الجمعة، 4 نوفمبر 2016

بين الكتاب والكبسلة ، بقلم البروفيسور محمد الدعمي



إذا كان عصر كبسلة المعرفة قد طغى على عصر الأسماء المفردة، حبيسة مصنف أو مصنفين، فقد حل عصر الصورة والفيلم وشبكة المعلومات الدولية Internet محله بكل ثقة وعنفوان، بل وبكل كفاءة كذلك، نظرًا لما يتيحه عصر “الكبسلة” من تنوع المفردات وتعدد زوايا النظر، الأمر الذي يقود إلى شيء أشبه ما يكون بإعدام الأدب بالمقصلة..

ربما كانت مكتبتي الشخصية (حوالي 5000 مصنف) أكثر ما آلمني توديعه في بغداد الحبيبة، وقد بقيت قلقًا على ما حملته رفوفها من الكتب المهمة، حتى جاء اليوم الذي قالت لي زوجتي: “لا تقلق على سلامة كتبك، يا حبيبي: فلا أحد يقرأ اليوم”. عاينت وجهها الممتلئ ثقة وهي تعلن ذلك، ثم تيقنت بأنها لم تُصب سوى الحقيقة، وكأنها تسدل الستار على “عصر الكتاب” الآن وإلى الأبد أمام عيني.
وللمرء أن يتأكد اليوم بأن فضيلة تأليف كتاب الآن لم تعد تتجاوز تصنيفه “ضمن قائمة طويلة من الكتب” في مكتبة محلية أو وطنية أو عالمية، إذ يبقى اسم هذا المؤلف خالدًا طي فهارس المكتبة فقط، في خدمة من يشعر بحاجة للاطلاع على موضوعه إن حدث شيء من هذا القبيل. أما المخلدون في هذا العصر فهم ينتمون إلى نوع آخر من المبدعين.
لذا يمكن للمرء أن يعلن، بشيء من الثقة والتيقن، إغلاق “عصر الكتاب”، وفتح “عصر الكبسلة”. وبلفظ الكبسلة (اشتقاق من كبسولة)، لا أعني سوى إغراق الجمهور بالمواد العلمية أو الثقافية “المكبسلة”، بمعنى المختزلة بكبسولات (محلاة بالسكر) يسيرة الابتلاع، بكبسولة يأخذها طالب الإطلاع على شكل فيلم أو على شكل مطبوع مبتسر للغاية، كوحدة معلوماتية أو تعريفية بضمن موسوعة يتم فتحها من قبل هذا الطالب، لا بحسب اسم المؤلف أو المعد وإنما، حسب عنوان الموضوع. وهكذا يغرق المؤلف بين أمواج بحور النسيان، فلا أحد يأبه به أو باسم عائلته. بدليل طغيان عنوان الموضوع الأوسع على من أسهم في نقاشه أو إثرائه. وإذا كان عصر كبسلة المعرفة قد طغى على عصر الأسماء المفردة، حبيسة مصنف أو مصنفين، فقد حل عصر الصورة والفيلم وشبكة المعلومات الدولية Internet محله بكل ثقة وعنفوان، بل وبكل كفاءة كذلك، نظرًا لما يتيحه عصر “الكبسلة” من تنوع المفردات وتعدد زوايا النظر، الأمر الذي يقود إلى شيء أشبه ما يكون بإعدام الأدب بالمقصلة: فإذا كان شكسبير شاعرًا أو مسرحيًّا فنانًا خالدًا، فإن أعماله الإبداعية لا يمكن أن تبقى بنفس درجة التأثير كما كانت عليه قبل قرون، أي عندما كانت تقرأ وتشاهد على خشبات المسرح أو تناقش على منصات أساتذة الأدب الإنجليزي في صفوف الجامعات.
وقد قاسيت شخصيًّا، كأستاذ في جامعة بغداد، من وسائل كبسلة أهم الأعمال الأدبية، عندما كنت أطلب من تلاميذي في الدراسات العليا قراءة هذا أو ذاك الكتاب من الغلاف الأول إلى الأخير، على أن يقدم لي طالب الماجستير أو الدكتوراه، ملخصًا من تحريره هو للكتاب المطلوب قراءته بعد أسبوع. إلا أني سرعان ما كنت أتفاجأ بأن تلميذي أو تلميذتي يكتفيان بقراءة ملخص لا يتجاوز بضع صفحات لكتاب مكون من مئات الصفحات. لذا اتبعت طريقة مبتكرة للتأكد من أن تلميذي قد قرأ النص الحقيقي نفسه ولم يكتف بالملخصات المهيأة “المكبسلة” مسبقًا بأن طلبت من تلاميذي القيام بالاقتباس من الكتاب المطلوب قراءته (مع تحديد رقم الصفحة والفصل والطبعة) كي أتأكد من أنهم قد قرأوا النص الأصلي فعلًا وليس ملخصًا مكبسلًا له!
بل إن الأكثر إثارة للقلق (في حال تدريس الأدب الأجنبي) يتمثل في أن الطالب يعمد لمشاهدة فيلم (قصة مدينتين)، على سبيل المثال، بدلًا من قراءة نص رواية ديكنز الأصل. وهكذا تتحول كورسات الرواية إلى مجرد مشاهدات فيلمية بالنسبة للباحث الذي يستبدل الأصل بالمكبسل فيلميًّا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق