السبت، 15 أغسطس 2026

((الممرضة دي للروائي اليمني حميد عقبي )) بقلم : أ.د.سمير عبدالرحمن الشميري ( جامعة عدن )

 
أ.د.سمير عبدالرحمن الشميري ( جامعة عدن ) .
 


((الممرضة دي للروائي اليمني حميد عقبي ))
 
 

* مُدخل :

 

رواية الممرضة دي للمبدع حميد عقبي عميقة مترعة بنفحات التخيل والابتكار ، وصلت إلى غايتها في الإجادة والإحسان وسهولة اللفظ وحلاوة التركيب و الذكاء العاطفي ودقائق المعاني وكوامن الإحساس .

الرواية عبارة عن سيرة ذاتية للمؤلف ممزوجة بالتشويق ، الذي إبتدأها بفقدان الذاكرة ، مرورا بمشوار العلاج النفسي ، وانتهاء بلقاء الممرضة دي التي نقلته من حالة الغيبوبة والترنح وفقدان الوعي إلى فضاء الحب وسكراته الروحية وأنقذت حياته من تجارب المختبرات الطبية التي كادت تودي به إلى جنون وعلل شتى وإلى مسلك يزخر بالمعاطب والمهالك .

 

يتكون هذا النص من :

أولا : سيرة ذاتية لمبدع .

ثانيا : فقدان الذاكرة .

ثالثا : نص حداثي بأيقاعات سريعة .


أولا : سيرة ذاتية لمبدع :

 

أبادر بالقول ، أن الرواية تحمل في غميسها السيرة الذاتية للمبدع حميد عقبي ، فالتفرس في أدق التفاصيل لبطل الرواية " حبيب اليماني " ، نلمح الرابطة الرهيفة والدقيقة بين حبيب اليماني وحميد عقبي التي تحمل بصمات الزمان والمكان ورسائل التعبير الفنية والفكرية واللغوية وبريق الذكاء وآيات التفكير والرؤوى الذهنية السامية والتعبيرات المتعلقة بالهوية والأوعية الخيالية وقوة اللغة الرمزية ومعانيها والعشق والإنتشاء .

 

ثمة أرهاط من أهل حرفة الأدب قد كتبوا روايات تحكي سيرهم الذاتية أشهرهم :

 

طه حسين في روايته " الأيام " ، ومارسيىل بروست في روايته " البحث عن الزمن الضائع " ، وتوفيق الحكيم في روايته " عصفور من الشرق " ، وجبرا إبراهيم جبرا في " البئر الأولى " ، ومحمد شكري روايته " الخبز الحافي " ولطيفة الزيات في " حملة تفتيش اوراق شخصية" ، ونجيب محفوظ في " أصداء السيرة الذاتية" ، وفدوى طوقان في " رحلة جبلية ركلة صعبة " ، وجميس جويس في " صورة الفنان في شبابه " ، وعبدالمجيد بن جلون " في الطفولة " ، والعربي باطما في روايته " الرحيل والألم " .

يقول الدكتور جميل حمداوي :

أن السيرة الذاتية تستند على الاستبطان الداخلي للشخصية في علاقتها بالواقع الموضوعي . ومن ثم ، فهي ترتكز خطابيا على سرد الحياة الشخصية للمبدع أو الكاتب أو الفنان ، وذلك من خلال استرجاع فترات من حياته ...والسيرة الذاتية تمتاز بمجموعة من الخصائص الدلالية والفنية والجمالية ، والتي تتمثل في التركيز على الذات ، واستخدام ضمير المتكلم ، والمطابقة العلمية ، والتأرجح بين المسوغ الذاتي (( الحياة الفردية الشخصية)) ، والاستقراء الخارجي (( استقراء أحداث الواقع )) ، وتمثل النثر والكتابة السردية المحكية طريقة في التعبير ، والميل إلى استخدام الزمن الهابط ، وتشغيل تقنيته السردية المحكية الاسترجاع " فلاش باك"(١) .

رواية الممرضة دي للمبدع حميد عقبي تندرج في خانة روايات السيرة الذاتية .

حبيب اليماني هو الروائي اليمني حميد عقبي ، الذي خاطبته الدكتورة كريستينا :

أنت ناشط جيد ، قرأت أن لك ثلاثين كتابا وقصة ولوحة وفيلما وتوجد مئات العناوين في محركات البحث باسمك أو عنك باللغة العربية والفرنسية ، خاصة معارضك الفنية (٢) .

تقول سيرته الإبداعية أنه :

كاتب ، وناقد ، وفنان تشكيلي ، ومخرج سينمائي ، ومسرحي مقيم في باريس . انجز عشرة أفلام قصيرة شارك فيها في مهرجانات عربية وأوروبية ، كما أقام عشرة معارض تشكيلية في باريس ، ومدينة كون-النور ماندي ، له يا مجموعات قصصية ، وثمانية دواوين شعرية ، وتسعة عشر نصا مسرحيا ، وسبعة وعشرين رواية ، وخمسة عشر كتابا في النقد الأدبي .

 

ترجمت بعض أعماله إلى الإنجليزية والألمانية والفرنسية ، أسس وترأس المنتدى العربي الأوروبي للسينما والمسرح (٣) .

 

ثانيا : فقدان الذاكرة :

 

الرواية تبدأ بحدث مأساوي لبطل الرواية " حبيب اليماني " ، الذي فقد الذاكرة ، حيث يقول للدكتورة سونيا :

أنا لا أعرف من أكون ، يبدو أني فقدت الذاكرة ... صحوت وأنا لا أعرف مكاني ولا زماني ، ومنذ ساعتين بفضل ماهو موجود على حاسوبي وهاتفي والصور في مسكني وبعض الأشياء ، عرفت اسمي ( حبيب ) ، وأن لي لوحات وكتبا وأنشطة أدبية وفنية ، لكني لا أتذكر أي شيء .. صفر .. هل أنا مصاب بمرض فقدان الذاكرة ؟ (٤).

يقول علماء النفس أن فقدان الذاكرة الانفصالي : هي حالة لا يستطيع الشخص فيها تذكر المعلومات المهمة عن حياته ، وقد يقتصر النسيان على مواضيع معينة ، أو قد يشمل الكثير من جوانب حياة الشخص أو هويته (٥) .

الدكتور. صوفيا تحول حبيب اليماني إلى طبية نفسية تدعى / كريستينا :

مختصة نفسية تتركز أبحاثها عن الذاكرة والاضطرابات والفقدان المؤقت وتعمل مع بعض المراكز البحثية في اليابان وأمريكا وألمانيا (٦) .

 الدكتورة /كريستينا جمعت معلومات دقيقة عن حياة حبيب اليماني ونسخت كتبه ومقالاته ولوحاته الفنية وفيديوهات عن حياته .

أما حبيب اليماني يقول :

لا أتذكر ولو صورة ضبابية ، ولا حتى همسة صوت ، ولا أي حديث لي مع أي شخص في الكون (٧) .

ماذا يسمى هذا ؟ جنون شاعر أم انفصال الشخصية ؟ (٨) .

حبيب اليماني يشعر بالغربة وكثافة الغموض وبهواجس رازحة في الذاكرة ، يشعر باعتلال صحي ومزاجي ، وبألم نفسي وجسدي ، فالغربة كما يقول د. ماهر الضبع :

ليست انتقالا جغرافيا فقط ، بل حالة وجودية عميقة يتغير فيها إيقاع الروح قبل أن يتغير عنوان السكن . هي ذلك الشعور الخفي الذي يسكن الصدور دون ضجيج ، لكنه يثقل الأنفاس كأن القلب يحمل وطنا كاملا بداخله ولا يستطيع الوصول إليه . في الغربة لايفقد الإنسان مكانه فحسب ، بل يفقد الإحساس العفوي ، وتتحول الأيام إلى وحدات زمنية متشابهة ، تمر بلا طعم ، بلا رائحة ، بلا ذاكرة جديدة قادرة على منافسة ذاكرة الوطن (٩) .

وبينما كان يبحث حبيب اليماني عن بلسم لجراحاته للخروج من العتمة وشرنقة فقدان الذاكرة ، حصل له الفرح والسرور ، عندما التقى الممرضة دي (شابة فرنسية من أصول أسبانية - برتغالية ) ، ودخل في علاقة غرامية عابرة للقارات والقوميات والعصبيات والعقائد وتؤسس لمشهد إنساني عظيم خال من المؤامرات والدسائس ، لقد قدمت الممرضة دي مساعدة إنسانية ثمينة وراقية تتسم بالبراءة ودماثة الخلق وصفاء السريرة ، وتوقظ جوامد النفوس مملؤة بحرارة الإخلاص وخفة الروح وجمال الإيقاع وتغوص في الجغرافيا الإنسانية وبطاقات إيحائية ورمزية عذبة .

لقد أنقذت حياة حبيب من مصيدة التجارب للدكتورة كريستينا والمراكز البحثية في اليابان وأمريكا وألمانيا ، لقد أعادت له الروح والذاكرة والحيوية والذبذبات العاطفية الخفية المشحونة بطاقة روحية فريدة ، بعد أن أن كاد يسقط في بئر فقدان الذاكرة والجنون وصنوف اللعب والأخابيث لبشر يغلفون الباطل بغلاف إنساني حميد .


في أقصى حالات الألم والوجع والغربة وفقدان الذاكرة ، يتذكر حبيب اليماني وطنه الجريح الممزق بنصال الحرب والمليشيات والغرور الصبياني والوعي المثقل بالخرافة والزيغ ، إنه يحب وطنه اليمن وكأن لسان حاله يقول كما قال الشاعر عبدالعزيز المقالح :

 

في لساني يمن

 

في ضميري يمن

 

تحت جلدي تعيش اليمن

 

خلف جفني تنام

 

وتصحو اليمن

 

صرت لا أعرف الفرق بيننا

 

أينا يابلادي يكون اليمن ؟!


ثالثا : نص حداثي بأيقاعات سريعة :

 

الرواية سريعة وباهرة الزمان ( أسبوع قبل رأس السنة الميلادية) ، والمكان ( شقته وعيادة الدكتورة) ، وفي هذا الزمان والمكان ولدت رواية الممرضة دي للروائي حميد عقبي .

الرواية نص حداثي بزمانه ومكانه وبالاستبطان الداخلي ، إيقاعها سريع مدهش ، تميزت بالتداخل ما بين الواقع والخيال ، بالحوار ، واللغة الروائية الشفيفة ، والمونولوج الداخلي ، والإيماءات العاطفية ، والتبصر الخيالي ، والمشاعر والرغبات الدفينة ، والنبرة الداخلية للنص ، والقاموس الروائي البسيط المندغم بالحيوية الروحية والجسدية ، وكثافة الإيحاء ، والقدرة التخييلية البارعة ، والتكثيف ، واللعب الصورية والتعبيرية ، وآليات الدمج والتركيب :

النص الأدبي الحداثي هو فن أدبي يتميز بالتجريب والانفصال عن الأساليب التقليدية في الشكل والتعبير ومن أبرز سمات السرد غير الخطي ، استخدام تقنية " تدفق الوعي " لتمثيل التجارب الحياتية والمعرفية في الشعر والقصة ذلك الوعي الجديد بالمتغيرات وحركية الإيقاع في لغة وصور جديدة ومختلفة تسعى إلى التساؤل والبحث كتجربة شاملة وموقف في الحياة والعالم والإنسان (١٠).


* الهوامش :


١- ((فن السيرة الذاتية )) لجميل الحمداوي- ديوان العرب - الأربعاء ٣شباط (فبراير٢٠١٠) - https://diwanalarab.com

٢- حميد عقبي ، الممرضة دي ، بلونديف- جمهورية بلغاريا : الدراويش للنشر والترجمة ، ط١ ، فبراير ٢٠٢٥ ، ص٣٧، ٣٨ .

٣ـ https://www.youtube.com/@aefctarabeuropean-hamidoqabi

٤- حميد عقبي ، الممرضة دي ، مرجع سابق ، ص٢٦ .

٥- https://altibbi.com

"Dissociative Ammesia"

الإثنين ٢٦يناير٢٠٢٦ . 

٦- حميد عقبي ، مرجع سابق ، ص٣٢ .

٧ـ المرجع السابق ، ص٣٨ .

٨- المرجع السابق ، ص٣٦ .

٩- ماهر الضبع (ألم الغربة ) ، الإثنين ٢٦يناير٢٠٢٦ .

https ://www.facebook.com/drmahereldababaa

١٠- https ://feneks.net/index.php/art/2literature/71799-2024-01-24-10-31-37

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق