حين يندثر ماضينا وتتفرق المودة"
*************************
[مرعي حيادري يكتب:]
كان يا ما كان، في قريةٍ عتيقةٍ تستند إلى سفح الجبل
كشيخٍ أنهكته السنون، بيتٌ من حجارةٍ هرمة، تتوسطه ساحةٌ صغيرة تلمع فيها شمس
الظهيرة، وفي إحدى زواياها جرّةٌ فخاريةٌ عانقتْها يدُ الزمن، وإلى جوارها رحىً
حجريةٌ صامتة، وعلى الجدار تدلّت أدواتٌ قديمة، كأنها بقايا أغانٍ ورثها أهل البيت
عن آبائهم وأجدادهم..
كان الجدّ «سالم» يجلس كل مساء أمام أحفاده، وحين يهبط
الليل على القرية، كان يشير إلى كل قطعةٍ منها، ويفتح لهم أبواب حكاياتها:- «هذه
الرحى كانت تطحن قمح جدتكم، وتدور تحت يديها كأنها قلبٌ صبور. وهذه الجرّة كانت
تحفظ ماءنا في قيظ الصيف، باردةً كظل شجرة. وهذا المفتاح كان يفتح باب البيت الذي
وُلد فيه أبوكم، يوم كانت الجدران تحفظ أصوات أهلها.»..
لم تكن تلك الأشياء، في عينيه، أدواتٍ باليةً أكلها
الصدأ؛ كانت صفحاتٍ من كتابٍ عظيم اسمه الذاكرة، وكانت كل ندبةٍ على حجر، وكل شقٍّ
في فخار، سطرًا من سيرة العائلة،وفي يومٍ من الأيام، عاد أحد الأحفاد من المدينة،
يحمل في عينيه بريقًا غريبًا، وقال لجده:- «يا جدي، ما فائدة هذه الأشياء القديمة؟
لقد تغيّر الزمن، وأصبح لكل شيءٍ بديلٌ حديث.» ..ابتسم الجد، ومسح كفّه على الرحى
كما لو كان يربّت على كتف صديقٍ قديم، وقال:-
«يا بني، قد يؤدي البديل الوظيفة نفسها، لكنه لا يحمل الحكاية..
قد يطحن القمح، لكنه لا يعرف أنين السنين التي دارت فيها
هذه الرحى. الأشياء تشيخ، نعم، أما الذاكرة فلا تشيخ؛ إنها كالنهر، قد يتبدّل
مجراه، لكنه لا ينسى منبعه.»،، ومرت السنوات، وانطفأ صوت الجدّ، ورحل الأبناء
والأحفاد في دروب الحياة، وتفرّقت بينهم المودة كما تتناثر أوراق الخريف في مهب
الريح، وبقي البيت وحيدًا، يواجه الريح ببابٍ موصد ونوافذَ غطاها الغبار،ثم جاء
يومٌ هُدمت فيه جدرانه، فتساقطت حجاراته كأنها أسنانُ شيخٍ فقد آخر ما تبقى من
ابتسامته، وتبعثرت أدواته تحت الركام، وضاعت الجرّة والرحى والمفتاح بين التراب
والحجارة..
وقف أحد الأحفاد أمام المكان، فلم يجد إلا صمتًا كثيفًا
وحجارةً باردة، وشعر لأول مرة أن شيئًا عميقًا في داخله قد تهدّم مع البيت، وأن
يدًا خفيةً اقتلعت من صدره نافذةً كانت تطل على طفولته.. قال بحزن:- «لم نكن نهدم
بيتًا قديمًا، بل كنا نهدم جزءًا من ذاكرتنا.» ومنذ ذلك اليوم، أدرك أن التراث ليس
حجارةً وأدواتٍ وعاداتٍ عابرة؛ إنه ظلّ الإنسان الممتد عبر الزمن، وشاهدٌ صامتٌ
على جذوره، وعلى ما صنعته يداه، وما حفظه قلبه، وما تناقلته الأرواح من جيلٍ إلى
جيل..
فالتراث لكل أمةٍ سجلٌّ حيّ، تنبض صفحاته بالهوية، ويصل
الماضي بالحاضر كما يصل الجسر بين ضفتين متباعدتين. ولا يحق لأحدٍ أن يعبث به، أو
يطمس معالمه، أو يبعثر شواهده؛ لأن من يعتدي على تراث شعبٍ إنما يمد يده إلى
ذاكرته، ويقتلع جذوره، ويسلبه حقه في أن يروي حكايته للأجيال..
وهكذا تعلّم الأحفاد أن الحضارة لا تُقاس بما نبنيه
فحسب، بل بما نملك شجاعة الحفاظ عليه أيضًا؛ وأن الإنسانية الحقيقية تبدأ حين نصغي
إلى ذاكرة الآخرين، ونحترم وجعهم، كما نحب أن تُصان ذاكرتنا من النسيان..
فلا تهدموا ما صنعته الأجيال، ولا تتركوا الماضي يموت في
صمت؛ فمن يقطع جذوره، قد يجد نفسه يومًا تائهًا في أرضٍ لا يعرف إليها طريقًا، ولا
يتذكر من يكون..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق