الطَّائِرةُ
المَسْحُورَةُ
بقلم
د/ شاكر صبري – مصر
رسوم:
د / صفا لطفي - العراق
كانَتْ هُناكَ قريةٌ تُسَمَّى قَرْيةُ المُعْجِزاتِ ، وكانتْ
توجدُ في مِنْطَقَةِ خالِيَةٍ مِنْ السُّكانِ في نِهايَةِ القَرْيَةِ طائِرَةٌ
هِلْيوكِبْترْ قَديمَةٌ مُعَطَّلَةٌ منْ عُصورٍ سابِقَةٍ , كانَتْ مِلْكاً خاصَّاً
لِبَعْضِ الأَثْرياءِ , ثمَّ أُصيبَتْ بِعُطْلٍ كَبيرٍ ، وأُهْمِلَتْ ، و عَلا
بَعْضُ أَجْزائِها الصَّدَأُ , كانتْ في مَكانٍ
فَسيحٍ مَليءٍ بالأَعْشابِ التِّي تَكْسو الأَرْضَ , فَكانَتْ تَخْتَبئُ فيهِ بَعْضُ الحَيواناتِ
الصَّغيرةِ .
وكانَ سامح
وصفاء وسعاد يَلْعَبونَ ذاتَ يَوْمٍ بِجوارِ هَذِهِ المِنْطَقَةِ الخالِيَةِ فَرَأَوْا الطَّائِرَةَ , قالَتْ سعاد لَهْمْ :
هَيَّا نَتَعَرَّفُ عَلَي هَذهِ الطَّائِرَةِ...
جَرَى الثَّلاثةُ إِلَيْها ، وحَاوَلوا الصُّعودَ إِلَيْها .
وبَيْنَما هُمْ يُحاوِلونَ التَسَلُّقَ عَلي
الطَّائِرَةِ , وَجَدوا أسماء أُخْتُ سعاد الصَّغيرةُ تَجْري نحوهُمْ
, وتُشيرُ إِلَيْهمْ مِنْ بَعيدٍ فَقَدْ جاءَتْ لِتُشارِكَهُمْ اللَّعِبَ .
ظَلَّ الجَميعُ يَتَسَلَّقُون عَلي ظَهْرِ الطَّائِرَةِ
, و اسْتَطاعَ سامح أنْ يَصِلَ إلَي مَكانٍ يَدْخُلُ مِنْهُ إلَي قَلْبِ
الطائِرَةِ , لَقَدْ اسْتَطاعَ فَتْحَ شُبَّاكٍ زُجاجِيٍّ صَغيِر كانَ في أَحدِ جَوانِبِ الطائِرَةِ , و
احْتاجَ فَتْحُهُ مِنْهُ إلَي قُوَّةِ دَفْعٍ كَبيرَةٍ , واسْتَطاعَ سامح بِلِياقَتِهِ البَدَنِيَّةَ أنْ يَدْخُلَ إلَي
قَلْبِ الطَّائِرَةِ , ولَكِنَّ صفاء
وسعاد لمْ يَسْتَطيعا التَسَلُّقَ ,
وِلَهذا أَسْرَعَتْ صفاء وأَحْضَرَتْ
حَبْلاً سَميكاً وأَعْطَتْهُ لِسامح لِكَيْ يَرْبُطُهُ في داخِلِ الطَّائِرَةِ
وتَقومُ هيَ وسعاد بِالإِمْساكِ بهِ
لِلْتَسَلُّقِ والدُّخولِ منْ هَذا الشُبَّاكِ .
وقاموا بحمل أسماء و ِإِدْخالِها الطائرة أَوَّلاً فَهِيَ أَصْغَرُهمْ سِنَّاً
وأَقَلُّهُمْ وَزْناً ، ثمَّ تَعَلَّقَتْ أسماء بِالْحَبْلِ وقامَت صفاء وسعاد بِمُساعَدَتِها , ورَفْعِها , وقامَ سامح بِجَذْبِها بِيَدِهِ حَتَّي اسْتَطاعَتْ دُخولَ
الطَّائِرَةِ , أمَّا صقاء فَقَدْ
اسْتَطاعَت أنْ تتَعَلَّق بالْحَبْلِ ،
وقَامَ سامحُ بِجَذْبِهِ إلَي داخِلِ الطائِرَةِ ، ثم دخلت سعاد بنفس
الطريقة .
نَظَرَ الجَميعُ إلَى الطائِرَةِ منْ الداخِلِ، عوجدوا أن مُعِدَّاتُها كُلُّها جَديدَةً كَأَنَّها سَليمَةً
تَمَاماً , قالتْ صفاء : أَلَمْ تَصْدَأْ هَذِهِ المُعِدَّاتُ
طَوالَ هَذَا الزَّمَنْ ؟ قالَ سامح : إِنَّها بالتَّأْكيدِ مَصْنوعَةٌ منْ مادَّةِ
الإسْتانْلِسْ ستيلْ الذِّي لا يَصْدَأْ .
جَلَسَ كُلُّ واحِدٍ مِنْهُمْ عَلي كُرْسِيِّ القِيادَةِ
بالتَناوُبِ , وتَخَيَّلَ نَفْسَهُ قائِداً لِلطَّائِرَةِ ، وكانوا مَسْرورينَ بِهَذِهِ الخَيالاتِ
الجَميلَةِ , ثُمَّ اتَّجَهَتْ أسماء هي
الأخري إلَى إحْدَى المَقَاعِدِ الخَلْفِيَّةِ و جَلَسَتْ تَتَأَمَّلُ القَرْيَةَ
مِنْ احْدَي نَوَافِذِ الطائرة وهِيَ
تَلْعَبُ بِأَقْدامِها، حتَّي دَخَلَتْ في نَوْمٍ عَميقٍ .
قالَت صفاء : هيَّا
لِنَقومَ بِتَجْريبِ تَشْغيلِ الطائِرَةِ .
قالَ سامح : ولَكِنْ كَيْفَ ؟ فالطَّائِرَةُ مُعَطَّلَةٌ . و حتَّي لَوْ
كانَتْ سَليمَةٌ , فإِنَّهُ لا يوجَدُ
بِها وَقُودٌ . إِذَنْ كَيْفَ تَعْمَلُ مُحَرِّكاتُها .
وحتَّي لوْ
كانَتْ غَيْرَ مُعَطَّلَةٍ فَنَحْنُ لا نَعْلَمُ طَريقَةَ تَشْغيلِها , فَلا
توجَدُ عِنْدَنا أيُّ خِبْرَةٍ عن تَشْغِيلِها
.
قالَتْ صَفاء : لأَنَّها مُعَطلةٌ فَسَوْفَ نَتَخَيَّلُ
أَنْفَسنَا نَفْعَلُ ذَلكَ , أَلَمْ تَفْهَمْ يا سامِح.
نَظَرتْ صَفاء حَوْلَها فَوَجَدَتْ مَفاتيحاً
مُعَلَّقَةً , قالَتْ : بالْتَأكيدِ هذهِ
هيَ مَفاتيحُ تَشْغيلِ الطائِرَةِ , هيَّا
نَقومُ بِتَجْريبِها .
ثُمَّ قامَتْ صَفاء
بِوَضْعِ المَفاتيحِ في مَكانِ التَشْغيلِ .
وبِمُجَرَّدِ أَنْ
وَضَعوا المَفاتيحَ في مُحَرِّكِ الطَّائِرَةِ سَمِعوا صَوْتَ المُحَرِّكِ ، ثُمَّ
وجَدوا دُخَّاناً كَثيفاً يَخْرُجُ مِنْ المُحَرِّكِ .
فَزِعوا جَميعاً
وقالوا : ما هَذَا ؟ وخافوا أنْ تَنْطَلِقَ بِهِمْ الطائِرَةُ
ثُمَّ صَمَتوا
جَميعاً .
لَكِنَّهُمْ وجَدوا أَمامَهُمْ جِنِّيَةً جَميلَةً تَظْهَرُ
لَهُمْ بِبُطْءٍ , لا تَقِفُ عَلي الأَرْضِ بلْ تَقِفُ علَي الهَواءِ ، وتُلْقِي
السَّلامَ عَلَيهِم كُلَّ واحِدٍ بِاسْمِه
.
ذُهِلُوا جَميعاً، وكادوا يُصْعَقونَ .
قالَتْ لَهُمْ
الجِنِيَّةّ: لا تَقْلَقوا ,
إنَّني مَدينَةٌ لَكُمْ بِحُرِّيتَي ، فَأَنا مَحْبوسَةٌ هُنا مُنْذُ سَنَواتٍ
طَويلةٍ ،حَبَسَني أَحَدُ الحاقِدينَ عليَّ مِنْ الجِنِّ لِأَنَّني لمْ أَرْضَ أنْ
أَتَزَوَّجَ ابنَهُ ،فَحَبَسَني داخِلَ هَذهِ الطائِرَةِ , وبِمُجَرَّدِ أنْ
أدخلتم المِفْتاحَ في مُحَرِّكُها أَصْبَحتُ حُرَّةً طَليقَةً .
وسَوَفْ أُلَبِّي لَكُمْ ما تَطْلُبونَ مِنِّي , اطْلُبوا ما تَشاؤونَ ؟
قالَتْ صَفاء في ذُهولٍ : لا شَيْءَ ، ولَكِنَّها سُرْعانَ
ما قالَتْ : هَلْ يُمْكِنُكِ تَحْريكَ الطائِرَةِ إلَي أيِّ مَكانٍ نَخْتارُهُ ,
قالَتْ : نَعَمْ إلَي أيِّ مَكانٍ تريدونه علَي كَوْكَبِ الأَرضِ .
وفَجْأَةً سَمِعوا
صَوْتَ الموتورِ يَتَحَرَّكُ ،
تَأَكَدُّوا جَميعاً مِنْ صِدْقِ كَلامِها
, قالَ سامِح : نُريد أنْ نُحَلِّقَ في السَّماءِ .
فَأشارَتْ الجِنِّيَةُ بِيَدَيْها فَوَجَدوا الطائِرَةَ تُحَلِّقُ في الجَوِّ.
كانَ الجَميعُ
في غايَةِ الفَرَحِ والسَّعادَةِ وهُمْ يُصَفِّقُونَ للجِنِّيَةِ .
قالَتْ سُعاد : نُريدُ أَنْ نَهْبِطَ بِالطَّائِرَةِ
فَوْقَ أَعْلَي قِمَّةٍ في العالَمِ .
فَأَشارَتْ الجِنِّيَةُ بِيَدَيْها , وما هِيَ إلَّا
دَقائِق ووَجَدوا أَنْفُسَهُمْ فَوْقَ أَعلَى قِمَّةٍ في العالمِ ،قِمَّةِ أَفْرِستْ
في قارَّةِ آَسْيا .
شَعَروا بِبُرودَةِ الجَوِّ فَطَلَبوا منْ الجِنِّيَةِ
مَلابِسَ ثَقيلَةً , فَأَشارَتْ بِيَدَيْها
فَوَجَدوا المَلابِسَ ثَقيلةً, فَقَاموا علَي الفوْرِ بارْتِدَائِها .
اسْتَيْقَظَتْ أَسْماء فَجْأَةً , وُذِهَلْت حينَما رَأَتْ الجِنِّيَةَ ,
ولَكِنَّ صَفاء حَكَتْ لَها بِسُرْعَةٍ قِصَّتَها وطَمْأَنَتْها , فَفَرِحَتْ أَسْماء
بِهَذهِ المُغامَرَةِ اللَّذيذِةِ .
ثُمَّ ارْتَدَتْ ملابِسَها الثَّقيلَةَ .
هَبَطوا جَميعاً
مِنْ الطَّائِرَةِ عَلى سَطْحِ القِمَّةِ، وقالوا : هيَّا نَتَجَوَّلُ قَلِيلاً فوق هَذِهِ القِمَّةِ .
وَجَدوا أنَّ الثُلُوجَ تُغَطِّي المَكانَ كلَّهُ , ولا
توجَدٌ أَيُّ عَلامَةٍ لِوجودِ حَياةٍ فَوْقَ هَذَا المَكانِ , فَسَألَوا الجِنِّيَةَ
عَنْ وَسيلَةٍ لِلْتَدْفِئَةِ ، فَقَالَتْ لَهُمْ : إنَّهُ يوجَدُ علَي بُعْدِ أَمْتارٍ مِنْ هُنا
كَهْفٌ صَغيرٌ سَوْفَ نَدْخُلُ فيهِ لِيَقينا مِنْ تَيَّارِ الهَوَاءِ البارِدِ
وسَنَتَناوَلُ هُناكَ مَشْروباً دافِئاً .
اتَّجَهُوا جَميعاً إلَي الكَهْفِ , ولما دَخَلوا وَجَدوا فيهِ ناراً موقَدَةً , و كانَ الجَوُّ
في الداخِلَ كانَ دافِئاً , تَعَجَّبُوا منْ ذَلِكَ , قَالَتْ لَهُمْ الجِنِّيَةُ
لا بُدَّ أَنَّهُ يوجَدُ هُنا آَدَمِيُّونَ يَسْكنونَ هَذا الكَهْفَ .
وشَعَروا جَميعاً بالجوعِ الشَّديدِ , فَطَلبوا مِنْ
الجِنِّيّةِ طَعاماً .
فَأَشارَتْ
الجِنِّيَةُ بِيَدَيْها فَوَجَدوا أَمامَهُمْ ما لَذَّ وطابَ منْ الطَّعَام
وبَعْدَ أنْ تَناوَلوا جَميعاً الطَّعامَ الدَسِمَ
اللَّذيذَ ، فوجِئوا بِعَدَدٍ منْ
الرِّجالِ مَعَهُمْ كِلابٌ تَجُرُّهمْ علَى عَرباتِ تَزَحْلُقٍ علَى الجَليدِ يَدْخُلونَ الكَهْفَ
, ولمَّا رَأَوْهُمْ اتَّجَهُوا نَحْوَهُمْ سائِلينَ
.
مِنْ أَيْنَ جِئْتُمْ أَيُّها الصِّغارُ ؟ وكَيْفَ
دَخَلْتُمْ كَهْفَنا ؟
شَرَحَ الصِّغَارُ
لَهُمْ قِصَّتَهُمْ , فَرَحَّبوا بِهِمْ ، وطَلَبوا مِنْهُمْ أنْ يَزوروا كَهْفاً آَخَرَ
لَهُمْ يوجَدُ في الجِهَةِ المُقابِلَةِ لِهَذا الكَهْفِ الَّذي
كانوا فيهِ .
ذَهَبوا
مَعَهُمْ فَوجَدوا الَمكانَ رائِعاً وجَميلاً
ودافِئاً منْ الدَّاخِلِ ، ووَجَدوا
فيهِ أَجْهِزَةً حَديثَةً مِثْلَ الرَّادْيو والتِلِيفِزيونَ داخِلَ هَذا
الكَهْفِ الصَّغيرِ وكان مُقَسَّمَاً
إلَي حُجُراتٍ صَغيرَةٍ .
سَأَلوهُمْ عَنْ حَياتِهِمْ ؟ فَقالوا لَهُمْ
: نَحْنُ جَماعَة منْ الصَّيَّادينَ ورُعاةُ
الْأَغنامِ , يَسْكُنُ أَسْفَلَ
الجَبَلِ رُعاةُ الأَغْنامِ حَيْثُ
الجَوُّ الأَفْضَلُ ووُجودِ حَشائِشٍ نامِيَةٍ ونَبَاتاتٍ يتَغَذَّى عَلَيْها
الإِنْسَانُ والحَيوانُ .
ونَحْنُ نَعيشُ علَي الصَّيْدِ ونَسْكُنُ فَوْقَ
الجَبَلِ ونَتَلاقَي دائِماً ، ونَنْتَقِلُ منْ مَكانٍ إلَى آَخَرَ حَولَ هَذهِ القِمَّةِ
حتَّى نَحْصُلَ عَلى ما يَكْفينا مِنْ صَيْدٍ وطَعامٍ .
لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ منْ الرِّجالِ المَوْسُعادنَ
مُشاهَدَةَ الجِنِّيَةِ , فَقَطْ منْ يَراهَا هُمْ الأَصْدِقاءُ الصِّغارُ .
وهمَّ الصِّغارُ بالاِنْصِرافِ , وَوَدَّعوهُمْ , واتَّجَهوا علَى الفَوْرِ إلَى الطَّائِرَةِ
التِّي تَجَمَّدَتْ مِنْ شِدَّةِ الجَليدِ
.
و علَي الفَوْرِ قامَتْ الجِنِّيَةُ بإِعادَةِ الطائِرَةِ
إلَى حالَتِها الطَّبيعِيَّةِ .
ثُمَّ تَحرَكَّتْ
الطَّائِرَةُ وهُمْ يُوَدِّعونَهُمْ بِلَهْفَةٍ وشَوْقٍ.
كانَتْ الطَّائِرَةٌ تَسيرُ وَسَطَ السَّحابِ الكَثيفِ ،
وتشُقُّهُ وهُمْ سُعَداءُ بِكُلِّ هَذِه الُمغامَراتِ العَجيبَةِ التِّي لمْ يَكونوا
يَحْلُمونَ بِمِثْلِها يَوْماً مِنْ الأَيَّامِ .
في نَفْسِ
المِقْعَدِ الخَلْفيِّ جَلَسَتْ أَسْماء , وَسُرْعانَ ما خَلَدَتْ إلَي النَّوْمِ
مَرَّةً ثانِيَةً دونَ أنٍ يَشْعُرَ بِها أَحَدٌ .
طَلَبَ سُعاد
منْ الجِنِيَّةِ أنْ تَدورَ بِالطائِرَةِ حَوْلَ أَهْراماتِ مِصْرَ التي كانوا يَقْرَؤونَ
عَنْها في الكُتُبِ ولَم يَرَوْنَها بَعْدُ
اتَجَهَتْ
الجِنِّيَةُ بالطَّائرةِ إلَي أَهْراماتِ مِصْرَ , وهُمْ يُشاهِدونَ الأَهْراماتِ
الرائِعَةِ منْ نافِذَةِ الطَّائِرَةِ الزُجاجِيَّةِ .
كانَتْ الطَّائِرَةُ تَطيرُ علَى بُعْدٍ قَريبٍ منْ الأَرْضِ
لِكَيْ يَسْتَطيعوا المُشاهَدَةَ ، ولَكِنَّهُمْ بَعْدَ دَقائِقَ وَجَدوا أنَّ
هُناكَ طائِراتٍ تَتْبَعُهُمْ ، وتَحَلِّقُ حَوْلَهُمْ وتَطْلُبُ منهمْ أنْ يَحُطُّوا
بِطائِرَتِهمْ في أَقْرَبِ مَطارٍ
إِلَيْهِمْ وهُو مَطارُ القاهِرَةِ الدُوَلِيِّ ، وسَأَلوا الجِنِّيةَ عنْ سَببِ تَتَبُّعِهِمْ لَهُمْ ؟
فَقالَتْ لَهُمْ : كنتُ أَطيرُ بِكمْ قَبلَ ذلكَ في أَعالي
الجَوِّ بَعيداً عنْ أَجْهِزَةِ الرَّادارِ المَوْجودَةِ في كُلَّ بَلَدٍ منْ
البِلادِ التِّي تَمُرُّونَ عَلَيْها والتِّي تَرْقُبُ أَيَّ جِسْمٍ يَخْتَرِقُ
حُدودَها الجَوِّيَةَ سَواءً كانَ طائرَةً أَمْ صاروخاً , أمَّا الآنَ فَلِأَنَّكُمْ اخْتَرَقْتُمْ الحُدودَ الإِقْليمِيَّةَ
الجَوِّيةّ لمِصْرَ لِأَنَّكُمْ طَلَبْتُم مُشاهَدَةَ الأَهْراماتِ مِنْ مَسافَةٍ
قَريبةٍ , فَاستطاعَتْ أَجْهِزَةُ الرَّادارِ
مُرَاقَبَتَكُمْ ، لِأَنَّ الطائرة جِسْمٌ
غَريبٌ قدْ دَخَلَ إلَى هَذا المَجالِ الجَويِّ ، ولهذا يَجِبْ أَنْ نَخْرُجَ بِسُرْعَةٍ من هُنا دونَ
أن يَشْعُر بِنا أَحَدٌ .
حَرَّكَتْ
الجِنِّيَةُ يَدَيْها مراراً , فَلَمْ يَشْعُروا
إلاَّ وَهُمْ في بَلَدِتهِمْ التي جاءوا مِنْها ، فَوجَدوا طائِراتٍ أُخْرى تَقْتَرِبُ
منهم , وتَطْلُبُ مِنْهُمْ الهُبوطَ .
وبِمُجَرَّدِ أنْ هَبَطَتْ الطَّائِرَةُ
وفَتَحَتْ أَبْوَابَها , قالَتْ لَهمْ الجِيِّنَةُ :
إلَي اللِّقاءِ
يا أَصْدِقائي الصِّغارُ , قَضَيْتٌ مَعَكُمْ وَقْتاً طَيِّباً وحانَ وَقْتُ
الوَداعِ , لا بُدَّ أنْ أَعودَ إلَي عائِلَتي , فَودَّعُوها في حُزْنٍ عَلي فِرَاقِها .
واتَّجَهوا للهُبوطِ منْ فَوْقِ سُلَّمِ الطَّائِرَةِ
الذِّي جَهَّزَتْهُ لَهُمْ الجِنِّيَةِ قَبْلَ أنْ تَغادِرَها , فوَجَدُوا عَسَاكِرَ
كَثيرةً تُحيطُ بِهِمْ مِنْ كلِّ صَوْبٍ
وحَدَبٍ .
كانَتْ أَسْماء نائِمَةً في الكُرْسِيِّ الخَلْفِيِّ لِلطَّائِرَةِ،
ولَكِنِّها سُرْعانَ ما اسْتَيْقَظَتْ وَسَطَ هَذَا الصَّوْتِ المُرْتَفِعِ , ونادَت
عَلَيْهِمْ لأنها كنت تظن أنهم ما زالوا في الطائرة فَعادوا إِلَيْها وأَخَذوها قَبْلَ أنْ يُغادِروا
الطَّائِرَةِ.
والتَفَّ حَوْلَهُمْ رِجالُ الشُّرْطَةُ ، والْتَّفَ حَوْلَهُمْ
الأَهالي لِيَطْمَئِنُّوا عَلَيْهِمْ .
حَكَي
الأصْدِقاءُ الصِّغارُ لَهُمْ قِصَّتهمْ بالتَفْصيلِ ، وهُمْ فَرحينَ بِما قاموا بهِ منْ
رِحْلَةٍ عَجيبةٍ، لَكِنَّ الجَميعَ كانَ يَتَعَجَّبُ مِمَّا حَدَثَ , ولَكِنَّهمْ
في النِّهايَةِ صَدَّقوهُمْ لِأَنَّ هَذِهِ الطَّائِرَةَ كانَتْ مُعَطَّلَة فَكَيْفَ تَتَحَرَّكُ بِهِمْ
وَحْدَها .
وهُنا قَرَّرَتْ الحُكومَةُ أنْ تَقومَ بِعَمَلِ احْتِفالٍ
كَبيرٍ لِهَؤلاءِ الصِّغارِ ,
وأنْ تُعيدَ تَشْغيلَ
هَذهِ الطَّائرةِ بَدلاً منْ تَرْكِها مُهْمَلَةً، وسَمَّوْا الصِّغارَ
الأَرْبَعَةَ بالمُغامِرينَ الأَرْبَعَةَ , ووَضَعوا صُوَرَهُمْ في لَوْحَةِ الشَّرَفِ
الخاصَّةِ بِالقَرْيَةِ .
و ظَهَروا في أَجْهِزَةِ الإِعْلامِ .
كُلُّ هذهِ الأَحْداثِ كانَتْ عِبارةً عنْ خَيالاتٍ دارَتْ
في رَأْسِ سُعاد أثَنْاءَ جُلُوسهِا لِكَيْ تسْتَريحَ بِجِوارِ شَجَرَةٍ كانت بِجِوارِ طائِرِةٍ قَديمةٍ مُعَطَّلَةٍ توجَدُ
بِجوارِ مَلْعَبٍ كانوا يقومون فيهِ بِمُمارَسَةِ الألْعابِ الرِّياضَيةَ .
واسْتَيْقَظَت سُعاد حينَ وَقَعَتْ عَلى رَأْسِهِا احْدَى
الثِّمارِ الناضِجَةِ منْ أعْلَي تِلْكَ
الشَّجَرةِ .
حَكت سُعاد لَزملائها تِلْكَ الأَحْداثَ الجَميلةَ ، وسَجَّلَها
في مذكراته وسَمَّتها
(
بِقِصَّةِ الطَّائِرَةِ المَسْحورَةِ ).
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق