جمال أسدي: من ذاكرة
الأرض إلى انبعاث القصيدة
بروفيسور محمود نعامنة
البروفيسور محمود نعامنة
البروفيسور جمال أسدي
البروفيسور جمال أسدي
Jamal Assadi:
From the Memory of the Land to the Resurgence of the
Poem
Prof. Mahmoud Naamneh
English Abstract
This study examines the poetic experience of Jamal Assadi through a
reading of three major collections: Al-Khuyul al-Jamiha (The Wild
Horses), Abq al-Ihsas (The Fragrance of Feeling), and Al-Anqa
(The Phoenix). It argues that Assadi’s poetry constitutes a continuous
creative project shaped by the interrelated themes of land, memory, belonging,
love, spirituality, and human experience. Rather than representing three
disconnected stages, the collections offer different perspectives on a coherent
poetic voice. The Wild Horses foregrounds movement, freedom, land, work,
love, and rootedness; The Fragrance of Feeling turns toward the inner
life, exploring emotion, memory, loss, and the relationship between experience
and consciousness; while The Phoenix develops the motif of renewal,
transformation, and spiritual and personal rebirth. The study also examines
Assadi’s movement between classical Arabic verse and modern poetry, arguing
that his engagement with poetic tradition is characterized by continuity and
experimentation rather than rupture. His poetry combines rhythmic and
rhetorical features associated with classical Arabic poetry with modern forms
of imagery, dialogue, narrative, and linguistic experimentation. Particular
attention is given to recurring symbols such as the earth, horses, the home,
the pen, and the phoenix, which together form an interconnected symbolic
network through which the poet explores identity, place, memory, and renewal.
The study further situates Assadi’s poetic practice within his broader
intellectual and cultural career as an academic, researcher, critic,
translator, and writer. It concludes that his poetry transforms personal and
collective experience into a form of cultural memory, allowing places, people,
emotions, and experiences to acquire a renewed life through language.
Keywords: Jamal Assadi; Arabic poetry; Palestinian
poetry; memory; land; identity; belonging; love; spirituality; poetic
symbolism; classical Arabic poetry; modern poetry.
ملخص
تتناول هذه الدراسة التجربة الشعرية لجمال أسدي من خلال قراءة ثلاثة من
دواوينه الشعرية: الخيول الجامحة، وعبق الأحاسيس،
والعنقاء. وتنطلق الدراسة من أن شعر أسدي يمثل مشروعًا إبداعيًا متواصلًا تتداخل فيه
موضوعات الأرض، والذاكرة، والانتماء، والحب، والروح، والتجربة الإنسانية. ولا تقدم
الدواوين الثلاثة مراحل شعرية منفصلة، بل تكشف عن زوايا مختلفة لصوت شعري واحد
تتغير فيه بؤرة الاهتمام مع بقاء مجموعة من الثوابت الموضوعية والجمالية. ففي الخيول الجامحة تبرز الحركة والحرية والأرض والعمل والحب والارتباط بالجذور، بينما تتجه عبق الأحاسيس نحو العالم الداخلي للإنسان، فتتناول الإحساس والذاكرة والفقد وعلاقة
التجربة بالوعي. أما العنقاء فتمنح التجربة رمزها الأكثر كثافة، من خلال دلالة الانبعاث والتحول والتجدد
الروحي والإنساني. كما تبحث الدراسة في الجمع بين الشعر العمودي والشعر الحديث في
تجربة أسدي، وترى أن علاقته بالتراث الشعري تقوم على الاستمرار والتجريب، لا على
القطيعة. فهو يستفيد من الموسيقى والإيقاع والصور البلاغية الموروثة، وفي الوقت
نفسه يفتح القصيدة على المشهد والحوار والسرد والتجريب اللغوي. وتركز الدراسة كذلك
على مجموعة من الرموز المتكررة، مثل الأرض، والخيول، والبيت، والقلم، والعنقاء،
بوصفها شبكة رمزية مترابطة تعبر عن الهوية والمكان والذاكرة والتحول. وتضع الدراسة
هذه التجربة في سياق المسار الثقافي الأوسع لأسدي بوصفه أكاديميًا وباحثًا وناقدًا
ومترجمًا وكاتبًا. وتخلص إلى أن شعره يحول التجربة الفردية والجماعية إلى شكل من
أشكال الذاكرة الثقافية، بحيث تمنح اللغة حياة جديدة للأمكنة والأشخاص والمشاعر
والتجارب، وتصبح القصيدة بذلك وسيلة لمقاومة النسيان والاستمرار في الزمن.
الكلمات المفتاحية: جمال أسدي؛ الشعر العربي؛ الشعر الفلسطيني؛ الذاكرة؛ الأرض؛ الهوية؛
الانتماء؛ الحب؛ الروحانية؛ الرمز الشعري؛ الشعر العمودي؛ الشعر الحديث.
المقدمة
ينتمي
جمال أسدي إلى جيل من المثقفين الذين لم يفصلوا بين المعرفة الأكاديمية والممارسة
الإبداعية. فقد تشكل حضوره الثقافي من خلال مسار أكاديمي وبحثي ارتبط بالأدب
الإنجليزي والأمريكي الحديث، مع امتداد اهتماماته إلى الأدب الفلسطيني والعربي،
والتصوف، والترجمة، والدراسات الثقافية. وإلى جانب عمله الأكاديمي والنقدي، يكتب
أسدي الشعر والقصة بالعربية والإنجليزية، ويشارك في الترجمة والتحرير وإعداد
الأنطولوجيات الشعرية. ومن ثم تتشكل شخصيته الثقافية عند نقطة التقاء الباحث الذي
يقرأ الأدب قراءة تحليلية والكاتب الذي يحول التجربة إلى نص إبداعي.
ومن
أبرز أعماله الشعرية والإبداعية:
1.
"تأملات ناسك: شعر وفكر" —
2019، القاهرة:
دار السكّارية.
2.
"نقش في ذاكرة الزمن" —
2019، القاهرة:
دار السكّارية.
3.
"العنقاء" —
2019، القاهرة:
دار كليم للنشر والتوزيع.
4.
"موسوعة الحداثيين المعاصرين: مجلد الشعراء العرب، الجزء الأول" — 2021، عمّان.
5.
"الخيول الجامحة" — الطبعة الأولى، 2023، كفر مندا: سهيل عيساوي للطباعة
والنشر؛ الطبعة الثانية، 2026.
6.
"الأنطولوجيا الشاملة لشعراء أوائل القرن الحادي والعشرين" — 2024، نيويورك، 394 صفحة. ترجمة.
7.
"عبق الأحاسيس" —
2025، عمّان: دار
فضاءات.
8.
"أناشيد النور: شعر في العلم والعمل والنور" — 2025، دار سهيل
عيساوي للطباعة والنشر.
ويضاف
إلى هذا الجانب من تجربته عمله في تحرير وترجمة "قصة شعب: أنطولوجيا للشعراء الفلسطينيين داخل الخط
الأخضر"، الصادرة سنة 2011 عن دار بيتر لانغ في
نيويورك، في 231 صفحة.
ولا
يقتصر حضور شعر أسدي على الدواوين المنشورة؛ فقد ظهر شعره أيضًا في عدد من
الأنطولوجيات الشعرية العربية، من بينها "الأنطولوجيا الشاملة لشعراء العرب في مطلع القرن الحادي
والعشرين" و**"الأصوات الخالدة في الشعر العربي"**. كما
شارك في إعداد وترجمة "قصة
شعب: أنطولوجيا للشعراء الفلسطينيين داخل الخط الأخضر"، وهو عمل
يجمع بين البعد الأدبي والتوثيقي والترجمي.
وبذلك
يتوزع حضور أسدي الشعري بين الديوان الشعري، والأنطولوجيا، والترجمة، والتحرير،
والنشر الثقافي والرقمي. وهذا التنوع يجعل الشعر مكوّنًا مستمرًا في مشروعه الإبداعي،
ومتداخلًا مع اهتماماته الأوسع بالأدب والثقافة والترجمة، وليس مجرد مجموعة من
الإصدارات الشعرية المنفصلة.
ومن
هنا تبدو قراءة الدواوين الثلاثة "الخيول الجامحة"،
و**"عبق الأحاسيس"، و"العنقاء"**
أكثر إفادة من قراءة أي واحد منها منفردًا. فهي تكشف عن شاعر يتطور في أدواته،
لكنه لا يقطع صلته بجوهر تجربته. تتغير زاوية النظر، ويتغير الإيقاع، ويتسع مجال
التجريب، لكن الإنسان، والمكان، والذاكرة، والوطن، والحب، والروح، واللغة تظل
مكونات أساسية في عالمه الشعري. ويتميز هذا العالم كذلك بالتجاور بين الشعر
العمودي والشعر الحديث، بحيث لا تبدو الحداثة عنده قطيعة مع الموروث، وإنما إعادة
اختبار لطاقة الشعر العربي في التعبير عن الإنسان المعاصر.
1. شعرية الحركة والأرض والذاكرة في "الخيول الجامحة"
في
"الخيول الجامحة" تبدأ
التجربة من صورة الحركة. فالخيل من الرموز الراسخة في المخيلة العربية، وهي ترتبط
بالقوة والكرامة والحرية والانطلاق، لكن وصفها بأنها "جامحة" يضيف إليها
معنى التمرد وعدم الخضوع. لذلك يبدو العنوان نفسه بيانًا شعريًا مختصرًا: القصيدة
لا تريد أن تسير دائمًا في الطرق المعبدة، والشاعر لا يريد أن يحصر تجربته في شكل
أو موضوع واحد.
وتؤكد
بنية الديوان هذه الرغبة في الانفتاح؛ فهو ينتقل من الشعر الكلاسيكي إلى الشعر
الحديث، ثم إلى القصص الشعري. ويضم القسم الأول قصائد مثل "غطرسة
الخطوب"، و"مسيرة مزارع"، و"صبيح الوجه"، و"حكاية
عشق بغدادية"، و"هبت خيولي"، و"أفديك بني"،
و"الصداقة"، و"ذكريات الماضي الجميل: عودة للجذور"، بينما
ينتقل القسم الحديث إلى "البلبلة"، و"أمونة ستأتي حتمًا"،
و"طبق القش"، قبل أن يصل إلى القصص الشعري.
وهذا
التنوع ليس مجرد تنويع في الموضوعات. إنه يكشف عن مفهوم خاص للشعر؛ فالقصيدة عند
أسدي تتغير عندما تتغير التجربة. ولذلك يستفيد من الوزن والقافية حين يحتاج إلى
النبرة الموسيقية والخطابية، ويفتح المجال أمام الشعر الحديث حين يحتاج إلى مرونة
أكبر في المشهد والحوار والصورة.
وتكشف
قصيدة "مسيرة مزارع" بوضوح عن ارتباط الحركة الشعرية بالأرض والعمل
والصبر. ففي أحد مقاطعها يقول الشاعر:
وأنـخـي
ذراعـي زانـه الـعـزم والـصـبر
ثم
تتسع الصورة من فعل الزراعة إلى فعل مقاومة الفقر والريح والقدر:
بصدري
أصد الريح إن بان نابها
هذه
الأبيات تكشف شيئًا أساسيًا في شعر أسدي: الأرض ليست مجرد موضوع، بل استعارة للعمل
في الحياة نفسها. الزرع يتحول إلى أمل، والصبر يصبح وسيلة لمواجهة الريح، والفقر
لا يظهر بوصفه نهاية، بل قوة ينبغي مقاومتها. ومن هنا يمكن فهم الصلة بين الأرض
والإنسان في شعره؛ فالإنسان يزرع الأرض، لكن الأرض في المقابل تمنحه لغة لفهم
حياته.
ولهذا
فإن "الخيول
الجامحة" لا تقدم صورة شاعر متمرد فقط، بل شاعرًا يعمل على تحويل
التجربة اليومية إلى رمز. المزارع، والعاشق، والوطن، والذاكرة، والإنسان المكافح
يمكن أن تتجاور في قصيدة واحدة لأن ما يجمعها هو البحث عن الاستمرار.
وهذا
ما يفسر أيضًا حضور "ذكريات الماضي الجميل: عودة للجذور" في الديوان.
فالعودة إلى الجذور ليست حركة إلى الوراء بقدر ما هي استعادة لما يمنح الحاضر
معناه. الجذر في شعر أسدي ليس شيئًا يعيق الحركة؛ إنه ما يسمح للشجرة بأن تنمو.
وهنا تلتقي فكرة الجذور بفكرة الخيول: الشاعر يريد الانطلاق، لكنه لا يريد أن
ينطلق بلا ذاكرة.
وتتصل
بذلك قصائد الحب والعشق. فوجود "حكاية عشق بغدادية" إلى جانب قصائد
الأرض والوطن والذاكرة يكشف أن العاطفة عند أسدي ليست عالمًا منفصلًا عن بقية
تجربته. الحب نفسه يصبح شكلًا من أشكال الذاكرة والانتماء، والمدينة يمكن أن تتحول
إلى موضوع للعشق، والعشق يمكن أن يصبح وسيلة لاكتشاف المكان.
كما
أن "الخيول
الجامحة" تكشف عن اهتمام واضح بالموسيقى الشعرية. فالدراسات
النقدية التي تناولت الديوان أشارت إلى عنايته بالموسيقى الداخلية والخارجية،
وباختيار الكلمات وحروف المد والإيقاع، وإلى تفاعل الصورة الشعرية مع البنية
الموسيقية. وهذا مهم لأن أسدي لا يتعامل مع الموسيقى باعتبارها زينة مرافقة
للمعنى؛ إنها جزء من إنتاجه.
وهنا
تظهر خلفيته الأكاديمية بصورة غير مباشرة. فالشاعر الذي يعرف الأدب معرفة نقدية
واعية لا يترك الصورة والإيقاع للمصادفة، لكنه في الوقت نفسه لا يحول القصيدة إلى
درس نظري. المعرفة تتحول إلى ممارسة جمالية.
2. من الحركة الخارجية إلى التجربة الداخلية: "عبق
الأحاسيس"
إذا
كانت "الخيول
الجامحة" تتحرك في فضاء واسع من الأرض والذاكرة والحب والعمل، فإن
"عبق الأحاسيس" يقرّب
العدسة من الداخل الإنساني. حتى العنوان يحمل انتقالًا دلاليًا واضحًا: الخيول
تتحرك في الفضاء، أما الإحساس فيتغلغل في النفس. و"العبق" يجعل الشعور
شيئًا حسيًا؛ فهو أثر لا يُرى بالضرورة، لكنه يبقى في المكان والذاكرة.
وهنا
يصبح السؤال الشعري أقل ارتباطًا بما يحدث في الخارج وأكثر ارتباطًا بما يفعله
الخارج في الإنسان. ماذا يبقى من الحب بعد غياب المحبوب؟ ماذا تفعل الذكرى حين
تتحول إلى جزء من الوعي؟ كيف يتحول الفقد إلى لغة؟ وكيف يستطيع الإنسان أن يحتفظ
بتجربة عابرة من خلال الشعر؟
هذه
الأسئلة تجعل "عبق
الأحاسيس" امتدادًا طبيعيًا لـ**"الخيول الجامحة"**.
فالحركة الخارجية في الديوان الأول تجد صداها الداخلي في الديوان الثاني. ما يفعله
العالم بالذات يصبح مادة القصيدة.
ولهذا
فإن الإحساس عند أسدي ليس نقيض الفكر. إن خلفيته الأكاديمية لا تختفي في القصيدة
الوجدانية، كما أن الوجدان لا يتحول إلى خطاب فكري. بل تتجاور المستويان: الصورة
تحمل فكرة، والفكرة تحمل إحساسًا، والموسيقى تمنح الاثنين شكلًا قابلًا للبقاء.
وهذه من أكثر السمات أهمية في تجربة أسدي؛ فهو لا يكتب العاطفة بوصفها انفعالًا
عابرًا، وإنما يحاول تحويلها إلى معرفة جمالية.
وعند
هذه النقطة يصبح الحب والفقد والحنين موضوعات معرفية أيضًا. فالحب يكشف الإنسان
لنفسه، والفقد يعيد ترتيب علاقته بالماضي، والحنين يكشف علاقة الذات بالمكان.
ولهذا لا يمكن فصل "الإحساس" عن الذاكرة، كما لا يمكن فصل الذاكرة عن
المكان.
3. "العنقاء" وشعرية الانبعاث: الهوية والمكان والتحوّل
ثم
تأتي "العنقاء" لتمنح هذه التجربة كلها رمزها الأكثر كثافة: الانبعاث.
فإذا كانت الخيول صورة للحركة، وكان الإحساس صورة للأثر الداخلي، فإن العنقاء تمثل
القدرة على التحول. إنها الصورة التي تجمع بين النار والرماد والحياة الجديدة.
وتكشف
بنية "العنقاء" عن هذا الاتساع. فالفصل الأول يضم الشعر العمودي، وفيه
"حب الوطن"، و"درب التعب"، و"نفسي فداكم"،
و"مهاجاة"، و"توبة عابد"، و"الأم"، و"والعز
غزة"، و"البعث"، و"بيت المقدس"، و"ثرى بلدي"،
و"الرحلة". أما الفصل الثاني فيضم الشعر الحديث، ومنه "الشاب
والصبية"، و"ليلة رأس السنة"، و"ملك أرض القلم"،
و"في ردهة بيتي"، و"الغرحام".
وهنا
تصبح "العنقاء" نقطة التقاء بين مستويات متعددة من التجربة. "حب
الوطن" و"ثرى بلدي" و"بيت المقدس" تنقلنا إلى المكان
والهوية، و"الأم" تنقلنا إلى الأصل والذاكرة الشخصية، و"توبة
عابد" تفتح المجال الروحي، و"الرحلة" تجعل الحياة نفسها حركة،
بينما تنقل القصائد الحديثة التجربة إلى الحوار والمشهد والبيت والكتابة والتجريب
اللغوي.
إن
الوطن عند أسدي ليس شعارًا خارجيًا. إنه جزء من تكوين الذات. ففي "حب
الوطن" يتحول الانتماء إلى علاقة وجدانية، وفي "ثرى بلدي" يصبح
التراب ذاكرة، وفي "بيت المقدس" يتداخل الجغرافي بالروحي، بينما تمنح
"والعز غزة" المكان بعدًا أخلاقيًا يقوم على الكرامة والصمود. ولذلك
يمكن القول إن القصيدة الوطنية عنده هي شعر ذاكرة بقدر ما هي شعر موقف.
وتكتسب
القدس وغزة خصوصية في هذا السياق لأنهما لا تظهران كموضعين جغرافيين فقط. القدس
تستدعي طبقات روحية وحضارية وتاريخية، وغزة تستدعي الألم والصمود. وهكذا يتحول
المكان إلى رمز، ويصبح الرمز وسيلة لحفظ المكان في الوعي. الأرض هنا ليست خلفية
للقصيدة؛ إنها أحد مكوناتها العميقة.
ومن
اللافت أن "الأم" تقع في السياق نفسه الذي يضم الوطن والأرض والقدس
وغزة. وهذا التجاور يكشف عن وحدة وجدانية في تجربة أسدي: الأم والوطن كلاهما أصل،
وكلاهما ذاكرة، وكلاهما مساحة للحنين. ولذلك ينتقل شعره بسهولة من البيت إلى
الأرض، ومن الخاص إلى العام، ومن الذاكرة الشخصية إلى الذاكرة الجماعية.
أما
"توبة عابد" فتضيف إلى هذا العالم بعدًا روحيًا. والتوبة في جوهرها حركة
من حال إلى حال، ولذلك ترتبط بصورة العنقاء ارتباطًا عميقًا. فالإنسان يمكن أن
يولد من جديد روحيًا كما يمكن أن يولد الوطن من جديد في الذاكرة، ويمكن للشاعر أن
يعيد تشكيل الألم في اللغة. ومن هنا لا تبدو الروح منفصلة عن الأرض؛ إنهما مستويان
من البحث عن المعنى.
وتتأكد
فكرة الحركة في "الرحلة". فالرحلة في شعر أسدي ليست مجرد انتقال جغرافي،
وإنما استعارة للوجود نفسه. الإنسان يتحرك بين الماضي والحاضر، بين الذاكرة
والحلم، بين الأرض والسماء، وبين ما كان وما يمكن أن يكون. ولذلك يمكن النظر إلى
الرحلة باعتبارها إحدى الاستعارات الكبرى التي تصل الدواوين الثلاثة.
وفي
القسم الحديث من "العنقاء"، تتغير طبيعة الحركة. "الشاب والصبية" يفتحان مجالًا
للمشهد والعلاقة الإنسانية، و"ليلة رأس السنة" تجعل الزمن نفسه موضوعًا
للتأمل، بينما تنقل "في ردهة بيتي" الشاعر إلى المكان الحميم. أما
"ملك أرض القلم" فيكشف عن وعي ميتاشعري بعلاقة الشاعر بالكتابة.
وتكمن
قوة عبارة "أرض القلم" في أنها تحول الكتابة إلى مكان. فكما أن الوطن
أرض للإنسان، يصبح القلم أرضًا للشاعر. وإذا كان المكان الجغرافي عرضة للفقد، فإن
اللغة تستطيع أن تحفظه. وهكذا لا تكون القصيدة مجرد كلام عن الوطن، بل تصبح مكانًا
آخر يعيش فيه الوطن.
أما
"الغرحام"، وهو تركيب لغوي يجمع بين "الغراب"
و"أحلام"، فيمثل مستوى أكثر جرأة من التجريب. فالشاعر هنا لا يكتفي
باستخدام اللغة كما ورثها، بل يعيد تركيبها ويخلق منها كلمة جديدة. وهذا النوع من
الاشتغال يوضح أن حداثة أسدي لا تقوم على التخلي عن التراث، وإنما على اكتشاف
إمكانات جديدة داخل اللغة نفسها.
وهنا
تتضح العلاقة بين الدواوين الثلاثة بصورة أكثر عمقًا. "الخيول
الجامحة" لا تعني الحركة بلا جذور؛ إنها حركة تستمد طاقتها من
الأرض والذاكرة. و**"عبق الأحاسيس"** لا يعني الانغلاق في الذات؛
فالإحساس يتكون من علاقة الإنسان بالعالم. و**"العنقاء"** لا تعني
الانبعاث من العدم؛ فالانبعاث يأتي بعد تجربة، وذاكرة، وألم، وصبر.
لهذا
فإن الدواوين لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها ثلاث مراحل منفصلة: شاعر في الأول، ثم
شاعر مختلف في الثاني، ثم شاعر ثالث في الثالث. الأدق أنها ثلاث زوايا لصوت شعري
واحد. يتغير مركز الثقل، لكن الثوابت تبقى: الإنسان، والمكان، والذاكرة،
والانتماء، والحب، والروح، واللغة.
وإذا
كانت الموضوعات كثيرة، فإنها تنتظم حول سؤال واحد: كيف يستطيع الإنسان أن يحفظ
ذاته في عالم معرض للتغير والفقد؟ وهنا تصبح القصيدة فعل مقاومة للنسيان. الوطن
يُكتب لكي لا يختفي، والقدس تُستعاد كي لا تتحول إلى اسم مجرد، والأم تُحفظ في
اللغة، والطفولة تعود عبر الذاكرة، والحب يكتسب حياة ثانية من خلال القصيدة.
ولهذا
يمكن فهم الرموز المركزية في تجربة أسدي على أنها شبكة واحدة: الأرض، والخيول، والإحساس، والبيت، والقلم، والعنقاء. الأرض تمنح الإنسان جذره، والخيول تمنحه الحركة،
والإحساس يمنحه الداخل، والبيت يمنحه الذاكرة الحميمة، والقلم يمنحه وطنًا لغويًا،
والعنقاء تمنحه إمكانية الانبعاث.
ومن
الناحية الفنية، يظل الجمع بين العمودي والحديث من أبرز خصائص المشروع. ففي
"الخيول الجامحة" يتجاور
الشعر الكلاسيكي والشعر الحديث والقصص الشعري، وفي "العنقاء" يتجاور الشعر العمودي والشعر الحديث. وهذا يعني أن أسدي
لا يرى الشكل غاية في ذاته. الوزن والقافية والإيقاع الحديث كلها أدوات لاختيار
الصوت الذي يلائم التجربة.
والأهم
أن هذا الاختيار لا يأتي على حساب الموسيقى. فالشعر عنده يريد أن يُرى من خلال
الصورة وأن يُسمع من خلال الإيقاع. وقد أشارت الدراسات إلى التفاعل بين الصورة
والموسيقى، وإلى حضور التكرار والتضاد والجناس والاستعارة والتشبيه والرمزية في
بناء القصيدة. وهذا يفسر لماذا لا يمكن فصل تحليل شعره الموضوعي عن تحليله
الأسلوبي.
وبذلك
تكشف الخلفية الأكاديمية لأسدي عن نفسها في القصيدة دون أن تتحول القصيدة إلى
كتابة أكاديمية. يظهر أثر الناقد في وعيه بالبنية والرمز والتناص، ويظهر أثر
الشاعر في قدرته على تحويل هذه العناصر إلى تجربة حسية ووجدانية. وهذه الموازنة
بين المعرفة والإحساس هي إحدى الخصائص التي تمنح صوته خصوصيته.
الخاتمة
في
النهاية، فإن قراءة "الخيول
الجامحة"، و**"عبق الأحاسيس"، و"العنقاء"** تكشف عن شاعر لا يكتب من منطقة واحدة.
إنه شاعر الأرض، لكنه شاعر الحركة أيضًا؛ شاعر الذاكرة، لكنه لا يعيش في الماضي؛
شاعر الوطن، لكنه لا يحصر الوطن في الخطاب السياسي؛ شاعر الحب، لكنه يحول العاطفة
إلى معرفة بالذات؛ شاعر الروح، لكنه لا يهرب من الواقع؛ وشاعر التراث، لكنه لا
يخشى التجريب.
ولعل
أفضل ما تختصر به الدواوين الثلاثة هو أن القصيدة عند جمال أسدي
تتحرك ثم تشعر ثم تنهض. تتحرك في "الخيول الجامحة"، وتتغلغل في
"عبق الأحاسيس"، وتنهض في
"العنقاء". لكن هذه ليست مراحل مغلقة؛ إنها حركات متداخلة داخل
تجربة واحدة.
وفي
تقديري، تكمن قيمة مشروع أسدي الشعرية في أنه يحاول أن يمنح التجربة أكثر من حياة:
حياة يعيشها الإنسان في الواقع، وحياة تستعيدها الذاكرة، وحياة ثالثة تمنحها
اللغة. ولهذا تصبح القصيدة عنده شكلًا من أشكال البقاء. فالشاعر لا يحفظ الكلمات
فقط، بل يحفظ الأمكنة والأشخاص والأحلام والجراح والأسئلة، ثم يعيد تقديمها للقارئ
في صورة يمكن أن تقاوم الزمن.
ومن
هنا يمكن النظر إلى شعر جمال أسدي بوصفه شعر الذاكرة والانتماء والانبعاث: ذاكرة
تحفظ الجذور، وانتماء يمنح المكان معناه، وانبعاث يحول التجربة والألم إلى إمكانية
جديدة. وفي المسافة بين الأرض والخيول والإحساس والعنقاء يتشكل صوت شاعر يواصل
البحث عن المكان الذي يمكن للكلمة أن تسكنه، وعن الحياة الثانية التي تستطيع
القصيدة أن تمنحها للإنسان.
قائمة الأعمال
الشعرية والإبداعية الواردة في السيرة الذاتية، مكتوبة بالعربية:
1. قصة شعب: أنطولوجيا
للشعراء الفلسطينيين داخل الخط الأخضر.
2011. نيويورك: دار بيتر لانغ للنشر.
2. تأملات ناسك: شعر وفكر
— 2019، القاهرة، دار السكّارية.
3. نقش في ذاكرة الزمن
— 2019، القاهرة، دار السكّارية.
4. العنقاء
— 2019، القاهرة، دار كليم للنشر والتوزيع.
5. موسوعة الحداثيين
المعاصرين: مجلد الشعراء العرب، الجزء الأول — 2021، عمّان.
6. الخيول الجامحة
— 2023 ، كفر مندا، سهيل عيساوي للطباعة والنشر.
7. الأنطولوجيا الشاملة
لشعراء أوائل القرن الحادي والعشرين — 2024، نيويورك،
394 صفحة. ترجمة
8. عبق الأحاسيس
— 2025، عمّان، دار فضاءات.
9. أناشيد النور: شعر في
العلم والعمل والنور —
2025، دار سهيل
عيساوي للطباعة والنشر
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق