الاثنين، 30 مايو 2016

لمحات مما تميط الانتخابات الرئاسية اللثام عنه بقلم : أ.د. محمد الدعمي




يدرك المراقب السياسي الفطن جيداً أن حالات التفاعل السياسي تخدم مجسات عالية الدقة لتأشير إتجاهات الرأي العام وميولات الجمهور وآماله بعامة. لذا تقدم الانتخابات الرئاسية الأميركية المستعرة تنافساتها حاليا محكاة تميط اللثام عن حقائق أهم تيارات الرأي العام في أقوى وأغنى دولة في العالم، ناهيك عن كشفها للاتجاهات الذوقية والمزاجية للغالبية العظمى من الجمهور الأميركي.
من منظور أول، لا يمكن للمراقب الحذق إلا أن يعد النجاحات الساحقة التي حققها ويحققها الآن المرشح الأقوى إحتمالاً للفوز بتسمية الحزب الجمهوري للرئاسة، السيد دونالد ترامب (Trump) دليلاً على عدد من الفرضيات، ومن أهمها: 1 عدم تنقية الجمهور الأميركي ذاته من براثن العديد من التحاملات والضغائن، ومنها العنصرية والطائفية، بل وحتى النفسية، رغم جهود التنقية والتحرير من هذا النوع من العواطف على المستويات التشريعية والثقافية والتربوية والإعلامية.
إن تحويل تسريحة شعر المرشح ترامب ولونها الأصفر الفاقع الى «لازمة» إعلامية، فلمية وصورية للتندر أحياناً، إنما يعكس تواصل التمسك الأميركي العام بجذوره الآرية الرئيسة: ذلك أن تركيز السيد ترامب على لون شعره وتكراره التأكيد على أنه أصلي وغير إصطناعي أو مستزرع أنما يعكس نزعة آرية عنصرية واضحة المعالم، نزعة ترتكن الى شعور وسواسي بالتفوق على الأقوام سوى الآرية.
هذه اللازمة تأتي من إيحاء الأسطورة الآرية التي جعلت غالبية اليهود في الولايات المتحدة شديدة القلق من صعود نجم «ترامب» بالسرعة المذهلة التي شهدتها الساحة السياسية الأميركية خلال الأشهر القليلة الماضية. هذا هو القلق الذي إضطر أهم المنظمات اليهودية الأميركية AIPAC (اللجنة الأميركية الإسرائيلية للشؤون العامة) الى عقد إجتماع جماهيري عام حضره جمهور يهودي حاشد بهدف الإستماع الى المرشح دونالد ترامب وآفاق سياسته المستقبلية في الشرق الأوسط. ونظراً الى ان السيد ترامب يدرك جيداً بأن لا يمكن أن يدخل البيت الأبيض بلا «جواز إسرائيلي»، فقد حرص على ضخ عواطفه نحو اليهود وإسرائيل بعزم وكثافة عالية على جمهور الحاضرين حتى أعلن أنه سيرزق بحفيد يهودي جميل في وقت قريب: فاستحق بهذا، التصفيق المنقطع النظير، وقوفاً.
ومن منظور ثان، إستفز السيد ترامب التحاملات والعواطف الطائفية التي بقيت سابتة لسنوات طويلة بعد الحادي عشر من سبتمبر العام 2001 ضد المسلمين والإسلام عموما، ممتطياً ما قدمته الشبكات الإرهابية له مجاناً (مشكورة) من فرصة ذهبية للإعلان عن نيته عدم السماح للمسلمين بدخول الولايات المتحدة الأميركية بغض النظر عن طبيعة هذا الدخول وأهدافه. وبهذا، فقد إمتطى ترامب مشاعر الضغينة الطائفية، بعد أن أيقظها بذكاء، على سبيل إستقطاب العواطف العدائية للمسلمين وللإسلام، أي العواطف السلبية التي لايمكن إلا أن توصف بأنها «سائدة الآن»، خصوصا مع ما حدث من أعمال إرهابية جنوبي كاليفورنيا وتكساس، زيادة على مماثلاتها من أفعال تخريب وقتل متعام عبر عواصم أوربية رئيسة، كباريس وبروكسل.
وبحسب منظور آخر، لعب دونالد ترامب بالنار عندما حاول تعبئة عواطف الكراهية لما يسمى »اللاتينو»، أي المهاجرين الذين ينطقون بإحدى اللغات اللاتينية من دول أميركا الوسطى والجنوبية، مستفزاً مقاومة العديد من اللوبيات اللاتينية والمكسيكية المتنفذة هناك ضده، وبخاصة بعد إعلانه عن نيته بناء جدار فاصل بين الولايات المتحدة والمكسيك، على أن تتكفل الحكومة المكسيكية تكاليف بنائه، لمنع أبنائها من العبور الى أميركا بحثاً عن الخبز وعن فرص حياة أفضل.

كاتب ومؤلف وباحث أكاديمي/أريزونا

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق