الاثنين، 19 أكتوبر 2026

قراءة سردية للمربية فوزية كتاني من سراديب الذاكرة - بقلم ازدهار عبد الحليم

 

                قراءة سردية

             للمربية فوزية كتاني

            من سراديب الذاكرة













     دار سهيل عيساوي للطباعة والنشر

تأخذنا الكاتبة فوزية، في كتابها "سراديب من الذاكرة"

إلى عوالم من الحكايات والمذكرات التراثية، حيث تستعيد الذاكرة أنفاسها، وتُشرع النوافذ لاستنشاق هواء أكثر نقاءً، يحمل عبق الماضي ودفء الحكايات القديمة.

 

              العمة حفصة وسراديبها

 

لقد نسجت الكاتبة خيوط حكاياتها من روايات العمة حفصة، مستعيدة ما اختزنته الذاكرة من قصص وأحاديث ومواقف، لتعيد إحياء زمن لا يزال يسكن الوجدان.

وكأنها أرادت بهذه الخيوط ألاّ تنقطع، بل أن تمتد إلى الأجيال الجديدة، لعلهم يقتبسون منها قبسًا، وينسجون بدورهم غزلهم وخيوط حكاياتهم. ومن خلال سردها المحكم وحبكها للقصص والأحاديث تسعى الكاتبة إلى صون الذاكرة من النسيان، لا بوصفه صفحات من الماضي فحسب، بل باعتباره جزءًا من هويتنا ووجداننا، وجسرًا يصل ما كان بما هو كائن وما سيكون.

 

       سراديب العمة لطيفة والمزاريب ص 10

استشهد زوج العمة لطيفة مع الثوار، وتركها مع أطفالها الصغار. اعتادت أن تجني قوتها وقوت أطفالها من عملها في الفلاحة وزراعة القمح والذرة والخضروات، وكرّست من وقتها لمساعدة العائلة بتنظيف المزاريب، لتنزل مياه الأمطار إلى البئر نظيفة وخاليةٌ من الشوائب.

تلك التفاصيل الصغيرة ليست مجرد ذكريات عابرة، بل هي مستودع الحنين وجوهر الهوية الذي يربطنا بلمسات أُمهاتنا وبساطة الأيام. جالت خواطري، وتذكرتُ مزراب دار عمي.

كنّا نجلس أنا وإخوتي بجانب النافذة التي تطل على مزراب دار عمي، ونستمتع بصوته وألحانه. مرّات يعزف لحنًا حزيناً، ومرّات يعزف موسيقى هادئة على هوى دفات الحديد. ومرّات نستمع إليه كأنه دقات قلب، يعزف وقت السكينة والهدوء.

كنا نستقبل خير السماء والأمطار بفرح ورضا وقت تنظيف المزراب احتفالاً للموسم وطقوسه.

كانت الأمهات تؤمن بأن مياه السماء طاهرة لا يُضاهيها شيء، وكلما اشتد المطر اليوم نبحث عن ذلك المزراب القديم، ونشتاق إلى رائحة الأرض المبتلة، واللعب تحت المزراب.

               سرداب صبّة الباطون ص 11

تذكر الكاتبة صبّة الباطون، وتستعيد تفاصيل عشناها وما زالت راسخة في الذاكرة، حين كان لها معنى وشكل مختلف عما هي عليه اليوم.

كان الجار يستعين بالجار وقت صبة السقف.

كان الجيران والأقارب يتعاونون منذ الصباح الباكر على تحضير الرمل والإسمنت والحصى، وكانت الجارات يتعاونَّ على إعداد الطعام، وكنَّ يحتفظنَ بملابس العمل المخصصة لصبّة الباطون. كل شيء تغيَّر، ومع تغيُّر الأوقات، انقطعت، بكل أسف، أواصر المحبَّة بين الناس.

 

       سرداب كلام الله "اسم الله عليك يا ستي" ص 18

ذكرت الكاتبة عبارة" كلام الله، اسم الله عليك يا ستي"

يا الله*** لقد ذكرتني هذه العبارة بهذا التحصين،" كلام الله"

كانت الأمهات والنساء الكبيرات في السن يقتدين بهذا الدعاء والتسمية. هذه الجملة أشعلت في قلبي نارًا، إذ ذكرتني بوالدتي عندما كانت تنطقها وكأنها ليرات من الذهب تُسكب في قلبي. نعم، كنَّ مفتاح الفرج والفرح. ولا تزال أذني تطرب لسماعها إلى يومنا هذا.

         سرداب مشاهد رمضانية ص 11

تستحضر الكاتبة أجواء شهر رمضان الفضيل، في زمن السحور، وصوت المسحّراتي الذي كان يوقظ الناس بإيقاعه المألوف ونداءاته الشعبية ومنها

    " ودن يا شكوكي قبل الديك يكوكي"،

وتذكر لنا كيف كانوا ينامون بين الدواجن والبقر والحمار والماعز، وكيف كانت تمشي ليلًا برفقة أختها لإيقاظ أخيهما من أجل السحور، على أنغام صوت المسحراتي الرخيم وهو ينادي.

            " يا نايم وحد الدايم"

ثم تنتقل الكاتبة الى ساعات الإفطار، فتقدمها في هيئة مشاهد ومقاطع متفاوتة العمق والتأثير، إذ يحمل كل إنسان لحظاته الخاصة وذكرياته التي تستيقظ مع هذه الأجواء.

أما أنا، فقد تأثرتُ بمشهد تحضير الإفطار، واستحضرتُ ذكرى والدي. فكان بعد صلاة العصر، يبدأ بتحضير السلطة المشكلة من مختلف أنواع الخضروات، ويُزيّن كل صحن وكأنه لوحة فنية، ثم يخصص الصحون للعائلات ولإخوتي،

وكان أحفاده يصطفون لتناول صحن السلطة التي يعدّها لهم بمحبة. وحتى هذا اليوم، ما زالت ذاكرة حاضرة في العائلة وما زال إرثه متوارثًا بين أفرادها، فقد أطلقوا على تلك السلطة اسم " سلطة سيدي"..

كانت تلك اللحظات، وما يرافقها من روائح تنبعث من المطابخ، تحمل عبق البساطة ورائحة الأرض، لأن كانت موائدنا الحصيرة والأرض، ومعظم خيراتنا كانت من نتاج أرضنا. وكانت الصحون تخرج من البيوت، تتبادلها العائلات مع الجيران والأقارب، في مشهد يُجسّد المحبة والإخلاص والتكافل الاجتماعي.

وهنا يبرز تساؤل: هل تُستمد هذه المشاهد تأثيرها من الحنين الى الماضي وحده، أم من القيم الإنسانية التي ما زالت حيّة في الذاكرة، كالمحبة والعطاء والتكافل؟

لعلّ تأثيرها نابع من الأمرين معًا، فالحنين يوقظ الصور ويستحضر تفاصيلها، لكن القيم الانسانية هي التي تمنحها القدرة على البقاء.

فقد أثار مشهد تحضير الإفطار في نفسي حنينًا الى طقوس عائلية عشتها، فتحولت قراءة ذاكرة الكاتبة إلى مناسبة لاستعادة ذاكرتي الخاصة. فقد أدركتُ أن بعض التفاصيل البسيطة لا تنتهي بانتهاء لحظتها، بل تتحول إلى إرثٍ عاطفي تتناقله الأجيال، وتظلّ الذاكرة تحفظه بوصفه جزءًا من هويتنا العائلية والاجتماعية.

 

                   زراعة الطفولة

                       سرداب 19

استوقفني هذا السرداب، مشهد العمة حفصة، وكشفه من صورة الطفولة   في القرية قديمًا، حين كانت الحياة تفرض على الأطفال مسؤوليات تفوق أعمارهم.

تذكر الكاتبة أن الناس، نساءً ورجالاً، كانوا يخرجون إلى أراضيهم، للعناية بمزروعات هم وجني غلالهم، والعمل في مواسم الحصاد ومختلف أنواع الزراعة، من الذرة إلى اللوز والزيتون. وكانت النساء يغادرن بيوتهن إلى الحقول، فلا يبقى في البيوت إلا العجائز والأطفال. أما الرضع، فكانت أمهاتهم يصحبنهم الى الحقول ويحملنهم في المهد على رؤوسهن، ويمضين في طريقهن الى العمل الزراعي. صورة تختصر مشقة الحياة اليومية، وتكشف كيف كانت الأم تجمع بين رعاية طفلها والعمل في الأرض. وفي خضم هذه الحياة، كانت العمة حفصة لا تزال طفلة في الثامنة من عمرها، لكنها كانت تقوم بأعمال المنزل، وترعى الأطفال الأصغر منها وتعتني بالعجائز المسنات من العمات. كما تعلمت منهن إعداد العجين، وتحملت مسؤوليات العائلة، كبارًا وصغارًا.

لقد استوقفني هذا المشهد لأنني رأيتُ فيه طفلة وجدت نفسها أمام مسؤوليات كبيرة في عمرٍ صغير. فالطفولة في تلك البيئة لم تكن منفصلة عن أعباء الحياة، بل كانت جزءًا من دورة العمل والرعاية والتعلم. يتعلم فيها الصغار من الكبار، وتنتقل إليهم المهارات والمسؤوليات من خلال الممارسة اليومية.

وهكذا أصبحت العمة حفصة صورة لطفولة تشكلت في ظل ظروف الحياة الزراعية، حيثُ كانت المسؤولية تُكتسب مبكرًا، وكانت الحياة نفسها مدرسة يتعلم فيها الأطفال كيف يعتنون بالبيت وأهله.

كلما تعمقتُ في هذا المشهد، شعرتُ بأن الطفولة بالماضي كانت مختلفة تمامًا عن طفولة اليوم. فالطفلة قديمًا كانت تتحمل مسؤوليات كبيرة، وتشارك أمها وأفراد عائلتها، حتى أصبحت المسؤولية جزءًا أساسيًا من حياتها منذ سنواتها الأولى.

وقد جعلني ذلك أتساءل: هل كانت البنات في الماضي مظلومات؟

في رأيي، نعم، في جوانب كثيرة من حياتهن، لأن بعضهن اضطررن إلى تحمل أعباء أكبر من أعمارهن، ولم تتح لهن دائمًا فرصة اللعب والاستمتاع بطفولتهن. فالطفلة التي كان من المفترض أن تجد من يرعاها، أصبحت هي التي ترعى الآخرين. لكنني في المقابل، لا أستطيع أن أنكر أن هذه الحياة علّمت بعضهن الصبر والاعتماد على النفس وتحمل المسؤولية.

أما اليوم فأُلاحظ أن بعض البنات يعشن حياة أكثر راحة وتتوفر لهن وسائل الترفيه والتسلية، وعلى رأسها الهواتف المحمولة، وأحيانًا أشعر بأن هذا الانشغال قد يجعلهن أقل مشاركة في أعمال المنزل وأقل انتباهًا إلى احتياجات من حولهن.

لقد أعادني مشهد العمة حفصة إلى زمنٍ كانت فيه الطفولة مليئة بالعمل والتضحيات، وجعلني أنظر إلى حاضرنا بعين ناقدة ومتأملة فبين طفلة الأمس التي كبرت قبل أوانها، وفتاة اليوم التي قد تنشغل عن مسؤولياتها ربما لا تتاح لهن الفرصة او مساحة لأن تتعلم الاعتماد على النفس.

في نهاية هذه القراءة، أدركتُ أن كتاب " سراديب من الذاكرة" ليس مجرد حكايات    عن الماضي، بل هو نافذة تطلّ منها على حياتنا وذكرياتنا وقيمنا   الجميلة.

لقد أعادتني حكايات العمة حفصة الى زمن البساطة والتعاون والمحبة وتحمل المسؤولية، وأن تنقلها للأجيال القادمة. فالذاكرة ليست مجرد حنين إلى ما مضى، بل هي جذور تربطنا بماضينا، وترافقنا بالمستقبل               

قلم ازدهار عبد الحليم كيلاني                           

                           

         

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق