شرفني الناقد السوري- الدمشقي الراقي أحمد بيطار بهذه القراءة التحليلية النقدية الراقية لقصيدتي "ألحان الصمت الجذلى"
له
الشكر والتقدير والاحترام
///
قراءة
في قصيدة «ألحانُ الصمتِ الجَذلى»
للشاعر
صالح أحمد (كناعنة)
بقلم
الناقد السوري الدمشقي: احمد بيطار
///
تأتي
قصيدة «ألحانُ الصمتِ الجَذلى» للشاعر صالح بوصفها نصًّا شعريًّا يتحرك في منطقة
شديدة الحساسية بين الصمت والكلام، والامتلاء والفراغ، والانكسار والرجاء . وهي
قصيدة لا تكتفي بأن تصف حالة وجدانية عابرة، بل تحاول أن تجعل من الصمت لغةً
موازية للغة، ومن العتمة فضاءً تتخلق فيه إمكانية الفجر.
يضعنا
الشاعر أمام مفارقة جمالية لافتة: «ألحان» و«الصمت» ؛ فكيف للصمت أن تكون له
ألحان؟ وكيف يكون هذا الصمت «جَذِلًا» أو «جَذْلًا» وهو محاط بكل هذه الأسئلة
والقلق؟ هنا تبدأ القصيدة من مفارقة، لكنها سرعان ما تحول المفارقة إلى فلسفة
شعرية: فالصمت ليس غياب الصوت، بل صوتٌ داخلي لم يجد بعد طريقه إلى الخارج.
أولًا:
العنوان بوابة النص
العنوان
«ألحان الصمت الجذلى» ليس مجرد تسمية للقصيدة، بل هو مفتاح تأويلي لها. فالشاعر
يبني نصه كله على ثنائية تبدو متناقضة في ظاهرها، لكنها متآلفة في العمق:
الصمت/اللحن ، العتمة/الفجر ، الفراغ/الحياة ، الألم/الأمل .
ولعل
أجمل ما في هذه الثنائية أن الشاعر لا يرى الصمت موتًا، بل يراه حالةً موسيقيةً
كامنة؛ شيء ما يغني في الداخل حتى عندما تعجز الكلمات عن الغناء.
وهذا
المعنى يتأكد في قوله:
«لِيَدٍ مِن زَنبَقٍ كانت وما زالَت
تُغَنّي
والصّدى
كانَ حَياةً أَينَعَت مِنها ومِنّي»
إنها
بداية تنفتح على صورة شديدة الرهافة: يد من زنبق تغني . واليد هنا ليست مجرد عضو،
بل رمز للفعل والعطاء والحنين، بينما يتحول الزنبق إلى علامة على النقاء والرقة
والجمال. أما «الصدى» فيتحول إلى حياة، وكأن ما مضى لا يختفي تمامًا، بل يبقى أثره
حيًّا في أعماق الذات.
وهنا
يبدو الشاعر كمن يحاول استعادة شيء فقده، لا باستعادته في الواقع، وإنما باستعادة
صداه في اللغة.
***
ثانيًا:
القصيدة بين الذاكرة والذات
تتحرك
القصيدة في فضاء نفسي مضطرب، حيث تتداخل الذاكرة مع الحاضر، ويتجاور الحلم مع
الواقع. فالذات الشعرية لا تقف أمام العالم من الخارج، بل تقول:
«كلُّ شَيءٍ يحتَويني ههُنا قَسرًا
لأنّي...»
هذه
العبارة من أكثر العبارات دلالة على مأزق الذات في النص. فالفعل «يحتويني» عادةً
يحمل معنى الحماية والاحتضان، لكن الشاعر يضيف إليه «قسرًا» ، فينقلب الاحتواء إلى
حصار، ويصبح المكان الذي يفترض أن يمنح الأمان سببًا للضيق.
إنها
ذات تشعر أنها محاصرة في وجودها، وأن الأشياء من حولها لا تمنحها فرصة الاختيار.
ولعل النقاط الثلاث بعد «لأنّي...» تفتح جرحًا شعريًا لا يريد الشاعر أن يصرح به؛
فالصمت هنا ليس عجزًا عن القول، بل ربما هو امتناع عن قول ما هو أشد من أن يُقال.
ثالثًا:
مفارقة «الفجر» و«الفراغ»
من
أجمل المفارقات في النص قوله:
«لم أَصُغ فَجري، فَراغي لونُ أُطروحةِ
فَنّي»
الفجر
هنا ليس ظاهرة طبيعية، وإنما مشروع شخصي. فالشاعر يقول ضمنيًا: لم أصنع صباحي
بنفسي ، ولذلك بقي فراغي هو المادة التي يتشكل منها فني.
وهذه
العبارة تفتح بابًا مهمًا في قراءة القصيدة؛ فالشاعر لا يكتب من حالة امتلاء
مطمئنة، بل يكتب من الفراغ ، من المسافة بين ما يريد وما يستطيع، بين الحلم وما
تحقق منه.
ولذلك
يصبح الفن هنا تعويضًا عن شيء لم يكتمل في الحياة.
إنها
فكرة قديمة في الشعر، لكنها تأتي هنا بصياغة خاصة: الشاعر لا يكتب لأنه ممتلئ، بل
لأنه يحاول أن يملأ فراغه بالكلمات
.
***
رابعًا:
مأزق الوعي
يقول:
«شُرفَةُ الأوهامِ أَعلى مِن خَيالي
المُطمَئِنِّ
كَيفَ
لِلمَأزومِ أَن يُبصِرَ أَنغامَ المُغَنّي؟»
هنا
تبلغ القصيدة ذروة تأملها النفسي.
فالشاعر
يتحدث عن «شرفة الأوهام» ، وهي صورة ذكية؛ لأن الشرفة مكان مرتفع يتيح الرؤية، لكن
حين تكون شرفةً من الأوهام، فإنها تمنح صاحبها رؤيةً زائفة. وكأن الإنسان قد يصعد
عاليًا، لكنه لا يرى الحقيقة، بل يرى ما تصنعه أوهامه.
ثم
يأتي السؤال:
«كيف للمأزوم أن يبصر أنغام المغني؟»
وهذا
السؤال من أجمل أسئلة القصيدة؛ لأنه يحول الأزمة النفسية إلى أزمة في التلقي
والجمال. فالمشكلة ليست أن العالم يخلو من الموسيقى، بل أن الذات المأزومة فقدت
القدرة على سماعها.
وهنا
يصبح المأزوم هو الإنسان الذي لم تعد الأشياء الجميلة تصل إليه، لا لأنها اختفت،
وإنما لأن داخله غدا مثقلًا بما يمنعه من استقبالها.
خامسًا:
من الصمت إلى الرجاء
في
المقطع الثاني، يتغير الإيقاع النفسي للنص.
«صامِتًا حَدَّ التّداعي زارَني أَمسي
وَوَلّى
تَرَكَ
الأَحلامَ تَنسَلُّ إِلى صَمتِيَ خَجْلَى»
إن
«الأمس» هنا ليس زمنًا مضى فقط، بل كائن زائر. يأتي، ثم يرحل، ويترك وراءه الأحلام.
والصورة
الجميلة في قوله:
«تنسل إلى صمتي خجلى»
أن
الأحلام لا تدخل صاخبة، وإنما تدخل خجولة، مترددة، كأنها تخشى أن توقظ وجعًا نائمًا.
لكن
اللافت أن الأحلام، رغم رحيل الأمس، لم تمت. لقد انتقلت إلى الصمت.
وهذا
يؤكد الفكرة المركزية في القصيدة: ما لا يستطيع الإنسان قوله، قد يبقى حيًا في
داخله على هيئة حلم أو لحن أو صدى.
سادسًا:
الوعي الراقص وغصن الفجر
يقول
الشاعر:
«راقِصٌ وَعيي كَغُصنٍ شاقَهُ الفَجرُ
فَصَلّى»
هذه
من أجمل صور النص وأكثرها شاعرية.
فالوعي
هنا لا يتحرك كالعقل الجامد، بل يرقص . والغصن الذي يشتاق إلى الفجر صورة تجمع بين
الطبيعة والروحانية؛ فالغصن كائن حي، لكنه لا يملك أن يذهب إلى الفجر، لذلك يكتفي
بالشوق والصلاة.
وهذه
الصورة تمنح القصيدة بعدًا روحيًا عميقًا: الفجر ليس مجرد ضوء، بل خلاص تتوق إليه
الروح.
إن
الشاعر، في هذه المرحلة، لا يعود أسير العتمة تمامًا؛ لقد بدأ يبحث عن مخرج منها،
ولو عبر الصلاة، ولو عبر الشوق.
***
سابعًا:
السؤال بوصفه طريقًا إلى الخلاص
يأتي
النداء:
«عَلِّميني يا لَيالي كيفَ يَغدو
الصّمتُ أَغلى
أَيَّ
لَونٍ أَكتَسي حتى يصيرَ الفَجرُ أَجلَى؟»
وهنا
تتجلى براعة الشاعر في تحويل القصيدة من حالة شكوى إلى حالة سؤال .
فالإنسان
الذي يشكو قد يبقى أسير ألمه، أما الإنسان الذي يسأل، فقد بدأ يبحث عن طريق.
والسؤال
الثاني تحديدًا:
«أي لون أكتسي حتى يصير الفجر أجلى؟»
سؤال
شديد الشعرية؛ لأن الشاعر لا يسأل كيف يأتي الفجر، بل يسأل ماذا ينبغي له أن يلبس
كي يصبح الفجر أكثر وضوحًا.
وهذا
يعني أن الخلاص، في رؤية النص، ليس مسؤولية العالم وحده، بل مسؤولية الذات أيضًا.
ربما لا يحتاج الفجر إلى أن يتغير، بل يحتاج الإنسان إلى أن يغير اللون الذي
يرتديه في داخله.
ثامنًا:
الخاتمة والتحول من الشكوى إلى الفعل
تصل
القصيدة إلى ذروتها في قول الشاعر:
«لَن أَعيشَ الدّهرَ أَشكو، أَنطَوي،
أَسلو، وَأُسلَى
مَزِّقي
يا روحُ سِترَ العَتمِ فَالأيّامُ حُبلى»
هنا
يحدث التحول الأهم في النص.
لقد
بدأت القصيدة باليد التي تغني، ثم الصدى، ثم الغيم، ثم الفراغ، ثم الأزمة، ثم
الصمت، ثم الأحلام، ثم الفجر، لتنتهي أخيرًا بفعل الأمر:
«مَزِّقي»
إنها
لحظة استعادة الإرادة.
بعد
أن كانت الذات تقول: «كل شيء يحتويني قسرًا» ، أصبحت تقول لروحها: «مزقي» .
وهذا
التحول الداخلي هو العمود الفقري للقصيدة.
أما
عبارة:
«فالأيام حُبلى»
فهي
خاتمة تحمل طاقة تفاؤلية كبيرة؛ فالأيام ليست جامدة ولا عقيمة، بل هي «حبلى» بما
لم يولد بعد. والمستقبل، وإن كان غامضًا، يحمل في داخله إمكانية الولادة والتجدد.
وهكذا
ينتهي النص حيث يبدأ الفجر في الظهور، لا بوصفه شمسًا مكتملة، وإنما بوصفه إمكانية .
تاسعًا:
الموسيقى والإيقاع
من
الناحية الموسيقية، يلفت النظر اعتماد الشاعر على التدوير الصوتي والقافية
المتقاربة ، وعلى نهايات متتابعة تمنح النص نبرة إنشادية واضحة، خصوصًا في المقطع
الأول الذي تتكرر فيه أصوات النون والياء، وفي المقطع الثاني الذي تهيمن فيه ألفاظ
مثل:
وَلّى،
خَجلى، فَصَلّى، جَذلى، أَغلى، أَجلى، أُسلَى، حُبلى.
وهذا
التتابع الصوتي لا يؤدي وظيفة موسيقية فقط، بل يخلق حالة من الترابط الدائري ، كأن
القصيدة تدور حول مركز واحد: الصمت الذي يريد أن يتحول إلى غناء.
كما
أن التكرار الصوتي في نهايات الأبيات يجعل القصيدة أقرب إلى مقطوعة غنائية، وهو
أمر يتناسب تمامًا مع عنوانها.
ومع
ذلك، فإن هذه الموسيقى أحيانًا تبدو أكثر حضورًا من المعنى، إذ يدفع الشاعر بعض
التراكيب باتجاه القافية، فتظهر عبارات تحتاج إلى قدر أكبر من الصقل الدلالي. وهذه
ملاحظة لا تنتقص من جمال التجربة، بل تشير إلى أن النص يمتلك طاقة شعرية كبيرة
يمكن أن تصبح أكثر إحكامًا لو خضعت بعض الجمل لمراجعة لغوية وإيقاعية دقيقة.
عاشرًا:
اللغة والصورة
لغة
القصيدة ذات طابع وجداني رمزي ، وهي لا تميل إلى المباشرة، بل تبني عالمها من
مفردات متكررة الدلالة:
الزنبق،
الصدى، الغيم، الفجر، الأوهام، الصمت، العتمة، الأيام.
وهذه
المفردات تشكل معجمًا داخليًا متماسكًا، يمكن أن نسميه معجم التحول ؛ فالزنبق يقود
إلى الغناء، والغناء إلى الصدى، والصدى إلى الحياة، والصمت إلى الأحلام، والأحلام
إلى الفجر، والفجر إلى تمزيق العتمة.
إنها
حركة من الموت الرمزي إلى الحياة
.
ولعل
أهم ما يميز الشاعر هنا أنه لا يستخدم الطبيعة للزينة، بل يجعلها مرآةً للروح.
فالغيمة ليست غيمة فقط، والغصن ليس غصنًا فقط، والفجر ليس فجرًا فقط؛ كل هذه
العناصر تتحول إلى حالات نفسية.
إن
«ألحان الصمت الجذلى» قصيدة تقوم على مفارقة عميقة: إن الإنسان قد يكون صامتًا،
لكنه في داخله عالم كامل من الموسيقى.
الشاعر
صالح أحمد يكتب نصًا تتجاور فيه الحساسية الوجدانية مع التأمل الفلسفي، ويتحول فيه
الألم من حالة انغلاق إلى سؤال، ثم يتحول السؤال إلى رغبة في الخلاص.
وإذا
كان في النص شيء من الغموض أو بعض التراكيب التي تحتاج إلى مزيد من التشذيب، فإن
هذا الغموض في جوانب منه ليس عيبًا، بل جزء من طبيعة التجربة؛ لأن القصيدة نفسها
تتحدث عن عالم داخلي مرتبك، وعن ذات تبحث عن معنى لا تستطيع الوصول إليه بسهولة.
وأجمل
ما في التجربة أن الشاعر لا يترك قارئه في العتمة.
فبعد
أن يقول:
«كيف للمأزوم أن يبصر أنغام المغني؟»
يمنحنا
في النهاية مفتاح الإجابة:
«مزقي يا روح ستر العتم»
وكأن
القصيدة كلها لم تكن سوى رحلة طويلة من السؤال إلى هذا النداء.
إنها
قصيدة تبدأ بالصمت، لكنها لا تنتهي به ؛
تبدأ
بالفراغ، لكنها تنتهي بالحمل؛
تبدأ
بالأمس، لكنها تتطلع إلى الفجر؛
وتبدأ
بذاتٍ محاصرة، لتنتهي بروحٍ تمتلك القدرة على تمزيق ستار العتمة.
ولذلك
يمكن القول إن «ألحان الصمت الجذلى» هي، في جوهرها، قصيدة عن الإنسان الذي يبحث عن
صوته في اللحظة التي يعجز فيها عن الكلام ؛ وعن الروح التي تكتشف، بعد طول التيه،
أن الفجر لا يأتي دائمًا من الخارج، بل قد يبدأ من قرار داخلي واحد:
أن
نرفض أن نبقى أسرى للعتمة.
****
احمد
بيطار
///
نص
القصيدة
أَلحانُ
الصّمتِ الجَذلى
شعر:
صالح أحمد (كناعنة)
///
ليَدٍ
مِن زَنبَقٍ كانت وما زالَت تُغَنّي
والصّدى
كانَ حَياةً أَينَعَت مِنها ومِنّي
كانَتِ
الغَيماتُ أَصفى مِن هَوى نَفسي وَظَنّي
ونَماها
كانَ أَدنى مِن تَضاريسِ التّمَنّي
كلُّ شَيءٍ يحتَويني ههُنا قَسرًا
لأنّي...
لم
أصُغ فجري، فَراغي لونُ أطروحَةِ فًنّي
شُرفَةُ
الأَوهامِ أَعلى مِن خَيالي المُطمَئِنِّ
كَيفَ
لِلمَأزومِ أَن يُبصِرَ أَنغامَ المُغَنّي؟
***
صامِتًا
حَدَّ التّداعي زارَني أَمسي وَوَلّى
تَرَكَ
الأَحلامَ تَنسَلُّ إِلى صَمتِيَ خَجْلَى
راقِصٌ
وَعْيي كَغُصنٍ شاقَهُ الفَجرُ فَصَلّى
فارِغٌ
مِثلَ شَغوفِ رَدَّدَ الأَلحانَ جَذْلى:
عَلِّميني
يا لَيالي كيفَ يَغدو الصّمتُ أَغلى
أَيَّ
لَونٍ أَكتَسي حتى يصيرَ الفجرُ أَجلَى؟
لَن
أَعيشَ الدّهرَ أَشكو، أَنطَوي، أَسلو، وَأُسلَى
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق