لو عُدتُ إلى الشَّباب لاخترتُ أنْ أكونَ معلّمًا
زهير دعيم
لو عاد بي الزمن إلى الوراء، وسألني أحدهم : أيَّ مهنةٍ تختار؟ لما ترددتُ
لحظةً واحدة ، ولأحبتُ من أعماق القلب :
أريد أن أكون معلّمًا...
نعم لو عُدتُ إلى
الشباب ، لاخترتُ التعليم مرةً أخرى ، بكلّ ما فيه من تعبٍ ومسؤولية ، وبكل ما يُخبّئه
من أفراحٍ لا يعرفها إلا من عاش بين الأطفال والشباب ، وحمَلَ رسالة التربية
والتعليم في قلبه قبل أن يحملها في يده.
لقد أمضيتُ ما
يقرب من أربعة عقود في رحاب المدرسة ، معلّمًا ومتعلّمًا من تلاميذي في الوقت
نفسه . وكنتُ كلما دخلتُ الصف أشعر أنني أمام أمانةٍ كبيرة ، لا أمام مجموعةٍ من
المقاعد والكتب والدفاتر.
كنتُ أمام قلوبٍ صغيرة تتفتح ، وعقولٍ تبحث عن النور ، وأرواحٍ تحتاج إلى
كلمةٍ طيبة ، وإلى يدٍ تربّت عليها ، وإلى معلّمٍ يؤمن بها.
وهناك تعلّمتُ أن العطاء
ليس للحجر، بل للبشر . فالحجر قد تبني به جدارًا ، أما الإنسان فتبني به حياةً
كاملة . قد تنسى الأجيال كثيرًا من الدروس والقواعد ، لكنها لا تنسى معلّمًا
أحبّها ؛ وأنا أشعر بها وأحسّها كلّما قابلني شابٌّ او صبية كان تلميذًا لي ، فراح يُذكّرني بالعطاء ويسرد لي ذكريات جميلة ما زالت تُكوكب في خياله .
زرعتُ كما زرع
غيري من المعلّمين ، ما استطعتُ من محبة السماء في القلوب ، ومن الأخلاق والقيم والتربية قبل الحروف .
كنتُ أؤمن أن مهمتنا لا تنتهي عند تعليم القراءة والكتابة والحساب ،
فالمعلّم الحقيقيّ لا يصنع طالبًا متفوّقًا في الامتحان فحسب ، بل يسعى إلى صناعة
إنسانٍ صالحٍ يعرف الخير، ويحترم الآخر، ويحبّ وطنه ، ويمدّ يده للمحتاج ، ويعرف
أن العلم بلا أخلاق قد يتحوّل إلى معرفةٍ باردة لا تنفع صاحبها ولا مجتمعه .
وليس غريبًا أن
يُدعى الربُّ يسوع المسيح بالمعلّم . فقد دخل القلوب قبل أن يدخل الكتب ، وعلّم
بالمحبة قبل الكلمات ، وبالقدوة قبل
الموعظة . ولذلك ظلّ لقب " المعلّم"
من أجمل الألقاب التي ارتبطت به .
وإذا كان يسوع هو المعلّم الأروع ، فإنَّ كل معلّمٍ صادق إنما يحمل شيئًا
من نور هذه الرسالة العظيمة حين يعلّم بمحبة ، ويُهذّب بحكمة ، ويزرع الخير في
النفوس.
ومع اقتراب سنةٍ
دراسية جديدة في بلادنا ، أتمنى أن نتوقف قليلًا لنسأل أنفسنا : هل أعطينا المعلّم
حقّه ؟ وهل قدّرنا هذه المهنة كما تستحق؟!!
إن التعليم ليس
مهنةً عابرةً تُؤدّى من أجل الراتب ثم تنتهي بانتهاء ساعات الدوام ؛ إنها رسالةٌ
مقدسة ومسؤوليةٌ تجاه أجيالٍ ستصنع غدنا ، ولذلك فإنَّ المعلّم الذي يعشق مهنته ويخلص
لها يستحق منا الاحترام والتقدير، لأنه لا يعلّم أبناءنا فقط بل يشارك في رسم
ملامح المستقبل .
واليوم وأنا
معلّمٌ متقاعد، أستطيع أن أقولها بكل فخر وطمأنينة : لم أندم يومًا أنني اخترت التعليم.
بل لو عاد بي
العمر، وعاد بي الشباب، وعادت أمامي الطرق كلها مفتوحة ، لاخترتُ الطريق نفسه…
طريق المدرسة
، وطريق الطباشير وطريق التلاميذ ، وطريق
العطاء.
فبعض المهن تمنحك
راتبًا ، وبعضها تمنحك مكانة ، أما التعليم فيمنحك شيئًا أثمن من ذلك كله ؛ يمنحك فرصةً لأن تترك أثرًا في إنسان وأن تزرعَ
في قلبه شيئًا قد يبقى معه طوال العمر .
وهل هناك أجمل من
أن يعيش الإنسان… ليزرع .... ليزرعَ في تُربة النفوس ؟!!
فطوبى لكلِّ معلم باقٍ في الميدان يحمل
الأمانة ، وتحية إجلال وإكبار لكلّ معلّمٍ متقاعد ما زال دفء التعليم ينبض في
حنايا روحه . وكل عام وأنت بألف خير ، معلّمًا وخادمًا أمينًا للحقيقة والإنسان
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق