاسم
سيزا. مدخل إلى السّيميوطيقا، السّيميوطيقا: حول بعض المفاهيم والأبعاد، ج1،
ط2. المغرب – الدار البيضاء: منشورات عين
المقالات، د.ت.
-
كناعنة، صالح أحمد. وتريّات الوجع الأليف، ط1. مصر: دار السّكريّة للنّشر
والتّوزيع،
2018.
-
كاول داستن. منهجيّة طه حسين في نقد أشعار المتنبّي"، ترجمة: عزّ الدين
إسماعيل. مجلّة نوافذ. السّعوديّة: النّادي الأدبيّ الثّقافيّ بجدّة، ع 17 (سبتمبر
2001)، 218-244.
-
محمّد، ماهر عبد القادر. فلسفة العلوم: المنطق الاستقرائيّ. ج1. مصر: دار المعرفة
الجامعيّة، 1998.
-الموسى،
خليل. قراءات في الشّعر العربيّ الحديث والمعاصر. دمشق: منشورات اتّحاد
الكتّاب العرب، 2000.
-مورو،
فرانسوا. البلاغة: مدخل لدراسة الصّور البيانيّة، ترجمة: محمد الولي، عائشة
جرير. المغرب – لبنان: أفريقيا الشّرق، 2003.
-هولب،
روبرت سي. نظريّة الاستقبال- رؤية نقديّة. ترجمة: رعد عبد الجليل. اللّاذقيّة: دار
الحوار للنّشر والتّوزيع، 1992.
-
Mitterand, Herni. "Les Litres du
roman de Guy res Cars", in C. duchet et all, sociocritique, Nathan, 1979.
المُلَخّصُ:
تسعى هذه الدّراسةُ
إلى رصدِ البُنيةِ السّيميائيّة وَوَصفها في قصيدة "حديث الأُمّة
السّكرى" من ديوان "وتريّات الوَجَع الأليف" للشّاعر الفلسطينيّ
صالح أحمد كناعنة المُقيم في مدينة عرّابة الجليل، فلسطين 48.
تتناولُ الدّراسةُ
محورَينِ: المحورُ الأُفقيّ في المستويات الصّوتيّة والتّركيبيّة والمعجميّة
والدّلاليّة؛ والمحور العموديّ بحيث تعاملتْ معَ البُنى الثّلاث، التّشابهُ
والتّناقضُ والصّراعُ أو التوتُّرُ.
وأشرنا إلى عنوان القصيدة
وخاصّيّته الأسلوبيّة، إذ يمدُّ المُتلقّي بِزادٍ ثمينٍ لتفكيك النّصّ والوقوف على
هُويّته، وقد توقّعنا المضمونَ الّذي يتبعُ العُنوانَ كَعتبةٍ أولى.
خَلصنا إلى أنّ
القصيدةَ تتمتّعُ ببُنيةٍ عميقةٍ تتجسّدُ في الأصوات الّتي تجعلُ من ثيمات القصيدة
ارتكازيّةً وذات بُنيات دلاليّة وسيميائيّة تكشفُ عن طروحاتِ النصّ في إطار الطّرح
الموضوع.
(كلمات مفتاحيّة:
قصيدة، سيمياء الدّلالة، بُنية نصّيّة، الشّعر المعاصر، اللّفظ والمعنى، فرديناند
دي سوسير، الجُرجاني).
Abstract:
This study seeks to
trace and describe the semiotic structure embedded in the poem “The Discourse
of a Drunken Nation” from the collection “The Strings of Intimate Pain” by the
Palestinian poet Saleh Ahmad Kanaana, who resides in the city of Arraba in the
Galilee, Palestine ’48.
The study examines
two axes: the horizontal axis, encompassing the phonetic, syntactic, lexical,
and semantic levels; and the vertical axis, which engages with three structural
dimensions—similarity, contradiction, and conflict/tension. We also highlight
the poem’s title and its stylistic distinctiveness, for it provides the reader
with valuable insight that aids in deconstructing the text and discerning its
identity. The title, functioning as an initial threshold, allows us to
anticipate the thematic content that follows. Our findings indicate that the
poem possesses a profound structural depth manifested through its sonic
texture, which anchors the poem’s thematic pillars and generates semantic and
semiotic formations that reveal the text’s propositions within the framework of the subject matter. (Keywords:
poem, semiotics of meaning, textual structure, contemporary poetry, expression
and meaning, al‑Jurjani, Ferdinand de Saussure…).
[1] . انظر: علي أحمد الأحمد، "جدليّة الشّاعر المعاصر ووظيفة
الحداثة"، مقالة داخل: أوراق ثقافيّة – مجلّة الآداب والعلوم الإنسانيّة،
لبنان، م3، ع 14 صيف (2021)، 53، 60.
[2] . صالح أحمد كناعنة، وتريّات الوجع الأليف، ط1 (مصر: دار السّكريّة للنّشر
والتّوزيع، 2018)، 95-99.
[3]. مبارك
حنون، دروس في السّيميائيّات، ط1 (المغرب: دار توبقال- الدار البيضاء، 1987)، 74.
[4] . مبارك حنون، م.ن.، 75.
[5] . عزيز العرباوي، رولان بارت وسيميائيّات الصّورة الإشهاريّة"، مجلّة
أيقونات، الجزائر: مجموعة سيما للبحوث السّيميائيّة سيدي
بلعابس، ع 5 (2015)، 56.
[6] . ماهر عبد القادر محمّد، فلسفة العلوم: المنطق الاستقرائيّ، ج1 (مصر: دار
المعرفة الجامعيّة، 1998)، 65.
[7] . تزفيتان تودوروف، نقد النّقد رواية تعلّم، ترجمة: سامي سويدان وليليان
عويدان، ط2 (د.م.: دار الشّؤون الثّقافيّة العلميّة،
1996)، 25.
[8] . نصر الدّين بن غنيسة، "الموضوع السّيميائيّ ولعبة المعنى"،
مجلّة "سمات"، جامعة البحرين مركز النّشر العلميّ، م2، ع2 (مايو
2014). 144، 151.
[9] . فردينان دي سوسير، علم اللّغة العامّ، ترجمة: يوئيل يوسف عزيز (بغداد:
دار آفاق عربيّة، 1985)، 86.
[10] . انظر: محمّد عزّام، النّقد والدّلالة- نحو تحليل سيميائيّ للأدب (دمشق:
منشورات وزارة الثّقافة، 1996)، 125.
[11] . فيصل الأحمر، معجم السّيميائيّات، ط1 (الجزائر: منشورات الاختلاف؛ بيروت:
الدار العربيّة للعلوم ناشرون، 2010)، 17.
[12] . سيزا قاسم، مدخل إلى السّيميوطيقا. السّيميوطيقا: حول بعض المفاهيم
والأبعاد، ج1، ط2 (المغرب- الدار البيضاء: منشورات
عين المقالات، د.ت.)، 13.
[13] . عصام كامل خلف، الاتّجاه السّيميولوجيّ ونقد الشّعر (القاهرة: دار فرحة
للنّشر والتّوزيع، 2003)، 20.
[14] . جميل حمداوي، "السّيميوطيقا والعنونة"، مجلّة عالم الفكر،
المجلّد الخامس والعشرون، ع 3 (يناير/ مارس 1997)، دولة
الكويت: المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، 80.
[15] . م.ن.، 79-80.
[16] . منير الزّامل، التّحليل السّيميائيّ للمسرح (سوريّة – دمشق: دار مؤسّسة
رسلان للطّباعة والنّشر، 2014)، 14.
[17] . سعيد بنكراد،
السّيميائيّات: مفاهيمها وتطبيقاتها، ط2 (سوريّة- اللّاذقيّة: دار الحوار، 2005)،
15.
[18] . م.ن.، 14.
[19] . منير الزّامل، م.س.، 15.
[20] . عادل الفاخوري، "حول إشكاليّة السّيمياء"، مجلّة عالم الفكر،
مجلّد 24، ع3 (1996)، 179.
[21] . صلاح فضل، بلاغة
الخطاب وعلم النّصّ (الكويت: المجلس الوطني للثّقافة والفنون والآداب، أغسطس
1992)، 270.
[22] . محمّد عزّام، النّقد والدّلالة – نحو تحليل سيميائيّ للأدب (دمشق:
منشورات وزارة الثّقافة، 1996)، 61.
[23] . م.ن.، 17.
[24] . حسين خالفي، البلاغة وتحليل الخطاب، ط1 (بيروت: دار الفارابي؛ الجزائر:
منشورات الاختلاف، 2011)، 48.
[25] . انظر: محمود جمال ريّان، "قراءة بنيويّة سيميائيّة لشخصيّة يونس
عليه السّلام القرآنيّة، وجماليّات المكان في القصّة القرآنيّة"،
مجلّة إيجهار، تركيا: إستانبول، م5، ع2 (إبريل 2023)،239.
[26] . دانيال تشاندلر، أسس السّيميائيّة، ترجمة: د. طلال وهبة، ط1 (بيروت:
المنظّمة العربيّة للتّرجمة، 2008)، 43.
[27] . م.ن.، 357-358.
[28].
جميل حمداوي، الاتّجاهات السّيميولوجيّة (التيّارات والمدارس السّيميوطيقيّة في
المدارس الغربيّة)، ط1. شبكة الألوكة (www. Alukah.net) ،
2015، 7.
[29] , بيير غيرو، السّيمياء؛ ترجمة: أنطوان أبي زيد، ط1 (بيروت – باريس:
منشورات عويدات، 1984)، 5.
[30] . جميل حمداوي، "السّيميوطيقا والعَنونةُ"، م 25، ع 3- يناير/
مارس (1997). الكويت: المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب،
96.
[31] . م.ن.، 97.
[32] . أبو بكر العَزاوي، "الحجاج والشّعر: نحو تحليل حجاجيّ لنصّ شعريّ
معاصر"، مجلة دراسات سيميائيّة أدبيّة لسانيّة،
ع7 (1992)،
110.
[33] . راجع، يوسف الإدريسي، عتبات النّصّ في التّراث العربيّ والخطاب النّقديّ
المعاصر، ط1 (الدار العربيّة للعلوم ناشرون،
2015)، 67.
[34] . عبد الجليل الأزدي، "عتبات الموت قراءة في هوامش وليمة لأعشاب
البحر"، فضاء مستقبليّة، المغرب: الدار البيضاء، العددان
2-3، (مارس 1996)، 41.
[35] . Herni. Mittérand:
"Les Litres du romans de Guy res cars", in c. Duchet et all,
Sociocritique, Nathan,1979: 92.
[36] . للتعرّف على هذا المصطلح الّذي يعود إلى اليونانيّة، راجع: آثار حاج
يحيى، الإرداف الخُلفيّ (الأوكسيمورون) في شعر محمود
درويش، مجلّة الحصاد، ع 5 (2015). بيت بيرل: المعهد الأكّاديميّ العربيّ
للتّربية، 132.ودراستنا عن الشّاعر فؤاد عزّام:
محمود ريّان، فؤاد عزّام شاعرًا- قراءات نقديّة في إبداعه الشّعريّ، ط1
(كفر مندا: دار سهيل عيساوي للنّشر، ومفعال هبايس،
2024)، 125-127.
[37] . انظر: الإردافُ الخُلفيّ في شعر محمود درويش، م.س.، 133.
[38] . انظر: محمّد عزّام، النّقد والدّلالة، م.س.، 131.
[39] . انظر: م.س.، 132.
[40] . م.ن.، 135.
[41] . نبيل علي حسنين، "الانزياحُ معيارًا نقديًّا"، مجلّة اللّغة
العربيّة، العدد الخامس والعشرون. الجزائر، 2010. 106.
[42] . محمّد عزّام، النّقد والدّلالة، م.س.، 139.
[43] . القرآن الكريم، سورة الحجر، الآية 72.
[44] . فرانسوا مورو، البلاغة: المدخل لدراسة الصّور البيانيّة، ترجمة: محمد
الولي، عائشة جرير (المغرب- لبنان: أفريقيا الشّرق،
2003)، 23.
[45] . م.ن.، 26.
[46] . محمّد عزّام، م.س.، 142-143.
[47] . داستن كاول، "منهجيّة طه حسين في نقد أشعار المتنبّي"، ترجمة:
عزّ الدّين إسماعيل، مجلّة نوافذ، السّعوديّة: النّادي الأدبيّ
الثّقافيّ بجدّة، ع 7 (سبتمبر 2001)، 219-220.
[48] . انظر: محمود عبّاس عبد الواحد، قراءة النصّ وجماليّات التلقّي: دراسة
مقارنة، ط1 (القاهرة: دار الفكر العربيّ، 1996)، 35.
[49] . روبرت سي هولب، نظريّة الاستقبال- رؤية نقديّة، ترجمة: رعد عبد الجليل
(اللّاذقيّة: دار الحوار للنّشر والتّوزيع، 1992)، 105.
[50] . خليل الموسى، قراءات في الشّعر العربي الحديث والمعاصر (دمشق: منشورات
اتّحاد الكتّاب العرب، 2000)، 40.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق