الثلاثاء، 25 أغسطس 2026

أسدي مترجمًا: الترجمة جسرًا بين الأدب العربي والإنجليزية وحفظًا للذاكرة الثقافية بقلم: الأستاذ الدكتور خالد سندواي

 

أسدي مترجمًا: الترجمة جسرًا بين الأدب العربي والإنجليزية وحفظًا للذاكرة الثقافية

بقلم: الأستاذ الدكتور خالد سندواي




البروفيسور جمال أسدي والبروفيسور خالد سنداوي 





الملخص



يتناول هذا البحث مشروع الأستاذ الدكتور جمال أسدي في الترجمة بوصفه أحد المكونات الأساسية في مسيرته الأدبية والأكاديمية والثقافية. وينطلق البحث من مجموعة واسعة من الأعمال التي ترجمها أسدي وحررها من العربية إلى الإنجليزية، ولا سيما الأعمال التي صدرت عن دار بيتر لانغ، إلى جانب ترجمات أخرى في الشعر والقصة والأدب الموجّه إلى الأطفال. ويبرز البحث الدور الذي أدته هذه الترجمات في نقل الأدب العربي وأدب الوطن إلى فضاء لغوي وثقافي أوسع، وفي إتاحة نصوص أدبية تمثل تجارب الهوية والمكان والذاكرة والتهميش والاغتراب والتعايش والأمل.
ويركز البحث على عدد من المحاور، من أبرزها: انتقال أدب الوطن إلى القارئ الإنجليزي، ترجمة القصة القصيرة، تمثيل أصوات الكاتبات، ترجمة الشعر العربي، ودور أسدي بوصفه مترجمًا ومحررًا وناقدًا ووسيطًا ثقافيًا. كما يناقش البحث بعض الأعمال التي تجاوز فيها دوره النقل اللغوي إلى التحرير والتقديم والتوثيق والمشاركة في بناء الأنطولوجيا، مثل The Story of a People: An Anthology of Palestinian Poets within the Green-Line وShort Fiction as a Mirror of Palestinian Life in Israel, 1944–1967: Critique and Anthology. وتكشف القائمة الببليوغرافية المتاحة عن امتداد مشروعه من عام 2006 في ترجمة أدب الأطفال إلى أعمال شعرية ونثرية لاحقة، بما يجعل الترجمة مشروعًا مستمرًا في مسيرته.
ويخلص البحث إلى أن أهمية أسدي مترجمًا تكمن في استمرارية المشروع واتساعه وتنوعه، وفي قدرته على الجمع بين الحس الأدبي والمعرفة النقدية والوعي الثقافي. فالترجمة عنده ليست عملية لغوية فحسب، وإنما ممارسة ثقافية تسهم في توسيع دائرة القراءة، وحفظ الذاكرة الأدبية، وإتاحة الأدب العربي وأدب الوطن أمام القراء والباحثين باللغة الإنجليزية.
 
الكلمات المفتاحية: جمال أسدي، الترجمة، أدب الوطن، الأدب العربي، الترجمة الأدبية، القصة القصيرة، الشعر العربي، الأنطولوجيا، بيتر لانغ، الوساطة الثقافية.
 
Jamal Assadi as a Translator: Translation as a Bridge between Arabic and English Literature and as a Means of Preserving Cultural Memory
By: Professor Khaled Sindawi
Abstract
This article examines Professor Jamal Assadi’s translation project as a significant component of his broader literary, academic, and cultural career. It focuses on the substantial body of works that Assadi has translated and edited from Arabic into English, particularly the volumes published by Peter Lang, as well as his later translations of poetry, fiction, and children’s literature. The article highlights the role of these translations in bringing Arabic literature and literature from the homeland to wider English-speaking audiences and in making literary representations of identity, place, memory, marginalization, displacement, coexistence, and hope accessible to new readers and researchers.
Particular attention is given to Assadi’s translation of short fiction, women’s writing, Arabic poetry, and literary anthologies. The article also considers his multifaceted role as translator, editor, critic, and cultural mediator. Works such as The Story of a People: An Anthology of Palestinian Poets within the Green-Line and Short Fiction as a Mirror of Palestinian Life in Israel, 1944–1967: Critique and Anthology demonstrate how his work extends beyond linguistic transfer to include editorial organization, critical framing, documentation, and cultural representation. His translation of children’s books further demonstrates the breadth of his engagement with translation across genres and readerships.
The article argues that the significance of Assadi’s translation work lies in its continuity, breadth, and cultural purpose. His translations create channels through which Arab and homeland writers can reach English-speaking readers while also preserving literary memory and facilitating scholarly engagement with Arabic literature. Translation, in Assadi’s work, consequently emerges as a sustained form of cultural mediation that connects languages, literary traditions, communities, and readers.
Keywords: Jamal Assadi, translation, homeland literature, Arabic literature, literary translation, short fiction, Arabic poetry, anthology, Peter Lang, cultural mediation.
 
مقدمة: جمال أسدي ومسيرة الترجمة
تحتل الترجمة موقعًا خاصًا في تاريخ الأدب العربي الحديث، لأنها لم تكن مجرد وسيلة لنقل النصوص من لغة إلى أخرى، بل شكلت في كثير من الأحيان وسيلة للتعريف بالثقافات، وتوسيع دوائر التلقي، وإعادة تشكيل صورة الأدب العربي في اللغات العالمية. وقد اكتسبت الترجمة الأدبية أهمية خاصة في الحالة الأدبية في الوطن؛ لأن انتقال النص إلى الإنجليزية يعني إتاحة تجربة أدبية وثقافية وتاريخية أمام قراء قد لا يصلون إلى النص العربي في لغته الأصلية.
في هذا السياق يبرز مشروع الأستاذ الدكتور جمال أسدي بوصفه مشروعًا ترجميًا متواصلًا امتد على مدى سنوات، وتنوع بين القصة القصيرة، والشعر، والأنطولوجيا، وأدب الأطفال، والأعمال التي تجمع بين الترجمة والتحرير. ولا تقف مسيرته عند الترجمات الأولى التي أنجزها في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، بل استمر المشروع وتوسع في السنوات الأخيرة ليشمل الشعر العربي، والرواية، والقصة، والحوار الأدبي، والأعمال ذات الصلة بالقدس والذاكرة الثقافية.
ومن الأعمال الحديثة التي تؤكد استمرارية هذا المسار كتابه The Immortal Voices of Arabic Poetry، الصادر عام 2025 عن Lambert Academic Publishing، إلى جانب ترجمته عام 2026 لعملَي جميل السلحوت The Degenerate (Al-Wabsh) وThe First Night (Al-Layla al-Ūlā)، وترجمته وتحريره لكتاب أصالة موسى إغباريّة The Room. كما يضاف إلى ذلك عمله Jerusalem in His Eyes: Conversations with Mahmoud Shukair، الصادر بالإنجليزية عن Peter Lang، وهو يقابل كتابه العربي Al-Quds fī ʿAynayh: Ḥiwārāt maʿa Maḥmūd Shuqayr الصادر عام 2025.
ومن ثم، فإن مشروع أسدي لا يظهر بوصفه نشاطًا ترجميًا من الماضي، بل مشروعًا مستمرًا ومتجددًا.
ولا ينبغي النظر إلى هذه الأعمال بوصفها مجموعة عشوائية من الترجمات. فهي تكشف عن اهتمام واضح بالأدب العربي وأدب الوطن، وعن رغبة في نقل أصوات أدبية متعددة إلى الإنجليزية. وفي هذا المعنى، يمكن النظر إلى أسدي بوصفه مترجمًا أدبيًا ووسيطًا ثقافيًا في آن واحد. فهو يقف بين النص الأصلي والقارئ الجديد، وبين الثقافة التي أنتجت النص والثقافة التي تستقبله.
 
الترجمة عند جمال أسدي بوصفها مشروعًا ثقافيًا
تظهر الترجمة في مسيرة أسدي ضمن منظومة ثقافية أوسع تجمع الأدب والنقد والتعليم والتحرير والكتابة الإبداعية. وهذا السياق مهم لفهم طبيعة ترجماته؛ فالمترجم الذي يأتي إلى النص من خلفية أدبية ونقدية لا يتعامل معه باعتباره مادة لغوية مجردة، وإنما يقرأه ضمن بنائه الجمالي والثقافي.
ومن أبرز ما يميز هذا المشروع أن عددًا من الأعمال المترجمة لم يكن مجرد ترجمة لنص واحد، بل كتبًا وأنطولوجيات ذات بنية مركبة. ففي بعض الحالات كان أسدي مترجمًا ومحررًا في الوقت نفسه. وفي حالة Short Fiction as a Mirror of Palestinian Life in Israel, 1944–1967: Critique and Anthology، تجاوز دوره الترجمة إلى التحرير والكتابة النقدية والمشاركة في بناء الكتاب.
ويتكرر هذا الدور في أعمال لاحقة. ففي The Room، مثلًا، يرد أسدي بوصفه محررًا ومترجمًا، مع مشاركة ليليان هاندلين في التحرير. وهذا يؤكد أن اهتمامه لا يقتصر على النقل اللغوي، وإنما يشمل أيضًا بناء النص في صورته الجديدة.
وهنا تظهر إحدى الخصائص المهمة في مشروعه: المترجم لا يقف خارج الكتاب، وإنما يشارك في تشكيل طريقة وصوله إلى القارئ.
وهذا ما يجعل وصف أسدي بأنه "مترجم" وحده غير كافٍ أحيانًا. الأدق أنه يعمل في عدد من مشروعاته بوصفه مترجمًا ومحررًا وناقدًا ووسيطًا ثقافيًا.
 
البدايات وترجمة أدب الأطفال
يبدأ سجل ترجمات أسدي إلى الإنجليزية بمجموعة من كتب الأطفال، وهي أعمال تعود إلى الفترة بين 2006 و2013. وتشمل:
  • Willy and the Animall — William Freedman، 2006.
  • The Lion Who Squeaked — William Freedman، 2007.
  • The Mouse of Gold — Jennifer T. Doherty and Gerald Goldin، 2008.
  • That’s Our Brother — William Freedman، 2009.
  • The Fierce and Gentle Wolf — Jennifer T. Doherty and Gerald Goldin، 2013.
وتكشف هذه البداية عن بعد مهم في شخصية أسدي المترجم. فالترجمة الموجهة إلى الأطفال تختلف في طبيعتها عن الترجمة الأكاديمية أو النقدية؛ فهي تتطلب حساسية تجاه اللغة والإيقاع والبساطة والصورة والحركة والحوار.
كما أن الانتقال بين أدب الأطفال والأدب القصصي والشعر يشير إلى أن اهتمام أسدي بالترجمة لم يكن محصورًا في جنس أدبي واحد. وهذه المرونة مهمة في تكوين المترجم؛ إذ تتيح له التعامل مع مستويات مختلفة من اللغة والأسلوب والجمهور.
 

الانتقال إلى ترجمة القصة في الوطن

تأخذ ترجمة أسدي للقصة القصيرة مكانة مركزية في مشروعه. ففي عام 2008 صدر كتاب "A Rose to Hafeeza’s Eyes and Other Stories" لمحمد علي طه، بترجمة وتحرير أسدي عن Peter Lang. ثم صدر عام 2009 "Father and Son: Selected Short Stories"، تلاه في العام نفسه "Three Voices from the Galilee". وفي عام 2010 صدر "Mustafa Murrar: The Internal Pages and Other Stories".
ويكشف هذا التسلسل عن اهتمام واضح بالقصة القصيرة وبعدد من كتابها. فالترجمة هنا تؤدي وظيفة مزدوجة: نقل العمل الأدبي، والتعريف بالكاتب.
وهذه النقطة مهمة لأن كثيرًا من الأدباء لا يحتاجون إلى ترجمة نصوصهم فحسب، وإنما يحتاجون إلى أن يصبحوا معروفين في الثقافة التي تستقبلهم. فالكتاب المترجم يصبح بطاقة تعريف أدبية بالكاتب، وقد يفتح المجال أمام دراسات جديدة عنه.
 
"Three Voices from the Galilee" وتعدد الأصوات
يمثل كتاب "Three Voices from the Galilee" نموذجًا واضحًا لفكرة التعدد في مشروع أسدي. فالكتاب يجمع أعمال ثلاثة كتاب من الجليل: زكي درويش، ومحمد نفّاع، وناجي ظاهر.
أهمية هذا العمل لا تكمن في جمع ثلاثة كتاب فقط، بل في تقديم الجليل من خلال أصوات متعددة. فالترجمة هنا لا تخلق صوتًا واحدًا مغلقًا، وإنما تسمح بالتعدد والاختلاف.
وهذا مهم جدًا في الترجمة الثقافية. فالمترجم الناجح لا يحاول أن يجعل جميع النصوص متشابهة، وإنما يحافظ قدر الإمكان على الاختلافات في النبرة والأسلوب والشخصية والموضوع.
ومن هنا يمكن النظر إلى عنوان "Three Voices" بوصفه دالًا على فلسفة ثقافية ضمنية: الوطن ليس صوتًا واحدًا، والأدب ليس تجربة أحادية.
 
"Loud Voices from the Holy Land": ترجمة الصوت النسائي
في عام 2011 صدر كتاب "Loud Voices from the Holy Land: Short Fiction by Palestinian Women"، بترجمة وتحرير جمال أسدي عن Peter Lang.
ويمثل هذا الكتاب مرحلة مهمة في المشروع؛ لأنه يركز على القصة القصيرة لكاتبات من الوطن.
إن نقل الأدب النسائي إلى الإنجليزية يضيف بعدًا آخر إلى مشروع الترجمة. فالترجمة هنا لا تتعلق فقط باللغة، وإنما بإتاحة تجارب نسائية داخل سياق أدبي وثقافي أوسع.
وتكتسب هذه الخطوة أهميتها من أن الترجمة تستطيع أن توسع مجال حضور الكاتبة خارج حدود لغتها الأصلية. فالكاتبة التي تكتب بالعربية قد تجد قارئًا في جامعة أو مكتبة أجنبية من خلال الترجمة.
 
"The Story of a People" وترجمة الشعر في الوطن
من أبرز أعمال أسدي "The Story of a People: An Anthology of Palestinian Poets within the Green-Line"، الصادر عام 2011 عن Peter Lang. وقد قام أسدي بتحريره وترجمته.
ويمثل هذا الكتاب مرحلة متقدمة في مشروعه؛ لأنه ينتقل من ترجمة أعمال قصصية منفردة إلى تقديم أنطولوجيا شعرية.
والأنطولوجيا الشعرية تختلف عن الكتاب الذي يضم نصوص شاعر واحد. فهي عملية اختيار وتمثيل وتنظيم. والمترجم هنا لا ينقل القصائد فقط، بل يساهم في بناء صورة عن المشهد الشعري الذي يقدمه.
وهذا العمل مهم من منظور الذاكرة الثقافية؛ لأن الشعر ليس مجرد تعبير جمالي، بل كان تاريخيًا أحد الأشكال الأساسية التي حفظت المكان والهوية والذاكرة.

 
إبراهيم مالك بين الأدب والسيرة والثقافة

في عام 2011 أصدر أسدي "Ibrahim Malik: The Man and His Works" عن Peter Lang، ثم صدر عام 2015 "Ibrahim Malik: The Culture of Peace and Co-existence" عن الدار نفسها.
وتختلف طبيعة هذين العملين عن ترجمة القصة أو الشعر؛ إذ يتصلان بشخصية وأعمالها وثقافتها ومشروعها.
وهنا تتضح مرة أخرى وظيفة أسدي بوصفه وسيطًا ثقافيًا. فهو لا ينقل نصًا أدبيًا منفصلًا فحسب، بل ينقل شخصية ومشروعًا وأفكارًا إلى فضاء لغوي جديد.
 
"Short Fiction as a Mirror of Palestinian Life": الترجمة بوصفها توثيقًا
يمثل كتاب "Short Fiction as a Mirror of Palestinian Life in Israel, 1944–1967: Critique and Anthology"، الذي أنجزه أسدي بالاشتراك مع سيف أبو صالح، أحد أكثر الأعمال دلالة على التقاء الترجمة بالنقد والتوثيق.
أهمية الكتاب تكمن في أنه يجمع بين ثلاثة مكونات:
النقد، والترجمة، والأنطولوجيا.
وهذا الجمع يوسع مفهوم المترجم. فالمترجم هنا يشارك في تقديم النصوص ضمن إطار نقدي وتاريخي، ويجعلها قابلة للقراءة في سياق أدبي جديد.
إن ترجمة هذه النصوص لا تعني نقل حكايات قديمة فقط؛ إنها إعادة فتح أرشيف أدبي أمام الباحثين الذين لا يقرأون العربية.
وهنا تظهر إحدى أهم وظائف الترجمة الأدبية: الترجمة تحفظ النص من العزلة اللغوية.
 
الترجمة والشعر العربي المعاصر
يمتد مشروع أسدي إلى الشعر العربي المعاصر، ويأخذ هذا الاتجاه صورة واضحة في كتابه "The Immortal Voices of Arabic Poetry"، الصادر عام 2025 عن Lambert Academic Publishing في Saarbrücken.
ويمثل هذا العمل محطة مهمة في مشروعه لأنه يتجه إلى أصوات شعرية عربية ذات حضور تأسيسي في التراث الشعري العربي. ويشير عنوان الكتاب إلى استمرارية هذه الأصوات في الذاكرة الشعرية العربية، وإلى رغبة في تقديمها للقارئ باللغة الإنجليزية.
ومن خلال هذا العمل، ينتقل مشروع أسدي من الأنطولوجيا الحديثة إلى إعادة تقديم أصوات شعرية عربية ذات مكانة راسخة في تاريخ الشعر العربي.
وتكمن أهمية هذه الخطوة في أنها تتيح للقارئ الإنجليزي الاقتراب من الشعر العربي من خلال أصواته الكبرى، وتفتح المجال أمام المقارنة بين التراث الشعري العربي وتقاليد الشعر العالمي.
 
من التراث الشعري إلى الأدب العربي المعاصر
لا يقف مشروع أسدي عند الشعر العربي القديم أو الكلاسيكي، بل يمتد إلى الأدب العربي المعاصر.
فترجمته لعملَي جميل السلحوت "The Degenerate (Al-Wabsh)" و"The First Night (Al-Layla al-Ūlā)" ، الصادرين عام 2026 عن El Amir Publishing في Marseille، تكشف عن استمرار اهتمامه بالنثر العربي المعاصر.
وتكتسب هاتان الترجمتان أهمية خاصة لأنهما تنقلان أعمالًا عربية معاصرة إلى جمهور إنجليزي جديد. وهنا يظهر اتساع مشروع أسدي زمنيًا؛ فهو لا يتحرك بين اللغات فحسب، بل يتحرك أيضًا بين عصور أدبية مختلفة.
فقد ترجم الشعر العربي، والقصة، وأدب الأطفال، والأعمال الثقافية، ثم واصل في السنوات الأخيرة ترجمة الأدب العربي المعاصر.
وهذا الاستمرار يؤكد أن مشروعه ليس مشروعًا مؤقتًا أو محدودًا بفترة معينة من مسيرته.
 
"The Room": الترجمة والتحرير والتعاون الثقافي
يمثل كتاب "The Room" لأصالة موسى إغباريّة، الصادر عام 2026 عن Generis Publishing، جانبًا آخر من تجربة أسدي. فقد قام أسدي بتحرير وترجمة العمل، بالاشتراك التحريري مع Lilian Handlin.
وهنا تظهر بوضوح وظيفة المترجم المحرر.
فالعمل لا يقوم على النقل من لغة إلى أخرى فحسب، وإنما على التعاون والتحرير وإعداد النص في صورة مناسبة للنشر.
كما يوضح هذا الكتاب أن مشروع أسدي مستمر في اكتشاف أصوات أدبية جديدة وإيصالها إلى جمهور أوسع.
وهذا الدور ينسجم مع مكانته بوصفه وسيطًا ثقافيًا؛ إذ يساهم في فتح الطريق أمام النصوص والكتاب للوصول إلى قراء خارج اللغة الأصلية.

 
القدس بين العربية والإنجليزية: من "القدس في عينيه" إلى "Jerusalem in His Eyes"

يمثل مشروع "Jerusalem in His Eyes: Conversations with Mahmoud Shukair" بعدًا مهمًا في تجربة أسدي، لأنه يربط بين الكتابة العربية والإنجليزية حول القدس والشخصية الأدبية.
صدر الكتاب العربي "Al-Quds fī ʿAynayh: Ḥiwārāt maʿa Maḥmūd Shuqayr" عام 2025 في حيفا عن مكتبة كل شيء، ثم صدر العمل بالإنجليزية بعنوان "Jerusalem in His Eyes: Conversations with Mahmoud Shukair" عن Peter Lang عام 2026.
وتكمن أهمية هذا العمل في أنه لا يقدم القدس بوصفها موضوعًا تاريخيًا مجردًا، وإنما من خلال الحوار مع الكاتب محمود شقير. وهنا تلتقي المدينة بالذاكرة الأدبية، ويلتقي الحوار بالسيرة والثقافة والمكان.
كما يكشف العمل عن جانب مهم في شخصية أسدي الثقافية: اهتمامه بالقدس بوصفها فضاءً أدبيًا وثقافيًا، وحرصه على نقل هذا الاهتمام إلى جمهور أوسع.
ويكتسب انتقال الكتاب من العربية إلى الإنجليزية أهمية خاصة؛ لأن القارئ الإنجليزي يستطيع من خلاله الاقتراب من القدس عبر تجربة أدبية وشخصية، لا عبر الخطابات العامة وحدها.
وبذلك يصبح الكتاب مثالًا واضحًا على الترجمة بوصفها وساطة ثقافية بين المكان واللغة والذاكرة.
 

من المترجم إلى الكاتب ثنائي اللغة

إن أحد أهم جوانب تجربة أسدي هو أن الترجمة لم تبق منفصلة عن الكتابة.
فإلى جانب ترجماته، تتضمن سيرته أعمالًا إبداعية ثنائية اللغة. ويظهر في قائمته مثلًا The Cloud Rider بوصفه إصدارًا ثنائي اللغة، إلى جانب أعمال أخرى للأطفال.
وهذا يوسع مفهوم المترجم.
فالمترجم هنا ليس فقط شخصًا ينقل أعمال الآخرين، بل كاتبًا يعمل في المجالين اللغويين، ويستطيع أن يرى اللغة من الداخل والخارج في الوقت نفسه.
وهذا يمنحه وعيًا خاصًا بمشكلات الانتقال بين اللغات.
 

من المترجم إلى الوسيط الثقافي

تُظهر الأعمال الحديثة أن وظيفة أسدي لم تعد تقتصر على الترجمة بمعناها الضيق.
ففي The Immortal Voices of Arabic Poetry يظهر اهتمامه بالتراث الشعري.
وفي أعمال جميل السلحوت يظهر اهتمامه بالنثر العربي المعاصر.
وفي The Room يظهر دوره مترجمًا ومحررًا.
وفي Jerusalem in His Eyes يظهر اهتمامه بالقدس والحوار الأدبي والذاكرة.
وبذلك تتسع صورة أسدي من مترجم للنصوص إلى وسيط ثقافي ينقل الأدب والأفكار والشخصيات والأمكنة بين العربية والإنجليزية.
 

قيمة الترجمة في خدمة الباحثين

لا تقتصر أهمية أعمال أسدي على القارئ العام. فهي تكتسب أهمية خاصة للباحثين والطلاب.
فالنص المترجم إلى الإنجليزية يمكن أن يدخل في مقررات الأدب المقارن، والدراسات الثقافية، ودراسات الترجمة، والأدب العربي، ودراسات المرأة والهوية والقدس.
ومن هنا يمكن القول إن الترجمة تخلق حياة أكاديمية ثانية للنص.
فالنص العربي قد يقرأه عدد محدود من المتخصصين في اللغة العربية، لكن ترجمته إلى الإنجليزية توسع دائرة الباحثين القادرين على الوصول إليه.
وتتضاعف هذه القيمة عندما تكون الترجمة مصحوبة بالتحرير أو النقد أو التقديم، لأن الباحث يحصل على نص يمكن وضعه في سياقه.
 
الترجمة بوصفها حفظًا للذاكرة
يمكن النظر إلى مشروع أسدي من زاوية الذاكرة الثقافية. فالأدب الذي ترجمه لا يتحدث فقط عن الحاضر، وإنما يحتفظ بآثار من الماضي: الأمكنة، والعلاقات الاجتماعية، والهوية، والذاكرة الشخصية والجماعية.
وتأخذ هذه الوظيفة شكلًا واضحًا في أعماله المتعلقة بالشعر العربي، وبأدب الوطن، وبالقدس.
فالترجمة تحفظ النص من العزلة اللغوية، لكنها تفعل أكثر من ذلك؛ إنها تمنحه إمكانية الاستمرار في حياة ثقافية جديدة.
وهنا تصبح الترجمة نوعًا من الأرشفة الأدبية الحية.
 
الترجمة والتعدد الثقافي
تتمتع أعمال أسدي المترجمة بميزة أخرى هي قدرتها على الجمع بين أصوات مختلفة.
ففي القصة القصيرة نجد كتابًا مختلفين، وفي الأنطولوجيات نجد شعراء متعددين، وفي الكتاب المخصص للكاتبات نجد تجارب نسائية متعددة، وفي الشعر العربي نجد أصواتًا من عصور مختلفة، وفي الأعمال الحديثة نجد كتابًا معاصرين.
وهذا التعدد يعكس تصورًا للترجمة بوصفها فضاءً للحوار.
فالترجمة لا ينبغي أن تحول الثقافة إلى صورة واحدة، وإنما عليها أن تفتح المجال أمام الاختلاف.
 
بين الحرفية والإبداع
الترجمة الأدبية ليست نقلًا حرفيًا.
فالترجمة الحرفية قد تنقل الكلمات لكنها تفقد النبرة، والإيقاع، والشخصية، والصورة.
ولهذا يحتاج المترجم الأدبي إلى قدر من الإبداع.
وتزداد هذه الحاجة في الشعر، حيث يواجه المترجم تحديات الوزن والقافية والاستعارة والتناص والإيحاء الثقافي.
أما في القصة، فعليه أن يحافظ على صوت السارد والشخصيات والحوار والإيقاع السردي.
وفي أدب الأطفال، عليه أن يراعي مستوى القارئ.
وفي الحوار الأدبي، كما في Jerusalem in His Eyes، عليه أن يحافظ على طبيعة الصوت الحواري والشخصي والثقافي.
وهذا التنوع يبرهن على تعدد المهارات التي يتطلبها مشروع أسدي.
 
الاتساع والاستمرارية
من أبرز ما يميز تجربة أسدي أن الترجمة لم تكن مرحلة قصيرة في حياته، بل مشروعًا امتد لسنوات.
فالقائمة تبدأ بترجمات أدب الأطفال عام 2006، ثم تتوالى الأعمال في 2008 و2009 و2010 و2011 و2015 و2016، ثم تظهر أعمال شعرية وأنطولوجيات وأعمال معاصرة في 2025 و2026.
وتكشف السنوات الأخيرة بصورة خاصة عن استمرار المشروع:
2025: The Immortal Voices of Arabic Poetry.
2026: The Degenerate (Al-Wabsh).
2026: The First Night (Al-Layla al-Ūlā).
2026: The Room.
2026: Jerusalem in His Eyes: Conversations with Mahmoud Shukair.
وهذه الاستمرارية مهمة لأنها تدل على أن الترجمة لم تكن نشاطًا هامشيًا في مسيرته.
لقد ظلت حاضرة إلى جانب التدريس والبحث والنقد والكتابة.

 
لماذا يمكن وصف جمال أسدي بالمترجم البارز؟

إن وصف أسدي بأنه مترجم بارز ينبغي أن يستند إلى مجموعة من المعايير، لا إلى عدد الكتب وحده.
أول هذه المعايير الاستمرارية.
فالمشروع امتد سنوات طويلة واستمر حتى السنوات الأخيرة.
وثانيها التنوع.
فقد شمل الأطفال والقصة والشعر والأنطولوجيا والأعمال الثقافية والرواية والحوار الأدبي.
وثالثها العمق التحريري.
ففي عدد من الكتب لم يكن دوره ترجميًا فقط، وإنما كان محررًا ومشاركًا في بناء الكتاب.
ورابعها الأهمية الثقافية للأعمال المختارة.
فعدد مهم من أعماله يرتبط بأدب الوطن والذاكرة والقدس والأدب العربي.
وخامسها الوصول إلى جمهور دولي.
فصدور عدد من الأعمال عن Peter Lang وغيرها من دور النشر يعني أن النصوص انتقلت إلى فضاء جديد من القراء والباحثين.
وسادسها الجمع بين الترجمة والنقد والبحث.
وهذه الخاصية تمنح المشروع عمقًا لا يتوفر دائمًا في الترجمة الأدبية المنفصلة عن المعرفة النقدية.
وسابعها الاستمرار في توسيع المجال.
فالمشروع الذي بدأ بأدب الأطفال والقصة توسع إلى الشعر العربي، ثم إلى الأدب المعاصر، ثم إلى الحوار الأدبي والقدس.
 
الخاتمة: جمال أسدي، المترجم الذي جعل الترجمة مشروعًا ثقافيًا
تكشف دراسة أعمال جمال أسدي المترجمة عن مشروع يتجاوز مفهوم الترجمة بوصفها نقلًا لغويًا. لقد عمل أسدي على نقل الأدب العربي وأدب الوطن إلى الإنجليزية، لكنه في الوقت نفسه عمل على تقديمه وتنظيمه وتحريره ووضعه في سياقات تسمح للقارئ الجديد باكتشافه.
ومن خلال ترجمة القصة، نقل إلى الإنجليزية تجارب عدد من الكتاب؛ ومن خلال "Loud Voices from the Holy Land" أتاح مساحة لأصوات كاتبات؛ ومن خلال "The Story of a People" قدم أنطولوجيا للشعراء داخل الخط الأخضر؛ ومن خلال "Short Fiction as a Mirror of Palestinian Life in Israel, 1944–1967" جمع بين الترجمة والنقد والتوثيق.
ثم اتسع المشروع في السنوات الأخيرة ليشمل الشعر العربي في "The Immortal Voices of Arabic Poetry"، والنثر العربي المعاصر من خلال ترجمة أعمال جميل السلحوت، والعمل الأدبي "The Room" لأصالة موسى إغباريّة، إضافة إلى المشروع الثقافي المتعلق بالقدس في "Jerusalem in His Eyes: Conversations with Mahmoud Shukair".
وهذه الأعمال الأخيرة مهمة لأنها تؤكد أن مشروع أسدي لم يتوقف عند مرحلة معينة، وإنما واصل التطور والاتساع.
إن قيمة أسدي مترجمًا تكمن، في تقديري، في أنه فهم الترجمة بوصفها مسؤولية ثقافية. فاللغة عنده ليست حاجزًا ينبغي عبوره فقط، وإنما مساحة يمكن من خلالها بناء حوار بين الثقافات. والنص الذي ينتقل إلى الإنجليزية لا يفقد هويته بالضرورة؛ بل يحصل على فرصة جديدة لأن يُقرأ ويُدرس ويُناقش خارج لغته الأصلية.
ولهذا يمكن النظر إلى جمال أسدي بوصفه مترجمًا أدبيًا بارزًا ووسيطًا ثقافيًا بين العربية والإنجليزية. وتنبع هذه المكانة من تضافر مجموعة من العناصر: المعرفة الأدبية، والخبرة النقدية، والقدرة على الترجمة والتحرير، والاهتمام بالأدب العربي وأدب الوطن، والاستمرارية، والتنوع، والوصول إلى جمهور أكاديمي وثقافي دولي.
وفي نهاية المطاف، فإن أهم ما يميز مشروعه هو أن الترجمة عنده لم تكن غاية في ذاتها. لقد كانت وسيلة لإعطاء النص حياة أخرى، وللكاتب قارئًا جديدًا، وللذاكرة لغة إضافية، وللثقافة فرصة للحوار.
وهذه هي القيمة الأعمق للمترجم: أن يجعل الأدب يعبر الحدود من دون أن يفقد ذاكرته، وأن يفتح للقارئ بابًا إلى عالم لم يكن يعرفه، وأن يجعل الاختلاف بين اللغات بداية للتعارف لا سببًا للعزلة.
ومن هذا المنظور، فإن مشروع جمال أسدي في الترجمة يستحق أن يُقرأ بوصفه مشروعًا أدبيًا وثقافيًا متكاملًا، أسهم في مد جسور بين الأدب العربي وأدب الوطن والقراء الناطقين بالإنجليزية، وفي حفظ جانب من الذاكرة الأدبية والثقافية داخل فضاء عالمي أوسع.
 
الأعمال المترجمة والمحررة
"A Rose to Hafeeza’s Eyes and Other Stories"محمد علي طه، ترجمة وتحرير جمال أسدي، 2008، Peter Lang.
"Father and Son: Selected Short Stories"حنا إبراهيم إلياس ومحمد علي سعيد، ترجمة وتحرير جمال أسدي، 2009، Peter Lang.
"Three Voices from the Galilee"زكي درويش، محمد نفّاع، ناجي ظاهر، ترجمة وتحرير جمال أسدي، 2009، Peter Lang.
"Mustafa Murrar: The Internal Pages and Other Stories"مصطفى مرار، ترجمة وتحرير جمال أسدي، 2010، Peter Lang.
"Loud Voices from the Holy Land: Short Fiction by Palestinian Women"ترجمة وتحرير جمال أسدي، 2011، Peter Lang.
"The Story of a People: An Anthology of Palestinian Poets within the Green-Line"ترجمة وتحرير جمال أسدي، 2011، Peter Lang.
"Ibrahim Malik: The Man and His Works"ترجمة وتحرير جمال أسدي، 2011، Peter Lang.
"Ibrahim Malik: The Culture of Peace and Co-existence"ترجمة وتحرير جمال أسدي، 2015، Peter Lang.
"Short Fiction as a Mirror of Palestinian Life in Israel, 1944–1967: Critique and Anthology"جمال أسدي وسيف أبو صالح، Peter Lang، 2016.
"The Comprehensive Anthology of Early 21st Century Arab Poets" — 2024، Austin Macauley Publishers.
"The Immortal Voices of Arabic Poetry"جمال أسدي، 2025، Saarbrücken: Lambert Academic Publishing.
"The Degenerate (Al-Wabsh)"جميل السلحوت، ترجمة جمال أسدي، 2026، Marseille: El Amir Publishing.
"The First Night (Al-Layla al-Ūlā)"جميل السلحوت، ترجمة جمال أسدي، 2026، Marseille: El Amir Publishing.
"The Room"أصالة موسى إغباريّة، تحرير وترجمة جمال أسدي، بالاشتراك التحريري مع Lilian Handlin، 2026، Generis Publishing.
 
أعمال جمال أسدي المتعلقة بالقدس والحوار الأدبي
"Al-Quds fī ʿAynayh: Ḥiwārāt maʿa Maḥmūd Shuqayr"جمال أسدي، 2025، حيفا: مكتبة كل شيء. (بالعربية).
"Jerusalem in His Eyes: Conversations with Mahmoud Shukair" — Jamal Assadi، 2026، New York: Peter Lang Publishing.
ويمثل هذان العملان جانبًا خاصًا في مشروع أسدي، إذ يقدمان تجربة ثقافية وأدبية حول القدس ومحمود شقير في نسختين لغويتين، ويؤكدان امتداد اهتمامه بالترجمة والوساطة الثقافية إلى موضوع القدس والحوار الأدبي.

 
ترجمات أدب الأطفال

"Willy and the Animall" — William Freedman، 2006.
"The Lion Who Squeaked" — William Freedman، 2007.
"The Mouse of Gold" — Jennifer T. Doherty and Gerald Goldin، 2008.
"That’s Our Brother" — William Freedman، 2009.
"The Fierce and Gentle Wolf" — Jennifer T. Doherty and Gerald Goldin، 2013.
 

ראש הטופס

תחתית הטופס

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق