السُّنبلَةُ
المُبارَكةُ
تأليف د/ شاكر
صبري
رسوم: د. صفا لطفي
اجْتاحَتْ الحُقولَ كُلَّها عَواصِفٌ رَعْدِيَّةٌ ورِياحٌ شَديدَةٌ
معَ أَمْطارٍ غَزيرَةٍ , دَمَّرَتْ كلَّ شَيْءٍ وخاصَّةً مَحاصيلَ الحُقولِ .
كانَ حَقْلُ الرَجُلِ الصَّالِحِ
ضِمْنَ هَذِه الأَراضِي التِّي أَصابَها الدَّمارُ ، وماتَتْ كُلُّ النَباتاتِ
المَوْجودةِ بالحَقْلِ .
كانَ الرَجُلُ الصَّالِحُ لهُ
أَولادٌ صِغارٌ , ويَحْتاجُ إلَي مالٍ كَثيرٍ لِيُنْفِقَ عَلي أُسْرَتِهِ .
ذهَبَ الرَجُلُ الصَّالحُ إلَى حَقْلِه ، فَوَجدَ أَنَّ المَحْصولَ كُلَّه قَدْ هلَكَ ولمْ يَبْقَ مِنهُ شَيءٌ ، وأنَّ الأَمْطارَ والعَواصِفَ قدْ
أَفْسَدَتْ كُلَّ شَيءٍ .
نَظرَ الرَجُلُ إلَى الحَقْلِ وقالَ : لا حَوْلَ ولا قُوَّة إلاَّ باللهِ ، قَدَّرَ اللهُ وما شاءَ فَعلَ ، ولَكِنْ ماذا سَأَفعَلُ الآنَ ؟ وماذا أُقَدِّمُ لِأَوْلادي ؟ لقَدْ فَوَّضْتُ أَمْري إلي اللَّهِ ،
توَكَلَّتُ علي اللهِ , وهُو نِعْمَ
المَوْلى ونِعْمَ النَّصيرُ .
ذهبَ الرَّجُلُ البَخيلُ
إلى حَقْلهِ أَيْضاً ، ولمَّا رأَى
ما حَدِثَ ظلَّ ينْدِبُ حظَّهُ وقالَ : كُنتُ
سأُعْطي لِلْفَقيرِ حقَّه ، كُنتُ سأُساعِدُ الناسَ ، كُنتُ .....
كُنتُ ...
وظلَّ يكْذِبُ لأنَّهُ يَعْلَمُ أنّ مَحْصولَهُ
لا مَحالَةَ قَد فُقِدْ . وأنَّه لنْ ينَالَ مِنْهُ شَيئاً .
نظرَ حَقْلُ الرَّجُلِ الصَّالحِ إلى حقْلِ البَخيلِ ، وقالَ لهُ إنّ مالِكي رَجُلٌ فَقيرٌ وصاحِبُ عِيالٍ ، وهُو يُؤَدِّي للفَقيرِ حَقَّه ، ويُساعِدُ
كلَّ مُحْتاجٍ وهُوَ نُموذجٌ للْخَيْرِ ، ولا بدَّ أنْ أُساعِدَهُ
علَى قَدْرِ طاقَتي ، وقالَ حَقْلُ الرَّجُلِ البَّخيلِ مِثْلَ هَذا الكَلامِ ، فقالَ حَقلُ الرَّجُلِ الصَّالحِ : سَوْفَ
أُريكَ ما يُمْكِنُني أنْ أَفْعلَهُ .
قالَ لهُ الحقلُ الآخرُ : أَرني ماذا سَتَفْعلُ ؟ إِنَّنا
في الهَمِّ سَواءْ .
وعَلى الفَورِ قامَ
الحَقْلُ بإنْباتِ حبَّاتِ القَمْحِ السَّاقِطَةِ علَى الأَرْضِ , وكانتْ كَثيرةً ثمَّ في
خلال أيامٍ قلائلٍ ظَهَرَ النَّباتُ فَوْقَ
سَطْحِ الأَرْضِ وبَدَأَ يَنْمو .
نادَي الحَقْلُ السَّماءَ أنْ
تُنْزِلَ أَمْطاراً فالنَّباتُ يَحْتاجُ
للماءِ لِكَيْ يَنْمو ويَكْبُرْ , فَأَمْطَرَتْ السَّماءُ مَطَراً غَزيراً , فَرَوَتْ
الأَرْضَ فَأَيْنَعَتْ النَّباتاتِ , وفي خِلالِ أَيَّامٍ قَلائِلٍ كانَ المَحْصولُ
قدْ امْتَلأَ عنْ آَخِرِهِ بالعيدانِ النَّاضِجَةِ.
عادَ صاحِبُ الحَقْلِ إلَى حَقْلِه ، فوَجدَ أنَّ عيدانَ القَمْحِ خَضْراءَ يانِعَةً .
قالَ : إنَّ هَذا لَيْسَ ميعادُ
إنْباتِ القَمْحِ , وأَيْضاً كيْفَ نَمَتْ النَّباتاتُ بِهَذِه السُّرْعَةِ. ت وعَلِمَ
أنَّها مِنْحَةٌ منْ اللهِ لَهُ وحَمِدَ اللهَ علي عَطَائِهِ وقالَ : الحَمْدُ والشُّكرُ لكَ
يا ربِّي .
كُنتُ أُعْطي للفَقيرِ حَقَّه منْ المَحْصولِ كلَّ عامٍ .
وإنْ بارَكَ اللهُ في مَحْصولي هَذَا
العامِ وتمَّ حَصادُهُ , سَيَكونُ العَطاءُ هَذا العامُ ضِعْفَ الأَعْوامِ السَّابِقَةِ ، ثمَّ قامَ بِرِعايَةِ
المَحْصولِ والاهْتِمامِ بهِ .
غار حَقْلُ الرَّجُلِ البَخيلِ منْ حَقْلِ الرَّجُلِ الصَّالحِ
فَقَالَ : وهلْ أَنا أَقَلُّ شَأْناً منْ حَقْلِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ , لا بُدَّ بِأَنْ
أَفْعَلَ مِثْلَ ما فَعَلَ .
وفي غُضونِ أيَّامٍ قَلائِلٍ أَصْبَحَ حَقْلُ البَّخيلِ مَليئاً بِعيدانِ
القَمْحِ اليانِعَةِ .
وجاءَ البَخيلُ فَرأَى ما حَدَثَ فَقالَ : لقدْ أَعْطاني اللهُ كُلَّ
هَذَا لأَنِّني أَسْتَحِقُّه ، وأَنا جَديرٌ بِفَضْلِ
اللهِ عَلَيَّ ، واتَّفَقَ مَعَ التُّجَّارِ
أنْ يَبيعَ لَهُمْ كُلَّ المَحْصولِ ولَنْ
يَتْرُكَ للْفُقَراءِ شَيئاً .
قابَلَهُ الفُقراءُ وطَلَبوا مِنْهُ أنْ يَحْتَفِظَ لَهُمْ بِنَصيبِهمْ منْ زَكَاةِ
المَحْصولِ وقالوا لَهُ :
لقدْ نَجَّى اللهُ مَحْصولَكَ منْ
الهَلاكِ ، وأَبْدَلَكَ خَيْراً مِنْهُ ، فَيَجٍبُ أنْ تُعْطي للْمُحتاجِ حقَّهُ كَما أَعْطاكَ اللهُ ، فَقالَ لَهُمْ : لَقَدْ
كُنتُ مُحْتاجاً وأَعْطاني اللهُ ، لأننَّي أَسْتَحِقُّ ذلكَ , أمَّا أنتمْ فَمُحتاجونُ
ولمْ يُعْطِكُمْ اللهُ لأنَّكُمْ لا تَسْتَحِقُّونَ ؟ ثُمَّ تَركَهُمْ ولَمْ يُبالِ بِهِمْ.
قالَ حَقْلُ الرَّجُلِ الصَّالحِ
: أنْظُرْ إلَى صاحِبِكَ ماذا فَعَل ؟
قالَ حَقْلُ الرَجُلِ البَّخيلِ : أَنا
أُحِبُّ صاحِبي , وسَأُعطيهِ مَحْصولاً وَفيراً .
كانَتْ هُناكَ سَحابةٌ تَسْمَعُ حَديثَ
الحَقْلَيْنِ ، قالَتْ : سَوْفَ أُلَقِّنُ البَّخيلَ وحَقْلَه دَرْساً لنْ يَنْساهُ
أَبَداً حَتَّى يؤُدِّي حَقَّ اللهِ عَلَيهِ .
وأَمْطَرَتِ السَّحابَةُ علَى مَحْصولِ الرَّجُلِ البَّخيلِ مَطَراً غَزيراً
وقالتْ : أَنْتَ لا تَسْتَحِقُ إلاَّ الدَّمارَ فأَوْقَعَتْ الأَمْطارُ العيدانَ وَطَرَحتْها أَرْضاً
فَهَلكَ كلُّ مَحْصولِهِ , ولَمْ تُصِبْ الأَمْطارُ
مَحْصولَ الرَّجُلِ الطَيِّبِ بِسوءٍ.
وفي الوَقْتِ نَفْسهِ اكْتَمَلَ نُمُّوُ عيدانِ حَقْلِ الرَّجُلِ الصَّالحِ ، وحَمَلَ
كلُّ نَباتٍ سَبْعَ سَنابِلَ وكُلُّ سُنْبُلَةٍ حَمَلتْ مائَةُ حَبَّةٍ ، وهُناكَ عيدانُ حَمَلَتْ أَكْثَرَ من ذَلكَ .
عادَ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَعْدَ
عِدَّةِ أيَّامٍ ونَظَرَ إلَى حَقْلِهِ فَوَجدَ أنَّ مَحْصولَهُ قدْ تمَّ نُضْجَهُ
، وَوجَدَ خَيْراً وَفيراُ وكَثيراً لمْ يَكُنْ يَتَوَقَعُهُ .
حَمِدَ اللهَ كَثيراً وحَصَدَ مَحْصولَهُ
، وأَعْطَى للْفَقِيرِ حَقَّهُ ، وكَما وعَدَ
أوْفَي , و أَعْطَى هَذهِ المَرَّةَ ضِعْفَ
ما كانَ يُعْطي قَبْلَ ذلكَ للفُقَرَاءِ ، وقالَ: لَقدْ أَنْقذَ اللهُ مَحْصولي
وَرَدَّهُ إلىَّ أَفْضَلَ مِمَّا كانَ ، وما عَليَّ إلَّا أنْ أُؤَدِّي شُكْرَ هَذهِ
النِّعْمَةِ بأَنْ أَتَصَدَّقَ مِنْهُ أَكْثَرَ
جاءَ البخيلُ وبَعدَ أنْ نظَرَ
إلَي حَقْلِه نَظَرَ إلَى حَقْلِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ فندِمَ نَدَماً شَديداً ،
وظَلَّ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى بَعْضِهِما وقالَ: هَذا جَزائي نَتِيجَةَ بُخْلي
وعَدَمَ إِعْطائي للفَقيرِ حَقَّهُ.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق