الخميس، 23 فبراير 2017

سفارة رجل القلم ، بقلم البروفيسور محمد الدعمي



إذا شئت أن تدرك الفارق بين المجتمع الفرنسي والمجتمع البريطاني، فما عليك إلا أن تستذكر بأنه في الوقت الذي كانت فيه باريس تعيش حال ثورة دموية لا تتوقف خلالها المقاصل من قطع الرؤوس، كانت لندن تحيا بهدوء لتقرأ “الروايات القوطية”. لاحظ الاختلاف الذوقي والمزاجي: بين المجتمع الفرنسي القريب من البحر المتوسط الدافئ المياه، وبين مكافئه البريطاني القريب من المياه المتجمدة شمال القارة الأوروبية!
لست أشك ولا حتى لوهلة بالدور الرائد الذي يضطلع به رجال القلم في التقريب بين الثقافات العالمية، وفي مد الجسور وتحقق التفاعل والتلاقح الثقافي. ودلائل ذلك غير قابلة للحصر ولا للتحديد، نظرًا لكثرتها وتواصلها منذ أقدم العصور عبر الحقب.
للمرء أن يقول هذا، ويستذكر كيف بدأ وعيه بالثقافات الأجنبية وتطور، خاصة الأوروبية والغربية عامة: ذلك أن الجذوة الأولى تبدأ بمجرد حب الاطلاع على “الآخر”، كيف يفكر، وكيف يحيا، وكيف يكون في حاضنة اجتماعية مختلفة عن تلك التي يحيا القارئ العربي أو المسلم في مهادها. هكذا بدأ الوعي بالآخر: فبعدما تم تلقيننا بأن الآخر الغربي، إنما هو صنو لفكرة الاستعمار والاستغلال ومكافئ لها، من بين مفاهيم أخرى، راح الوعي المبكر للمرء يحاول سبر أغوار أسباب تفوق الآخر بالدرجة الكافية كي يفرض إرادته وهيمنته علينا في الشرق العربي الإسلامي. وأول الأبواب المفتوحة لمعرفة الآخر وتفحصه هي أبواب الثقافة والآداب والفنون.
لذا لا يمكن للمرء أن يزعم بأنه قد بدأ قراءته برواية (البؤساء) دون رغبة دفينة للاطلاع على المجتمع الفرنسي، كيف يفكر وكيف يحيا؛ كيف ينتظم في مجتمع متفاوت الطبقات.
أما إذا شئت أن تدرك الفارق بين المجتمع الفرنسي والمجتمع البريطاني، فما عليك إلا أن تستذكر بأنه في الوقت الذي كانت فيه باريس تعيش حال ثورة دموية لا تتوقف خلالها المقاصل من قطع الرؤوس، كانت لندن تحيا بهدوء لتقرأ “الروايات القوطية”. لاحظ الاختلاف الذوقي والمزاجي: بين المجتمع الفرنسي القريب من البحر المتوسط الدافئ المياه، وبين مكافئه البريطاني القريب من المياه المتجمدة شمال القارة الأوروبية!
والآن، علينا أن نتفحص دور الكاتب أو المؤلف كسفير بين الثقافات. عندما نقرأ رواية تشارلس ديكنز (الأوقات الصعبة)، فإن علينا أن نتذكر بأننا، أثناء فعل القراءة، نشاهد المجتمع البريطاني على حقيقته عبر عصر الثورة الصناعية. وهنا يصطف ديكنز مع زميله الفرنسي “فيكتور هوجو” في الاضطلاع بدور السفارة الثقافية لتعريف الآخر (الشرقي، العربي، المسلم) بمجتمع الكاتب وأحواله.
وتنطبق ذات الحال على الاهتمام الغربي المتأخر بكتابات مؤلفين مصريين ومغاربة وسوريين، من بين آخرين، بوصفهم مرايا دقيقة تعكس أحوال المجتمعات العربية والمسلمة، وطرائق تفكيرها في ظل تقاليد دينية وسياسية معينة. هنا يتم اعتماد الكاتب العربي سفيرًا عن ثقافته إلى العقل الغربي. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الاهتمام الغربي بمثل هذه “السفارات” العربية أو الإسلامية يأخذ مداه الآن، ليس فقط بسبب فائدة الأعمال الثقافية والأدبية وجمالها حسب، وإنما بسبب أهميتها في إلقاء الضوء على تلك المجتمعات التي ينحي العالم الغربي بلائمة ظهور الشبكات الإرهابية على بعضها، للأسف.


لذا، يضطلع الكاتب أو المؤلف بدور سفير ثقافي لمجتمعه إلى العقل الغربي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق