الجمعة، 6 أبريل 2018

القضاء على “ربة البيت” بقلم : أ.د. محمد الدعمي


إذا كنا هنا لم نزل نشكل “صورة وردية” لــ”ربة البيت” بوصفها الأم الباقية دائما في المطبخ لتجهيز الأسرة بما طاب من الوجبات والطيبات، فإن هذه الصورة قد عصف بها في العالم الرأسمالي الغربي، نظرا لانقلاب مفهوم الأسرة الذي أسست له جميع التقاليد الروحية، التوحيدية خاصة. ودليل ما أذهب إليه هو أنك إن دعيت فردا غربيا لتناول الغداء معك في المنزل، فإنه سيبهر بالأطعمة اللذيذة التي ستحضرها زوجتك أو والدتك للضيف.
من منا، عبر العالمين العربي والإسلامي، لم يسمع ولم يفهم دلالة عبارة “ربة بيت”، بوصفها، “وظيفة” عشرات الملايين من النساء “القاعدات” في منازلهن، دون أية وظيفة أخرى تدر شيئا من المال على الأسرة، سوى وظائف إدارة المنزل والعناية بالزوج والأطفال. وهي لعمري مهمة. إلا أن هذا الأمر لا ينطبق على المجتمعات الغربية قط: فهناك تحسد النساء مكافئاتهن عبر العالمين أعلاه على ما أوتين به من ترف وفضاءات إجازة متواصلة لسنين دون الحاجة للخروج إلى العمل من الفجر حتى المساء كما تفعل الغربيات، كدحا حقيقيا!
إلا أن علينا أن نعترف بأن “الوظيفة” الغريبة أعلاه بالنسبة للذهنية الغربية راحت تنكمش وتتلاشى بسرعة الضوء. وأظنها ستنعدم في القريب العاجل. ربما كانت تأملات كارل ماركس الاقتصادية تلقي الضوء على ذلك، نوعا من النبوءة العبقرية: ففي دراسته للصلة العضوية بين “علاقات الإنتاج”، وبين “وسائل الإنتاج”، خلص هذا العقل الذكي إلى أن طبيعة النظام الرأسمالي يمكن أن لا تسمح بوجود أو تواصل أنواع كثيرة من “الوظائف” التي ستهجر، ثم تضمر وتضمحل حتى الموت، ومنها حسب رأيي، “وظيفة ربة البيت”، حيث لم يعد الرجل الغربي قادرا على تجهيز عائلته بما يكفيها من المال وحده، الأمر الذي يضطره لانتقاء الزوجة العاملة التي تسهم في تمويل حاجات الأسرة والإنفاق عليها، بل وحتى التفوق على زوجها في هذا المجال.
وإذا كنا هنا لم نزل نشكل “صورة وردية” لــ”ربة البيت” بوصفها الأم الباقية دائما في المطبخ لتجهيز الأسرة بما طاب من الوجبات والطيبات، فإن هذه الصورة قد عصف بها في العالم الرأسمالي الغربي، نظرا لانقلاب مفهوم الأسرة الذي أسست له جميع التقاليد الروحية، التوحيدية خاصة. ودليل ما أذهب إليه هو أنك إن دعيت فردا غربيا لتناول الغداء معك في المنزل، فإنه سيبهر بالأطعمة اللذيذة التي ستحضرها زوجتك أو والدتك للضيف. ومرد ذلك واضح لأبسط العقول: لم تعد المرأة أو الأم الغربية تضطلع بالطبخ في المنزل: فهي لا تملك الوقت ولا المزاج المطلوبين لهذا النسق الشرقي من الحياة الأسرية الشائع لدينا. أما هي: حتى عندما تدعو الضيوف إلى منزلك، فإنها لا تتحمل وجع رأس “الطبيخ” فتذهب لشراء الوجبات الجاهزة من المطاعم والأسواق الكبرى مهيأ ومحضرا من قبل أكبر وأفضل الطهاة المشهورين، وفي “مطابخ الإنتاج الواسع” التي لا تترك لـ”أم البيت” فضاءً كافيا للإبداع أو للتلاعب “بالبهارات والتوابل” ولا بطرائق ودرجات حرارة الطهي. هذا كله من الظواهر المنقرضة، خاصة في المجتمع الأميركي. بل، حتى مفهوم العائلة أعلاه قد أخذ يستجيب لضغوط التغيير الاقتصادية، درجة أن المرء، أو المرأة هناك يمكن أن يعيشوا في بيت واحد معا ويتقاسمون الإنفاق بدون الحاجة حتى إلى عقد زواج أو تسجيل اقترانهما في “دوائر النفوس” الرسمية. أما إذا أنجبا أطفالا خلال سنوات “الصداقة” أعلاه في دار واحدة، فلا مشكلة في ذلك لأنهم (أي الأطفال) يسجلون بأسماء والديهما اللذين لا تربطهما ببعضهما سوى وشيجة “الصداقة”.
أما ظواهر انقراض وظيفة “ربة البيت”، فهي كثيرة، إذ إنك تجد مطاعم أميركية عدة باسم “أكلات ماما”، أي أن صاحب المطعم يشعر بالحنين إلى طبخات والدته، فيقرر أن يؤسس مطعما يحاكي العاملون فيه طبخاتها كي يقدمه لمن يدفع الدولارات الكافية لهذه الوجبات الدسمة. وهكذا يفقد الغذاء نكهته العائلية الخاصة! يشترك الجميع بنكهة واحدة، لا صلة لها “بماما” ولا بدادا”!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق