الأحد، 30 أغسطس 2026

والي المدينة ، ومضات تقبض على نبض الواقع وتفضح المستور ، قراءة نقدية موسّعة ، بقلم : رانية مرجية

 رانية مرجية




مدخل



في زمن تتسارع فيه الأحداث وتتشظى التفاصيل، يطلّ علينا الأديب الفلسطيني سهيل إبراهيم عيساوي بعمله القصصيوالي المدينةليبرهن أن القصة القصيرة جدًا ليست مجرد فنٍّ هامشي، بل هي أداة حادة قادرة على تقطيع أوصال الواقع وكشف طبقاته المخفية في ومضة لا تتجاوز بضعة أسطر. المجموعة، الصادرة في طبعتها الثانية عام 2025، عندار سهيل عيساوي للطباعة والنشر، تحوي أكثر من ستين نصًا قصصيًا، تتوزع بين النقد الاجتماعي والسياسي، والسخرية السوداء، والحنين، والتأمل الفلسفي.

هذه النصوص، على قصرها، مشبعة بطاقة رمزية عالية، وصور مشهدية مكثفة، وخواتيم صادمة أو مفتوحة، ما يجعلها أقرب إلى طلقات فكرية وجمالية تصيب القارئ في الصميم.

 

البنية الفنية: الاقتصاد الماكر

 

 

فن القصة القصيرة جدًا، كما يتجلى فيوالي المدينة، يقوم على اقتصاد لغوي صارم، وحذف كل ما هو فائض، حتى لا يبقى سوى الهيكل العظمي للفكرة واللحم الحي للصورة. يبدأ عيساوي غالبًا بمشهد واقعي مباشر، ثم يترك للقارئ لحظة كشف أو صدمة في الجملة الأخيرة، فيحوّل مسار القراءة من الظاهر إلى الباطن، ومن المألوف إلى المدهش.

 

هذاالاقتصاد الماكريجعل النصوص قابلة للتأويل على مستويات عدة: سياسي، اجتماعي، وجداني، وأحيانًا أسطوري.

 

الثيمات الكبرى في المجموعة

 

السلطة والفساد

في نصوص مثلصفعة”, “صندوق الانتخابات”, ووالي المدينة”, تتحول السلطة إلى مسرح عبثي، حيث الحاكم قد يتلقى الصفعة في الحلم، لكن المواطن يصحو ليجد نفسه بلا كف. الديمقراطية هنا ليست سوى طقس شكلي ينتهي بمنح المواطنصوتًامقرونًا بـسوط”.

الهوية والانتماء

فيلأنك عربي، الهوية تصبح تهمة، وفيبرتقال يافاتتحول الثمرة إلى أيقونة ذاكرة، بينما فيوطنيقف الوطن مثخن الجراح، يحاول النهوض وسط الحبال والسكاكين. هذه النصوص تجعل الانتماء فعل مقاومة بحد ذاته.

النفاق الاجتماعي

ضمير”, “الواعظ”, وشاعر المرأةتفضح ازدواجية الخطاب والسلوك. الواعظ النهاري مُشعل الفتنة الليلي، والشاعر الذي ينادي بحقوق المرأة ينقض عليها بصفعة تُسقط كل قصائده.

الحنين والفقد

شجرة زيتون معمرة”, “حبات المطر”, ووردة حمراءتنقل إحساس الفقد والحنين، حيث الأشياء تحمل أرواحًا، والزمن يتجسد في شجرة أو قطرة مطر أو عبق وردة باقٍ رغم عقود.

السخرية السوداء

مسعف”, “لايك”, وتاجر الحميرتمزج الضحك بالألم، وتكشف خواء القيم الحديثة في زمن الوجاهة الافتراضية والاستهلاك المفرط.

اللغة والصورة: بين الواقعي والرمزي

 

اللغة فيوالي المدينةمشهدية، تميل إلى البساطة الماكرة، حيث الجملة القصيرة تخفي وراءها عمقًا دلاليًا. الصور تتراوح بين:

واقعية: كما فيفي المطعم”, حيث يُختصر جمود العلاقات الأسرية في مشهد أطباق لم تُمس.


رمزية: كما فيالزيتونة، التي تُقتلع لتثمر زيتونًا رغم التلاعب بجيناتها، في استعارة عن الهوية التي لا تُمسخ.


أسطورية: كما فيطائر العنقاء، الذي ينهض من رماد الأساطير ليحرق عيون الواقعية البليدة.


البعد الفلسفي

برغم التكثيف، يزرع عيساوي أسئلة وجودية كبرى:

ما العدالة؟ وهل تتحقق أم تظل يوتوبيا مؤجلة؟ (والي المدينة)

هل يمكن للحب أن يعيش خارج النصوص والمسلسلات؟ (حب من الدرجة العاشرة)

 

أين يقيم الضمير حين يُستأصل طوعًا؟ (ضمير)

ما حدود الحرية في وطن مثخن بالسلاسل؟ (وطن)

أهمية العمل


 والي المدينةليس مجرد ترف فني، بل هو أرشيف وجداني وفكري لزمن عربي وفلسطيني مأزوم، يُقرأ اليوم كتوثيق للحظة، ويمكن أن يُقرأ غدًا كشهادة على عصر. قوته تكمن في أنه يمنح القارئ نصوصًا صغيرة في حجمها، لكنها تفتح أبوابًا واسعة للتأمل والنقاش.

 

خاتمة

سهيل عيساوي فيوالي المدينةيمارس كتابة الومضة كمن يمسك عدسة مكبرة على تفاصيل الواقع، فيكشف القبح والجمال، العبث والمعنى، الضحك الممزوج بالدمع. إنه كتاب يمكن قراءته على جرعة واحدة، أو تذوقه نصًا نصًا، لكن أثره سيظل طويل المدى في الذاكرة





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق