الأصالة والتراث في قصّة ملحة وذابت بقلم : الدكتورة روز اليوسف شعبان
الدكتورة روز اليوسف شعبان
الأصالة والتراث في قصّة ملحة وذابت
ملحة وذابت قصّة للناشئة من تأليف
الكاتبة ازدهار عبد الحليم. صدر الكتاب عن دار سهيل عيساوي 2026، رسومات طاهر
كيلاني، تصميم الغلاف رانية عبدالله، مراجعة لغويّة صالح أحمد.
في هذه القصّة الّتي اختارت الكاتبة
عنوانها من أمثالنا الشعبيّة" ملحة وذابت"، تكتب عن فتاة اسمها لبنى
ولدت لأبوين بسيطين يعيشان في بيت بسيط في الغابة، يعمل الأب حطّابًا، ويعاني من
انطواء، وضعف في شخصيّته، لذلك استولى أخوته على أرض والدهم، وأعطوه قطعة صغيرة ملتصقة
بالأحراش، فبنى بيته فيها، وزرع في صفائح
ورودًا وأزهارًا، وحفر بئرًا، تزوّج أحمد من فتاة قرويّة أحبّها حبًّا كبيرًا،
وتعامل معها باحترام ومودّة، حتّى أنّ نساء القرية غرن من تعامل زوجها معها وعيّرن
أزواجهنّ، كانت فاطمة تعاني من خجل شديد وتأتأة في كلامها، وكثيرًا ما كانت تتعرّض
لسخرية نساء القرية.
لكنّ لبنى ابنة الحطّاب أحمد، لم تكن
جميلةً وفاتنةً فحسب، وإنّما كانت لطيفةً رقيقةً في تعاملها مع والديها، تعتزّ
بهما وتحبّهما كثيرًا. تسعى لبنى لمساعدة والديها، خاصّة أنّها تعلّمت في القرية،
حيث كانت تركب الحمار خلف والدها ليوصلها يوميًّا إلى المدرسة، ولأنّها تفوّقت في
دراستها حصلت على منحة دراسيّة مكّنتها من مواصلة تعليمها في مدرسة داخليّة
للراهبات خارج القرية، بدأت تقرأ وتتعلّم عن وسائل لعلاج النطق، وباشرت بالمحاولات
البسيطة مع والدتها في تصحيح الكلمات، وحرصت على إبعادها عن نساء القرية وغمزهنّ
ولمزهنّ، وشجّعت والدتها للذهاب إلى مراكز خاصّة لعلاج النطق، حتّى تجاوزت هذه
المشكلة فتغيّرت شخصيّتها وأصبحت واثقة بنفسها.
لم تكتف لبنى بما قدّمته لوالدتها بل
قرّرت أن تتعلّم في الجامعة العلاج بالنطق حتّى تساعد كلّ من يحتاج إلى علاج، ثمّ
أنشأت معهدًا من أجل دعم الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصّة، ومساعدتهم، سمي المعهد
"دار الأمل"، وهو يدمج بين التعليم والحرف اليدويّة، وسرد القصص.
حين عادت لبنى ذات يوم من الجامعة، رأت
مجموعة من شباب قريتها ينتظرونها عند محطّة الباص ويلاحقونها بنظراتهم وكلامهم،
وشكّت أنّ ابن عمّها واحد منهم، فهربت مبتعدة عنهم، حتّى وصلت إلى كوخ تعيش فيه
امرأة عجوز فباتت عندها، ولما تكرّر هذا الأمر قرّرت عدم العودة إلى البلدة.
تنتهي القصّة باختفاء لبنى المفاجئ،
بعد أن تركت رسالة لأهلها عند المرأة العجوز بعد أن أوصتها بتسليمها لوالديها،
توضّح فيها ما تتعرّض له من مضايقات، فبكى والداها بحرقة، وصارت والدتها فاطمة
تدور بالحارات وتقول:" لبنى ملحة وذابت".
القيم في القصّة:
على الرغم من النهاية غير المقنعة
واختفاء لبنى وتخلّيها عن والديها بشكل مفاجئ وغريب، وهذا مناقض لرسالة الكاتبة
الّتي تدعو إلى مواجهة الصعاب والتحدّي، إلّا أنّ القصّة تحمل العديد من القيم
منها: المثابرة والاجتهاد والسعي من أجل تحقيق الحلم، إضافة إلى المساعدة والمحبّة
والقناعة والاكتفاء بما منحنا الله. كما تبيّن الكاتبة أهميّة مواجهة التنمّر
بالعزيمة والإرادة وأهميّة دعم الأهل لابنتهم، فقد تعرّضت لبنى لتنمّر من بنات
صفّها، لكنّ والدها كان إلى جانبها يدعمها ويقوّيها.
كما تحفل القصّة بالكثير من التناصّ من
التراث، فوردت العديد من الأغاني الشعبيّة، فمن الأعراس اقتبست ما يلي:" اسم
الله على العريس اسم الله عليه
متحمّم وطالع ذِكر النبي عليه"(ص
70).
ومن الأغاني الّتي تغنّى للعروس ليلة
الحنّة:" سبّل عيونه ومدّ إيده يحنوله
غزال زغيّر وبالمنديل يلفونه
يا إمّي يا إمّي عبّيلي مخدّاتي
وطلعت من الدار ما ودّعت
خيّاتي"(ص 71).
ومن أغاني الشجن على فراق الأحباب ما
يلي:" نزل دمعي على خدّي وراعي ومثل
سهيل في الوديان راعي
تعالوا يا حبايب للوداع ظنون ونعاود
نقعد مع سوى (ص 86).
نسّم يا هوا الديرة وشرّق وعزّ احبابنا نزلوا مشرّق
أنا لدشّر الديرة وشرّق وأدوّر على منازلكم يا الأحباب(ص 90).
كما ذكرت تهاليل النوم:" نامي يا
حبيبتي نامي بالسلامة تا أذبح طير الحمام
يا حماماتي لا تصدقوا بضحك عليها
تتنام"(ص 94).
في القصّة أيضًا ذكر لحياة سكّان
القرية في الماضي، عاداتهم ومأكولاتهم ومزروعاتهم، فتكتب الكاتبة عن خبز الطابون،
وعن السلاسل الحجريّة التي يبنونها حول بيوتهم، عن بيوتهم البسيطة، واستخدامهم
للحمير في نقل أغراضهم، وحفر الآبار واستخدام مياهها، إضافة إلى عين الماء الّتي
كانت روح القرية، ومكان لقاء لنسائها، وعن استعمال الجرّة وتغطيتها بالقماش
المبلول أو شوال خيش كي يحفظ البرودة، ويمنع الغبار، والكيلة أو الركوة معلّقة
بأذن الجرّة، نظيفة ومعطّرة بورق الليمون، وعن الداية الّتي كانت تساعد الحامل عند
الولادة، وخلال فترة الحمل تكون وظيفتها الاطمئنان على الأمّ الحامل والجنين.
كما تطرّقت الكاتبة إلى قضيّة التمييز
ضد المرأة واضطهادها:" لبنى صمتت صمتا عميقًا، وقالت بينها وبين نفسها:
المجتمع لا يرحم المرأة البسيطة، ويمجّد الذكر على الأنثى، ويحاكم البسيط بظلم
قاسٍ"(ص 180).
ملحة وذابت قصّة للناشئة تحفل بمعلومات
عن تراثنا وموروثنا الشعبيّ، ليكون بين يديّ الناشئة مرجعًا لهم، يسترجعون من
خلاله ماضي شعبنا العريق.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق