الثلاثاء، 8 مايو 2018

قراءة في قصة :"عصفور في السماء" للكاتب المربي : سهيل عيساوي بقلم: صالح أحمد (كناعنة)









مدخل:
الكاتب المربي سهيل عيساوي.. دخل عالم أدب الأطفال من أوسع أبوابه.. فهو أديب بالفطرة.. شاعر موهوب، له عدة إصدارات شعرية.. وهو إلى جانب ذلك مؤرخ ما يمنحه الخبرة في مجال السرد والحكاية.. كما أنه كتب القصة والخاطرة ببراعة، إضافة إلى كونه مربٍ ومدير مدرسة ابتدائية، الأمر الذي جعله قريبا من عالم الأطفال يدرك تماما ما تحتاجه فطرتهم البريئة وخيالهم الواسع وفكرهم النامي.. وبنفس الدرجة؛ هو مطلع أيضا على شرائح المجتمع وانماط سلوك الأهالي وأنماط تفكيرهم ووعيهم لمشاكل الأبناء..
جاء انتقال الأستاذ سهيل عيساوي إلى عالم أدب الأطفال مدروسًا متوافقا مع خبراته ومع مهنته، ومع أفقه التربوي والفكري ومشروعه الأدبي الإنساني والحضاري... وقد أتحفنا حتى الآن بالعديد من قصص الأطفال التي على الأغلب جاءت تحمل خلاصة تجربته التربوية.. ونظرته المجتمعية..
قصة: "عصفور في السماء" جاءت حلقة منسجمة مع واقعه كمربٍ وكأديب يرى بالأدب رسالة تربوية أجتماعية حضارية وإنسانية بكل ما للكلمات من معانٍ وأبعاد..

فكرة القصة:
قصة "عصفور في السماء".. ترتكز إلى فكرة بسيطة.. عاشها الأستاذ سهيل الانسان والمربي بحذافيرها من خلال عمله، ومن خلال وعيه التربوي والإنساني.. لينقلها لوعي القارئ الطفل، والقارئ الأب على حد سواء.. – وهذه إحدى ميزات قصص الأستاذ سهيل: إنها تخاطب خيال الطفل ووعيه المتفتح، كما تخاطب وعي الآباء لتفتح أعينهم وتنبه أذهانهم لحقائق الحياة المحيطة بهم وبأبنائهم- كأني به يوجه رسالة للكبار: "اقرأوا قصص الأطفال لتدركوا عالمهم، ولتمتلكوا لغة وأدوات التخاطب والتعامل السليمة معهم"
إنها قصة ترتكز إلى واحد من أكثر الأمور خطرًا على حياة الأطفال: "الحذر على الطرق" في واقع أصبح الطريق فيه مليئا بالمخاطر.. الأمر الذي يستوجب توعية للأهل والأبناء معًا؛ وبنفس المقدار ..
القصة تتحدث عن طفل تفلت من يد والده بعد خروجهما من مدرجات ملعب كرة القدم، متأثرَين منفعلين من خسارة فريقهما المحبوب.. وخاصة الطفل "تامر" –بطل القصة- الذي تأثر حد البكاء وذرف الدموع.. ما جعله يمشي ذاهلا وقد تفلت من يد أبيه لينطلق إلى الشارع باكيا ذاهلا شارد الفكر.. فكانت النتيجة أن صدمته سيارة مسرعة وقذفت به بضعة أمتار لقوة الصدمة، ما أدى لإصابته إصابة بالغة احتاجت لعدة عمليات معقدة أدت إلى موته المؤسف والمحزن بالنهاية..

العبرة من الحادثة:
أراد الأستاذ سهيل أن يلفتنا إلى أمرين متوازيين:
الأول: طفل يعبر الطريق في حالة حزن وذهول وشرود!  – مؤشر خطرٍ كبير-
الثاني: الطفل تفلت من يد أبيه الذي لم ينتبه لخطورة الأمر؛ خاصة وأن ابنه كان في حالة حزن وذهول وشرود وبكاء!! –مؤشر خطر أكبر- فمسؤولية الأب هنا عن الحادث الذي وقع لابنه تفوق مسؤولية الطفل بدرجات.. كيف لا؛ وهو الأب الواعي المدرك يغفل عن ابنه ليقع له ما وقع !
إنها رسالة موجهة للجميع.. للأطفال وللآباء وللمجتمع كله على حدٍ سواء.. "الوعي والحذر.. يبعد الخطر"

أفكار موجِّهة في القصة:
لا تخلو القصة من أفكار ومواضيع أخرى مصاحبة للفكرة المركزية – لا أعتبرها ثانوية مطلقا لأنها تدعم الفكرة الأصلية من ناحية؛ ولحملها رسائل تربوية توعوية لا تقل أهمية عن الفكرة المركزية من ناحية أخرى.. وقد جعلها الكاتب تمتزج مع الفكرة المركزية لتكوِّنَ المكمل الطبيعي لها؛ بل والرافد المنطقي لتصاعد الحدث المركزي إذ جعلها تشكل الأسباب والنتائج المترتبة على الحدث المركزي لتغذيه وتدعمه واقعيا وشعوريا ومنطقيا وسلوكيا ..
1-      الهوس المتصاعد بالرياضة.. وكرة القدم تحديدًا، حيث أصبح يشكل عنصرًا مغذِّيًا لحالات الفراغ الفكري والشعوري التي باتت تهدد علاقات شبابنا ونظرتهم للحياة.. بل باتت تفتح الباب على أنماط من الحوار الصاخب والعنيف والبعيد كل البعد عن المنطق الأخلاقي والحضاري والتثقيفي للرياضة.. وكم من حالات عنف حصلت بين شبابنا مبعثها الهوس الرياضي، والتعصب الأعمى لفريق دون الآخر!! ليصبح ما يسمى (الأخلاق الرياضية) مجردًا من كل معنى، ويصبح المشجع غير مستعد لتقبل أي نتيجة إلا أن يفوز الفريق الذي يشجعه! ويبدأ باختلاق المبررات والحجج والاستعداد لمعركة من الجدل القائم على التعصب اللاواعي، ورفض أي مبررات وتفسيرات من الطرف الآخر.. ما يقود في كثير من الأحيان إلى المواجهات والعنف الكلامي والجسدي أيضا.. متناسين أن الرياضة "تسامحٌ ومحبة واحترام" (ص9)
2-      مرض المبالغة (تضخيم الأمور) وارتباطه بمرض الشائعات...  وهي ظاهرة مقلقة أقدر عاليًا التفات الأستاذ سهيل لها، وعرضها بشكل راقٍ بقوله: "انتشر خبر دهس تامر في القرية كانتشار النار في الهشيم، ونسجت إشاعات بلا أرجل" (ص20).. نعم إنه مرض نفسي مجتمعي شائع في مجتمعاتنا للأسف!.. إذ ما إن يسمع الناس خبرًا حتى يبدأ كل فرد بنسج القصة التي يخترعها خياله أو مزاجه حول الحادث، دون التحقق من الأمر، ودون توَخٍ للحقيقة، ودون مراعاة لمشاعر المصاب وأهله ومن يخصهم أمره.. وكم أصاب الكاتب في وصفه لوضع عائلة المصاب في ظل هذا الأمر المريع بكل دقة مؤثرة ومؤلمة ومثيرة للضمير الإنساني الحي: "فابنهم يصارع الموت، وأفواه النّاس المريضة تجتر الأكاذيب، وتؤلف القصص وتسترسل في التحليل والتفسير" (ص20)... حالة مرَضِيَّة يجب الوقوف عندها، وتوعية المجتمع لمحاربتها والكف عنها... وقد أبدع الكاتب إذ لم يذكر شيئا من الكلام الذي يقال في مثل هذه الحوادث، أو أنواع الشائعات التي يحلو للناس إطلاقها.. بل سكت عنها ليوصل العبرة المجملة:- "كل شائعة مهما كانت فهي مرفوضة لأنها سلبية وغير أخلاقية وهدامة في كل الأحوال"
3-      التعاطف الاجتماعي... والمرتبط أصلا بالعاطفة الإنسانية.. وهو أمر محبذ محمود شرط أن يلتزم حدود المعقول والمنطق والوعي.. ولكن أن يتحول إلى مظهر انفعالي يخلو من الموقف السليم الصحيح.. فسيتحول إلى عنصر هادم وضار، كما أشار الكاتب هنا بقوله: "وأهل القرية يزورون المستشفى بالمئات، وهاتف والده لا ينفك عن الرنين" (ص23) .. مشهد نراه يتكرر في قرانا ومجتمعنا ككل، والسؤال الذي أراد الكاتب أن يطرحه على كل قارئ صغير أو كبير: هل هكذا يكون التعاطف والتضامن؟ كيف سيمارس المستشفى مهامه بوجود المئات بين خارج وداخل للمستشفى؟ ألا يكفي الوالد مصيبته وقلقه على ولده لتطارده المكالمات التي لا تتوقف ولا تنتهي؟ ألا يكفي أن تكون مشاعرنا وأحاسيسنا الصادقة مع الأهل في هذا الموقف تدفعنا للدعاء له والاطمئنان عليه من بعيد.. وترك الأهل يتابعون حال ابنهم بدلا من استقبال الوفود والاستماع إلى أسئلتهم المتكررة والرد على مكالماتهم التي لا تتوقف؟
4-      المبادرة والسؤولية: في حالات كهذه يجب على المسؤولين أخذ دورهم الفاعل والإنساني الصادق والبنّاء.. "تقاطر المسؤولون والاخصائيون على المدرسة للتهدئة من روع التلاميذ والمدرسين، تحدثوا عن تامر التلميذ المجتهد، عن حوادث الطرق، عن أسباب الموت..." (ص24) فالاستاذ سهيل يركز على هذا الجانب اعتمادًا على كونه مربٍ في الدرجة الأولى.. يحمل رسالة تربوية اجتماعية وإنسانية راقية..

عناصر أسلوبية:
1-      عنصر التشويق: الأستاذ سهيل عيساوي أديب له باعه الطويل في الشعر والأدب، وهو يمتلك القدرات التعبيرية والأسلوبية الراقية... ما جعله يبدأ قصته -التي يعرف مسبقا أن موضوعها المركزي محزن وكئيب- بعنصر التشويق.. مشفوعًا ومصحوبا بلغة جذابة من شانها أن تشد القارئ لمتابعة قراءة القصة.. ومن أهم عناصر التشويق التي اختارها الكاتب بوعي وذكاء، أن يجعل تامر (بطل القصة) مهووسا بلعبة كرة القدم المحبوبة لدى الجميع، وهي نقطة مهمة.. ثم زيَّنها بلغته الآسرة، وتعابيره البسيطة المحببة بأن جعل بطله تامر طفلا شقيا.. "ورغم شقاوته يحبه الجميع لحلاوته ونغاشته" (ص2) فالكلمات: "شقاوة، نغاشة، حلاوة..." محببة لدى القارئ الطفل، تثير مشاعره، وتحفز انفعالاته وتزيد من رغبته وتشوُّقه لمتابعة القراءة..

2-      عنصر المبالغة: يعتبر عنصر المباغة من العناصر المحسنة للتعبير، ولكنه أيضا قد يشكل منزلقا خطيرا حين يزيد عن حده.. فمثلا في قول الكاتب: "كلماته تخرج من فمه مثل العسل" (ص2) نجد وصفا راقيا.. يحمل مبالغة محببة لطيفة رائعة.. ولكن في قوله: "وأمه تطبع على خده قبلة يُسمَعُ صداها لدى الجيران" نجد مبالغة فاقت حد المعقول.. وكذلك في قوله : "شعر الأب أن دموع الأم تغلغلت عبر الأسلاك وانتشرت مع الأثير" (ص14) مبالغة تثير المشاعر بشدة، وتحمل القارئ على التعاطف مع الموقف بقوة، ولكن في حالة القارئ الطفل، ستجعله يرتبك أمام المشهد الذي قد لا يستوعبه عقله البسيط، ولا خياله الساذج..
3-      التشبيه: وهو من العناصر التي من شانها أن تجمِّل الصورة والمشهد، وتقربه من خيال القارئ وحسه.. استخدمه الكاتب في أكثر من موضع، أهمها قوله: "كلماته تخرج من فمه مثل العسل الحُر" (ص2) تشبيه الكلمات بالعسل دارج بين الناس ومألوف للكبير والصغير، وقد أضاف حلاوة وتشويقًا..
 ولا أدري لماذا أضاف الكاتب هنا كلمة "الحر" التي لا تضيف جمالا للتشبيه ولا للدلالة والمعنى! بل قد تربك القارئ الطفل..
والتشبيه الثاني الرائع في قوله: "ضحكاته تشق سكون الفضاء مثل حلاوة شرقية شهية وموسيقى بلا عَزف" (ص3) وهو تشبيه مركب.. "تشق سكون الفضاء" تشبيه بليغ (استعارة جميلة موحية ومعبرة) ولكنها صعبة على خيال الطفل.. "مثل حلاوة شرقية" تشبيه جميل معبر ومشوّق، قريب من وعي الطفل وخياله، خاصة أنه ربط الضحكة بالحلاوة، فالصورة مألوفة محببة لخيال الطفل ووعيه.. "وموسيقى بلا عزف" تشبيه راقٍ، ولكنه أيضا قد يربك خيال الطفل بالبحث عن ماهية الموسيقى بلا عزف..
4-      خاصيّة حسن التّخلص: وهي خاصية تميز بها الشعر العربي الكلاسيكي، تمكن الشاعر من إنهاء موضوع ليدخل في موضوع آخر بسلاسة، ودون أن يترك فجوة في التعبير، أو ضعف الترابط بين الصور التعبيرية والموضوعات.. وقد استخدمها الكاتب هنا في قصته بلباقة ليتخلص من موقف نفسي محرج في المشهد التالي: "دخلت المعلمة إلى الصف وهي حائرة؛ كيف تخبر زملاءه بما حدث لتامر؟ بينما هي حائرة في أمرها.. قال صديقه سامر: دهس تامر يا معلمتي! المعلمة: أجل سوف نتحدث عن الحادثة؟" (ص21)...
لم ينقذ سامر المعلمة من حيرتها فقط، بل أنقذ الكاتب! لأنه أكثر حيرة من المعلمة! فهو من سيضع الكلمات على لسانها، وهو لا يجد الكلمات المناسبة لهذا الموقف.. فتخلص منه بأن جعل سامر ينقل الخبر ببساطة.. وتخلص منه ثانية في قوله على لسان المعلمة: "سنتحدث عن الحادثة" واكتفى بذلك، ولم يورد حديثا بالموضوع، بل تهرب من الخوض بالأمر، وتركه مفتوحا لعقل القارئ يحلل ما يمكن أن يكون الحديث وكيف يمكن أن يدار...
وحقه علينا أن نعذره في هذا؛ إذ ليس من السهل الخوض في موضوع الموت مع الأطفال.. وخاصة كون الميت زميلهم في الصف.

لفتات تربوية:
1-  الدلال: بدأ الكاتب القصة بموضوع مهم جدا.. إنه الدلال الزائد، أحد أساليب التربية الشائعة في مجتمعاتنا، وخاصة للطفل البكر، وجاءت لفتة الكاتب إلى كونه الابن البكر موحية (ص2).. لأن مجتمعاتنا فعلا تبالغ في تدليل الولد البكر وخاصة إذا كان ولدا ذكرا، مما يجعلهم يتغاضون عن شقاوته، بل ويغذّونها بالتشجيع.. ويرون كلماته البذيئة، وتصرفاته الوقحة  –التي يلقوننه إياها عمدا.. مثل العسل (ص2) الأمر الذي من شأنه أن يفسد سلوك الطفل، ويعرضه للمخاطر.
2-  حسن المواساة: قول المستشارة : "لأننا نحب تامر علينا أن نذكره بالخير"(ص25) (أذكروا محاسن موتاكم) "الحياة يجب أن تستمر"  (ص25)
وقول المعلمة "إن تامر مثل ابني، عزائي الوحيد أنه عصفور على باب الجنة" (ص25)
3- تكريم الانسان بما يحب.. "إقامة دوري كرة قدم مصغر على إسم تامر" (ص27)
4- التبرع عن روح الميت بما ينفع مجتمعه : "تبرعت أسرته بمجموعة من قصص الأطفال لمكتبة المدرسة صدقة جارية عن روحه" (ص27)
خاتمة:
نحن أمام قصة تربوية.. تناولت موضوعًا مهمًا جدًا.. وعلى جانب كبير من الخطورة في حياتنا.. ومن الضروري التنبيه إليه والتأكيد عليه في كل المجالات..
رغم خطورة الموضوع وصعوبة تناوله وخاصة للأطفال.. نجح الكاتب في إيصال الفكرة، وقد دعّمها بلفتات تربوية مهمة جدا، أثرت الموضوع وزادته أهمية وتشويقا، وجعلته ملائما للكبار والصغار على حد سواء..
نحيي الأستاذ سهيل عيساوي الكاتب والمربي.. ونتمنى له مزيدا من العطاء والابداع والتألق..



الكاتبة ميسون أسدي مع بقرتها حاحا وضفدعتها النقاقة يحتفلون بعيد العدس في كفر مصر






*على مدار (13) لقاء، التقت الكاتبة ميسون أسدي مع اطفال روضات وبساتين وطلاب المدرسة الابتدائية-الأمل، في المكتبة العامة بإدارة ابتسام مصطفى (أبو رحال) في قرية كفر مصر، حيث قدّمت لهم بعض من قصصها وهي: "الضفدعة النقاقة"، "البقرة حاحا"، و"عيد العدس"، وكانت اللقاءات تشمل عرض مصوّر على الشاشة وسرد القصص وتقديم فقرة غنائية عن كل قصّة بمشاركة الطلاب أنفسهم، ومحاورة الكاتبة عن مضمون وبناء القصص.
وتقول الكاتبة: لقد لفت نظري، رغم أن قرية كفر مصر هي قرية صغيرة لا يتعدى عدد سكانها الثلاثة آلاف نسمة، إلا أن مكتبتها الصغيرة التي تأسست عام 2005 تعج بالنشاطات التربوية والتثقيفية والترفيهية منها ساعات القصة وعرض مسرحيات ودورات كتابة إبداعية ومحاضرات تنمية بشرية وفعاليات في المدارس الابتدائية والثانوية.
وتقول مديرة المكتبة ابتسام مصطفى: ان الفعاليات الثقافية، تعطي روح للمكتبة واقبال وتجديدا دائما، فرغم ضيق المكان إلا أن المكتبة تعج بالعمل كخلية نحل، ونسبة استعارة الكتب كبيرة، فقد وصلت عام 2017 إلى (14000) استعارة.
وتضيف ابتسام: اعمل لوحدي في المكتبة والعاملة التي تهتم بصيانة المكتبة تساعدني خلال تواجدها في المكتبة بتجليد الكتب وتهيئة المكتبة لتكون مكانًا شرحا ومريحا لاستقبال الطلاب. وصحيح أن المكان صغير، إلا ان المكتبة تشمل كل شيء كأي مكتبة عصرية، وأنا اهتم ان لا ينقصها غرض، وإذا نقص شيء ما، اخرج إلى الأهالي وأجمع التبرعات من أجل توفير كل ما تحتاجه المكتبة.
وتنهي ابتسام حديثها قائلة: رغم أن المكتبة لا ينقصها شيء، إلا أنني أحلم بأن تكون لدينا مكتبة جديدة واسعة ومتطورة أكثر، فبلدتنا بحاجة إلى مكتبة عصريّة تضم قاعة عروض مجهّزة، بدل من أن يجلسوا الطلبة والضيوف على الحصيرة ليجلسوا في مسرح، نحن بحاجة إلى أرض لنبني عليها مثل هذه المكتبة وأنا متفائلة بأن الأمر سيحصل عاجلا أم آجلا.


الجمعة، 4 مايو 2018

صدر حديثا : مجلة ماذا نسميكم


صدر  حديثا  عن  جمعية  الاء ،  مجلة  ماذا  نسميكم  ،  العدد  الثاني ،  وهي  مجلة  تعنى  باصحاب  الاحتياجات  الخاصة ، من  مواضيعها  : ولا  تتنابزوا بالالقاب ، رسالة  طفل معاق  الى والده ، ذوو  القدرات  الخاصة  والاقدار ،اولادكم  ليسوا  لكم .

تقع  المجلة  في 32  صفحة    من  الحجم  الكبير ، ورق مصقول  ملون . مراجعة لغوية  احمد  زعبي ، تصيم وسيم  مراد . 


الثلاثاء، 1 مايو 2018

مصيبة الأبناء وفرح أبناء الأحفاد ترجمة حسيب شحادة



The Disaster of the Children and the Joy of the Great Grandchildren

جامعة هلسنكي


في ما يلي ترجمة عربية لهذه القصّة التي رواها سميح بن الأمين بن صالح صدقة الصباحي (سلوح بن بنياميم بن شلح صدقة الصفري، ١٩٣٢- ٢٠٠٢، كاتب، تاجر ناجح، نظم في الفرح والترح، نسخ كُتبًا كثيره بخطّه الجميل؛ فقد ابنه البكر واصف/آشر ابن الـ ١٨ ربيعًا في سكتة قلبية عام ١٩٨٧) بالعربية، على الأمين (بنياميم) صدقة (١٩٤٤-) الذي نقلها إلى العبرية، أعدّها، نقّحها، ونشرها في  الدورية السامرية أ. ب. - أخبار السامرة، العددين ١٢٢٨-١٢٢٩، ١ شباط  ٢٠١٧، ص. ٣٣- ٣٥، ١٢٣٤-١٢٣٥، ١٥ آذار ٢٠١٧، ص. ٣٧-٤٠.
ونُشرت في  الدورية السامرية أ. ب. - أخبار السامرة، العددين ١٢٢٨-١٢٢٩، ١ شباط  ٢٠١٧، ص. ٣٠- ٣٣.

هذه الدورية التي تصدر مرّتين شهريًا في مدينة حولون جنوبي تل أبيب، فريدة من نوعها: إنّها تستعمل أربع لغات بأربعة خطوط أو أربع أبجديات: العبرية أو الآرامية السامرية بالخطّ العبري القديم، المعروف اليوم بالحروف السامرية؛ العبرية الحديثة بالخطّ المربّع/الأشوري، أي الخطّ العبري الحالي؛ العربية بالرسم العربي؛ الإنجليزية (أحيانًا لغات أخرى مثل الفرنسية والألمانية والإسبانية) بالخطّ اللاتيني.

بدأت هذه الدورية السامرية في الصدور منذ أواخر العام ١٩٦٩، وما زالت تصدر بانتظام، تُوزَّع مجّانًا على كلّ بيت سامري في نابلس وحولون، قرابة الثمانمائة سامري، وهناك مشتركون فيها من الباحثين والمهتمّين بالدراسات السامرية، في شتّى دول العالَم. هذه الدورية، ما زالت حيّة تُرزق، لا بل وتتطوّر بفضل إخلاص ومثابرة المحرّريْن الشقيقين، بنياميم (الأمين)  ويفت (حسني)،  نجْلي المرحوم راضي (رتصون) صدقة الصباحي (الصفري، ٢٢ شباط ١٩٢٢ــ٢٠ كانون الثاني ١٩٩٠).

”عُرس لأجيال

”لا شيء يُساوي حزن الأب الذي ثكِل ابنه، صدّقوني. هنالك مثلٌ يقول: لا تحكُم على صاحبك حتى تكون في مكانه“. إنّي قد جرّبت كلّ شيء، أحسست بالضربة الشديدة بكلّ حدّتها. تعالوا لأقصّ عليكم حادثًا حقيقيا وقع. ابني البكر، خطفه الله من بين يديّ وعيناي مفتوحتان، ولم يبق لي إلّا أن أعزّي نفسي بأنه مات سامريًا، على دين موسى وإسرائيل. هذه القصّة سمعتها من امرىء مشهور وموثوق به في نابلس. جرى هذا الحادث في قديم الزمان، قبل قرون،  لأحد الآباء الذي عزم على تزويج أنائه الثلاثة في المساء ذاته. دعا إلى بيته العامر ثلاثة رؤساء القرى ووجهاء المدينة، جيرانه وأقاربه لمشاركته الاحتفال بزفاف أبنائه الثلاثة.

أُقيمت الوليمة كالعادة، أكل وشرب على مدار أسبوع؛ غنّوا كلّ الأغاني، رنّموا كلّ الترانيم، رقصوا كلّ الرقصات ومنها تلك الرقصة الفنية الشهيرة بربطات العُنق الخاصّة بالعِرسان الثلاثة. كان الأب ثريًا واستطاع أن يمنح أولاده  ويُكرم مئات المدعوّين بسخاء. في بؤرة أسبوع الفرح، أُقيم عُرس فاخر سيكون محور حديث المدح والثناء لأجيال كثيرة، بغض النظر عمّا جرى بعد ذلك. حقًّا عرس مهيب لا مثيل له حتّى لدى أغنى أُمراء الشرق.

في نهاية العرس، بعد وَداع مئات الضيوف صاحب البيت، والأزواج الثلاثة، تقديم التهاني والتمنيات، وتسلّم الهدايا من صاحب الفرح، توجّه كل زوج، العريس والعروس، إلى غرفة كبيرة فخمة في داره.

المصيبة الشخصية الأكثر ترويعًا

في صباح اليوم التالي، مُدّت مائدة ملأى بكلّ ما لذّ وطاب من ألوان الطعام، كما يحلو ويحسُن في صباح اليوم التالي للزفاف. جلس الأب على رأس المائدة، يبدو عليه تعجّبه من أبنائه الذين لم يُكرموه، لم يستقبلوه، لم يصل أيّ من العِرْسان أو العرائس إلى المائدة. هذه هي الليلة الأولى، قال الأب مبتسمًا بينه وبين نفسه، إنّهم تعبانون ممّا جرى فيها. ”اذهبي يا امرأة، أيقظي أبناءنا ليأتوا لتناول الطعام مع والدهم الذي يحبّهم“، قال الأب.

قامت الزوجة وتوجّهت نحو غُرف الأبناء. بينما كانت تدنو منها إذا بزعيق عالٍ يُسمع يتلوه آخر فزعيق ثالث. أسرعت الأمّ ودخلت الغرفة الأولى حيث الابن البكر فوجدته ميتًا، وهكذا كان حالا الابن الثاني والثالث. عادت الأمّ إلى زوجها والد الأبناء وبالكاد حملتها رجلاها. على ما يبدو شرّير (ابن حرام) دسّ سُمًّا لهم في الطعام.

العروس الثالثة بقيت

تحوّل الفرح العظيم إلى حزن كبير.دفن الأب أولادَه الثلاثة. كان الوالد طَوال موكب الجنازة، يتمتم بينه وبين نفسه: هذه مشيئة الله، بالفعل هذه مشيئة الله، بالفعل هذه مشيئة الله. في نهاية أيّام الحِداد قال الأب لأمّ البنات ”أُدخلي إلى غُرف كنائِنك وقولي لهنّ إنّي أطلب أن يبقين للعيش معنا لأنّ البيت  بيتُهنّ“. كما حذّر الأب زوجته قائلًا: ”انتبهي للردّ الأوّل لدى كل واحدة منهنّ على قولك، وبحسب الردّ ستعرفين ما عليك فعله. إذا أردن مغادرة البيت فهذا من حقّهن، وإذا أردن البقاء فهذا حقّهنّ الكامل أيضا“.

دخلت الأمّ غرفة العروس الأولى، أرملة الابن البكر؛ سألتها ماذا تنوين فعلَه الآن؟ أجابت المرأة: بما أنّ زوجي قد مات في ليلة الزفاف، فإنّي لا أجد ما أفعله هنا بعد؛ أَرزُِم أغراضي وأعود إلى بيت أبي. إفعلي ما تشائين، أجابت الأمّ. العروس الأرملة الثانية نطقت بالجواب ذاته وغادرت البيت على الفور. جواب العروس الأرملة الثالثة على استفسار الأمّ، كان الانفجار ببكاء يمزّق القلوب. بعد أن هدأت أجابت: لقد تزوّجت من ابنك والآن بعد حدوث هذه المصيبة لم يبق لي أيّ رجل في العالَم يُحبّني كما أُحبّكم. أودّ أن أبقى في هذا البيت وأنتما تكونان لي أبًا وأمًّا. وافق الوالدان وبقيت عندهما.

نغمة العود

بعد مدّة قصيرة، قضى اليأس على روح الوالد، فقرّر مغادرة البيت، بيع ممتلكاته والابتعاد كليّا عن محيط الكارثة التي حلّت به. بعد مضيّ ثلاثين سنة عاد الأب إلى المكان حيث كان بيته. كان يمشي في أحد البساتين التي كانت ذات يوم له. في طريقه، شاهد فجأةً ثلاثة فتيان يعملون في الحقل ويحرثون الأرض. سألهم الأب عن حالهم فردوا التحية بأحسنَ منها، عاملوه معاملة حسنة، دعوه لبيتهم وقدموا له الطعام والشراب. بعد أن أكل وشبع، استدار على الوسائد بجانب الحائط، رفع رأسه فرأى أمامه على الحائط المقابل عودًا معلّقا، آلة موسيقية حاضرة كثيرًا في الأعراس والأفراح الأخرى. كان هذا العود شبيهًا بالعود الذي كان معلّقًا في بيته هو. شكّ الأب أنّه ربّما هو موجود في البيت الذي كان له ذات يوم. ثلاثون سنة قد مضت حقًّا، ومحيط بيته قد تغيّر كثيرا.

سأل الأب الفتيان عن ماضي عائلتهم وسرعان ما صدقت ظنونُه. قصّوا عليه أن أب العائلة قبل عشرات السنين، يئس وترك البيت لأن أولاده الثلاثة ماتوا وكنّتاه تركتا البيت أيضا. الكَنّة الثالثة تمكّنت من الحبل من الابن الثالث وولدت ابنًا هو أبوهم. حقًّا جدُّهم مات في ليلة الزفاف ولكنّ أباه اختفى ثلاثين سنة ونيّف، ولا أحد يدري أين هو بالرغم من أن أمّهم سردت عليهم ما قالت جدّتهم وحاولوا جهدَهم العثورَ عليه ولكن يدون جدوى.

الآن عرَف الأب أنّ هؤلاء هم أبناء أحفاده. طلب منهم بصوت مرتجف أن ينزعوا العود من على الحائط وإحضاره إليه. لا، لا نقدِر على ذلك، لقد حذّرتنا جدّتنا أن هذا العود يعود لوالد جدّنا ولا يلمُِسه أحد. ألحّ الأب على الفتيان الثلاثة بطلبه، فما كان منهم، في آخر المطاف، إلّا أن يلبّوا طلبه، إذ واجب إكرام الضيف عندهم كان من الأولويات. مسك العود بكلتا يديه بعناية فائقة وبدأ يعزف تلك النغمة المحبّبة عليه منذ صباه، وياما عزفها في الماضي.

أسرعت جدّتهم من المطبخ إليهم. إنّها فورًا عرفت أن الأب هو حموها (والد زوجها). قوموا، عانقوه وقبّلوا يده، إنه أبو جدّكم، ها هو أمامكم! صرخت بانفعال كبير بالفتيان. هذا هو الإنسان الذي طالما كنت أحكي لكم عنه. هذه القصّة تعلّمنا أنّ الإنسان الذي يودّ الله منحه الحياة، يعيش سعيدًا في حياته.“