السبت، 25 يوليو 2026

السُّنبلَةُ المُبارَكةُ تأليف د/ شاكر صبري رسوم: د. صفا لطفي

 

السُّنبلَةُ  المُبارَكةُ

تأليف د/ شاكر صبري

رسوم: د. صفا لطفي

      اجْتاحَتْ  الحُقولَ كُلَّها عَواصِفٌ رَعْدِيَّةٌ ورِياحٌ  شَديدَةٌ  معَ  أَمْطارٍ  غَزيرَةٍ , دَمَّرَتْ كلَّ  شَيْءٍ وخاصَّةً مَحاصيلَ  الحُقولِ .
  كانَ حَقْلُ الرَجُلِ الصَّالِحِ ضِمْنَ هَذِه الأَراضِي التِّي أَصابَها الدَّمارُ ، وماتَتْ كُلُّ النَباتاتِ المَوْجودةِ بالحَقْلِ .
 كانَ الرَجُلُ الصَّالِحُ لهُ أَولادٌ صِغارٌ , ويَحْتاجُ إلَي مالٍ كَثيرٍ لِيُنْفِقَ عَلي أُسْرَتِهِ  .
ذهَبَ الرَجُلُ  الصَّالحُ  إلَى حَقْلِه ، فَوَجدَ أَنَّ المَحْصولَ  كُلَّه قَدْ هلَكَ  ولمْ  يَبْقَ  مِنهُ شَيءٌ ، وأنَّ الأَمْطارَ والعَواصِفَ قدْ أَفْسَدَتْ كُلَّ  شَيءٍ .

 نَظرَ الرَجُلُ  إلَى الحَقْلِ وقالَ : لا حَوْلَ ولا قُوَّة  إلاَّ باللهِ ، قَدَّرَ اللهُ وما شاءَ فَعلَ ،  ولَكِنْ ماذا سَأَفعَلُ الآنَ  ؟   وماذا أُقَدِّمُ  لِأَوْلادي ؟ لقَدْ  فَوَّضْتُ أَمْري  إلي اللَّهِ ،  توَكَلَّتُ علي اللهِ , وهُو نِعْمَ  المَوْلى ونِعْمَ النَّصيرُ .
 ذهبَ الرَّجُلُ  البَخيلُ  إلى حَقْلهِ أَيْضاً ، ولمَّا  رأَى ما حَدِثَ ظلَّ  ينْدِبُ حظَّهُ  وقالَ : كُنتُ  سأُعْطي لِلْفَقيرِ حقَّه ، كُنتُ سأُساعِدُ الناسَ ،  كُنتُ .....  كُنتُ  ...
  وظلَّ يكْذِبُ لأنَّهُ يَعْلَمُ أنّ مَحْصولَهُ لا مَحالَةَ قَد فُقِدْ . وأنَّه لنْ ينَالَ مِنْهُ شَيئاً .
نظرَ حَقْلُ الرَّجُلِ الصَّالحِ إلى حقْلِ  البَخيلِ ، وقالَ لهُ إنّ مالِكي رَجُلٌ فَقيرٌ  وصاحِبُ عِيالٍ ، وهُو يُؤَدِّي  للفَقيرِ حَقَّه ،  ويُساعِدُ  كلَّ مُحْتاجٍ وهُوَ نُموذجٌ للْخَيْرِ ، ولا بدَّ  أنْ  أُساعِدَهُ علَى قَدْرِ طاقَتي ، وقالَ حَقْلُ الرَّجُلِ البَّخيلِ  مِثْلَ هَذا  الكَلامِ ، فقالَ حَقلُ الرَّجُلِ الصَّالحِ : سَوْفَ أُريكَ ما يُمْكِنُني أنْ  أَفْعلَهُ   .
قالَ لهُ الحقلُ الآخرُ : أَرني ماذا سَتَفْعلُ  ؟   إِنَّنا في الهَمِّ سَواءْ .
  وعَلى الفَورِ  قامَ  الحَقْلُ  بإنْباتِ حبَّاتِ القَمْحِ  السَّاقِطَةِ علَى الأَرْضِ , وكانتْ  كَثيرةً    ثمَّ  في خلال أيامٍ قلائلٍ  ظَهَرَ النَّباتُ فَوْقَ  سَطْحِ الأَرْضِ وبَدَأَ يَنْمو .
 نادَي الحَقْلُ  السَّماءَ أنْ  تُنْزِلَ أَمْطاراً  فالنَّباتُ يَحْتاجُ للماءِ لِكَيْ يَنْمو ويَكْبُرْ , فَأَمْطَرَتْ السَّماءُ مَطَراً غَزيراً , فَرَوَتْ الأَرْضَ  فَأَيْنَعَتْ النَّباتاتِ ,  وفي خِلالِ أَيَّامٍ قَلائِلٍ كانَ المَحْصولُ قدْ امْتَلأَ عنْ آَخِرِهِ بالعيدانِ النَّاضِجَةِ.
 عادَ صاحِبُ  الحَقْلِ إلَى حَقْلِه ، فوَجدَ  أنَّ عيدانَ القَمْحِ خَضْراءَ  يانِعَةً .
  قالَ : إنَّ هَذا لَيْسَ ميعادُ إنْباتِ القَمْحِ , وأَيْضاً كيْفَ نَمَتْ النَّباتاتُ بِهَذِه السُّرْعَةِ. ت وعَلِمَ أنَّها مِنْحَةٌ منْ اللهِ لَهُ وحَمِدَ اللهَ  علي عَطَائِهِ وقالَ : الحَمْدُ والشُّكرُ لكَ يا ربِّي .
كُنتُ أُعْطي للفَقيرِ حَقَّه منْ المَحْصولِ كلَّ عامٍ .






  وإنْ بارَكَ اللهُ في مَحْصولي هَذَا العامِ وتمَّ حَصادُهُ , سَيَكونُ العَطاءُ هَذا العامُ  ضِعْفَ الأَعْوامِ السَّابِقَةِ ، ثمَّ قامَ بِرِعايَةِ المَحْصولِ والاهْتِمامِ بهِ .

 غار حَقْلُ  الرَّجُلِ البَخيلِ منْ حَقْلِ الرَّجُلِ الصَّالحِ فَقَالَ : وهلْ أَنا أَقَلُّ شَأْناً منْ حَقْلِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ , لا بُدَّ بِأَنْ أَفْعَلَ مِثْلَ ما فَعَلَ .

وفي غُضونِ أيَّامٍ قَلائِلٍ أَصْبَحَ حَقْلُ البَّخيلِ مَليئاً بِعيدانِ القَمْحِ اليانِعَةِ .

 وجاءَ البَخيلُ  فَرأَى ما حَدَثَ فَقالَ : لقدْ أَعْطاني اللهُ  كُلَّ  هَذَا لأَنِّني أَسْتَحِقُّه ، وأَنا جَديرٌ  بِفَضْلِ  اللهِ عَلَيَّ ،  واتَّفَقَ مَعَ التُّجَّارِ أنْ يَبيعَ لَهُمْ كُلَّ  المَحْصولِ ولَنْ يَتْرُكَ  للْفُقَراءِ شَيئاً  .

 قابَلَهُ الفُقراءُ وطَلَبوا مِنْهُ  أنْ يَحْتَفِظَ لَهُمْ بِنَصيبِهمْ منْ زَكَاةِ المَحْصولِ وقالوا لَهُ :

  لقدْ نَجَّى اللهُ مَحْصولَكَ منْ الهَلاكِ ، وأَبْدَلَكَ خَيْراً مِنْهُ ، فَيَجٍبُ أنْ تُعْطي للْمُحتاجِ  حقَّهُ كَما أَعْطاكَ اللهُ ، فَقالَ لَهُمْ : لَقَدْ كُنتُ مُحْتاجاً وأَعْطاني اللهُ ، لأننَّي أَسْتَحِقُّ ذلكَ , أمَّا أنتمْ فَمُحتاجونُ ولمْ يُعْطِكُمْ  اللهُ  لأنَّكُمْ لا تَسْتَحِقُّونَ ؟   ثُمَّ تَركَهُمْ ولَمْ يُبالِ بِهِمْ.

   قالَ حَقْلُ الرَّجُلِ الصَّالحِ : أنْظُرْ إلَى صاحِبِكَ ماذا فَعَل ؟  

قالَ حَقْلُ الرَجُلِ البَّخيلِ : أَنا  أُحِبُّ صاحِبي , وسَأُعطيهِ مَحْصولاً وَفيراً .

  كانَتْ هُناكَ سَحابةٌ تَسْمَعُ حَديثَ الحَقْلَيْنِ ، قالَتْ : سَوْفَ أُلَقِّنُ البَّخيلَ وحَقْلَه دَرْساً لنْ يَنْساهُ أَبَداً حَتَّى  يؤُدِّي حَقَّ  اللهِ عَلَيهِ .

وأَمْطَرَتِ السَّحابَةُ علَى مَحْصولِ الرَّجُلِ البَّخيلِ مَطَراً غَزيراً وقالتْ : أَنْتَ لا تَسْتَحِقُ  إلاَّ الدَّمارَ  فأَوْقَعَتْ الأَمْطارُ العيدانَ وَطَرَحتْها أَرْضاً فَهَلكَ كلُّ مَحْصولِهِ , ولَمْ  تُصِبْ  الأَمْطارُ  مَحْصولَ  الرَّجُلِ الطَيِّبِ بِسوءٍ. 







وفي الوَقْتِ نَفْسهِ اكْتَمَلَ نُمُّوُ عيدانِ حَقْلِ الرَّجُلِ الصَّالحِ  ، وحَمَلَ  كلُّ نَباتٍ سَبْعَ  سَنابِلَ وكُلُّ  سُنْبُلَةٍ حَمَلتْ مائَةُ  حَبَّةٍ ، وهُناكَ  عيدانُ حَمَلَتْ  أَكْثَرَ من ذَلكَ .

   عادَ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَعْدَ عِدَّةِ أيَّامٍ ونَظَرَ إلَى حَقْلِهِ فَوَجدَ أنَّ مَحْصولَهُ قدْ تمَّ نُضْجَهُ ، وَوجَدَ خَيْراً وَفيراُ وكَثيراً  لمْ يَكُنْ  يَتَوَقَعُهُ .

حَمِدَ اللهَ كَثيراً وحَصَدَ  مَحْصولَهُ ، وأَعْطَى للْفَقِيرِ حَقَّهُ ،  وكَما وعَدَ أوْفَي , و أَعْطَى هَذهِ  المَرَّةَ ضِعْفَ ما كانَ يُعْطي قَبْلَ ذلكَ للفُقَرَاءِ ، وقالَ: لَقدْ أَنْقذَ اللهُ  مَحْصولي  وَرَدَّهُ  إلىَّ  أَفْضَلَ مِمَّا كانَ ،  وما عَليَّ إلَّا  أنْ  أُؤَدِّي  شُكْرَ هَذهِ  النِّعْمَةِ بأَنْ  أَتَصَدَّقَ مِنْهُ  أَكْثَرَ

جاءَ البخيلُ  وبَعدَ أنْ نظَرَ إلَي حَقْلِه نَظَرَ إلَى حَقْلِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ فندِمَ نَدَماً شَديداً ، وظَلَّ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى بَعْضِهِما وقالَ: هَذا جَزائي نَتِيجَةَ بُخْلي وعَدَمَ  إِعْطائي للفَقيرِ حَقَّهُ.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق