*رنّة هاتف لا تزال في الذاكرة*
حديثي اليوم ليس عن هاتف عابر، ولا عن جهاز نستخدمه ثم نستبدله بآخر، بل عن
زمنٍ جميل ترك بصمته في الذاكرة
سأتحدث اليوم عن شخصية بارزة من شخصيات الزمن الجميل
" السيّد سليم بشارات أبو بشارة"
شخصيّة كان لها أثر واضح في المجتمع العربي، وبقي حضوره في وجدان الناس
مهما طال الزمن أو قصُر. هذا الرجل العصامي تمتع بالعديد من الصفات، وحسن التصرف،
الذاتية والكفاءة، والإخلاص في العمل. وقد مكّنته كفاءته وخبرته من أن يكون عونًا
للناس من حوله
فكان يسعى إلى مساعدتهم وتقديم ما يستطيع لهم وأخص بالذكر أهل قريته "
يافة الناصرة"، الذين كان لهم نصيب كبير من عطائه واهتمامه.
لم يكن نجاحه نابعًا من الحظ، بل كان ثمرة للجد والاجتهاد وحسن التعامل، والإرادة
القوية، وهي صفات جعلت منه شخصيّة تركت أثرًا طيّبًا في نفوس من عرفوه.
وفي تلك السنوات وخصوصًا خلال الستينات والسبعينات، مرَّ أهل قريته بمواقف
وظروف صعبة وخطرة، ومن بينها أجواء حرب عام 1973 التي تركت أثرها على الناس
وحياتهم اليومية.
وفي ذلك الزمن بدأت خدمة الهاتف الأرضي تأخذ مكانًا مهمًا في حياة الإنسان،
وأصبح الهاتف وسيلة ضرورية للتواصل، وخصوصًا في أوقات الحاجة والظروف الصعبة. ومن هنا تبرز لنا
قصة السيّد "سليم بشارات أبو بشارة"
الذي كان بحكم مهنته ووظيفته من أوائل من دخلت خدمة الهاتف الأرضي إلى
بيته، بل كان من الأشخاص الذين ارتبط عملهم بدخول هذه الخدمة إلى بيوت أهل القرية.
ولم يقتصر دور هذا الرجل، على عمله ومهنته، بل أتاح لأهل القرية فرصة الدخول إلى
بيته المتواضع واستخدام الهاتف للإجراء الاتصالات.
ولزوجته كذلك دور لا يقل أهميّة
فقد كانت تساعد النساء كيفية
استخدام الهاتف.
أما الذكرى الأجمل، التي لا تزال عالقة في الذاكرة ولا تمحوها السنوات، فهي
موقع بيته الذي كان يحتل مكانًا مميّزًا واستراتيجيًّا في القرية. فلم يكن البيت
مجرد منزل تقيم فيه الأسرة، بل كان موقعًا يعرفه الجميع، وبجانب البيت دكان
الجار" أبو نور" الذي كان بدوره نقطة التقاء لأهل القرية، ومكانًا يقصده
الناس للشراء وللجلوس.
حتى أصبح البيت والدكان وما حولهم جزءًا من المشهد اليومي للقرية وللذاكرة.
وما أجمل تلك الذكريات التي لا تزال حاضرة في الوجدان، حين كانت
زفة العريس والحدّاية
تمر من أمام هذا الملتقى، فيجتمع الأهل والأصدقاء وتتعالى أصوات الفرح
والأهازيج. وكانت زوجته تقف في البرندة،
ترش التوفية والملبس على العريس،
فتزداد أجواء الفرح بهجة، ويشارك الجميع في تلك اللحظات الجميلة التي كانت
تجمع أهل القرية في جو من المحبة والتآخي.
وكان لصوت الطبلة في الزفة في الشارع، ورنّة الهاتف في البيت صوتان
مختلفان، لكنهما يحملان في الذاكرة معنى واحد.
أما نحن الصغار في ذلك الوقت، فكنا نقف أمام الهاتف بدهشة وإعجاب، وكأننا
أمام آلة من عالم آخر. نتساءل كيف ينتقل الصوت عبر الأسلاك، ليصل إلى شخص بعيد؟
كنا صغارًا!
كانت أشياء كثيرة تبدو لنا أشبه بالسحر، نسمع رنين الهاتف، بالنسبة لنا اختراعًا
عجيبًا. ومع مرور السنوات، أصبح الهاتف في متناول الجميع ودخل كل بيت، ولم تعد
هناك حاجة إلى أن يقصد الناس بيت جارنا لاستخدام الهاتف كما كان يحدث في الماضي.
وهكذا اندثر هاتف جارنا، وتغيّر الزمن وتبدلت وسائل التواصل؟ لكن ما لم
يندثر هو وسيرته الطيّبة وذكراه الخالدة.
لقد رحل الهاتف،
لكن الأثر بقي، وبقيت سيرة أبو بشارة
جزءًا جميلاً من تاريخ القرية وذاكرة أهلها.
فبعض الناس لا تخلّدهم المناصب ولا الممتلكات وإنما تخلّدهم المحبة والسُّمعة
الطيِّبة التي زرعوها في قلوب الناس

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق