الجمعة، 9 نوفمبر 2018

“تاريخ العرب”: منجم الماس بقلم : أ.د. محمد الدعمي

نتيجة بحث الصور عن سهيل عيساوي محمد دعمي

يأتي هذا التوجه المحلي معاكسا للتوجه الغربي الذي دشنه توماس كارلايل Carlyle يوم ألقى محاضرته التاريخية عن حياة الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم أوائل القرن التاسع عشر. لقد وظّف كارلايل قصة حياة الرسول وسيرته قبل وبعد الرسالة نقدا للمجتمع البريطاني آنذاك، أي على عصر الثورة الصناعية خاصة مع لولبها المادي النفعي متجسدا بتقديس حسابات “الربح مقابل الخسارة” في غمار اقتصاديات التجارة الحرة.
لا يملك المرء إلا أن يشعر بالمرارة والابتئاس للطرائق التي يستخدم العرب والمسلمون تاريخهم بموجبها، مقارنة بالطرائق التي استخدم أو يستخدم الغربيون بموجبها ذات التاريخ، أليست هذه الجملة إعلانا خطيرا عما وصل إليه حال البعض من تدهور ونكوص ثقافي اليوم، مقارنة بما كان يحدث في الثقافة العربية الإسلامية أواسط القرن الزائل على سبيل المثال؟
والحق أقول، إن تخصصي الدقيق في الاستشراق قد فتح أمام أعيني آفاقا عريضة في هذا المجال الذي يمكن أن يختص بــ”نقد العقل العربي”، وهي عبارة شاعت على أيدي أشقائنا في المغرب العربي بسبب ملاحظتهم دلائلها. ولكن في هذا السياق اليوم، للمرء أن يعلن أن العقل العربي والمسلم توجه إلى ماضيه بطريقة خاطئة وبنيات سلبية وكأنه أراد قراءته على نحو انتقامي أو ثأري ارتدادي، “لدفع قوائم” ترتبت عليه منذ العصر الوسيط حتى هذا اليوم، لبالغ الأسف.
يأتي هذا التوجه المحلي معاكسا للتوجه الغربي الذي دشنه توماس كارلايل Carlyle يوم ألقى محاضرته التاريخية عن حياة الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم أوائل القرن التاسع عشر. لقد وظّف كارلايل قصة حياة الرسول وسيرته قبل وبعد الرسالة نقدا للمجتمع البريطاني آنذاك، أي على عصر الثورة الصناعية خاصة مع لولبها المادي النفعي متجسدا بتقديس حسابات “الربح مقابل الخسارة” في غمار اقتصاديات التجارة الحرة.
هذا من ناحية أولى، أما من الناحية الثانية، فقد وجد كارلايل في تاريخنا، الذي هجرناه للأسف، من الدروس النافعة ما يكفي لانتشال بريطانيا عصر الثورة الصناعية من المادية وحيدة الجانب، على سبيل وضعها على الطريق الصواب، أي طريق “معادلة كارلايل في نظرية البطولة” المستوحاة من ذلك التوازي والتوازن المثالي بين البطولة الفردية، متمثلة في شخصية الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم)، من ناحية، والبطولة الجماعية المتجسدة في القبائل العربية التي لم تكن لتلتوي، فلواها هذا النبي العظيم وكأن الكامن البطولي العربي كان في انتظار القدحة المتمثلة بمولده العصور كي توقد طاقاتها وتقننها في اتجاهات قلبت مسار التاريخ الآدمي.
كما أنك لا تملك إلا أن تشعر بالأسى ثانية. عندما تقرأ تاريخا عملاقا (من مجلدين) كتبهما “أبو الأدب الأميركي”، واشنطن إرفنج Irving، إذ يقلب القارئ العربي والمسلم (من أمثالي) ناظريه بين صفحات كتابه الفذ (محمد وخلفاؤه)، وهو مبهور وكأنه يقرأ في صفحات المسعودي أو الطبري، في حين لم يسمع الملايين من شبيبتنا بالاسمين العربيين أعلاه لبالغ الأسف: ويبقى السؤال ماثلا أمام الذهن الذكي الوقّاد: “لماذا الاندفاع الغربي إلى التاريخ العربي الإسلامي”، وما الدروس الماسية التي تمكن من استخراجها من منجم هذا التاريخ، ولم نفلح نحن في ذلك؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق