السبت، 1 أغسطس 2026

ستِعراضٌ وتحليلٌ لقصةِ " الظبي المسحور " – للأطفال – للكاتبة " زينا الفاهوم - بقلم : الدكتور حاتم جوعيه – المغار – الجليل –

 

-  إستِعراضٌ وتحليلٌ  لقصةِ  " الظبي المسحور " –  للأطفال    للكاتبة " زينا الفاهوم

-  بقلم : الدكتور حاتم جوعيه – المغار – الجليل –

 

 


مقدمة :      تقعُ هذه القصَّةُ في 24 صفحةٍ من الحجم الكبير( الصفحات في القصة غير مرقمة من قبل المطبعة )، تأليفُ الكاتبةِ والشاعرةِ المبدعةِ    " زينا الفاهوم " - من مدينةِ الناصرة ، رسومات : " لؤي دوخي" وإصدار :  دار الهدى للطباعة والنشر كريم – كفر قرع .

مدخل :   هذه القصةُ  فانتازيَّةٌ خياليَّةٌ من الدرجةِ الأولى، نَسَجت الكاتبةُ أحداثهَا ومشاهدهَا بشكلٍ سرديٍّ ومباشر ومن دون مقدمات.   وتتحدَّثُ عن إحدى الممالكِ قديما(طبعا القصة أسطورية وغير واقعيّة وتاريخيَّة)، وكان يحكمُ هذه المملكةَ ملكٌ عادلٌ وحكيم، ومملكته واسعة الأطراف وجميلة . وكان هذا الملكُ يعيشُ في قصرهِ مع عائلتهِ المُكوَّنة من : زوجته الوفيَّة وولديهما الصغيرين ( مسعود وهند الهنود)..والحديرُ بالذكر أن هندَ الهنود اسم لزوجة أحدِ ملوك كندة وقد سباها أحدُ ملوك الغساسنة في إحدى المعارك، ولُقِّبَ زوجُها الملك الكندي، بعد ذلك، بآكلِ المرار بسببها وتشبيها له بالجمل الغاضب والهائج بعد أن يأكلَ نبتةَ المرار وتتورَّم منها  شفاههُ وفمه  ).  وهنالك العديدُ من الملكاتِ وبناتِ الملوك كانت أسماؤُهنَّ هند، مثل:(هند أم عمرو بن المنذر ملك الحيرة، وأم أخيه الذي استلمَ المُلكَ من بعده الملك النعمان ابن المنذر)... وهند الحفيدةُ ابنة الملك النعمان ابن المنذر.. وهند ابنة جبلة بن الأيهم  آخر ملوك الغساسنة في الشام ... وهند أخت إمرئ القيس الكندي...وأما هذا الملك الذي في القصةِ فكان حكيما وعادلا - كما ذُِكرَ أعاته - ويحكمُ ويديرُ مملكتَه بالعدلِ والإنصاف والحكمة، ويُوَفرُ وَيُحقِّق لجميعِ سكان المملكة كبارا وصغارا الأمنَ والهدوءَ والراحة والسلام والحياة الكريمة الهانئة، فأحبَّهُ جميعُ سكان المملكةِ . وكان الجميعُ مخلصين لهُ، وخاصَّة حاشيته المقربة منه التي حرصَتْ على أمنِهِ وأمنِ عائلتهِ .

       لقد أحبَّ هذا الملكُ زوجتَه وولديه (مسعود وهند الهنود) محبَّةً كبيرةً جدا ، ويُعتبرَان التوأمين لوالديهما، وقد رباهما على الإستقامةِ والطهارةِ  والفضيلة والوفاء .    ومع مرور الزَّمن كبُرَ الطفلان، وكانت هندُ الهنودِ متدفقة أنوثة وجمالا . وكبرَ مسعودٌ أيضا وكانَ أنيقا ووسيما .

  وكان من عاداتِ وتقاليد العائلةِ المالكةِ أن تخرجَ مثلَ جميع العائلاتِ في نزهةٍ إلى البراري وبساتين الكرز في موسم قطف الكرز من كل عام،  ولمُمارسةِ هوايةِ صيد الطيور والغزلان . وفي هذا الموسم  كانت البراري  والوهاد تمتلئُ بالمُتنزّهين والصيادي.. وصادفَ أنهُ كان من بين المُتنزِّهين  شابٌ وسيمٌ جدا وفي قمَّةِ الاناقةِ  والرجولةِ ، ووقعَ نظرُهُ على هند بنتِ الملك الجميلة التي رمقتهُ بطرفِ عينها ورأتٍ فيه فارسَ أحلامِها .. وتمرُّ الأيامُ وتشاءُ الظروف والأقدارُ أن تلقى زوجةُ الملك الفاضلة نحبَهَا فتفقدُ العائلةُ الوادعةُ الأمَّ الوفيَّة فيغمرُ الحزنُ الشديد قلوب أبناء العائلةِ. وتُخيِّمُ  أجواءُ الأسى والحزنُ على المملكةِ بأسرها، وعلى الملك الطيِّب والحكيم .

    لثد  حزنَ الوَلدان ( هند ومسعود ) حزنا شديدا على والدتيهما، وحزنا أكثرَ لمجيءِ امرأةٍ أخرى حلَّت مكانَ أمَّهمها في القصر .. وكانت الزوجةُ الجديدة لأبيهما الملك، لانَّ والدهما الملك كان بحاجةٍ  لمن يعتني بأسرتهِ وأبنائهِ وبحلُّ مكان الأم ويملأ الفراغ الذي تركتهُ.       ولكن هذه الزوجة الجديدة لم تلتزم بوصية الملك زوجها في صددِ الإهتمامِ والإعتناءِ  بولديهِ ورعايتهما، والرأفة بهما لأنهما كانا اغلى ما لديه في الحياة.      وأما هذه الزوجة فكانت لئيمةً وشريرة وقاسية وحاقدة بطبيعتها  وفطرتها، ولم تحب أبناء الملك .. فتظاهرت أمام زوجها الملكِ بالرأفةِ واللين في التعامل مع  أبنائِهِ، وفي غيابهِ كانت تعاملهما  بكلِّ فضاضةٍ وقسوةٍ.  ولقد صبرَ الولدان ( مسعود وهند ) على هذه المعاملة القاسية إلى أن  كبرا واشتدَّ عودُهُما وأصبحَ  بإمكانهما الإعتمادِ على أنفسِهما وتقرير مصيرِهما .  وعندما جاء وحلَّ موسمُ قطفِ الكرز كما هو في كلِّ سنةٍ  طلبتْ هند من والدهِا الملكِ السَّماحَ  لها بالخروج  إلى البريَّة مع اخيها للنزهةِ ولقطفِ ثمارِ الكرز .. مع أنها كانت حزينة لعدم وجودِ أمِّها معها في هذا الموسم، فأذنَ لها والدُها الملك، وخرجا بدورهما مع بعض افراد الحاشية للصيد وقطف الكرز ...  وكانت هند ترتدي فستانا جميلا جدا وتنتقلُ بين الأشجار بخفَّةٍ ورشاقةٍ تبهرُ الأنظارَ .. وعلى حَدِّ تعبيرِ الكاتبة : ( بخفَّةِ الفراشةِ  نشوى بعبق الزهور ) . وكانت تارةً تقطفُ الكرز، تتذوَّقهُ  فتصطبغُ شفتاها  بلونهِ ... وتارةً تضعُ ما تجمعُهُ في سلّةِ القصبِ التي  تحملها بيدها الأخرى حتى تملأها.  وبعد الإنتهاءِ من جمع ثمارِ الكرز وفي طريق عودتها لمحت مجموعةً من كلاب الصيدِ  تحيطُ بشابٍّ وسيم عريض المنكبين مفتول العضلات، وما أن اقتربت منه  حتى تبيَّن لها أنه نقس الشاب الذي كانت قد رأتهُ في مواسم الكرز السابقة عندما كانت صغيرة.  واقتربَ هذا الشاب منها وألقى السلام عليها وسألها عن سببِ الحزن والإكتئابِ الظاهرِ عليها ..فحدثتهُ بدورها عن وفاةِ والدتِها الملكةِ بشكل مفاجئ وعن معاملةِ زوجة أبيها الجديدة السيئة جدا لها ولأخيها مسعود .. فتأثَّر هذا الشاب كثيرا بكلام هند الهنود ورقَّ قلبه لها عندما سمع منها هذا الكلام . وأبدى أعجابَه بها  ووعدها وعاهدهَا على أن لا يتركها وحيدة. وصارحها أيضا عن هويَّتهِ وأنهُ ملكٌ ورثَ العرشَ عن أبيهِ، وأنهُ يبحثُ ويفتّشُ عن فتاة مناسبةٍ لها  للزواج منها.. وأنها بدورها تمتلك كلَّ الصفاتِ والمواصفات التي يريدها ويتمنَّاها ، وهي مبتغاهُ وضالتهُ وحلمهُ المنشود...فأعجَبتْ هند  جدا بكلام  وحديثِ هذا الشاب وتأثّرَت كثيرا به وشعرت كأنها تمتلكُ العالمَ بأسرهِ . فغدت تعدو بين البساتين  وكأنها عصفورةٌ تخلّقُ في الفضاءِ .. وبعد فترةٍ ليست طويلة تقدَّم هذا الشاب ( الملك وابن الملك ) لخطبتِها، وتزوَّجَها واختارَ العيشَ تحت أكنافِ أبيها بعد أن اتحدتْ مملكتهما معا.. وقد رُزقا فيما بعد طفلا جميلا ملأَ حياتَهما ونشرَ البهجةَ والسعادةَ في القصر .

   وحدثَ في أحدِ الأيام أنّ الملكَ ن أنَّ والد هند الهنود قد اصطحبَ زوج ابنتهِ  والبعض من رحالهِ وسافروا في مهمّةٍ خاصَّة خارج المملكة وتركَ أبناءَه وحفيدَهُ الصغيرَ في عهدةِ زوجته ووصايتها .    وقد انتهزت زوجةُ الملك الشريرة فرصة غيابِ زوجها الملك وبدأت تفكر وتخطط لمكيدةٍ محكمةٍ  كي تتخلصَ من أبناءِ الملك والحفيد الصغير وزوجها بعيد عن القصر .

       وقد حلَّ موسمُ  الكرز فدعت أربعةً من أعوانِها وأتباعهِا  وأمرتهُم أن يسبقوا هند إلى البئرِ العميقة، ذات النفق الكبيرالمؤدي إلى البحر والمسكونِ بحوتٍ ضخم وأن يضعوا فوقَ فتحةِ البئرِ بساطا يجلسون على اطرافهِ للتمويهِ، وعندما تصلُ هند إلى البئرِ يكرمونها  بإجلاسها  وسط البساط ..وبعد انقضاء ِالنهار ينهضون معا عن البساط  فتسقط مباشرة هند وطفلُها في البئر ليبتلعَهما الحوت. ففعلَ أعوانُها ورجالها بالضبط ما أمرت به هذه الزوجة الشريرة .   وكانت قربَ البئر عينُ ماءٍ مسحورةٍ وكلُّ من يشربُ منها يتحوَّلُ مباشرةً إلى ظبيٍ..  وقد أرغمَ وأجبرَ أعوانُ الزوجة  الشرِّيرةِ مسعودا على الشربِ من ماءِ العينِ المسحورةِ فتحوَلَ ابنُ الملك مباشرةً إلى ظبيٍ، وبهذه الفعلةِ الشيطانيّة اعتقدَت الزوجةُ الحاقدةُ والشريرة أنها تخلصَّت نهائيًّا من ولدي زوجها وحفيدهِ الصغير...وأنَّ كلَّ ما حدثَ وجرَى سيكون في نظر الجميع  قضاءً وقدرًا ، وهي لا علاقة لها إطلاقا بهذا الامر الرهيب . وقد جهزَّت وأعدَّتْ نفسَها لتقديمِ وإعطاءِ  الأجوبةِ المُقنعةِ على كلَِّ سؤالٍ واستفسار بما حدثَ .

         وعادَ الملكُ بعد سفرِهِ الطويل فرُفعت الاعلامُ  وعمََّت الزينةُ جميعَ البيوت وشوارع المملكة. وجِيءَ بالخرافِ والأغنام لإعدادِ الولائم والطعام ، وكان من بين الخراف الظبي المسحور( مسعود) فاستطاع ان يحلَّ وثاقَهُ وانسَلَّ بهدوءٍ وغفلةٍ من بين القطيع المُعدِّ للذبح وانطلقَ إلى البئر في البريَّة وبدأ يستغيثُ وينادي بصوتٍ مرتفع : ( خيتا يا هند الهنود! سحرُوا أخاكِ مسعود، وسنُّوا السكاكين، وعالوا القدور، خيتَا يا هند الهنود! ))  .. فردَّتْ عليه هند من جوف الحوت الذي ابتلعها هي وطفلها الصغير : ((  خيَّا  يا مسعود ! إبْن الملك على حضني، وشعري مُجَلِّلني ، والحوت بالِعْنِي، وشو طالع بيدي ؟ خيَّا  يا مسعود" ! )) .

          وتكرَّرَتْ نداءات الإستغاثةِ  والنجدة ولكن دونما جدوى . وبعد أن أقيمت الزينات وتحهزوا  للإحتفال في المملكة ذُهلَ الملك لعدم وجودِ ابنهِ وابنتهِ  بين المستقبلين والمهنئين بعودته بعد سفرهِ الطويل، فسألَ عنهما ولكن لم يسمع أيَّ جوابٍ سوى ما حاكتهُ زوجتهُ وأعوانُها من الأكاذيب .. فحزن الملكُ حزنا شديدا لهذا الخطبِ الجليل .. وقد فقدوا كلَّ بارقِ املٍ ورجاءٍ  في العثورعلى الولدين والحفيد . فأعلنوا الحداد في جميع أرجاء المملكةِ .

     وصادفَ بعد أيام أن مرَّ بعضُ الرعاةِ بالقرب من البئر فرأوْا وسمعوا الظبيَ المسحور يتكلمُ بألمٍ وحزن شديدين . وسمعوا أيضا صوتَ هند بنت الملكِ المنبعث من أعماق البئر:( حيَّا يا مسعود! إبنِ الملك على حُضنِي ، بنظراته بيُرْمُقنِي، بزفراته بيحرقنِي، وشُو طالع بإيدي؟ خيَّا يا مسعُود"! )          ) .فذُهِلَ الرعاةُ وأصابَهُم الخوفُ والهلعُ لهذا المشهد الغريب، فأعلموا المسؤولين في المملكة بما رأوا وسمعوا.. ووصلَ الخبرُ سريعا إلى الملكِ  وزوجِ ابنتهِ المكلومين فأسرعا إلى البئر مع مجموعة من الرجال  وسمعا هناك الظبي وهو يستنجدُ  بأختِهِ ويقول : (  " خيتا يا هند الهنود! سحرُوا خيِّكْ مسعود، وسنُّوا السكاكينْ، وَعالوا القدور، خيتا يا هند الهنود".  وهي كانت، بدورِها، نجيبُهُ بصوتٍ منخفضٍ ضعيف وحزين كله مرارةٌ وألم  : " خيَّا يا مسعودْ ! إبنِ الملك على حضني، وشعري مُجَلِّلْنِي، والحوت بالعني، وشو طالع بيدي؟ خَيَّا يا مسعود! ").  فصُعقَ الملكُ ومرافقُوه ومن معه من أفراد الحاشيةِ وبدأوا  يفكرون في حلٍّ لهذه المعضلة والمصيبة الكُبرى وكيف سيُنقذون هند وطفلها الصغير وأخاها مسعود .. واستدعوا جميع السحرة في المملكة ، ولكن لم يستطع احدٌ منهم أن يجدّ حلّا لهذه الطامة الكبرى . فازدادَ وتفاقمَ حزنُ الملك واكتئابهُ واسودَّت الدنيا في عينيهِ ..وبشكلٍ مفاجئٍ  يظهرُ شيخٌ جليلٌ تقيٌّ كان قد سمع بهذه الحكاية الغريبة فأتى من مكان بعيدٍ بطلبُ مقابلة الملكِ العادل ِوالطيب ، ليساعدَهُ في إنقاذ ولديه . وبعد أن أذنُوا له بالدخول إقترحَ عليهم ان يستعينوا برجلٍ تقيٍّ مؤمنٍ لكنه مُقعد لا يقوى على الحراك، وهذا الرجلُ موهوبٌ  وصاحبُ كرامات، ولديه نظرةٌ ثاقبةٌ وبإمكانه أن يحلَّ كلَّ مشكلةٍ صعبة مهما كانت متفاقمة. وعملَ الملكُ بنصيحةِ هذا الشيخ (والغريق يتلق بالقشة كما يُقال )..فأرسل رجاله ليأتوا بالرجل التقيِّ المُقعدِ..وهذا ما حدث . فاقترح عليه هذا الرجلُ بعد أن أتوا به أن يصنعُوا عَصيدةً حادَّةَ الحلاوةِ ثقيلة السمن، وينتظرون عند باب البئر وعندما يشاهدون الحوتَ يرفع رأسه فليلقوا تلك الخلطة في جوفهِ لأن شدَّةَ حلاوةِ الخلطة وثقلَ سمنها  سيعومان في معدتهِ فيقذفها ويقذف معها هندَ الهنود وطفلها الصغير(( وهذا المشهد هنا يذكرنا بقصة النبي يونس.. أو يونان كما جاء في الكتاب المقدس - العهد القديم  - عندما ابتلعه الحوت. وبمشيئة الرب وقدرته جلَّ جلاله خرج سالما من جوفه )) .

  فأمرَ الملكُ بتنفيذ كلِّ ما قاله الرجل، وبعد أن ألقيت الخلطة في فم الحوت  ودخلت إلى جوفهِ فذفَ الحوتُ هندا وطفلها فانتشلهما الجنود وقدموا لهما كلَّ ما يحتاجونه ُمن عناية ورعايةٍ . وأخبرتْ هند أباها بعد نجاتِها بكلِّ ما لاقت هي وطفلها من زوجةِ أبيها، وكيف أنَّ أعوانَ تلك الزوجةِ الشريرةِ والحاقدةِ أجبرُوا أخاها على الشربِ من ماءِ العينِ المسحورة فتحوَلَّ أخوها مسعود إلى ظبيٍ بفعل السحر .  فجُنَّ جنونُ الملك وطردَ زوجتَهُ الشرّيرة وسجنَ جميعَ أعوانِها ومُساعِديها . وبعدَها التأمَ شملُ العائلةِ وعادت الحياةُ على مجراها الطبيعي نوعا ما، وعمَّ الهدوءُ جميع أرجاءِ المملكة، ولكنَّ الظبيَ المسحور ( إبن الملك ) بقي ينظرُ إليهم بحنوٍّ ومَحبَّةٍ وينتظرُ بقلقٍ لحظةَ الفرج المنشود، وأن يُفكَّ السحرُ عنهُ ويرجعَ إلى وضعهِ الطبيعي، ولكي يكتملَ فرحُ وسعادةُ العائلة .  وتنتهي هنا في ،هذا المشهد المعلق، هذه القصة نهايةً مفتوحةً، ومن قبل أن يُفكَّ السحرُ عن مسعود ابن الملك الذي تحوَّل إلى ظبيٍ ويرجعَ إلى حياتهِ الطبيعيَّة .

تحليلُ القصَّةِ: هذه القصَّةُ فانتازيَّة ( خياليَّة) من الدرجةِ الأولى وتعيدُ إلى أذهاننا وتذكّرُنا بقصِ ألف ليلةٍ وليلة الخياليَّة الجميلة والمُثيرةِ والمُمتعةِ

.. وببعضِ القصصِ العالميَّةِ المُترجمة وخاصة قصص الأطفال، مثل : قصة "سندريلا ".  وهذه القصة كُتبت بأسلوب وطابع سردي، وهنالك بعضُ المشاهد يوجدُ فيها حوارٌ بين أبطالِ وشخصياتِ القصة ( ديالوج) ... مما يُضيفُ جمالا خاصا ورونقا القصة.  والقصةُ من ناحية البناء اللغوي والسبك لغتها  أدبيَّة جميلةٌ مُنمَّقة وَجذلى وقريبة إلى لغة وأسلوب الشعر في بعض الجمل، بيد أنها غير ملتزمة بوزن وقافية (  إلا إذا استثنينا بعض الجمل في الحوار بين ابن الملك المسحور وابنته التي في جوف الحوت حيث كان الحوار باللهجة العاميّة المحكيّة القريبة للغة الفصحى ).. وفي القصَّةِ  الكثير المصطلحات والتعابير والاستعارات البلاغية المستحدثة والمبتكرة، والتشبيهات الجميلة والصور الشعريَّة الساحرة، وخاصة في وصف الطبيعة .  وهذه القصةُ لا تقلَّ مستوى وجمالا وتمّيزا وتألقا فنيًّا وإبداعا عن قصصِ الأطفالِ العالميَّة، لأنها تحوي وتضمُّ كلَّ العناصر والأسس الهامة في نسيج وبناء القصّة الإبداعية المتكاملة للأطفال.. وتستحقُّ ان تُترجمَ على العديدِِ من اللغاتِ العالميَّة .

           والجديرُ بالذكر أنهُ يوجد في هذه القصة بعض الكلمات الفصحى الصعبة التي قد لا يفهمها كلُّ شخص ، ولكن من خلال وجودها وموقعها في الجملة تفهم تلقائيَّا، وحتى الطفلُ الصغير سيُدركُ ويفهمُ معنى الجملة والكلمة الصعبة التي فيها، مثل : ( أرغم ) .. أي أجبر .  و ( ينصرم ) :  ينتهي وينقضي .   و( المكلومين) : المُجرَّحين  .

     وهذه القصةُ  لها قيمةٌ وأهمية  كبيرةٌ : ترفيهيٌة وفنيةٌَّ وإنسانيةٌ وفكرية وتربويَّة واجتماعية. ونجدُ فيها طابعَ التورية والمعاني والأهداف المبطنة والهامَّة، وخاصة: الجوانب والتطلعات الوطنية والإنسانيَّة  فمثلا : الزوجةُ الجديدةُ الشريرة  ترمزُ وتهدفُ إلى كلِّ جهةٍ مدسوسةٍ وخطيرة ومعادية تحاولُ أن تتسلل بذكاء ودهاء ولُئمٍ وتدخلَ إلى أرضٍ أو دولة ومملكة أخرى مسالمة تعيشُ بأمان وهدوءٍ ووداعةٍ وسلام واستقرار، فتعكر الأجواءَ وتثيرُ وتتنشرُ الفوضى والبلبلةَ والشغَب والمشاكل والقلاقل  والاضطراباتِ في هذه الدولة أو تلك.. وكما يحدثُ هنا بالضبط عندنا في هذا الشرق وفي الدول العربية وللأسف من اضطرابات وقلاقل ومشاكل وفوضى لا توصف ..  فالمرأةُ الشريرة زوجةُ الملك إذا  ترمُز إلى كل مستعمر  وكلّ عدو غاشم  يرسمُ ويحيك الخطط  والمآمرات للنيلِ من الدول الوادعة والمسالمة والفقيرةِ ولكي يزعزع  إستقرارَها  وأمنهَا  ثم يسيطر عليها وعلى اقتصادها ومواردها وخيراتها ويديرها بطرقهِ الشيطانيةِ الخاصة ..

  وهنالك أيضا أهدافٌ وأبعادٌ أخرى في هذه القصَّةِ . والجديرُ بالذكر أن هذه القصة تُعتبرُ طويلة من ناحية المسافة والحجم مقارنة بقصص  الأطفال الأخرى.. ولكنها غير مملَّة، بل على العكس فهي مُمتعة ومسليَّة فيستمعُ إليها الطفل وحتى الكبير في السنِّ بمحبّةٍ وشفٍ  شديدين ..

  ومن أهمِّ أبعادِ وأهدافِ هذه القصة :

1 – عنصرُ التشويق والجانب الترفيهي المُسَلّي : - هذه القصَّةُ ممتعة ومسليَّة وترفيهيَّة من الدرجة الأولى، وشائقة جدا لكلِّ قارئٍ ومستمع صغيرا كان او كبيرا . .

2 – العنصر الفانتازي الخيالي : هذا العنصرُ هام جدا في مضمار قصص الأطفال، لأنَّ الطفلَ بطبيعتهِ يُحبُّ قصصَ الخيالِ والمغامرات... والقصَّةُ التي لا يوجدُ فيها فانتازيا للأطفال  تُعتبرُ قصَّةً ناقصةً من ناحية البناء  والتركيب.. وقصة الظبي المسحور في جميع فصولها ومشاهدها  هي خياليَّة ومثيرة وممتعة .

3 - عُنصرُ المفاجأةِ والأشياء والاحداث غير المُتوقعة : ويوجدُ هذا في العديد من الأحداث والمشاهد الدراميَّة في القصَّة .

4 – المستوى الفني الراقي والمُمَيَّز في القصَّة .

5 – الجانبُ الوطني : ولكنه غير واضح ومباشر في القصَّة، وهو موجود على شكلِ تورية .

6 – الجانبُ الإنساني : إنَّ القصةَ في معظمِ فصولها وصفحاتها مُشعةٌ بالقيم الإنسانيَّة، وتعكس بوضوخ هذا الجانب والمجال.

7– الطابعُ التعليمي والتثقيفي : وأقصدُ وأعني الاخلاق والمبادئ والقيم   والتعاليم السلوكيّة والأخلاقيّة والإجتماعيَّة.. فهذه القصَّةُ تُعلّمُ الطفلَ التمسُّكَ والتحلي بالفضيلةِ والأخلاق والقيم والمبادئ، وأن ينبذ ويرفضَ الشرَّ والعنفَ والحقدَ والضغينة  تجاهَ الآخرين ، وأن يكون عنصرًا هامًّا وإيجابيًّا في مجتمعهِ .  والقصّةُ تهدفُ وتدعو إلى المحبةِ والخير والسلام .. ومن خلال كل مشهد فيها تريد ان تقول للجميع : إنَّ الخير سينتصر على الشر وستسودُ أجواء المحبة والسلام والوئام رغم كيد الأشرار المغرضين الحاقدين . وإنَّ الشرَّ مَرتعهُ وَخيم .

وأخيرا : هذه القصَّةُ على مستوى عالٍ وراقٍ في كلِّ المقاييس والمفاهيم الأدبيّة والنقديّة والذوقيّة.. وتستحقُّ أن تُترجمَ إلى لغاتٍ عالمية عديدة، وأن يُكتبَ عنها الكثيرُ من المقالاتِ والدراساتِ القيِّمةِ من قبلِ نُقَّاد وأدباءٍ كبار وقديرين ومتخصِّصين ونزيهين وموضوعيين من خارج البلاد ( من الدول العربية  والأجنبية )، وليس من قبل نُوَيقِدين  مُسْتَكتبن ومأجورين محليين عليهم مليون علامة سؤال في صددِ نقائهم الوطني والإنساني وفي مستواهم الثقافي والأدبي وقدراتهم الكتابية، وهم بعيدون كلَّ البُعدِ عن النقد الأدبي الحقيقي والموضوعي الهادف والراقي . (( لا يوجدُ عندنا نقادٌ على الصعيد المحلي صادقون ونزيهون وَمُتمَكّنون من أدواتهِم النقديةِ والكتابيةِ سوى إثنين أو ثلاثة فقط  وللأسف ).  ويجب أن يكون هذا الكتابُ النفيس والقيّم (الظبي المسحور) موجودا في كلِّ مكتبةٍ وبيت .

   وفي النهايةِ أهَنِّئُ الزميلةَ الكاتبةَ والشاعرةَ القديرة والمبدعةَ والمتألقة دائما " زينا الفاهوم" على هذا الإصدار القيم والراقي...ونتمنَّى لها جميعا  العُمرَ المديدَ والمزيدَ من الإصداراتِ الأدبيةِ الإبداعيَةِ الراقيّة .


   

 


 

 

 

 

 

 

 

 

 

  

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

- إستعراضٌ لقصَّةٍ للأطفالِ بعنوان : ( أصدقاءٌ بعدَ عداءٍ ) للكاتبةِ والشَّاعرةِ " ليلى ذياب " - ( بقلم : الدكتور حاتم جوعيه - المغار - الجليل )

 

    

- إستعراضٌ لقصَّةٍ  للأطفالِ  بعنوان : ( أصدقاءٌ بعدَ عداءٍ ) للكاتبةِ  والشَّاعرةِ " ليلى ذياب  "  -

( بقلم : الدكتور  حاتم جوعيه  - المغار - الجليل   )

 


 


مقدمة :  الكاتبةُ والشَّاعرةُ ( ليلى مصطفى ذياب ) من سكانِ مدينة طمرة - قضاء عكا ، أنهت دراستهَا  الثانويَّة  وبعدها  درست موضوع التربية في كليَّة عكا .. عملت مربية أطفال لفترة 25 سنة حتى خروحها للتقاعد . وهي شاعرة وأديبة مبدعة تكتبُ الشعرَ والمقالات المتنوِّعة وقصص الأطفال منذ  أكثر من ثلاثين سنة  وصدرَ لها العديدُ من الكتبِ الأدبية، ونشرت قسما من نتاجها ، وخاصة قصائدها الشعريَّة  في مختلف وسائل الإعلام المحليَّة ... وسأتناولُ في هذه المقالة كتابا من إصداراتها ، وهو قصة للأطفال بعنوان : ( أصدقاء بعد عداء ) كاستعراض وتحليل .

 

مدخل :    يقعُ هذا الكتابُ  في 22 صفحة من الحجم الكبير- من إصدار ( دار الهدى م ض .ع . زحالقة- ك فر قرع، راجعهُ ودققهُ لغويًّا  البروفيسور لطفي منصور- مدير كلية بيرل سابقا. ووضعَ رسومات الكتاب المعبرة والمُواكبة  لأحداثِ القصَّةِ الفنانةُ التشكيليَّة ( رباب زحالقة مسلماني ) .

   تتحدَّثُ القصَّةُ  عن فتاةٍ صغيرة اسمها ( زينه ) تعيشُ مع والديها في بيت صغير وجميل  يوجدُ خلفهُ ساحةٌ  تحيط  بها أشجارُ التين والزيتون من  كلِّ جانب، وكان  أهلُ  البيتِ  يستظلُّون  تحت هذه  الأشجار في  فصلِ الصيف الحار ويتمتّعون بثمارها ( التين والزيتون ). وقد بنى والدُ زينة خلفَ  الدار

كوخا من  جذوع  الأشجار وبقايا  الحطب  وجعلهُ  مأوى  وبيتا  لحمل زينه ( الخروف الصغير ) الوديع  والأليف ، وقد فرحت زينة كثيرا  بما  قام  به  والدُهَا ( ببنائه هذا الكوخ )  .. وكان هذا الحملُ  يشغلُ  ويحتلُّ كلَّ  تفكيرِها  ووقتها ، وكانت تقومُ  بإطعامهِ والإعتناءِ به ، فتضعُ  لهُ الشَّعيرَ والماءَ  كلَّ صباح،وبعد رجوعِها من المدرسة كانت تقضي وقتا لا بأس به تحت شجرة الزيتون مع  الحمل  تلاعبهُ  وتلاطفهُ  .  وحدثَ في أحدِ الأيام أنَّ  ولدأ شقيًّا ومشاغبًا  جاءَ مع كلبهِ الشّرير وهاجما الكوخ ، وقد  تفاجأت وصدمت زينةُ  بهذا المشهد العنيف والمفاجىء وقامت،بدورها، برجم الولدِ والكلب بالحجارة   ، وكانت تصرخُ بأعلى  صوتها  تطلبُ المساعدة ، وقد  تمكّنَ الولدُ مع كلبهِ من هدم كوخ  زينه  الذي كان  مأوًى  للحمل الوديع، وقد أعادت زينة  بناءَ  الكوخ من جديد بعد أن ذهبا  وغادرا المكان ( الولد الشقي وكلبه).. وحزنت  زينةُ بسبب الأذى  والخراب الذي  لحقَ  بالحمل البريىء  والمسكين .. وفي اليوم التالي أعادَ الولدُ الشقيُّ  مع كلبهِ الشرس الكرَّةَ  ونجحَا في هدمِ  الكوخ مرةً أخرى،وقد أخرج الولدُ الحَملَ من الكوخ، والكلب كشِّرَ عن أنيابهِ وأخذ يلاحقُ زينة،وبالرغم من شجاعتها وقوةِ شخصيَّتِها خافت في نهايةِ المطاف    ولم تتمكنْ من طردِ الكلب  والطفلِ الشقيّ .. وركضَ الكلبُ  نحوَ  زينة  ولم يُجْدِهَا وينفعْهَا صراخُهَا المتواصل فهربت بخوف وفزع  دون أن تدري إلى أيَّة جهة  تتَّجهُ وتلجأ . وعندما  كانت  تركضُ والكلبُ  يجري خلفها بسرعة  رآها رجلٌ  كان قريبا من المكان  فخلصهَا من ملاحقةِ الكلب الشرس، وبعد أن استرجعت  قواها  وتبدَّدَ  خوفها عَرَّفت  الرجلَ  بنفسها  وحدثتهُ  قصتها بكاملها  وما حدث لها .. فأخذ الرجلُ  بيدِ  زينة  وأوصلهَا إلى بيتها  وروى لوالديها ما حدث بالتفصيل ثم ذهبوا جميعا إلى مكان الكوخ المهدّم ولم يروا الحملَ هناك، وَدُهشوا جميعا ..ومما زادَ دهشتهم واستغرابهم  هو أنهم  رأوا الكلبَ الشرسَ مربوطا  بجذع  الشجرة .. ورغم  حزن زينة الشديد  لضياع حملها الوديع  واختفائه فقد حَنَّت وتأثَّرت لوضع الكلب الذي كان ينبحُ  نباحا متقطعا من شدة الجوع  والخوف .. فقامت بدورها  بتقديمِ الطعام  والماء له ، وأصبحت فيما بعد تقدِّمُ  لهُ الطعامَ والماء  كل صباح  بحذر وانتباه  شديد ، وبشكل تدريجي  ويومي  بدأ الكلبُ يعتادُ عليها  ويألفها أكثرَ وأكثر.. ومع مرورالزمن أصبحت زينةُ تقتربُ من الكلبِ وتداعبُهُ وتلاطفهُ حتى اعتادت عليه  واعتادَ عليها ..وخرجت زينةُ مع هذا  الكلب - الصديق  الجديد - ذات يوم  يلعبان  ويركضان .. هو يركضُ وهي تعدو وراءَهُ ، وكلما  كان الكلبُ  يدخلُ مكانا  كانت زينةُ  تدخلُ  وراءَهُ إلى أن وصلَ بيتا ودخلت زينةُ  خلفهُ  فذهلت كثيرا لأنها رأت الحملَ الضائعَ  والمختفي موجودا هناك ، فأسرعت زينةُ  إلى بيتها  وحملت البشرى السَّارَّة لوالديها .. وقالت لهما : عاد الحملُ  والفضلُ يعودُ للكلب، وكانت الفرحةُ كبيرة لا توصف في البيت، وبدأت الأمُّ  بتنظيفِ الساحة.. والأبُ قام ببناء الكوخ من جديد .. ولأجل  ألاَّ  يتكرَّر ذلك المسلسلُ  والسيناريو الذي حدث مع الحمل سابقا وخراب الكوخ أقام  ورفعَ الأبُ جدارا عاليا حولَ البيتِ والساحة، وألقت زينةُ نظرَها نحو الباب فرأت الكلب  ـ  وركضت  نحوه  بلهفةٍ  وشوقٍ  واحتضنتهُ وأدخلتهُ  إلى الساحةِ ، وجعلت  له مكانا  بجانبِ الحمل ، ومن يومها أصبحَ هذا الكلبُ هو  والحمل صديقين حميمين، والكلب يحرس البيت  وزينةُ والحملُ يشعران  بالأمان والاطمئنان .. وتنتهي القصَّةُ هذه النهاية الجميلة  والسعيدة  والبريئة التي  تدخلُ الفرحة والبهجة والاطمئنان إلى قلب كل طفل يقرأها .

 

تحليلُ القصَّة :  تُعتبرُ هذه القصَّةُ  ناجحةً للأطفال  من جميع  المقاييس  والأسس النقديَّة ، وتمتازُ  بلغتِها  الجميلةِ  والسَّلسةِ  والسهلةِ  وغير  المعقدة والمفهومة للصغار وسَيتذوَّقُهَا الطفل  ويفهمُهَا  ويتجاوبُ مع أحداثها بتلقايَّة وبشكل بديهي ..ولقد كُتِبَتِ القصةُ وَنُسِجَتْ بطابع وأسلوب شائق وَمُخَصَّص للطفل - في جميع مراحل وأدوار  الطفولة -  حيث تجذبهُ وتشدُّهُ لقراءتِها أو للاستماع إليها ، ولهذه القصَّة أهداف وأبعاد هامَّة ، وهي :

1 -  العنصر الترفيهي  وطابع التشويق :  

      إنَّ كلَّ شخص يقرأ هذه القصَّة أو يستمعُ إليها سيكون هذا بشغفٍ وحبٍّ

وتمتّع وانسجام  سواء كان كبيرا أو صغيرا، وهذا الجانب أساسيٌّ وهامٌّ  في قصص الأطفال، وبدونه تفقدُ قصصُ الأطفال  جوهرَهَا ورسالتهَا الأساسيَّة وهو تسلية الطفل وترفيهه، ويأتي الجانبُ الترفيهي  في المكان الأول للطفل ويفضَّلُ قبل التثقيف والتهذيب والتعليم، لأنَّ الطفلَ تكونُ شخصيتهُ ومفاهيمُهُ  وعقليَّته غير متطوِّرة ومتبلورة  بعد ،وعوالمُهُ وخيالهُ وأجواؤهُ هي الوداعة  والبساطة والبراءة ُ، وهو بحاجة إلى  جوٍّ  ترفيهيٍّ  وإلى كلِّ  فكر أو عمل  أو لعب  يدخلُ إلى نفسه وقلبهِ  البهجة  والغبطة والسرور .  والكاتبةُ  تُدخلُ الحيوانات الأليفة  في القصَّة ( الحمل والكلب ) التي  يحبُّها الطفلُ  بتلقائيَّة ، ويتمنى كلُّ طفل  صغير أن يكونَ عنده  كلب  أو  قط  أليف  وحمل  صغير وديع  يلاعبهُ .

2 -  عنصرُ التعليم والتثقيف والإرشاد

      تُعَلّمُ هذه القصةُ الكثيرَ من الأشياءِ، فمثلا : تعطي فكرةً للطفلِ عن عالم ونهج حياةِ بعض الحيوانات ، كالحمل والكلب .. فالحملُ دائما وديعٌ  ومسالمٌ وأليفٌ، وأما الكلاب فمنها الأليف ومنها الشرس والعدواني، ولكن  بالإمكان  ترويض  وتدجين الكلاب الشرسة والعنيفة  لتُصبحَ  أليفة  ووديعة  وصديقة للإنسان .  وتعطي القصَّةُ  فكرةً  للطفل عن  كيفيَّةِ  بناء  الكوخ الصغير من جذوع الأشجار وبقايا للحطب .

3- الجانبُ الإنساني والاجتماعي والسلوكي :

      هذا الجانب يظهر بوضوح في نهايةِ القصة وجو الألفة والانسجام الذي يهيمنُ  على  الجميع ، ومفادُ  القصَّة  وفحواها  هو المحبَّة  والسلام  والوئام والتعايش المشترك مع كافة شرائح المجتمع ..

 

4 - عنصرُ المفاجأة

        يظهرُ هذا العنصرُ بشكل واضح عندما  ترجع الطفلةُ زينة مع الرجل  الذي حمَاها من الكلب الشرس الذي  كان  يطاردُهَا  وتروي  لأهلها  قصتها وما جرى لها، ويتفاجأ الجميعُ عندما يذهبون  لمكان الكوخ المهدم  ويجدون الكلبَ الشرس مربوطا هناك .. شيىء لا  يتوقعُهُ  القارئ ، وخاصة الطفل الصغير الذي سَيُدهشُ  ويستغربُ لهذا  المشهد  والحدث الذي سَيُحَفّزُ ويُثيرُ تفكيرَهُ  وخياله عن  سببهِ  ومن الذي  جاء بالكلب الشرس إلى مكان  الكوخ المهدم  ومسرح الصراع وقام بربطه وتقييده .

5- المواعظ  والحكم :

            تركِّزُ الكاتبةُ على موضوع  المحبَّةِ  والألفة، وأنَّ المحبَّة هي التي

ستنتصرُ في النهايةِ  وتتغلبُ على الشرِّ والقوّةِ  والبطش، ويسودُ التفاهم  في نهايةِ المطاف بين الأطراف المتنازعة إذا وجدت المحبة ُوالتعاونُ المشترك وروح المساعدة .. والقصَّةُ  تعلمُ الطفلَ  أنَّ هنالك حيوانات ممكن ترويضها وتدجينها لتصبحَ  صديقة للإنسان ولباقي الحيوانات الأليفة والوديعة كالكلب الشَّرس  مثلا ..فبإمكان الحيوانات - كما  أكّدت القصَّةُ  للطفل - أن تتصادقَ  وتتعاضدَ  وتعيش مع  بعض  بعد خلاف وشقاق مسبق...وهذا الأمر ينطبقُ على  الإنسان  أيضا.. فهنالك  أشخاصٌ  أشرار  ومخالفون  للقانون ، ولكن بالمعاملة الحسنة وبالإنسانيّة  سيلينون ويصبحون ودعاء وبسطاء ويتركون طابعَ العنف والقسوة وغلاضة القلب  والفكر العدواني.  والجديرُ بالذكر أنَّ  الكاتبة قد ذكرت  في القصَّةِ شجرَ الزيتون والتين  ولم  تذكرْ أسماءَ  أشجار أخرى . والتينُ  والزيتونُ  وردَ  ذكرهُمَا  في القرآن الكريم ، وهنالك سورة كاملة عن التين والزيتون (( والتِّين والزيتون وطور سنين  )) .

    إنَّ هذه القصَّة ( أصدقاء بعد عداء ) ليست  طويلة  بمساحتها  الجغرافية  وغير متعبة ومملة للطفل، بيْدَ أنها عريضة وواسعة في مواضيعها وأهدافها  وأبعادها الإنسانيّة والاجتماعيّة  والأخلاقية والإرشاديَّة .. ومفادُها وفحواها  وخلاصتها :  المحبّة  والتّسامح  والتعايش  المشترك  بين  جميع  الأطراف والجهات، وترمُز وتهدفُ من خلالِ  مجرى أحداثها ومشاهدها الدراميَّة إلى  التعايش السلمي  بين جميع العائلات والطوائف  وشرائح المجتمع  ( فالكلبُ الشرس والولد الشقي والحمل الصغير والبنت الصغير زينة ) كل فرد  منهم من صنف وجنس معين - وهذا رمز للأجناس والعروق والطوائف المختلفة والعائلات  وللآيديلوجيَّات  والعقائد  على  مختلف  أنواعها  وتعدُّدِها ، وأنه  بالتفاهم والمحبَّة  والألفة يتحققُ  كلُّ  شيء  ويتألّقُ مفهومُ  السلام  الحقيقي والشامل وتكون الحياة  هانئة  وسعيدة ومتكاملة  ومتناغمة  ومنسجمة  بين الجميع. وترمز الكاتبةُ بالكوخ في هذه القصّة إلى الوطن (( يعيش فيه الكلب والحمل )) ..وتأتي الطفلة زينة  وتكونُ  معظمَ الوقتِ  بجوارهما وتقدم لهما الطعامَ  والماء وتقضى معهما  وقتا  طويلا وتقومُ  بملاعبتهما وملاطفتهما.. ويكتملُ الوطنُ هنا بكلِّ أقطابه وشرائحِهِ كالفسيفساء، وهذا الوطنُ (الكوخ) يتسعُ للجميع  ويحتضنُ الجميعَ تحت جوِّ المحبةِ والتفاهم والتعاون  والإخاء .. وتعلمُ القصَّةُ الطفلَ الصغيرَ أيضا  أنَّ  الكلبَ هو صديق مخلص للإنسان  وللحيوانات الأليفة، وبالإمكان أن يُروَّضَ الكلب وَيُدَجَّنَ ويصبحَ  أليفا مهما كان شرسا وجلفا وشريرا وعدوانيًّا في البداية .

    نحن نلمسُ بعضَ الأشياءِ والعناصر  الناقصة  في مجرى أحداث القصَّة  في فصولها الأخيرة ، مثلا : لا يوجدُ ذكرٌ للولدِ الشقيِّ إطلاقا  الذي جاءَ مع كلبهِ الشرس أكثرَ من مرة وقاما بتخريب الكوخ الذي يسكنُ فيه حَمَلُ الطفلة زينة الوديع .. وإنما ترجعُ  الطفلةُ  زينة  مع الرجل الذي  حمَاها  من الكلب  وتروي قصتها لوالديها ويذهبان إلى مكانِ الكوخ المُهَدَّم  ويتفاجأ الجميعُ من وجودِ الكلب الشرس مربوطا .. ولم تذكر الكاتبةُ كيف وصلَ الكلبُ إلى هذا المكان مرة أخرى ومن الذي  قام بربطه وتقييدهِ..(هنا يوجد عنصر المفاجأة للقارئ)، ولكن بالإمكان أن تضيفَ وتردفَ الكاتبةُ إلى هذا المشهد الدرامي الغريب والمستهجن السَّببَ الذي جعلَ الكلب مربوطا في حيِز الكوخ المهدم .. ومن الذي أتى به إلى هذا المكان وقام بربطهِ .وكان بإمكان الكاتبةِ  أيضا أن  تدخلَ  شخصية  الولد  الشقي  في نهايةِ القصةِ  كتكاملٍ  وتتمَّةٍ  لمجرى الأحداث، وأن  ترسمَ له مصيرًا  ونهايةً جميلة  كمصير الكلب الشرس الذي أصبح في النهاية صديقا حميما لزينة وللحمل، ولكي تدخلَ القصَّةُ الاطمئنانَ والراحة النفسيَّة الكاملة  والبهجة  والاستقرارَ للطفل...وكما أنها لم تذكر أيَّ شيء عن أهل الولد الشقي وكيف قام  بهذا العمل التخريبي  والعدواني  مع كلبهِ الشَّرس ( هدم الكوخ )  وما هو الدافع والحافز  الذي جعلهُ  يقومُ  بمثل هذا التصرف، وهل أهله كان  يعلمون  بهذا أم لا في البداية ، وبعد  أن هدمَ الكوخ مرَّتين وتمَّ ربط وتقييد  الكلب في نهاية المطاف  كعقاب له ماذا  كان  موقفهم  وردة  فعلهم  لتَصَرُّفِ ابنهم  الشقي هذا...ولماذا حُذفَ واختفى كليًّا  من  مجرى أحداث  القصَّة .. وبديهيًّا  ستكونُ  ردةُ  فعلِهم  استكارا وتوبيخا لولدهم ، ومن المفروض أن يأخذ الطفلُ الشقيُّ  جزاءَهُ  العادلَ  من أهله  أو غيرهم  حتى لو كان عقابا بسيطا أو توبيخا ..ولكي تُدخِلَ القصةُ  الاطمئنان  الكبير والراحة النفسية  والبهجة والحُبورَ للطفل .

 

    وتنتهي القصَّةُ رغم بعض الأشياء  والعناصر الناقصة والمبتورة (حسب رأي) -  في نسيجهَا  وَمجرى احداثِهَا -  نهايةً  سعيدةً وجميلة  تدخلُ البهجة والغبطة والمتعة والسُّرورَ والاطمئنانَ إلى قلب الطفل . 

 

 

إستعرَاضٌ لقصَّة "غَادِي الصَّغير والشَّمس"- للأطفال - للكاتبة : "جاكلين حداد " – - بقلم : الدكتور حاتم جوعيه - المغار - الجليل -

 

 

-  إستعرَاضٌ لقصَّة "غَادِي الصَّغير والشَّمس"- للأطفال - للكاتبة : "جاكلين حداد " –

  -   بقلم : الدكتور حاتم جوعيه - المغار - الجليل -

 

 


 


مُقدِّمةٌ :   قصةُ "غادي الصَّغير والشمس" للأطفال بقلم : الكاتبة والشاعرة جاكلين حداد من قرية الجش - الجليل الأعلى- تقع في 24 صفحة من الحجم الكبير، إصدار: دارالهدى للطباعةِ والنشر كريم، رسومات: الفنان التشكيلي لؤي دوخي .   وتهدي الكاتبة هذه القصّةَ إلى كلَّ طفلٍ ينبشُ الدنيا حوله لإكتشافها على طريقتهِ..إلى الأهالي كنقطة استدلال على طريق التربية .

 

مدخل :   تتحدّّثُ القصَّةُ عن طفلٍ إسمه غادي، وهوالطفل الصغير المُدَلَّلُ في العائلةِ، والجميعُ يهتمُّ ويعتني بهِ من أفراد العائلة. وهو دائما مُجتهدٌ جدا بدروسِهِ، وعنده كلبٌ في البيت ويُحبُّ ملاعبة كلبِهِ.

    ومن هواياتِهِ المُحبَّذةِ مُراقبة الشَّمس ساعات الأصيل ( أوقات الغروب ) وبالرغمِ من معرفتهِ وإدراكهِ وكما يُشاهد ويرى دائما انَّ الشمسَ ثابتة في مكانِها لا تتحرَّكُ، ولكن كان دائما يتساءَلُ باستغراب : كيف أنَّ الشَّمسَ تذهبُ وتختفي وراءَ التلّةِ كلَّ مساء.  وغادي كان يشعرُ دائما أنه وحيدٌ .

    وفي أحدِ الأيامِ ذهبَ إلى الكروم كي يقطف ويجلبَ ثمارَ التين الناضجة، وفي الطريقِ إلى الكرم يلتقي ببعضِ الأصدقاءِ وهم يلعبون، ويدعونوهُ بدورهم لمشاركتهم في اللعبِ، فيُلبَّى طلبَهم ويكون سعيدا جدا مع أصدقائِهِ. وبعد قليل يتركُهُم ويتابعُ مشوارَهُ وسيرَهُ نحو الكرم لكي يقطفَ ثمارَ التينِ للعائلةِ ، وهنالك يملأ السَّلةَ  بثمارِ التينِ الناضجةِ والشهيّة .  ويخرجُ بعدها ليرى الشَّمسَ ويراقبَها أثناءَ الغروب، ولكن يُحسُّ برغبةٍ جامحةٍ وبدافع قويٍّ مجهول يحُثُّهُ للِّحاقِ بها. وكان يُحسُّ ويشعرُ بحسِهِ وببراءتهِِ الطفوليَّةِ أنه سوفَ  يُمسكُ بها في كلِّ لحظةٍ لأنها ثابةٌ في مكانِها . ولكن عندما ينظرُ إليها يراها أنها ما زالت بعيدةَ المنال... ثمَّ تبدأ الشمسُ بالإختفاءِ بعيدا بعيدا وراءَ التلال .

 

تحليلُ القصَّةِ :   هذه القصّةُ كُتِبَت بأسلوب سرديٍّ بحت ولا يوجدُ فيها عنصرُ الحوار( ديالوج ) بين الأبطالِ والشَّخصيَّات في القصَّة، والطفل غادي هنا هو بطلُ القصَّةِ ومحورُهَا الأساسي، ولا يوجدُ أسماءٌ لشحصيّاتٍ أخرى غيره في هذه القصَّة، مع انَّ الكاتبةَ ذكرتْ أصدقاءَهُ الذين كانوا يلعبون وطلبوا منه مشاركتهم في اللعب، ولم تذكرْ إسمَ أحدٍ من هؤلاء الأصدقاء. وذكرت عائلته أيضا في بدايةِ القصّة وأنهم يحبُّونه كثيرا ومن دون ذكر إسمٍ لأيِّ شخصٍ من أفرادِ العائلة ( الأخوة والاخوات ) ولم يرد ذكرُ أبيهِ وأمِّهِ، وأنه مجتهدٌ في دروسه كثيرا .

   وبالطبع  هذه القصَّةُ جميلةٌ  وسلسة ومفهومةٌ وواضحة وتُعتبرُ مزيحا بين العنصر الفنتازي الخيالي والعنصر والجانب الواقعي.

   ومما يُميِّزُ هذه القصَّة أنها قصيرةٌ جدا وَجُمَلُهَا قصيرة . ففي كلِّ صفحةٍ  نجدُ جملة واحدةً فقط مكوَّنة من عدَّةِ كلمات ومع  رسمةٍ ولوحةٍ جميلة تُعبِّرُ عن موضوع وفحوى هذه الجملة أو العبارة .لأن معظم قصص الأطفال إن لم يكن جميعها نجدُ كلَّ صفحةٍ فيها تحتوي على عدةِ جملٍ وتتحدَّثُ عن  موضوع ومشهدٍ مُعيَّن أو أكثر مع لوحة ورَسمةٍ مُعبِّرة للموضوع والمشهد  ، وليست الصفحةُ مكونةً من كلمتين أو ثلاثة فقط  وتغطي الصَّفحةَ  بأكملِهَا لوحةٌ تعكسُ وتُجسِّدُ الموضوعَ أوالمشهدَ كما في هذه القصة.  والجديرُ بالذكر أن مفادَ وموضوع هذه القصة والرسالة والهدف الهام المُوَجَّه من خلال تأليفِهَا  هو : ( الرسومات في أدب الأطفال). فالقصَّةُ هي وظيفةٌ وأطروحةٌ جامعية  تتحدَّثُ عن الرسوماتِ في أدبِ الاطفالِ وتعتمدُ على الرسومات وليسَ على النصّ، وتقرأ من خلال الرسومات أكثر من الكلمات.

 

    ولهذهِ  القصةِ القصيرةِ والعريضةِ عدّةُ أهدافٍ وأبعادٍ  جوهريّة، وهي :

1 – البعدُ الفلسفي:

2 – البعد الاجتماعي

3 – الجانب النفسي

4– الطابعُ الترفيهي

5 - العنصرُ الفانتازي الخيالي .

6 - البعدُ الإنسانيِّ وغيرها .

    والشمسُ هنا في القصَّة قد تشيرُ وترمزُ إلى عدَّةِ أشياءٍ وأمور، ومنها : الأملُ والهدف السامي المنشود الذي يريد إخفاءَهُ ولا يبوحُ به الشخصُ الطموحُ والمثابرُ الذي لا يعرفُ اليأسَ أو الملل . والوصول إلى هذا الهدفِ المنشودِ يكونُ صعبًا وبعيدَ المنال كانَّهُ يركضُ وراء خيطٍ من سراب .

  والشمسُ أيضا ترمزُ إلى الإيمان والطهارةِ والنقاء وإلى الشموخ والكبرياء وإلى الحُرّيّةِ والإستقلالِ والتحرُّرمن التبعيَّة، وإلى كلِّ شيءٍ إيجابي وجميل في الحياة .

  وتُدخلُ الكاتبةُ شخصيّة الكلب ( حيوان)  الذي يُحبُّهُ الطفلُ غادي كثيرا وَيُحبُّ أن يلعبَ معهُ دائما. والكلبُ صديقٌ وفيٌّ  للإنسانِ، والاطفالُ الصغار بطبيعتِهم يحبُّون الحيوانات الأليفة وبالذات الكلب . ووجود هذا العُنصرِ في القصَّة ( الحيوان الأليف - الكلب) يُحَفِّزٌ ويجذبُ الطفلَ للإستماَع إلى القصَّةِ أو قراءتها بشكلٍ متواصلٍ دونما انقطاع.

  والقصَّةُ يُترِعُهَا جوُّ الوداعةِ والمحبَّةِ والجمالِ والتفاؤُلِ من بدايتها إلى النهايةِ.   تبداُ القصَّةُ بالطفلِ غادي ومحبة أهلِهِ لهُ والجو العائلي الوديع والسليم  والجميل، وحب غادي لكلبهِ وعلاقته الحميمة مع أصدقائِهِ الذين يحبُّونهُ ويحترمونهُ كثيرا ويطلبون منهُ أن يُرافقهم ويشاركَهم في اللعبِ معهم .ونجد في القصَّة ذكرَ الطبيعة والكروم وقطف ثمار التين، والتين يرمزُ إلى الكثيرِمن الأشياءِ والأمور الهامَّةِ ، وهو من الأشجارِالأصيلةِ والمُباركةِ الموجودةِ في بلادنا منذ القدم كأشجارالزيتون . وقد وردَ  ذكرُهُما في القرآن الكريم ( والتينِ والزيتونِ وطور سنين). وقريةُ "الجِش" - مسقطُ رأسِ الكاتبة جاكلين حداد - والتي تقع  شمال البلاد وفي منظقةِ الجليل الأعلى مشهورةُ بكرومِ التين منذ زمنٍ طول .

       وتنتهي القصّةُ بمراقبةِ الطفلِ غادي للشَّمسِ وهي تغربُ، ويحاولُ          ، بدورِهِ، وبفكرِهِ البريءِ والساذج أن يُمسِكَ بها، ولكن هيهات هيهات .  وتنتهي القصَّة هذه النهاية شبه المفتوحة والتي تحملُ بُعدا نفسيًّا وفلسفيًّا .

 

الخاتمةُ :  القصَّةُ جميلةٌ ومُوفّقةٌ  كقصِّةٍ مُخصَّصَةٍ وَمُوَجَّهةٍ للأطفال  ولجميع مراحل الطفولةِ، ومفادُهَا وفحواها إيجابيٌّ هادفُ وبنَّاء، وَتُعلِّمُ الطفلَ أشياءً وأمورًا عديدة إيجابيَّة : كالمَحبّةِ بمفهومِهَا الإنساني الشامل، مَحَبّة الأهل والعائلة والأصدقاء والناس. وَتُعلّمُ الطفلَ  حُبَّ العملِ والحيويّة والنشاط ( ذهاب الطفل غادي للكروم والحقول ومشاركة أصدقائهِ في اللعب، وقطف ثمارالتين وجمعها في السلَّة وإيصالِها لأهلِهِ ). وَتُعلمّ الطفلَ أيضا حُبَّ الأرضِ والطبيعة ومناظر ومفاتن الطبيعة الخلَّابة . وهذه القصَّةُ بالإضافةِ إلى العنصرِالتعليمي والإنساني والفانتازي هي تحوي الجانبَ الترفيهي المُسلّي والهام جدا للطفل، لأن كلَّ قصَّة تُكتب للطفلِ إذا لم يكُن فيها الجانبُ الترفيهي والطابع المُسلِّي الذي يُدخلُ البهجةَ والسَّعادةَ والسرور للطفل الصَّغير تُعتبرُ قصَّةً مبتورة وناقصة وغير ناجحة، لأنَّ أهم شيىء يجب أن نقدّمَهُ أوَّلا للطفلِ الصغير هو ترفيهه وإسعاده، وبعدها تعليمه وتثقيفه .

       وأريدُ الإشارةَ هنا أنَّ الكاتبةَ جاكلين حداد درستْ موضوعَ علم النفس وحاصلة على اللقب الثاني ( M.A ) في هذا الموضوع، وتعرفُ نفسيَّةَ الطفلِ جيدا وما هي أفكاره وتطلّعاتهُ، والأشياء التي تنفعُهُ وتُفيدُهُ أو التي  تُسيءُ إليهِ وتضرُّهُ، وما هي الأشياء التي  تنقُصُهُ وهو بحاجةٍ إليها في حياتِهِ .

وأخيرا:     نُهَنِّئُ الشاعرةَ والكاتبةَ القديرةَ الزميلة جاكلين حداد على هذه القصَّةِ الجميلةِ والمُمَيَّزةِ للأطفالِ، ونتمنَّى لها النَّجاحَ والتَّألُّقَ الكبير في عالم الكتابةِ، وأن تُتحِفَنا دائما بالمزيدِ من الإصدارات الأدبية والشعرية الإبداعيّة الجديدة.      وأضيفُ أيضا : إنَّ هذه القصة من أجمل وأحسنِ القصصِ التي كُتبَِتْ للأطفالِ محليًّا وتستحقُّ أن تُتَرجمَ للعديدِ من اللغات العالميّة، وأن يُكتَبَ عنها العديدُ من المقالاتِ والدراساتِ النقديةِ، وتدُرَّسَ وتُعَلَّمَ للأطفالِ ، وتكون موجودةً  في كلِّ مكتبةٍ وفي كلِّ بيتٍ لأهميَّتِها ولمستواها وقيمتها: الأدبيَّة والفنية والتربويّة.

 

 

 

-  بقلم : الدكتور حاتم جوعيه -  المغار -  الجليل -

 

 

 

 

  

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

إستعراض لقصَّة " خلدون وشجرة الزيتون " للأطفال - للكاتبة : نزهة أبو غوش " - - بقلم : الدكتور حاتم جوعيه - المغار - الجليل -

 

إستعراض  لقصَّة  " خلدون وشجرة الزيتون "  للأطفال - للكاتبة : نزهة أبو غوش "  -

-  بقلم : الدكتور حاتم جوعيه  - المغار - الجليل  -

 

 


 


مقدمة :    الشاعرةُ والكاتبةُ والناقدة والروائيَّة نزهة أبو غوش من سكان قرية أبوغوش التي تقعُ  قربَ مدينة القدس، وكانت تُعرَفُ هذه القرية باسم (أم الكروم ) قبل عام 1948 .   عملتْ نزهةُ في سلكِ التعليم فترةً طويلة وخرحت للتقاعد مُؤخّرا.  وهي تكتبُ الشعرَ والخواطرَ والدراسات النَّقديَّة والروايةَ والقصَّة، وخاصة قصص الأطفال، وأبدَعتْ وتألقت في جميعِ المجالاتِ والأنماط الادبيَّة. وفي مجال النقد لقد كتبتْ عدة مقالات ودراسات لمجموعةِ قصائد شعريّة  لي كانت قد نالتْ إعجابَها .

           وسأتناولُ في مقالتي هذه قصََّةً لها للأطفالِ، بعنوان:( جدّي خلدون وَشجرَة الزيتون" مع الإستعراض والتحليل.

 

مدخل :  تقعُ هذه القصَّةُ في 24 صفحة من الحجم الكبير، تاليف الكاتبة نزهة أبو غوش ، رسومات إليزابيث محاميد، إصدار: دار الهدى للطباعة والنشر كريم .

       كُتبتْ هذه القصَّة بأسلوب وطابع شعريٍّ جميلٍ ورشيق، وبلغةٍ فصحى سهلةٍ ومُبسَّطةٍ وسلسة ومَفهومةٍ للطفلِ الصغير، ونجدُ فيها الإلتزامَ والتقيُّد في القوافي في نهايةِ كلِّ بيتٍ أو جملة شعريّة .

        تتحدَّثُ القصَّةُ عن الجدِّ ( خلدون ) بطل القصة الذي يعيشُ مع عائلتهِ المُكوَّنةِ من الزوجةِ والأولاد والاحفادِ بسعادةٍ وهناء وهداةِ  بال . وهذا الجدُّ يُحبُِّ الأرضَ والزراعة،وخاصَّة زراعة أشجارالزيتون المباركة التي ترمزُ دائما إلى البقاءِ والثبات والصمودِ والتشبُّث بترابِ الوطن والتصدَّي للظروفِ القاهرة ونوائبِ الزمن، وشجر الزيتون يرمزُ أيضا إلى الوطن.            ..لقد زرعَ هذا الجدُّ الطيِّبُ شجرةَ زيتونٍ صغيرة وسط البستان ونمت وكبرت هذه الشجرةُ، وبعد عدةِ سنوات أصبحت شجرةً كبيرةً وبدأت تثمرُ بغزارةٍ.  وكانَ الجدُّ  يستعينُ بأولادهِ وأحفاده لقطفِ ثمارِ شجرةِ الزيتون التي كلّ سنة كانت تأتي بغلال كبير.  وكانت تقطفُ الثمارُ في موسمها ، وقبل أن تتحوَّلَ ثمارُ الزيتون جميعها إلى اللون الأسمر، بل كانت مزيجا من ثمار خضراء وسمراء.   وبعد قطف الثمار وجمعها  يأخذونها إلى المعصرة  لإستخراج الزيت الخالص منها . وكان الجدُّ يفرحُ ويبتسمُ كثيرا عندما يرى أنَّ ثمار شجرة الزيتون بعد عمليَّة الدَّرس والعَصْر تخرجُ منها كميَّةٌ كبيرةٌ من الزيوت.. ( أي أن نسبة القطعيَّة كبيرة جدا ).

   وتتحدَّثُ الكاتبةُ من خلالِ القصَّةِ عن أهميَّة الزيت الصافي وفوائدهِ، وأنه ضروريٌّ وحيويٌ مع كلِّ وجبةِ طعام .  وعندما كان الجدُّ جالسا مع العائلةِ على مائدةِ الطعام ( تتحدَّثُ الكاتبةُ في هذا المشهد على لسان الجد قائلا ):   أين صحنُ الزيتون.. أأتوني به! في الحال.. فتسرع الجدَّةُ بدون سؤال وبيديها صحن الزيتون، فتلمعُ عينا الجدِّ في الحال وتبدو ملامحُ الرّضى على وجهِ الجد، ويُمَسِّجُ شاربَهُ ويقول : ( يا سلام ما أشهى الطعام ).  وتنتقلُ الكاتبةُ في الحديثِ على لسان الأحفاد وبشكل تلقائيّ من دون مقدمات : ( لقد فهمناك يا جدِّي) ليست مسألة تحدٍّ  لانَّ ربَّ العالمين، اقسمَ بالزيتون والتين وطور سنين وهذا البلد الأمين – ( الأآية القرآنية ) .

       وبعد الإنتهاءِ من تناولِ الطعام طلبَ الجدُّ فلقةَ ( قطعة) صابون ليغسلَ يديه  فناولهُ الأحفاد صابونا معطرا من كلِّ شيىء ومن كلِّ لونٍ، فعبسَ الجدُّ

وغمغمَ  ثمَّ قال : إنهُ لا يرضى بديلا عن صابون الزيت الصافي . وبزيت الزيتون دلكَ ومسَّجَ الجدُّ  رجليهِ قبل أن يذهبَ إلى النومِ، وبشكل مباشر وتلقائي تلاشت واختفت كلُّ الاوجاع  ومعها ضاعت كلُّ الهموم - على حدِّ تعبير الكاتبة . وفعلتْ وعملت الجدّةُ زوجتهُ مثله بالضبط  فاختفت كلُّ الآلام والتسنّجات .   وبعد هذا المشهد تنتقلُ الكاتبةُ إلى نهايةِ القصَّة بهذه الجمل والتعابيرالشعرية ( صفحة 22 ) :

( تعالوا     نهتفْ    ونقولْ :  \\  يا رَبِّي  عَمِّرْ  هالكَوْنْ

وامْلأْهُ    بشَجرِ   الزيتونْ   \\

وأَعْطِ    الصّحَّة    والقُوَّةْ   \\   لحبيبنا،   جدَّي   خادونْ // ) .

 

تحليلُ القصَّةِ :   نُسحَتْ هذه القصَّةُ  القصيرةُ  للاطفالِ بأسلوب وطابع سرديٍٍّ وعلى لسان المُؤلّفةِ، وهنالك بعض الجمل جاءَتْ على لسان بطل القصَّة ومحورها المركزي ( الجدُّ خلدون ) . ولكن لا يوجدُ عنصرُ الحوار ( ديالوج ) بين الشخصيات في القصَّة .

    تستهلُّ وتبدأ الكاتبةُ نزهة أبو غوش قصَّتها المسبوكة والمنسوجة بالطابع الشعري  بهذه الجمل الشعريَّة وعلى نمط ونهج الحكايات والقصص القديمة المَرويَّة (  صفحة 2 )  :

(( كان يا مكان في كلِّ عصرٍ وَأوَانْ \\ شجرةٌ  صغيرةٌ  وَسَطَ  البُستانْ

 تُدْعَى        شحرَةُ        الزيتونْ،   \\  زرَعَها     جدِّي      خلدُونْ  \\ ).

  قالت الكاتبةُ هنا (  في كلِّ عثر وأوان ) ولم تقُلْ في سالفِ العصرِ والأوأن  - كما هو مُتَّبع ومعروف في كل القصص والحكايات القديمة، وخاصة الشعبيَّة .  فعلت هذا لأنها تتحدثُ عن شجرةِ الزيتون التي هي رمزُ للبقاء  والإستمرار والصمود والتصدِّي لنوائبِ الدهر قديما وحديثا (في كلِّ عصر وزمانٍ وأوان ) . وشجرُ الزيتون هو شاهدٌ حيٌّ  ودامغ وإثباتٌ على وجودِنا في الماضي والحاضر كفلسطينيين- السكان الأصليين - في هذه البلاد. وكلُّ  بلدةٍ أو قريةٍ مُهجَّرةٍ  دُمِّرت  وَنُسفت بيوتُها نجدُ بجوارها أشجار الزيتون  بالإضافة إلى أشجارِ الصَّبَّار والتين، وجميعُها تشيرُ وتؤكّدُ على حضورنا   وعلى جودنا وتاريخنا، وأننا أهلُ هذه البلاد وسكانها الأصليُّون رغم وسائل التهجير والتشريد وكل محاولاتِ طمس المعالم والتاريخ والرقي الحضاري العظيم  لشعبنا في شتى المجالات والميادين قبل عام النكبة ( 1948 ).

  تتحدَّثُ الكاتبةُ في قصَّتِها  كيفَ زرعَ الجدُّ خلدون شجرةَ الزيتون واعْتَنى بها كثيرا كأنها ولدا من أولادِهِ . وكبرتْ هذه الشجرةُ بعد سنوات وبدأت تعطي ثمارا كثيرة .  وفي كلِّ سنةٍ كانت تُقطفُ وتُجمعُ هذه الثمارُ في موسِمِهَا ، ويقوم بقطفها وجمعِها جميعُ أفرادِ العائلة (الجد والجدة والأولاد  والأحفاد )، وأحيانا بمساعدة ِبعضِ الجيران والأصدقاء .  وكانت تُقطَفُ الثمارُ قبل أن تتحوّلَ جميعها إلى اللونِ الأسمر الغامقِ، فتكونُ مزيجا من ثمار خضراء وسمراء ( والجديرُ بالذكر أن الزيت الذي يخرج من الثمار الخضراء والسوداء بعد عملية العصر في المعصرة  يكون نفس الكميَّة ) .  وبعد جمع ثمارِ الزيتون يأخذونها إلى المعصرةِ ، وهنالك تتمُّ عمليّّة درسِها ( هَرسِها وطحنِها ) وإخراج الزيت الصافي منها .     وكانت هذه الشجرةُ مباركةً، وثمارها تنتجُ  كمية كبيرة ووافرة من الزيت .( طبعا ليست جميع أشجار الزيتون تنتج نفس كمية الزيت - وحسب نوع الشجرة ونوع المنطقة والأرض وجودتها وخصبها ) . وكان يذهبُ جميعُ الأحفادِ إلى المعصرة  ليشاهدوا عمليّة الدّرس وإخراج الزيت . وكانت الجَمْعَة واللمَّة جميلة جدا على المعصرةِ للأولاد والأحفاد .. وهذا يُعطي البهجةَ ويطيلُ الفرحةَ والإبتسامة على وجه الجدِّ خلدون .  تقول الكاتبة :

(( يا  الله  ما  أحلى  الجَمعَةْ،  \\   على      معصرةِ     الزيتُونْ ! \\

   ويا  الله ما  أحلى  الضِّحكة  \\  على   وجهِ    جَدِّي    خلدُونْ   \\  ) .

     وفي القصَّة تتحدَّثُ الجدّةُ عن أهميَّةِ الزيت وفوائدِهِ وانّهُ ضروريٌّ مع كلِّ طعام. وأنَّ الزيتونَ المكبُوس أيضا مهمٌ وطعمهُ لذيذ مع وجبات الطعام، ويعطي شهيَّة خاصَّة ومميَّزة للطعام . وتذكرُ أنَّ الجدَّ خلدون لا يتناولُ  أيّةَ أكلةٍ  أو وجبةَ طعامٍ من دون أن يكون صحنُ الزيتون موجودًا مع الوجبةِ الغذائيَّة  .  وتذكر الجدة الآية القرآنيَّة عن أهميّةِ الزيتون والتين أيضا كأشجار مباركة ولها أهميّتها وقيمتها الغذائيَّة :

( والتينِ والزيتونِ وطور سنينِ وهذا البلد الأمين )) - صفحة ( 16 ) .

   وهنالك إكتشاف علميٌّ قبل اكثر من 16 سنة في اليابان مفادُهُ أن التينَ عندما يُمزجُ مع الزيتون يحدث تفاعلٌ كيماوي بين بعض المواد التي في الثمرتين  وتنتج منه مادة أو بالأحرى إنزيم  مفيدٌ جدا للجسم  ونشاطه وحيويتهِ ونضارتِهِ ، وله دورٌ كبير في الحفاظ على سلامةِ وشباب الخلايا ونضارة الجسم والجلد والوجه، وَيُؤخّرُ الشخوخةَ لسنواتٍ أطول .

   وتتحدَّثُ الكاتبةُ أيضا عن فوائد أخرى للزيت، مثل: الصابون الذي يصنع من زيت الزيتون بعد أن يُغلى لعدة ساعات مع مادة هايدروكسيد الصوديوم (والمعروفة باللغة العربية القاعدة  أو ماء القطرونة)  . وانَّ الجَدَّ يستعملُ فقط صابون الزيت للغسيل.  والجدير بالذكر أنَّ صابون الزيت يعطي نضارةً ولمعان  للوجهِ والبشرة، ويُنَظِّفُ أحسن وأفضلَ بكثير من الصابون المعطر ( الشامبو وغيره) الذي فيه مواد كيماويَّة  وتؤثِّرُ سلبيًّا على نضارة البشرة ونعومتها . (وأنا شخصيَّا كاتب هذه المقالة التحليلية لهذه القصَّة  أغسلُ وجهي وأحلق ذقني فقط بالصابون المصنوع من زيت الزيت الصافي ) لأنه يحافظُ على نضارةِ الوجه ويمنعُ التجاعيدَ وعلى عكس  الصابون المُصنع الذي يحوي على بعض المواد الكيماويّة - كما ذُكرَ أعلاه .

            وزيتُ الزيتون أيضا  يُستعملُ  دواءً وبلسمًا  للكثير من الامراض والعلل، وهو أحسنُ وأنجعُ دواء لأوجاء وآلام المفاصل والعضلات  والتشنجات العضليَّة . وكما أنَّ مادة الترياق ( ترياق الحياة ) التي تعالجُ جميعَ السموم، وخاصة لسعات الأفاعي الخطيرة،هي زيت الزيتون بعد أن يوضع في أوان فخاريَة وبمكان بارد  نسبيا لأكر من 6 سنوات فيتغيَّرُ لونُ الزيتِ  ويتحول إلى اللون الأبيض ويصبح ترياقا .. وهذا هو الترياق .

   تذكرُ الكاتبةُ أنََّّ الجدَّ خلدون وزوجتهُ  كانا كلَّ ليلةٍ قبل النوم  يدلكان  وَيُمسِّجَانِ رجلهها لتزول بعض الآلام منها .

   وتنتهي هذه القصَّةُ نهايةً سعيدةً ومفرحةً مترعةً بأحواءِ البراعةِ والوداعة والسلام، تنتهي بحديث (أو بالأحرى بأنشودةٍ ) على لسانِ الأحفادِ يطلبون من الربِّ أن  يعمرَ الكونَ ويباركه ويملأهُ  بشجر الزيتون، وأن يُعطي الصحَّةَ والعافية لجدِّهم خلدون.  أي أنَّ الكاتبةَ من خلالِ هذه الجمل الشعرية القصيرة تدعو للسلام والمحبةَِّ، وأن يغمرَ الكونَ الحبُّ والأمنُ والإستفقرار. ..وتُظهرُ بوضوح الجوَّ العائليَّ السليم والطبيعي والمعافى الذي لا توجدُ فيه أيَّةُ مشاحناتٍ وعقدٍ رواسب وتشنُّجات وخلافات بين أفراد العائلة الواحدة . فتعطي صورةً جميلة ووادعة ورائعة  لكلِّ طفل يقرأ أو يستمع لهذه القصةِ ،وليكي يقتدي بهذه العائلةِ السعيدة والمباركة  .

         ولهذه القصَّةِ القصيرِة والجميلةِ عدَّةُ فوائد وأهدافٍ هامَّة، وقد كتبت  بأسلوب جميلٍ سلسٍ ورشيقٍ وشائقٍ وبلغةٍ عربية فصحى سهلة ومفهومة ( كما ذكر أعلاه)  حتى للطفل الصغير.  وهنالك بعضُ الكلمات التي قد تبدو صعبةً على الفهم للطفلِ الصغير، ولكنَّ القارئَ إذا كان طفلا صغيرا بإمكانهِ فهمها بسهولةٍ من خلالِ موقعِها وإدراجها في الجملة.واللغةُ العربيّة هي لغةُ يُسرٍ وليست لغةَ عُسر، وهي لغةٌ مقدسة ( لغة القرآن الكريم ) .

   والكلماتُ الصعبة في هذه القصّة، مثل : كلمة مَسَّدَ ( صفحة 14 ) . تقولُ الكاتبةُ: مَسَّدَ شابَهُ وقال : يا سلام ما أسشهَى الطعام .

وأيضا : كلمة غَمغمَ  -  (صفحة 19 )

   وهذه القصَّةُ كُتبت جميعا  بطابع شعري ، وهي عبارة عن قصيدةٍ  واحدة مُتعَدِّدة القوافي، وتعدُّد القوافي جاء هذا للخروج من الرتابة والروتين المُمِلِّ، ولإدخالِ جوٍّ حَيَويٍّ  وجذابٍ وشائقٍ للقصَّة.

         وإذا نحنُ  قطَّعنا  الجملَ والأبيات في هذه القصَّةِ نجد أن العديدَ من الجملِ جاءت موزونة مئة بالمئة، وهي على وزن وبحر المتدارك أو الخبب كما يُسَمَّى ( الوزن الغنائي الجميل) .  فمثلا  لنأخذ هذه الجمل الشعريَّة من القصَّةِ ونقطعها :

( حَملتهَا     كلُّ    الاغصانْ

 فَعِلُنْ \\ فعلُنْ \\ فعْلُنْ \\ فَعْ  ) .

( جَدِّي      خلدُونُ      اختارْ

  فَعْلُنْ    فَعْلُنْ   فعلُنْ   فَعْلُنْ  ) .

  وهنالك العديدُ من الجمل في القصَّةِ فيها الخروج بعض الشيىء عن الوزنِ ..والكاتبة تضعُ القوافي في نهاية الجمل، بيد انها لا تلنزمُ  وتتقيد بقافية واحدة فقط وذلكَ حفاظا على الطابع واللون القصصي لأنها تكتب قصة وليس قصيدة شعريّة بحتة، ولأجلِ الخروج أيضا من الرتابة والروتين  الذي قد يسببُ المللَ للقارئ ( كما ذُكرَ سابقا ).

 

ومن أهمِّ أهدافِ وأبعاد هذه القصَّة :

1 - عنصرُ التشويق :  هذه القصَّة كُتبت بأسلوب جميل وشائق ومفهوم ويحذبُ القارئَ (الطفل) لقراءةِ أو لسماع هذه القصَّة. والقصَّة تصلحُ لجميع مراحل الالطفولة ( المبكرة والمُتقدِّمة)، وحتى للكبار في السن أيضا .

2 – الجانبُ الوطني :  يظهرُ هذا الجانبُ بوضوح خاصة عندما  تتحدثُ  الكاتبة بتوسع وإسهاب عن شجرةِ الزيتون التي ترمزُ إلى تاريخنا ووجودِنا  في هذه البلاد، وعندما تتحدَّثٌ عن الجدِّ خلدون الذي يحُبُّ الأرض ويُحِبُّ شجرَالزيتون، وفي حديثِها عن الجو العائلي والنزهة عندما يلتمُّ شمل العائلة  في موسم قطف الزيتون،وعند الذهاب إلى المعصرة.ونحنُ قلما نجدُ الجانبَ الوطني في قصص الأطفال المحليَّة لأسباب عديدة معروفة  ومفهومة بديهيًّا للجميع . ومعظمُ القصص التي تُكتبُ للأطفالِ  تُركّزُ على الجانب الترفيهي فقط ، ولا يهتمُّ كتابها ومؤَلّفوها للجوانب الوطنية والسياسيّة والإنسانيّة والتثقيفيَّة وللأسف الشديد .

3 -الجانب الإنساني : ويظهرُهذا الجانب في جميع  فصول القصة، وخاصة في وصفِ الجوِّ العائلي، وفي تجمُّع ولمَّةِ العائلة وجوِّالمحبَّة والألفة والوئام الذي يسودُ ويغمرُعائلة الجد خلدون الوادعة.   وهذه القصَّةُ تُعلّمنا المحبَّةَ وتُبعدُ أطفالنا والاجيالَ الواعدة عن العنفِ والسلوك السلبي مستقبلا.

3 - الجانبُ والعُنصرُ الفنِّي: هذه القصةُ على مستوى عال وراق فنيًّا وذوقيًّا.

4- الجانبُ التثقيقي والتعليمي : يبدو هذا الجانبُ بوضوح  من خلال الحديثِ في القصَّةِ عن عدةِ أمور، مثل: الحديث عن فوائد الزيت  والزيتون من ناحية دينية وتراثيَّة وكفائدة وقيمة غذائية .

5 - الجانبُ الديني وعنصر الإيمان :  ويبدُو هذا  في  ذكر الآيةِ الشريفةِ : ( والتين والزيتون وطور سنين ) .

6 - الطابع الأدبي الجميل والمُنمَّق. حيث كُتِبَتْ هذه القصّةُ  بلغٍة وأسلوب  أدبيٍّ جميلٍ مُنَمَّقٍ سلسٍ وسهلٍ .

        وهذه العناصرُ مهمّةٌُ جدا في بناءِ ونسج قصص الأطفال، بيد انهُ هنالك عنصرٌ مهمٌّ جدا غير موجود وَمُتَوَفِّرٌ في هذه القصَّة وهو: العنصر والطابع الخيالي الفانتازي . والجديرُ بالذكر أنَّ معظمَ الأطفالِ  يُحبُّونَ وجود المغامرات والخيالَ والأساطير المُثيرة في القصصِ والروايات .

 

الخاتمة : هذه القصَّةُ تُعتبرُ ناجحةً جدا للأطفالِ وعلى مستوى عالٍ شكلا ومضمونا، وهي تحوي معظمَ الجوانبِ والأبعاد والاهداف الإيجابيَّة التي تهمُّ وتعني الطفل، وخاصة في صددِ تثقيفهِ وتعليمهِ وتوجيههِ بشكل  صحيح وسليم، وفي نمط حياتِهِ وسلوكهِ إيجابيًّا: إجتماعيًّا وأخلاقيًّا وإنسانيًّا ووطنيًّا.  وتستحقُّ هذه القصّّةُ أن تُترجمَ إلى للعدِيدِ من اللغات الأجنبية لمستواها الراقي : فنيًّا وموضوعيًّا  وإبداعيًّا ، وأن يُكتبَ عنها العديدُ من المقالاتِ والدراسات الهامَّة، وأن تُعلّمَ وَتُدرَّسَ في  المدارس ولجميع مراحل أجيال الطفولة .

 

  بقلم : الدكتور حاتم جوعيه -  المغار  - الجليل -