أسدي مترجمًا: الترجمة جسرًا بين الأدب العربي والإنجليزية وحفظًا للذاكرة
الثقافية
بقلم: الأستاذ الدكتور خالد سندواي
البروفيسور جمال أسدي والبروفيسور خالد سنداوي
الملخص
يتناول هذا
البحث مشروع الأستاذ الدكتور جمال أسدي في الترجمة بوصفه أحد المكونات الأساسية في
مسيرته الأدبية والأكاديمية والثقافية. وينطلق البحث من مجموعة واسعة من الأعمال
التي ترجمها أسدي وحررها من العربية إلى الإنجليزية، ولا سيما الأعمال التي صدرت
عن دار بيتر لانغ، إلى جانب ترجمات أخرى في الشعر والقصة والأدب الموجّه إلى
الأطفال. ويبرز البحث الدور الذي أدته هذه الترجمات في نقل الأدب العربي وأدب
الوطن إلى فضاء لغوي وثقافي أوسع، وفي إتاحة نصوص أدبية تمثل تجارب الهوية والمكان
والذاكرة والتهميش والاغتراب والتعايش والأمل.
ويركز البحث
على عدد من المحاور، من أبرزها: انتقال أدب الوطن إلى القارئ الإنجليزي، ترجمة
القصة القصيرة، تمثيل أصوات الكاتبات، ترجمة الشعر العربي، ودور أسدي بوصفه
مترجمًا ومحررًا وناقدًا ووسيطًا ثقافيًا. كما يناقش البحث بعض الأعمال التي تجاوز
فيها دوره النقل اللغوي إلى التحرير والتقديم والتوثيق والمشاركة في بناء
الأنطولوجيا، مثل The Story of a People: An Anthology of Palestinian Poets within the
Green-Line وShort
Fiction as a Mirror of Palestinian Life in Israel, 1944–1967: Critique and
Anthology. وتكشف القائمة الببليوغرافية المتاحة عن
امتداد مشروعه من عام 2006 في ترجمة أدب الأطفال إلى أعمال شعرية ونثرية لاحقة،
بما يجعل الترجمة مشروعًا مستمرًا في مسيرته.
ويخلص البحث
إلى أن أهمية أسدي مترجمًا تكمن في استمرارية المشروع واتساعه وتنوعه، وفي قدرته
على الجمع بين الحس الأدبي والمعرفة النقدية والوعي الثقافي. فالترجمة عنده ليست
عملية لغوية فحسب، وإنما ممارسة ثقافية تسهم في توسيع دائرة القراءة، وحفظ الذاكرة
الأدبية، وإتاحة الأدب العربي وأدب الوطن أمام القراء والباحثين باللغة الإنجليزية.
الكلمات المفتاحية: جمال أسدي،
الترجمة، أدب الوطن، الأدب العربي، الترجمة الأدبية، القصة القصيرة، الشعر العربي،
الأنطولوجيا، بيتر لانغ، الوساطة الثقافية.
Jamal Assadi as a Translator: Translation as a Bridge between
Arabic and English Literature and as a Means of Preserving Cultural Memory
By: Professor Khaled Sindawi
Abstract
This
article examines Professor Jamal Assadi’s translation project as a significant
component of his broader literary, academic, and cultural career. It focuses on
the substantial body of works that Assadi has translated and edited from Arabic
into English, particularly the volumes published by Peter Lang, as well as his
later translations of poetry, fiction, and children’s literature. The article
highlights the role of these translations in bringing Arabic literature and
literature from the homeland to wider English-speaking audiences and in making
literary representations of identity, place, memory, marginalization,
displacement, coexistence, and hope accessible to new readers and researchers.
Particular
attention is given to Assadi’s translation of short fiction, women’s writing,
Arabic poetry, and literary anthologies. The article also considers his
multifaceted role as translator, editor, critic, and cultural mediator. Works
such as The Story of a People: An Anthology of Palestinian Poets within the
Green-Line and Short Fiction as a Mirror of Palestinian Life in Israel,
1944–1967: Critique and Anthology demonstrate how his work extends beyond
linguistic transfer to include editorial organization, critical framing,
documentation, and cultural representation. His translation of children’s books
further demonstrates the breadth of his engagement with translation across
genres and readerships.
The
article argues that the significance of Assadi’s translation work lies in its
continuity, breadth, and cultural purpose. His translations create channels
through which Arab and homeland writers can reach English-speaking readers
while also preserving literary memory and facilitating scholarly engagement
with Arabic literature. Translation, in Assadi’s work, consequently emerges as
a sustained form of cultural mediation that connects languages, literary
traditions, communities, and readers.
Keywords: Jamal Assadi, translation, homeland literature, Arabic literature,
literary translation, short fiction, Arabic poetry, anthology, Peter Lang,
cultural mediation.
مقدمة: جمال أسدي ومسيرة الترجمة
تحتل الترجمة موقعًا خاصًا في تاريخ الأدب
العربي الحديث، لأنها لم تكن مجرد وسيلة لنقل النصوص من لغة إلى أخرى، بل شكلت في
كثير من الأحيان وسيلة للتعريف بالثقافات، وتوسيع دوائر التلقي، وإعادة تشكيل صورة
الأدب العربي في اللغات العالمية. وقد اكتسبت الترجمة الأدبية أهمية خاصة في
الحالة الأدبية في الوطن؛ لأن انتقال النص إلى الإنجليزية يعني إتاحة تجربة أدبية
وثقافية وتاريخية أمام قراء قد لا يصلون إلى النص العربي في لغته الأصلية.
في هذا السياق يبرز مشروع الأستاذ الدكتور جمال أسدي بوصفه
مشروعًا ترجميًا متواصلًا امتد على مدى سنوات، وتنوع بين القصة القصيرة، والشعر،
والأنطولوجيا، وأدب الأطفال، والأعمال التي تجمع بين الترجمة والتحرير. ولا تقف
مسيرته عند الترجمات الأولى التي أنجزها في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين،
بل استمر المشروع وتوسع في السنوات الأخيرة ليشمل الشعر العربي، والرواية، والقصة،
والحوار الأدبي، والأعمال ذات الصلة بالقدس والذاكرة الثقافية.
ومن الأعمال الحديثة التي تؤكد استمرارية هذا
المسار كتابه The Immortal Voices of Arabic Poetry، الصادر عام 2025 عن Lambert Academic Publishing، إلى جانب ترجمته عام 2026
لعملَي جميل السلحوت The Degenerate (Al-Wabsh) وThe First Night (Al-Layla al-Ūlā)، وترجمته وتحريره لكتاب أصالة موسى إغباريّة The Room. كما يضاف إلى ذلك عمله Jerusalem in
His Eyes: Conversations with Mahmoud Shukair، الصادر بالإنجليزية عن Peter Lang، وهو يقابل كتابه العربي Al-Quds fī
ʿAynayh: Ḥiwārāt maʿa Maḥmūd Shuqayr الصادر عام 2025.
ومن ثم، فإن مشروع أسدي لا يظهر بوصفه نشاطًا
ترجميًا من الماضي، بل مشروعًا مستمرًا ومتجددًا.
ولا ينبغي النظر إلى هذه الأعمال بوصفها
مجموعة عشوائية من الترجمات. فهي تكشف عن اهتمام واضح بالأدب العربي وأدب الوطن،
وعن رغبة في نقل أصوات أدبية متعددة إلى الإنجليزية. وفي هذا المعنى، يمكن النظر
إلى أسدي بوصفه مترجمًا أدبيًا ووسيطًا ثقافيًا في آن واحد.
فهو يقف بين النص الأصلي والقارئ الجديد، وبين الثقافة التي أنتجت النص والثقافة
التي تستقبله.
الترجمة عند جمال أسدي بوصفها مشروعًا
ثقافيًا
تظهر الترجمة في مسيرة أسدي ضمن منظومة
ثقافية أوسع تجمع الأدب والنقد والتعليم والتحرير والكتابة الإبداعية. وهذا السياق
مهم لفهم طبيعة ترجماته؛ فالمترجم الذي يأتي إلى النص من خلفية أدبية ونقدية لا
يتعامل معه باعتباره مادة لغوية مجردة، وإنما يقرأه ضمن بنائه الجمالي والثقافي.
ومن أبرز ما يميز هذا المشروع أن عددًا من
الأعمال المترجمة لم يكن مجرد ترجمة لنص واحد، بل كتبًا وأنطولوجيات ذات بنية
مركبة. ففي بعض الحالات كان أسدي مترجمًا ومحررًا في الوقت نفسه. وفي حالة Short
Fiction as a Mirror of Palestinian Life in Israel, 1944–1967: Critique and
Anthology،
تجاوز دوره الترجمة إلى التحرير والكتابة النقدية والمشاركة في بناء الكتاب.
ويتكرر هذا الدور في أعمال لاحقة. ففي The Room، مثلًا، يرد أسدي بوصفه محررًا
ومترجمًا، مع مشاركة ليليان هاندلين في التحرير. وهذا يؤكد أن اهتمامه لا يقتصر
على النقل اللغوي، وإنما يشمل أيضًا بناء النص في صورته الجديدة.
وهنا تظهر إحدى الخصائص المهمة في مشروعه: المترجم لا يقف خارج الكتاب، وإنما يشارك في
تشكيل طريقة وصوله إلى القارئ.
وهذا ما يجعل وصف أسدي بأنه
"مترجم" وحده غير كافٍ أحيانًا. الأدق أنه يعمل في عدد من مشروعاته
بوصفه مترجمًا ومحررًا وناقدًا ووسيطًا ثقافيًا.
البدايات وترجمة أدب الأطفال
يبدأ سجل ترجمات أسدي إلى الإنجليزية بمجموعة
من كتب الأطفال، وهي أعمال تعود إلى الفترة بين 2006 و2013. وتشمل:- Willy and the Animall — William Freedman، 2006.
- The Lion Who Squeaked — William Freedman، 2007.
- The Mouse of Gold — Jennifer T. Doherty and Gerald Goldin، 2008.
- That’s Our Brother — William Freedman، 2009.
- The Fierce and Gentle Wolf — Jennifer T.
Doherty and Gerald Goldin، 2013.
وتكشف هذه البداية عن بعد مهم في شخصية أسدي
المترجم. فالترجمة الموجهة إلى الأطفال تختلف في طبيعتها عن الترجمة الأكاديمية أو
النقدية؛ فهي تتطلب حساسية تجاه اللغة والإيقاع والبساطة والصورة والحركة والحوار.
كما أن الانتقال بين أدب الأطفال والأدب
القصصي والشعر يشير إلى أن اهتمام أسدي بالترجمة لم يكن محصورًا في جنس أدبي واحد.
وهذه المرونة مهمة في تكوين المترجم؛ إذ تتيح له التعامل مع مستويات مختلفة من
اللغة والأسلوب والجمهور.
الانتقال إلى ترجمة القصة في الوطن
تأخذ ترجمة أسدي للقصة القصيرة مكانة مركزية في مشروعه. ففي عام 2008 صدر كتاب "A Rose to Hafeeza’s Eyes and Other Stories" لمحمد علي طه، بترجمة وتحرير أسدي عن Peter Lang. ثم صدر عام 2009 "Father and Son: Selected Short Stories"، تلاه في العام نفسه "Three Voices from the Galilee". وفي عام 2010 صدر "Mustafa Murrar: The Internal Pages and Other Stories".يمثل كتاب "Three Voices from the Galilee" نموذجًا واضحًا لفكرة التعدد في مشروع أسدي. فالكتاب يجمع أعمال ثلاثة كتاب من الجليل: زكي درويش، ومحمد نفّاع، وناجي ظاهر.
في عام 2011 صدر كتاب "Loud Voices from the Holy Land: Short Fiction by Palestinian Women"، بترجمة وتحرير جمال أسدي عن Peter Lang.
من أبرز أعمال أسدي "The Story of a People: An Anthology of Palestinian Poets within the Green-Line"، الصادر عام 2011 عن Peter Lang. وقد قام أسدي بتحريره وترجمته.
إبراهيم مالك بين الأدب والسيرة والثقافة
في عام 2011 أصدر أسدي "Ibrahim
Malik: The Man and His Works" عن
Peter Lang،
ثم صدر عام 2015 "Ibrahim Malik: The
Culture of Peace and Co-existence" عن الدار نفسها.يمثل كتاب "Short Fiction as a Mirror of Palestinian Life in Israel, 1944–1967: Critique and Anthology"، الذي أنجزه أسدي بالاشتراك مع سيف أبو صالح، أحد أكثر الأعمال دلالة على التقاء الترجمة بالنقد والتوثيق.
يمتد مشروع أسدي إلى الشعر العربي المعاصر، ويأخذ هذا الاتجاه صورة واضحة في كتابه "The Immortal Voices of Arabic Poetry"، الصادر عام 2025 عن Lambert Academic Publishing في Saarbrücken.
لا يقف مشروع أسدي عند الشعر العربي القديم أو الكلاسيكي، بل يمتد إلى الأدب العربي المعاصر.
يمثل كتاب "The Room" لأصالة موسى إغباريّة، الصادر عام 2026 عن Generis Publishing، جانبًا آخر من تجربة أسدي. فقد قام أسدي بتحرير وترجمة العمل، بالاشتراك التحريري مع Lilian Handlin.
القدس بين العربية والإنجليزية: من
"القدس في عينيه" إلى
"Jerusalem in His Eyes"
يمثل مشروع "Jerusalem
in His Eyes: Conversations with Mahmoud Shukair" بعدًا مهمًا في تجربة أسدي، لأنه يربط بين
الكتابة العربية والإنجليزية حول القدس والشخصية الأدبية.من المترجم إلى الكاتب ثنائي اللغة
إن أحد أهم جوانب تجربة أسدي هو أن الترجمة لم تبق منفصلة عن الكتابة.من المترجم إلى الوسيط الثقافي
تُظهر الأعمال الحديثة أن وظيفة أسدي لم تعد تقتصر على الترجمة بمعناها الضيق.قيمة الترجمة في خدمة الباحثين
لا تقتصر أهمية أعمال أسدي على القارئ العام. فهي تكتسب أهمية خاصة للباحثين والطلاب.يمكن النظر إلى مشروع أسدي من زاوية الذاكرة الثقافية. فالأدب الذي ترجمه لا يتحدث فقط عن الحاضر، وإنما يحتفظ بآثار من الماضي: الأمكنة، والعلاقات الاجتماعية، والهوية، والذاكرة الشخصية والجماعية.
تتمتع أعمال أسدي المترجمة بميزة أخرى هي قدرتها على الجمع بين أصوات مختلفة.
الترجمة الأدبية ليست نقلًا حرفيًا.
من أبرز ما يميز تجربة أسدي أن الترجمة لم تكن مرحلة قصيرة في حياته، بل مشروعًا امتد لسنوات.
2026: The Degenerate (Al-Wabsh).
2026: The First Night (Al-Layla al-Ūlā).
2026: The Room.
2026: Jerusalem in His Eyes: Conversations with Mahmoud Shukair.
وهذه الاستمرارية مهمة لأنها تدل على أن الترجمة لم تكن نشاطًا هامشيًا في مسيرته.
لماذا يمكن وصف جمال أسدي بالمترجم البارز؟
إن وصف أسدي بأنه مترجم بارز ينبغي أن يستند
إلى مجموعة من المعايير، لا إلى عدد الكتب وحده.تكشف دراسة أعمال جمال أسدي المترجمة عن مشروع يتجاوز مفهوم الترجمة بوصفها نقلًا لغويًا. لقد عمل أسدي على نقل الأدب العربي وأدب الوطن إلى الإنجليزية، لكنه في الوقت نفسه عمل على تقديمه وتنظيمه وتحريره ووضعه في سياقات تسمح للقارئ الجديد باكتشافه.
"A Rose to Hafeeza’s Eyes and Other Stories" — محمد علي طه، ترجمة وتحرير جمال أسدي، 2008، Peter Lang.
"Al-Quds fī ʿAynayh: Ḥiwārāt maʿa Maḥmūd Shuqayr" — جمال أسدي، 2025، حيفا: مكتبة كل شيء. (بالعربية).
ترجمات أدب الأطفال
"Willy and the Animall" — William Freedman،
2006.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق