حين تصبح الحكاية بيتًا للطفولة:
جمال
أسدي كاتبًا لأدب الأطفال بين الخيال والقيمة والإنسان
بقلم: الدكتور نسيم عاطف الأسدي
الملخص بالعربية
تتناول هذه
الدراسة تجربة البروفيسور جمال أسدي في كتابة أدب الأطفال، انطلاقًا من مجموعة من
أعماله القصصية العربية والإنجليزية والقصص التي ارتبطت بمشروعه في الترجمة
والتواصل الثقافي. وتسعى الدراسة إلى قراءة هذه التجربة بوصفها مشروعًا أدبيًا
متكاملًا يقوم على احترام الطفل بوصفه قارئًا قادرًا على التفكير والتخيّل واتخاذ
الموقف الأخلاقي، بعيدًا عن الوعظ المباشر والتلقين. وتعتمد الدراسة، بصورة
أساسية، على قراءة نصوص قصصية من أعمال أسدي، من بينها سر الهلال: حكاية يرويها شيخ رمضان، وكيف تألق جلال، وسديم الأحلام،
وذاكرة من رماد، إلى جانب مشروع شجرة تتنفس، مع الإشارة إلى أعماله في الترجمة بوصفها
جزءًا من انفتاح مشروعه على أدب الطفل العالمي.
وتكشف
القراءة أن أسدي يتحرك في قصصه بين ثلاثة فضاءات متداخلة: الواقع اليومي للطفل،
والخيال الذي يوسّع هذا الواقع، والقيمة الإنسانية التي تنشأ من التجربة القصصية
نفسها. ففي سر الهلال تتحول الحارة
إلى فضاء تربوي واجتماعي، ويتحول رمضان من مناسبة زمنية إلى تجربة في المشاركة
والغفران والعمل الخفي. وفي كيف تألق جلال تصبح المدرسة
والمنافسة والحوار مجالات لاختبار الذات وإعادة بناء العلاقة بالآخر. أما سديم الأحلام فيفتح الطفل على الفضاء الكوني والعلم
والمجهول، بينما تربط ذاكرة من رماد بين المعرفة
والذاكرة وإعادة بناء المستقبل بعد الخراب. وتكشف شجرة تتنفس عن اهتمام واضح بالبيئة، والتعاون، والتوازن
بين المعرفة العلمية والحكمة المتوارثة.
وتخلص
الدراسة إلى أن قيمة تجربة أسدي في أدب الأطفال تكمن في قدرته على تحويل الأفكار
المجردة إلى صور وشخصيات ومواقف وحكايات قابلة للتلقي، بحيث يصبح الطفل شريكًا في
إنتاج المعنى، وتغدو القصة مساحة للخيال والتفكير والنمو الأخلاقي في آن واحد.
الكلمات المفتاحية: جمال أسدي،
أدب الأطفال، القصة، الخيال، القيم، الترجمة، الطفل، المعرفة، البيئة، السرد.
When the Story Becomes a Home for Childhood:
Jamal Assadi as a Children’s
Writer
between Imagination, Values,
and Humanity
Abstract
This
article examines Professor Jamal Assadi’s experience as a writer of children’s
literature, drawing on a selection of his Arabic and English stories and
situating his translated children’s works within his broader commitment to
intercultural literary communication. The study approaches Assadi’s children’s
writing as an integrated literary project grounded in respect for the child as
an imaginative, reflective, and ethically responsive reader. His stories do not
treat children merely as recipients of moral lessons; instead, they invite them
to discover meanings through characters, conflicts, dialogue, imagination, and
action.
The
discussion focuses particularly on The Secret of the Crescent: A Story Told
by Sheikh Ramadan, How Jalal Shone, The Dreaming Nebula, Memory
of Ashes, and The Breathing Tree. These works reveal several
recurring dimensions of Assadi’s children’s writing: the transformation of
ordinary environments into imaginative spaces; the integration of ethical
values into narrative action; the relationship between knowledge and
imagination; the representation of children as active agents; and the
connection between personal experience, social responsibility, and the wider
world.
In The
Secret of the Crescent, the neighborhood becomes a small moral and social
universe in which Ramadan is presented as a school for the heart. In How
Jalal Shone, dialogue, competition, self-development, and recognition shape
the protagonist’s growth. The Dreaming Nebula extends children’s
imagination toward astronomy, science, mystery, and the unknown. Memory of
Ashes connects childhood with memory, technological knowledge, survival,
and rebuilding. Meanwhile, The Breathing Tree explores environmental
responsibility, collective action, and the productive dialogue between
scientific knowledge and traditional wisdom.
The
article argues that Assadi’s significance as a children’s writer lies in his
ability to transform abstract values into narrative experience. His stories
offer children a literary space in which imagination, knowledge, emotion, and
ethical awareness can develop together. His work consequently contributes to a
form of children’s literature that speaks to the child with seriousness,
affection, and confidence in the child’s capacity to understand.
Keywords: Jamal Assadi, children’s literature, children’s fiction,
imagination, values, translation, childhood, narrative, environment,
intercultural communication.
مقدمة: من
الكتابة للطفل إلى الكتابة مع الطفل
تحتاج
الكتابة للأطفال إلى أكثر من لغة سهلة، وشخصيات لطيفة، ونهاية سعيدة. فالطفل قارئ
خاص؛ إنه يدخل القصة وفي ذهنه عالم لم يكتمل بعد، ويخرج منها وهو يحمل صورة جديدة
عن نفسه، وعن الآخرين، وعن العالم المحيط به. ومن هنا فإن الكاتب الذي يكتب
للأطفال لا يكتب لجمهور صغير فحسب، وإنما يخاطب مرحلة إنسانية شديدة الحساسية،
تتشكل فيها اللغة والخيال والذاكرة والقيم والقدرة على السؤال.
من هذا
المنظور يمكن قراءة تجربة البروفيسور جمال أسدي في أدب
الأطفال بوصفها تجربة تتجاوز إنتاج القصص المنفردة. فأسدي، الذي عرفناه في مجالات
الأدب والنقد والترجمة والبحث، ينتقل إلى عالم الطفل وهو يحمل معه وعيًا واضحًا
بقوة الحكاية، وبقدرتها على الجمع بين المتعة والمعرفة والتكوين الإنساني. ولا
تبدو قصصه للأطفال منفصلة عن اهتمامه الأوسع باللغة والثقافة والإنسان؛ بل تبدو
امتدادًا طبيعيًا لرؤية أدبية ترى في الكتابة وسيلة للتواصل وبناء الجسور.
وتظهر هذه
الرؤية بوضوح في أعماله المرفقة بالدراسة. ففي سر الهلال: حكاية يرويها شيخ رمضان، الصادرة سنة 2026، نجد منذ الصفحة الأولى
تحديدًا واضحًا للنوع الأدبي: "قصة للأطفال"، مع تثبيت اسم المؤلف: بروفيسور جمال أسدي. وتكشف المقدمة أن القصة تريد أن تجمع بين دفء الحكاية وجمال المعنى، وأن تجعل رمضان
مجالًا لفهم التغير الداخلي، لا مجرد سلسلة من الأيام
والمناسبات.
هذه الجملة
الأخيرة تصلح مفتاحًا لقراءة جانب كبير من تجربة أسدي. فالحكاية عنده لا تُبنى حول
المعلومة وحدها، ولا حول العبرة في صورتها المدرسية المباشرة، وإنما حول التحول. الطفل يدخل القصة بشيء، ويخرج منها بشيء آخر.
وقد يكون هذا الشيء فكرة، أو موقفًا، أو سؤالًا، أو شعورًا جديدًا تجاه الآخر.
ومن هنا أرى
أن مشروع أسدي في أدب الأطفال يمكن فهمه من خلال خمسة محاور كبرى: بناء عالم قصصي
قريب من الطفل؛ تحويل القيمة إلى فعل سردي؛ توسيع خيال الطفل بالعلم والفضاء
والمستقبل؛ معالجة الذاكرة والخسارة وإعادة البناء؛ ثم الانفتاح على الطبيعة
والترجمة والتواصل الثقافي.
أولًا: الحكاية بوصفها فضاءً قريبًا من الطفل
أول ما يلفت
الانتباه في قصص جمال أسدي هو قدرته على بناء فضاء يمكن للطفل أن يدخله بسهولة.
فالكاتب لا يبدأ عادةً من فكرة مجردة، بل من مكان محسوس: حارة، مدرسة، بيت، شارع،
مكتبة، سفينة فضائية، قرية أو بيئة طبيعية. وهذه الأمكنة تتحول تدريجيًا إلى عوالم
سردية تحمل المعنى.
في سر الهلال، لا يبدأ العالم من مفهوم ديني أو أخلاقي مجرد، وإنما من «حارة صغيرة».
ويصف النص هذه الحارة بطريقة تجعلها أقرب إلى كائن حي: تتجاور البيوت، وتتداخل
الأرواح، وتصبح الفوانيس ورائحة الخبز والتمر وصوت المئذنة عناصر سردية تحمل
دلالات أكبر من حضورها الواقعي.
وهنا تكمن
إحدى نقاط القوة في كتابة أسدي: القيمة لا تأتي من خارج الحكاية، بل تنمو
داخلها.
فالطفل لا
يقرأ في البداية درسًا عن المشاركة، وإنما يرى شخصيات تشارك. ولا يقرأ تعريفًا عن
الغفران، وإنما يشاهد شخصية تتغير وتعتذر وتصلح ما أفسدته. ولا يتلقى محاضرة عن
أهمية القراءة، بل يكتشف فكرة "مكتبة الدرج" داخل أحداث القصة. ويكشف
جدول محتويات سر الهلال عن وجود هذه
المحطات السردية بالتحديد، مثل "مكتبة الدرج"، و"اختبار القلوب"،
و"نور لا ينطفئ"، و"فجر العيد".
وهذا الأسلوب
مهم في أدب الأطفال لأن الطفل يتعلم من خلال المشهد أكثر مما يتعلم من خلال التعريف. عندما يرى
راكان يمسح السبورة، تتحول فكرة الاعتذار إلى صورة. وحين يضع القاموس في حقيبة
زميله، تتحول المحبة إلى فعل. وحين يمسك سليم بيد راكان في صباح العيد، يصبح
الغفران موقفًا محسوسًا.
في أحد أكثر
مشاهد "سر الهلال" دلالة، يعود راكان إلى الصف بعد انتهاء الدوام، ويبدأ
في مسح السبورة. يصف النص حركته قائلًا إن كل حركة "كانت تشبه اعتذارًا"، ثم يكتب على السبورة: "شكرًا لمن علّمنا أن نمحو الخطأ برفق".
هذا المشهد
يوضح بجلاء الطريقة التي يعمل بها أسدي. فلو أراد الكاتب أن يقدم درسًا مباشرًا
لقال إن راكان تعلم الاعتذار. لكنه اختار أن يجعل الطفل يفعل شيئًا. وبذلك تصبح السبورة نفسها رمزًا
للقلب: يمكن أن تتراكم عليها آثار الأخطاء، لكنها قابلة للمحو.
والأهم أن
الفعل يحدث في الخفاء. راكان لا يبحث عن التصفيق. وهذا الجانب يتكرر في القصة. ففي
موضع آخر، يكتشف راكان أن الخير يمكن أن يتم دون إعلان، وأن القلب الذي تعلم العمل
الخفي يصبح «سبورة» لا يبقى عليها سوى النور.
هنا تظهر
قيمة تربوية عميقة، لكنها لا تتحول إلى خطاب تربوي. إن الكاتب يترك الطفل يكتشفها
بنفسه.
وهذا ما يجعل
أسدي قريبًا من تقاليد الحكاية الإنسانية التي تؤمن بأن الطفل قادر على الوصول إلى
المعنى إذا مُنح فرصة التفكير.
ثانيًا: من العبرة إلى التجربة الإنسانية — الطفل بوصفه فاعلًا
لا يمكن فهم
تجربة أسدي في أدب الأطفال من دون التوقف عند الشخصيات. فالطفل في قصصه ليس شخصية
ثانوية تنتظر الكبار كي يقرروا مصيره. إنه يراقب، ويسأل، ويخطئ، ويجرب، ويغير
نفسه، وأحيانًا يغير البيئة المحيطة به.
في سر الهلال يظهر سليم بوصفه طفلًا هادئًا، فضوليًا،
قادرًا على الملاحظة. ويصفه النص بطريقة شاعرية: "حين يبتسم تشعر أن الضوء
يبتسم معه"، كما يشبه فضوله بنبتة الريحان التي تمد رأسها نحو الشمس.
في المقابل،
لا يجعل أسدي من راكان شخصية شريرة. وهذه نقطة فنية مهمة جدًا. فالغيرة عند راكان
ليست جوهرًا ثابتًا في شخصيته؛ إنها حالة نفسية يمكن أن تتغير. النص يصفه بأنه ليس
شريرًا بطبعه، لكنه يحمل غيرة ثقيلة في قلبه.
هذا التفصيل
يدل على نظرة الكاتب إلى الطفل. فالطفل الذي يخطئ لا يُختزل في خطئه. والطفل الذي
يشعر بالغيرة لا يُحكم عليه نهائيًا. هناك دائمًا إمكانية للتحول.
وهذا الموقف
يظهر صراحةً في صوت "شيخ رمضان"، الذي يرفض التسرّع في الحكم على الطفل.
فعندما يلاحظ أن راكان غير مهتم بخطة رمضان، يقول الراوي إنه يحب أن يترك للأطفال
فرصةً للفهم، وأن الجهل قد يكون "مرحلة من مراحل الوعي"، وأن الفهم قد يأتي "في اللحظة المناسبة".وهذه في تقديري من أكثر الأفكار أهمية في تجربة أسدي.
إنها تنقل الكاتب من موقع الواعظ إلى موقع المرافق.
فالكاتب لا
يقول للطفل: "كن صالحًا". بل يقول له ضمنيًا: أنت في طريق التعلم، وقد
تخطئ، ويمكنك أن تعيد المحاولة.
ولهذا لا
تأتي نهاية راكان في صورة عقوبة، وإنما في صورة مصالحة. ففي صباح العيد يذهب سليم
إلى بيت راكان ويمد يده قائلًا: "العيد فرصة جديدة يا صديقي". يرد راكان
بأن أجمل ما في العيد أن سليم كان أول من طرق بابه.
هذه الجملة
البسيطة تحمل تصورًا كاملًا عن الطفولة: المستقبل ممكن لأن الإنسان قادر على البدء من
جديد.
وهنا يمكن
الربط بين سر الهلال وكيف تألق
جلال. وعلى الرغم من اختلاف العالمين، فإن العملين
يلتقيان في فكرة أساسية: الطفل أو الفتى لا يُعرَّف باللحظة التي يوجد فيها، بل
بما يستطيع أن يصبح عليه.
وتشير المادة
الموجودة في كيف تألق جلال إلى اهتمام
واضح بالحوار والمنافسة وتشكّل الذات، كما يظهر اسم جمال أسدي مؤلفًا، واسم
الدكتور نسيم عاطف الأسدي في المراجعة والتنقيح.
وهذا العمل
مهم في قراءة تجربة أسدي لأنه يوضح أن اهتمامه بالطفل لا يقتصر على البيئة الرمزية
أو الدينية؛ إنه يهتم أيضًا بالمدرسة، والعلاقات بين الأقران، والنجاح، والمنافسة،
وصورة الإنسان عن نفسه.
إن الطفل
الذي يقرأ قصة جلال يستطيع أن يرى نفسه في الموقف: كيف يتعامل مع المنافسة؟ كيف
ينظر إلى نجاح الآخرين؟ كيف يكتشف موهبته؟ وكيف يتحول التحدي من تهديد إلى فرصة؟
ومن هنا فإن
أدب أسدي لا يعالج الأطفال ككتلة واحدة، وإنما يقترب من مشاعرهم المختلفة: الغيرة،
الخوف، الحماس، الفضول، الرغبة في النجاح، الحاجة إلى الاعتراف، والقدرة على
التصالح.
ثالثًا: عندما يفتح الكاتب نافذة على الكون — الخيال والعلم في أدب أسدي
إذا كان سر الهلال يضع الطفل في الحارة، وكيف تألق جلال يضعه في
المدرسة، فإن سديم الأحلام يأخذه إلى
مكان أبعد بكثير: الفضاء.
وهذا
الانتقال مهم في تجربة أسدي؛ لأنه يثبت أن أدب الأطفال عنده لا يقوم على عالم واحد
أو نوع واحد من الموضوعات. فالطفل يستطيع أن يعيش رمضان في حارة صغيرة، لكنه
يستطيع أيضًا أن يسافر في سفينة فضائية ويواجه لغزًا كونيًا.
تقدم سديم الأحلام نفسها بوصفها "رحلة ملهمة إلى عجائب الكون"، وتحوّل السديم إلى رمز للاستكشاف والخيال
وعالم المجهول.
ويبدأ العمل
من مشهد شديد الحيوية: أميرة حسين تقف على مقدمة سفينة السلوى، وتتأمل امتداد
المجرة، بينما يظهر السديم الحالم بألوانه البنفسجية والكهرمانية.
ثم يبدأ
العلم في التفاعل مع الخيال. هناك إشارات كهرومغناطيسية، وتحليل، وخريطة، ومحاولة
لفك شيفرة، لكن هذه العناصر العلمية لا تلغي الغموض. بالعكس، إنها تصبح طريقًا إلى
الغموض.
وهذه نقطة
تستحق التوقف عندها. فالكاتب لا يقدم العلم في صورة معلومات جافة، ولا يقدم الخيال
بوصفه نقيضًا للعلم. إنهما يعملان معًا.
في النص،
تلتقط لينا إشارة ضعيفة لكنها «إيقاعية ومنظمة»، ويبدأ الفريق في التساؤل عما إذا
كانت لغة مجهولة أو تحذيرًا.
ثم تأتي
الجملة اللافتة: "السديم الحالم لم يكن مجرد ظاهرة
كونية—بل كان ينتظر شيئًا ما."
بهذه الجملة
يتحول الكون إلى شخصية سردية تقريبًا.
إنها قدرة
مهمة لدى الكاتب: تحويل المفهوم العلمي إلى تجربة تخييلية. فالطفل لا يتلقى درسًا
في علم الفلك، وإنما يعيش مغامرة تجعل السؤال العلمي جزءًا من التشويق.
وهذا ينسجم
مع طبيعة الطفل نفسه. الطفل يسأل: ماذا يوجد هناك؟ ماذا يحدث إذا ذهبنا؟ لماذا
يضيء؟ من أين تأتي الإشارة؟ هل هناك حياة أخرى؟ ماذا يوجد خلف المجهول؟
إن أدب أسدي
يمنح هذه الأسئلة شرعية أدبية.
ومن اللافت
أيضًا أن شخصيات سديم الأحلام متنوعة
الوظائف: قائدة، ملاح، عالمة فلك، خبير لغات، وكل شخصية تساهم في بناء المعرفة.
وهذا يعني أن المعرفة نفسها تصبح نشاطًا جماعيًا.
وهنا نلتقي
مرة أخرى بفكرة متكررة في تجربة أسدي: لا أحد ينجز المهمة وحده.
الخيال ليس
هروبًا من الواقع
قد يبدو
الانتقال من الحارة إلى السديم انتقالًا بعيدًا، لكنهما في الحقيقة يلتقيان في
نقطة أساسية: كلاهما يعلّم الطفل أن العالم أكبر مما يبدو.
في سر الهلال، يتحول الفانوس الصغير إلى رمز للنور الداخلي. وفي سديم الأحلام يتحول الضوء الكوني إلى سؤال عن المجهول. في
الحالتين، يبدأ المعنى من صورة.
وهذا ما يجعل
الكتابة للأطفال عند أسدي كتابة تقوم على التكثيف الرمزي. فالضوء ليس مجرد ضوء، والهلال ليس مجرد هلال،
والسديم ليس مجرد غيمة كونية، والسبورة ليست مجرد أداة مدرسية.
في سر الهلال يصرح النص في النهاية بأن كل نور يبدأ خيطًا
رفيعًا، وأنه يكبر بالنية والصبر.
إنها صورة
يمكن للطفل أن يفهمها من دون أن يحتاج إلى شرح فلسفي طويل.
رابعًا: من
ذاكرة الرماد إلى شجرة تتنفس — المعرفة والذاكرة والبيئة
يمثل ذاكرة من رماد بعدًا مختلفًا في تجربة جمال أسدي. فالعمل
المكتوب بالإنجليزية ويحمل عنوان Memory of Ashes،
ويثبت الكتاب اسم Prof. Jamal Assadi مؤلفًا.
يبدأ النص من
مدينة مدمرة، ومن طفل اسمه زين يسير بين الأنقاض. لكن الكاتب لا يترك الشخصية
أسيرة للخراب. ففي قلب المكتبة المدمرة يجد الطفل كتابًا محترق الأطراف، ويكتشف
داخله معرفة تتعلق بالعلوم والتكنولوجيا والاختراع وبناء المدن.
وهنا تحدث
لحظة مهمة جدًا: المعرفة تصبح وسيلة لإعادة بناء المستقبل.
فالكتاب الذي
نجا من النار لا يمثل الماضي وحده. إنه يحمل إمكانية المستقبل. وهذا ما يفهمه زين
عندما يقرأ عن الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وطرق زراعة الأرض في الظروف القاسية.
إن هذا
التصور يتصل مباشرة بصورة الطفل الفاعل التي رأيناها في سر الهلال. الطفل هنا لا ينتظر الكبار لينقذوه. إنه
يبحث، ويجرب، ويفشل، ويعيد المحاولة.
وعندما ينجح
في توليد شرارة صغيرة من الكهرباء وإضاءة مصباح مكسور، تصبح تلك الإضاءة رمزًا
لبداية جديدة.
ثم تتطور
الفكرة: زين لا يريد أن يعرف الماضي فقط؛ إنه يريد أن يتعلم منه. وفي لحظة مكثفة
يقول النص إن الماضي يجب أن يكون جسرًا إلى المستقبل، لا سجنًا يحتجز الإنسان فيه.
هذه الرؤية
تكشف عن جانب آخر في كتابة أسدي للأطفال:
المعرفة ليست
ترفًا. إنها قدرة على البقاء، وعلى التخيل، وعلى
إعادة بناء ما تهدم.
شجرة تتنفس:
البيئة بوصفها علاقة بين الإنسان والعالم
إذا كانت ذاكرة من رماد تربط الطفل بالمعرفة وإعادة البناء، فإن شجرة تتنفس توسع هذه العلاقة لتشمل الطبيعة.
الفكرة
الأساسية في العمل تقوم على قرية تعاني الجفاف، وفي وسطها شجرة غامضة تُعرف باسم
شجرة تتنفس. وتعتقد القرية أن الشجرة "تتنفس" من أجلهم، فتمنحهم الهواء
والأمل.
لكن الشجرة
تبدأ بالضعف. وتبدأ لينا، وهي فتاة في الثانية عشرة، في البحث عن السبب. وهنا تظهر
شخصية الدكتور العالم الذي ينظر إلى الشجرة بعين علمية، في حين يحمل الجد عمران
ذاكرة الحكاية التقليدية.
هذه الثنائية
مهمة جدًا: العلم والحكمة الشعبية.
لا يطلب
الكاتب من الطفل أن يختار بينهما. بل يجعلهما يتحاوران.
تكشف الدراسة
العلمية أن الشجرة نوع نادر قادر على امتصاص الغازات الضارة وإطلاق الهواء النقي،
لكن جذورها تتضرر بسبب النفايات التي تصل إليها عبر النهر.
وهنا تصبح
المشكلة البيئية مشكلة أخلاقية واجتماعية في الوقت نفسه.
فإنقاذ
الشجرة يحتاج إلى تعاون أهل القرية. وتدعو لينا الناس إلى تنظيف النهر وحماية
الجذور وزراعة أشجار أخرى.
وبذلك يتحول
موضوع البيئة من شعار إلى فعل.
وهذا أسلوب
ينسجم تمامًا مع طبيعة أسدي في الكتابة للأطفال:
القيمة تظهر
عندما يتحرك الإنسان.
التعاون ليس
تعريفًا، بل عمل جماعي. وحماية الطبيعة ليست نصيحة، بل تنظيف للنهر وزراعة للأشجار.
ومن الناحية
الفنية، يفتح هذا العمل أمام الطفل بابًا واسعًا لفهم العلاقة بين الإنسان
والطبيعة. فالقرية لا تستطيع أن تعيش من دون الشجرة، والشجرة لا تستطيع أن تعيش في
بيئة يدمرها الإنسان. إنها علاقة متبادلة.
ولهذا فإن شجرة تتنفس تجمع ثلاثة محاور حاضرة في تجربة أسدي:
الطبيعة، والعلم، والمسؤولية الجماعية.
خامسًا: جمال
أسدي والترجمة — الطفل بين الثقافات واللغات
لا تكتمل
صورة جمال أسدي بوصفه كاتبًا للأطفال إذا عزلنا الكتابة عن الترجمة. فالترجمة في
تجربته ليست نشاطًا لغويًا منفصلًا، بل جزء من رؤية أوسع إلى الأدب بوصفه وسيلة
للتواصل بين الثقافات.
وقد اشتغل
أسدي على ترجمة قصص للأطفال، ومن الأعمال التي ارتبطت بمشروعه في هذا المجال: "ويلي والحيوان-كل" (2006)، و"الأسد
الذي ينوص" (2007)، و"الفأر الذهبي" (2008)، و"هذا
أخونا" (2009)، و"الذئب الشرس والوديع" (2013). وهذه الأعمال مهمة لأنها تكشف أن اهتمام أسدي بأدب الطفل
لا يتوقف عند تأليف القصة من الصفر، وإنما يشمل أيضًا نقل النصوص إلى فضاء لغوي
وثقافي جديد.والترجمة هنا تضيف بعدًا آخر إلى مشروعه:
الطفل يستطيع أن يعيش في بيئته المحلية، وفي الوقت نفسه يتعرف إلى شخصيات ومواقف
وحكايات تأتي من ثقافات أخرى.
وهذه النقطة
تتصل بصورة أوسع بالقصص التي درسناها في الملفات المرفقة. ففي سديم الأحلام نجد عالمًا يتجاوز الحدود الجغرافية
والثقافية أصلًا؛ وفي ذاكرة من رماد نجد نصًا
إنجليزيًا يخاطب قارئًا قادرًا على التفاعل مع قضايا المعرفة والخراب وإعادة
البناء؛ وفي شجرة تتنفس نجد موضوعًا
بيئيًا لا يعرف الحدود.
وهكذا يصبح
أدب الطفل عند أسدي فضاءً للتعدد.
فالطفل الذي
يقرأ قصة مترجمة لا يتعلم لغة أخرى فقط؛ إنه يكتشف أن الطفل في مكان آخر قد يخاف
من أشياء مختلفة، أو يحلم بأشياء مختلفة، لكنه في النهاية يشارك الأطفال الآخرين
مشاعر أساسية: الصداقة، الخوف، الفضول، الرغبة في النجاح، الحاجة إلى الاعتراف،
والبحث عن الأمان.
ومن هنا
تكتسب الترجمة في تجربة أسدي قيمة ثقافية خاصة.
إنها تجعل
أدب الطفل حركة ذهاب وإياب بين الثقافات.
الطفل القارئ في مشروع أسدي
من خلال
قراءة هذه الأعمال يمكن القول إن جمال أسدي يراهن على طفل قارئ مختلف عن الصورة
التقليدية للطفل الذي ينتظر من الكاتب أن يشرح له العالم.
الطفل في
قصصه يسأل.
وهو يلاحظ.
ويخطئ.
ويعيد
المحاولة.
ويكتشف.
وقد يصل إلى
نتيجة لم يعلنها الكاتب بصورة مباشرة.
في سر الهلال لا يشرح الراوي لراكان كل شيء. بل يمنحه
الوقت. ويقول صراحة إنه لا يريد أن يلومه بسرعة، لأنه يؤمن بأن بعض حالات الجهل قد
تكون مرحلة من مراحل الوعي.
وفي ذاكرة من رماد لا يقدم زين بوصفه طفلًا عاجزًا أمام عالم
محطم؛ إنه ينظر إلى الأنقاض لا كقبر للماضي، بل كخزينة من الاحتمالات، ثم يبحث عن
الأدوات التي تمكنه من إعادة البناء.
وفي شجرة تتنفس لا تنتظر لينا أن يأتي الكبار بالحل، بل
تلاحظ التغير، وتبحث، وتجمع الأدلة، وتقنع أهل القرية بالعمل.
وفي سديم الأحلام تقود أميرة فريقًا يدخل المجهول، بينما تعمل
الشخصيات الأخرى في التحليل والملاحة وفك الشيفرة.
هذه النماذج
كلها تؤكد أن الطفل عند أسدي فاعل معرفي وأخلاقي.
وهذه، في
تقديري، واحدة من أهم سمات تجربته.
خاتمة: الكاتب الذي يثق في الطفل
تكشف قراءة
أعمال جمال أسدي للأطفال أن مشروعه يقوم على رؤية متماسكة، حتى عندما تتعدد
الموضوعات والأمكنة واللغات.
في الحارة
نجد رمضان والتحول والمشاركة والغفران.
في المدرسة
نجد المنافسة والحوار وتكوين الذات.
في الفضاء
نجد العلم والمجهول والخيال.
في المدينة
المدمرة نجد الذاكرة والمعرفة وإعادة البناء.
وفي القرية
نجد البيئة والتعاون والعلاقة بين الإنسان والطبيعة.
وفي الترجمة
نجد العبور بين اللغات والثقافات.
وعلى الرغم
من هذا التنوع، يبقى هناك خيط واضح يصل هذه الأعمال بعضها ببعض: الإيمان بقدرة الطفل على النمو.
إن أسدي لا
يقدم الطفل بوصفه إنسانًا مكتملًا يحتاج إلى نصيحة، بل بوصفه إنسانًا في طور
التكوين يحتاج إلى مساحة آمنة للتجربة. ولهذا تكثر في قصصه الشخصيات التي تخطئ ثم
تعيد المحاولة، والشخصيات التي لا تفهم في البداية ثم تفهم، والشخصيات التي تبدأ
ضعيفة ثم تكتشف قدرتها.
في سر الهلال يتحول راكان من الغيرة إلى المشاركة، ومن
الخطأ إلى الإصلاح، ومن الانغلاق إلى المصافحة. وتبلغ الرحلة ذروتها حين يصبح
«العيد فرصة جديدة» لبداية مختلفة.
وفي ذاكرة من رماد يتحول زين من طفل يعيش بين الأنقاض إلى شخص
يمتلك رؤية للمستقبل.
وفي شجرة تتنفس يتحول الخوف على الشجرة إلى فعل جماعي ينقذ
البيئة.
وفي سديم الأحلام يتحول المجهول من مصدر خوف إلى مجال
للاستكشاف، وتصبح السفينة طريقًا نحو السؤال.
وهذه
التحولات هي جوهر القصة.
فالطفل لا
يحتاج دائمًا إلى أن نقول له ماذا يجب أن يفعل. أحيانًا يحتاج إلى أن يرى شخصية
تحاول، وتفشل، ثم تحاول من جديد.
وهذا ما
يفعله أسدي.
إنه يكتب عن
النور، لكنه لا يضعه دائمًا في السماء؛ أحيانًا يضعه في يد طفل.
ويكتب عن
المعرفة، لكنه لا يحصرها في المدرسة؛ قد تكون في كتاب نجا من الحريق، أو في إشارة
تأتي من سديم بعيد، أو في سؤال تطرحه طفلة عن شجرة تموت.
ويكتب عن
الأخلاق، لكنه لا يحولها إلى قائمة من الأوامر؛ يجعلها حركة على السبورة، وكتابًا
يوضع في حقيبة طفل، ويدًا تمتد إلى صديق، ونهرًا يُنظَّف، وشجرة تُنقذ.
ومن هنا أرى
أن تجربة جمال أسدي في أدب الأطفال تستحق أن تُقرأ بوصفها تجربة أدبية قائمة
بذاتها، لا بوصفها هامشًا على نشاطه الأكاديمي والنقدي والترجمي. فهو في هذه القصص
يطوّر لغة خاصة تجمع بين الشعرية والسرد، وبين الواقعي والمتخيل، وبين القيمة
والمتعة، وبين المحلي والكوني.
والأهم أنه
يكتب للطفل باحترام.
فالطفل في
هذه الأعمال ليس مجرد متلقٍ صغير، وإنما قارئ يمتلك خيالًا، وذاكرة، وأسئلة، وقدرة
على الاختيار.
ولعل هذا هو
سر حضور الحكاية في تجربة أسدي: إنها تمنح الطفل فرصة لأن يرى نفسه في المرآة، ثم
يرفع عينيه عنها ليرى العالم.
في سر الهلال يقول الراوي إن رمضان لا يختفي بعد انتهائه،
وإنما يغير ملامحه ويختبئ في الأفعال الصغيرة.
وهذه العبارة
يمكن أن تُقرأ، في سياق تجربة أسدي كلها، بوصفها تصورًا لطبيعة الأدب نفسه.
فالقصة
الجيدة لا تنتهي عندما يغلق الطفل الكتاب.
إنها تستمر
في سلوكه.
في سؤاله.
في خياله.
في علاقته
بأصدقائه.
وفي الطريقة
التي ينظر بها إلى العالم.
وهنا تكمن
أهمية جمال أسدي كاتبًا للأطفال: إنه لا يريد أن يملأ ذاكرة الطفل بالمعلومات
فقط، بل يريد أن يترك فيها أثرًا من الضوء.
ولذلك يمكن
القول إن مشروعه في أدب الأطفال يقوم على معادلة بسيطة وعميقة في الوقت نفسه:
حكاية تُمتع،
وخيالٌ يفتح الأفق، ومعرفةٌ توسّع السؤال، وقيمةٌ تتحول إلى فعل، وطفلٌ يخرج من
القصة أكثر قدرة على رؤية نفسه والآخر والعالم.
وهذا، في
النهاية، هو الأدب الذي يبقى.
أعمال جمال أسدي في أدب الأطفال
أولًا:
الأعمال التي ألّفها جمال أسدي
- "العجل في مملكة
النحل"
— 2006.
The Calf in the Kingdom of Bees - "سائق الغمامة" — 2016، لندن.
The Cloud Rider - "مغامرات الجمل
العجوز".
The Adventures of an Old Camel - "سر الهلال: حكاية
يرويها شيخ رمضان" — 2026.
The Secret of the Crescent: A Story Told by Sheikh Ramadan - "كيف تألق جلال".
How Jalal Shone - "سديم الأحلام".
The Dreaming Nebula - "ذاكرة من رماد".
Memory of Ashes - "شجرة تتنفس".
The Breathing Tree
ثانيًا:
أعمال الأطفال التي ترجمها جمال أسدي من الإنجليزية
- "ويلي والحيوان-كل" — William Freedman، 2006.
Willy and the Animall
ترجمة جمال أسدي. - "الأسد الذي ينوص" — William Freedman، 2007.
The Lion Who Squeaked
ترجمة جمال أسدي. - "الفأر الذهبي" — Jennifer T.
Doherty and Gerald Goldin، 2008.
The Mouse of Gold
ترجمة جمال أسدي. - "هذا أخونا" — William Freedman، 2009.
That’s Our Brother
ترجمة جمال أسدي. - "الذئب الشرس
والوديع"
— Jennifer T. Doherty and Gerald Goldin، 2013.
The Fierce and Gentle Wolf
ترجمة جمال أسدي.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق