السبت، 29 يوليو 2017

جدلية الحب والحرمان في المتخيلات السردية بقلم د. فيصل غازي محمد النعيمي


قراءة في مجموعة (أرض الحكايا) لــ سناء شعلان

د. فيصل غازي محمد النعيمي

                                                                                                             العراق / جامعة الموصل/ كلية التربية                                                                                        

تجربة الحب على المستويين الحياتي والثقافي تجربة شديدة التعقيد والبساطة في الآن نفسه، وهي ممارسة مصاحبة في الغالب للتجربة الثقافية للإنسان مهما كان نوع ومستوى هذه التجربة. ولهذا فهي تعكس في بعض تجلياتها شكل التجربة الثقافية ومن ثم الفنية وتمثل مرحلة مستمرة ومتنامية لا سيما في المتخيلات السردية بأشكالها المختلفة والمتعددة، وهي تثير وتحاول ان تجيب في أسئلة لطالما حاولت المدونات السردية التعبير عنها. واي عملية فهم لتجربة الحب ستكون قاصرة ان لم يتخللها فهم للوجود الإنساني، ففعالية الحب في هذا الوجود تنبع من كونه ليس إحساسا عاطفيا فحسب بحيث يمكن للإنسان الانغمار فيه بسهولة، بل هو فعالية تطور الشخصية الكلية للإنسان لكي يحقق أهدافا كلية(1).
واذا كان الحب والكراهية او الحب والحرمان من الأحوال النفسية والوجدانية التي يصعب على الانسان تحديد معناها بدقة، لذلك فهذه الثنائيات من الاحوال التي يشعر بها الانسان ولا يستطيع التعبير الصحيح عنها(2).
الا ان هذا لا يعني عدم امكانية رصد هذه الفعالية على مستويات المعرفة والعلم والادب، لأن هذا لا يغض من القيمة العليا للحب. ((بل يحولها من معرفة متعالية تتحرك في السقوف البرهانية العليا للعقل البشري او مابعد ذلك الى معرفة بشرية قابلة للتداول والممارسة والفعل والاحتفاء والتكوين والشيوع، تبدأ بالشعور التعبيري البسيط والعفوي والبريء ووتنتهي بالحدس))(3).
وتتجلى ثنائيات الحب والحرمان الروحي والجسدي في النصوص الادبية المختلفة بوصفها ركائز ومفاهيم معرفية قائمة على مباديء فكرية لعل من اهمها مباديء الضرورة والدافع. فمنذ المتخيلات الحكائية الانسانية القديمة وحتى المتخيلات المعاصرة، وقضايا الحب المتنوعة والمتدانية الجذور والدوافع او المشحونة بالدلالات والقيم والمتأسسة على مرجعيات تاريخية ودينية واسطورية واجتماعية، تشغل المشاهد الفنية في المدونات الفنية وتحتجز لنفسها حيزا واسع المدى.
تحتفي الكاتبة الاردنية(سناء شعلان) في مجموعتها القصصية (ارض الحكايا) بقضية مركزية مؤطرة للحكي بأكمله وتشتغل على وفق رؤية مركبة تتوزع مابين الفكري والفني وهي جدلية الحب والحرمان التي تأتي بأشكال ومستويات مختلفة الا انها تمثل الثيمة المركزية لاغلب قصص المجموعة.
تنتظم قصة (سداسية الحرمان) على المستويين المضموني والبنائي على وفق منظومة فكرية/ثقافية/سردية، فالقصة عبارة عن ست قصص تختلف في العنونة الفرعية وفي شخوصها وفضاءاتها وربما احداثها، الا انها تعبر عن قضية مركزية واحدة وبطرائق تعبير سردية متنوعة، هذه القضية او الإشكالية تدور حول جدلية الحرمان من الحب ومن ثم البحث عنه على وفق تصورات انسانية وفكرية. الا ان مايميز هذه القصص الطابع المأساوي الذي يربط بين اشكالية الحب من جهة والنهاية المأساوية لشخوص او احداث القصة.
في القصة الفرعية الاولى (المتوحش) تبرز ثنائيات مركزية واخرى متفرعة عنها ضمن جدلية سردية، فكرية تؤسس لحوارية تعبر عن الجانب المسكوت عنه في القصة الإطارية بأكملها. فثنائية الحرمان/الحب، يتناسل عنها ثنائيات اخرى لعل من اهمها: الذكورة والانوثة ومن ثم الحضارة /التوحش، فالانثى في القصة هي اصل الحب والحنان والمأوى والعائلة ومن ثم تتحول الى اصل الحضارة والتمدن((غدا الحيوان صديقه المفضل الذي يقاسمه كل شيء، وبدأ يعتاد عليه، وعلى تكور بطنه الذي يفرز حيوانات صغيرة لزجة كسمكة مهروسة، كان ينوي ان يأكل تلك الحيوانات، لكنه وجد نفسه يحبها بشدة، ويدافع عنها إذا ماتعرضت لأي هجوم من حيوانات الجزيرة، كما وجد نفسه يعامل الحيوان الكبير برقة، ويألف جسده الغريب ذا الاعضاء الغريبة، ويعطف عليه، ويحضنه ليلا بكل شغف. تعلم بعض الكلمات من الحيوان الذي لم يعرف من اين جاء ابدا ابدا، فعرف ان اسمه رجل، وان اسمها امرأة))(4).
تأخذ القصة شكلا انثروبولوجيا وهي تعبر عن التجربة الانسانية في التحول من الحياة البربرية والتوحش نحو الحب والتمدن والحضارة، وتاخذ الانثى الدور المركزي في هذه العملية وتصبح الصنو الاخر للحضارة، ويحاول الرجل ان يقهر الانفصال والوحدة القهرية التي يعيشها عبر الاندماج بتجربة الحب مع المرأة ((ان اعمق حاجة عند الإنسان هي الحاجة الى قهر انفصاليته. هي ترك سجن عزلته))(5).
إن جدلية الحب/الحرمان تشتغل بفاعلية تعمل على توجيه أحداث القصة ضمن رؤية سردية/ثقافية ترى بان الحب والأنثى ماهما إلا وجه آخر للحضارة والتمدن وقهر الانفصال والعزلة((كاد يخترع كلمة تعبر لكيلا عن اشواقه، وعن فرحته بها، واعتياده على رائحتها (...) لكن ذلك لم يكن، فقد جاء رجال كثر بملابس غريبة(...) ثم اختطفوا كيلا والطفلين، وتركوه وحيدا بعد معركة خاسرة، كان مثخنا بجراحه، ولكن حزنه على كيلا كان أعظم، لزمن طويل فكر في الكلمة التي كان من المناسب ان يخترعها لكي يقولها لكيلا، ثم انقطع عن بحثه الحزين اذ لم يكن هناك حاجة لأي كلمات بعد غياب كيلا))(6).
تأخذ جدلية الحب/ الحرمان شكل الثيمة المركزية التي تربط بين القصص الفرعية الست ولكن على أشكال ومستويات فردية مختلفة، في قصة (المارد) يأخذ السرد شكل الإيقاع الزمني المعتمد على تقنيتي (الخلاصة والحذف) التي تتجاوز مديات زمنية اسطورية وطويلة جدا، ويتساوى عند الشخصية الرئيسة (المارد) عزلته في قمقمه منذ آلاف السنوات، وحرمانه من الحب والاتصال مع الموجودات (إنسية اوجنية).
الا الحب يتحول الى فعل وتضحية وايثار لاجل المحبوب وهي من تدفع بالشخصية (المارد) الى عودته الى عزلته من جديد((بكلمة واحدة منها عاد المارد الى قمقمه، اغلقت القمقم بحزن من يشيع جنازة، واعطته الى الحبيب الغيور، الذي طوح بالقمقم بعيدا في البحر، احد بعد ذلك لم يرَََ المارد، الى نعاه البحر لامواجه لكن اسماك البحر سمعت صوت سكرات موته، فقد تحطم قلبه العاشق، وغدا الف شظية على يدي الانسية الجميلة))(7).
ان ارتباط بالتضحية لاجل المحبوب ومن ثم الموت او الخسارة هو مايميز باقي القصص الفرعية لقصة (سداسية الحرمان) في (الخصي وفتى الزهور) اما باقي القصص (اكليل العرس والثورة) فتأخذ بعداً رمزياً حيث يدفع الحرمان بالشخصيات اما نحو الابداع او التغيير والثورة على المرأة. ((نسوا تماما جمعية مناهضة هي، ونادوا بصدق بسقوط الفقر والظلم والحرمان، جابت الثورة كل البلاد، وهتف الكل باسم الثورة، في المساء كانت هي والاصدقاء حيث يكون كل الثائرين، كانت مؤمنة بعدالة قضيتها على الرغم من وقع السياط المؤلم، اما هم فكانوا يلعنون(هي) التي اوصلتهم الى هذا المكان، وفي هدأة الليل وضعوا البنود الرئيسية لجمعية مناهضة(هي)، كما قسموا حقائب الجمعية، وسموا الاعضاء الدائمين فيها))(8).
تلتزم الكاتبة في قصة (اكاذيب البحر) بذات المنظومة السردية والفكرية التي قامت عليها قصة (سداسية الحرمان) فالقصة تأخذ شكل القصة الاولى (ست قصص فرعية يجمع بينها عنوان واحد وفضاء واحد ومن ثم ثيمة مركزية واحدة تستقطب باقي الثيمات)، الا الحرمان من الحب ومن ثم الوقوع فيه يتواشج ضمن حساسية سردية مع قيم الكذب والصدق والتضحية مما يعطي القصة بعدا رمزيا واسطوريا يعمق من دلالاتها.
ومايميز هذه القصة الفضاء الواحد الموحد لاحداثها وشخصياتها والمرتبط بالحب والخيانة والتضحية والكذب وهو البحر حيث تتضح دلالات الانفتاح واللاثبات والتغيير((يتجشأ البحر وهو ينسحب في الجزر، فيبتلع نفسه، وتعلوه رائحة الاسماك، فتبرز سارية السفينة الفارقة منذ مئات السنين قبالة قريته الصغيرة، ومن بين اراضي الشاطيء الرطبة المنكشفة التي عراها البحر تبرز هي، تأتيه راكضة بسرعة موجة، وبأسرار غيمة، تكتسي باردية من زرقة البحر، تملك الاردية التي اشتهاها لسنوات ثلاث، يرهف مشاعره وعينه متأملا ورودها الذي يؤنس رجولته.
يفتح ذراعية، ويعدر صدره العري لاستقبالها، ترتمي بكل زرقتها بين يديه، تتمنى ان تجد متسعا من الوقت لتقول له كم تعشقه))(9).
تكشف ادوات التعبير السردي ولا سيما (اللغة) في المقطع السابق عن تواشج وتقاطع في الوقت نفسه بين الحب والحرمان من جهة والحب الرغبوي الجسدي والحب الطهراني من جهة ثانية، مما يساعد على هدم الحدود بين هذين العالمين، وبذلك ترتفع قيمة الأنثى/المعشوقة وتتماهى تماما مع صفات الفضاء المكاني (البحر) وتغدو إحدى تجلياته وصوره المعبرة عن الحب والخديعة والحرمان والتضحية.
وتبرز ثنائية فرويد في الحياة (ايروس) والعدم (ثاناتوس) وهي تشتغل في النص السردي ضمن رؤية فنية تنتصر للحياة والحب وتختار طريق التضحية لأجل المحبوب ضمن اجواء طقوسية، ويتحول الخوف من الموت والاندثار والعزلة والحرمان الى تأكيد للحياة وللحفاظ عليها(10).
فالحرمان القسري الذي يفرض على الشخصية ويمنعها من اشياء كثيرة من اهمها (الحب) يدفع بالشخصية الى التضحية بإمامة الطائفة التي تتساوى مع العزلة والموت والكذب لأجل البحر والحبيبة، ((وتزوجا لساعات لأيام فقط كانا زوجين، تسكعا في ارجاء مدينة القطط، مارسا العشق في كل أرجائها، اختزلا في ساعات حبهما كل مراحل الحب وقصصه(...) وسافر سليل الاساطير والعمامات السوداء، ولم يعد بعد ان كتب على عجل على بوابة صحرائها: كانت مدينة القطط طيلة سنوات ثلاث مدينة لا تطاق، كنت اتمنى الخلاص منها، وتركها في اسرع وقت، لكن عينيك صيرتا القفر واحة يهوي القلب اليها، ليستريح فيها من عناء الدنيا))(11).
تشكل جدلية الحب والحرمان في قصة (الجدار الزجاجي) على وفق تصورات ورؤى ومرجعيات مخالفة لما موجود في المجموعة القصصية، إذ تبرز الدلالات الاجتماعية للحضارة المادية التي تغيب تماما النزعة الإنسانية القائمة على المودة والمحبة، مما يجعل منها تؤسس لمرجعية اجتماعية قائمة على مباديء القمع والانتهاك والحرمان. ويربط (هربرت ماركوز) بين التقدم الصناعي وبين الإحساس بزيادة الاستعباد لدى الفرد والجماعة، هذا الاستعباد المتلازم بهمجية الإنسان وبعده عن إنسانيته(12). تبدو شخصيات هذه لقصة وكأنها تنتمي الى عالمين متناقضين تماما ولا يمكن لهما ان يلتقيا، عالم الطفولة والبراءة والمحبة حيث وجود الأم، وعالم القمع والانتهاك والتعذيب ومن ثم الموت المرتبط تماما بغياب الأم القسري عن البيت، وتبدو الجملة الافتتاحية للوحدة السردية الاولى وكأنها شحنت بالدلالات الرئيسة للقصة وهي تعبر عن لوعة الحرمان بسبب فقدان الأم ((جدار زجاجي رقيق كما رقاقة كنافة هو اول من اذاقه الحرمان، وعرفه لوعة التنائي، لا يزال يذكر للآن زجاج نافذة سيارة الأجرة التي أقلت أمه بعيدا، ومنذ ذلك اليوم لم يرها أبدا، كانت طيبة كالسماء، طاهرة كدمعة، بنيتها صغيرة تصلح للدلال والمداعبة، ملابسها قديمة، ومنديل اصفر قديم يحيط برأسها، ويطوق رقبتها، اعتاد ان يراها كسيرة تستمريء الذل بدمعة صاغرة، لم يسمعها يوما تسب احدا، لم يسمعها يوما تحلم بغد جديد))(13).
تنبثق علامة الحرمان في المقطع السردي السابق وترتبط بسرد ذكريات حزينة تحتشد فيها الصور الدالة على الأسى والفراق وذكرى الأم الغائبة/الحاضرة. ولاتتوقف تجربة الفتى عند حدود تذكر القمع والانتهاك الذي عانت منه الأم بل يمتد ضمن تجربة قاسية عانى منها. لترتبط مع الأخت الصغيرة التي فضلت ان تعبر عن احتجاجها على الحرمان والذل الذي تعانيه بالموت ليتحول الموت الى طريق للخلاص من الآلام التي تعانيها هذه الفتاة الصغيرة ((بقي يحلم بتحطيم الجدار الزجاجي، الذي حطمه أمام وهيج النار التي أكلت عيشة حد القرمشة، دلقت عيشة الكاز على نفسها من الوابور النفطي، أحرقت بجسدها كل جدران الدنيا، وأطعمت نفسها للنسيان، كان محبوسا بين الزجاج والقضبان عندما حاصرتها النار بشهية(...) ومن جديد فصله عنها جدار زجاجي آخر، قال الاطباء إن حالتها خطيرة، وان عظامها المعراة دون جلد الا من مزق محترقة عرضة للجراثيم والبكتريا، فوضعوها عارية في صندوق زجاجي معقم، كان يتمنى لو انه يستطيع ان يمسد بيده على رأسها ذي الشعر المتلبد المتفحم، حلم بأن يضمها الى جسده، لكن الجدار الزجاجي حرمه ايضا منها، ووقف سدا منيع يحصر آهاتها، ويأسر احزانه (...) ردد الأغنية مع عيشة عشرات المرات، كان متأكدا من ان عيشة تحلم بحضن امها التي ابتلعها النسيان، عندما توقفت حركة شفتيها، ادرك قد ارتاحت للأبد، وأن الجدار الزجاجي قد كفنها خلف صمته، وابتلعها كما ابتلع امه دون رجعة. لم يحضر دفن عيشة؛ لأنه كان يخشى جبروت الجدار))(14).
تتشكل اكثر من علامة في فضاء هذا النص لعل اهمها الجدار الزجاجي الذي عنونت به القصة، وهو فعالية وسلطة على تاريخ شخصيات القصة بدءا بزجاج نوافذ السيارة الذي غيب حنان الأم الى الأبد وجعل منها مجرد ذكرى للحنان المفقود والحرمان الحاضر، ومن ثم زجاج نافذة الدار الذي كان يسجن خلفه، وبعد ذلك زجاج القفص الطبي الذي احتضن جسد شقيقه. العلاقة الثانية البارزة في فضاء النص السابق ارتبطت بالطريق الذي رسمته الفتاة للخلاص من القهر والذل والحرمان وهو طريق الموت الأختياري. وهو ذات الطريق الذي اختاره الفتى للخلاص وإعادة الاندماج من جديد مع من فقدهم للوصول للحب والامان، الا ان الفارق بين الطريقين، ان الموت بوصفه طريقا للخلاص كان عند الفتاة اختياريا اما مع الفتى فقد كان قسريا بسبب الفقر والبرد ومن قبلهما فقدان المحبة (الأب – الأم – الأخت) ((ذهب في اغفاءة لذيذة، تكور على نفسه حد الالتصاق، كان البرد في اشتداد، وبعض قطع الثلج القطنية تهبط على رقبته التي انكشفت بوضوح من تحت سترته الجلدية القديمة التي حصل عليها من النجار، رأى في حلمه كل جدران الدنيا وقد دكت شظايا وحطاما، استيقظ من إغفاءته، كانت أطرافه متيبسة باردة، بصق في يديه، لعله يهبهما دفعة دفء منعشة، عزم على ان يتحدى الجدار وان يقرعه طلبا للدفء والمأوى، ولكن اطرافه المتجمدة قهرت ارادته، استسلم بذل للجدار الزجاجي الذي رأى ابتسامة سخرية تندى من برودته الصفيقة، وغاب في أحلامه...
في الصباح كان المكان يزهو بثوب ابيض من الثلج الجميل، والى جانب الشرفة الزجاجية كتلة متجمدة اسمها شاهر، الذي كُسيَ وجهه بالثلج، وبابتسامة عميقة غريبة... تدل على راحة أبدية))(15).
مثل الجدار الزجاجي علامة فارقة في نص القصة وفي حياة الشخصيات، اذ انه رسم الخط الفاصل بين عالمين وحياتين ومفهومين قد لا يلتقيان الا ليكمل احدهما الآخر، وبقدر مامثل هذا الجدار رمزا للحرمان والقهر وسببا لأختيار الشخصيات الموت للخلاص منه ومن الحياة، فإننا نجد في قصة اخرى نقيض هذه التمثيلات السردية، وهذا مايمثل رؤية فنية انقلابية للرؤية الاولى، وترتكز على رسم مقولة ان الحب هو الطريق للخلاص عبر خلق عالم لا زماني وسياج عبر (الحب) بين عوق الشخصية وبين عالمها الخارجي، نواجه في قصة (الطيران على ارتفاع 1000 دقة قلب) شخصيتين معاقتين لأسباب مختلفة، الفتاة بسبب عشقها الطفولي للطيران والرجل بسبب حادث ((تحب الطيران، تحب ان تأخذ شهيقا عميقا، ثم تغمض عينيها، وتنزلق في الهواء، تنزلق فيه كسمكة منسربة بأجنحة من نور، تواجه الريح بجسدها المشروخ وعينيها المستكينتين، وابتسامتها الفارقة في الهواء، وتفكر كثيرا في ان تقابل الريح بنظرة متحدية تشمل الفضاء والأرض وطيورهما، تتمنى ان ترصد من علٍ تكور جسدها، واستسلام عضلاته للريح الخاضعة لجبروت الجاذبية، تزداد دقات قلبها، تعجز عن تحمل فكرة التحديق في جبين الأرض، ليته كان يمسك يديها، ليت نظراته المذلفئة في الكتاب تطالعه بلا ملل تمتد أيد تمسك بيديها، وتنطلق معها في الفضاء... ليته يفعل ذلك، ليته، وتسقط من اعلى قمة... وتهوي بسرعة جنونية الى الأرض يتقلص قلبها الصغير، ويستسلم للانسحاق))(16).
تنبع المفارقة الدرامية/السردية في المقطع السابق وفي القصة بأكملها من ان عشق الفتاة الصغيرة للطيران هو المسبب الفعلي للعوق الجسدي الذي عانت منه طيلة عمرها، الا ان هذا العشق تحول الى طاقة ايجابية وقوة روحية مكنت الفتاة من التغلب على عوقها واختيار الحب طريقا للخلاص، وتتضح قيمة الحب والحنان ودورهما في بناء الشخصية الانسانية على الرغم من عوقها، ولا تتجلى في هذه القصة حاجة الانسان للحنان فقط، بل((الحاجة الى ان تظهر الحنان للآخر))(17). على وفق متوالية تبادلية تعلي من شأن الحب والتضحية والجانب المعنوي للإنسان على حساب الحرمان واهمال الجانب الشكلي، وبذلك تظهر الحاجة الى الحب والاندماج والاتحاد مع العالم لقهر العزلة التي تعيشها الشخصية على مستى عالميها الداخلي والخارجي((وطالت القصة... او قصرت... بالتحديد اصبحت بطول وقفتهما بالقرب من جرف عال، استطاعت منه ان تريه سنديانتها القاسية، وان يريها المستشفى الذي رقد فيه اشهر إلى ان اقعد، حدثها طويلا، فحدثته مدة اطول، سمعها وسمعته، واحيانا لم يسمعها، وفي بعض المرات لم تسمعه... كان قلب كل منهما يخفق بمعدل 1000 دقة في الدقيقة. استند على كرسيه الرمادي وعلى مساعدتها لينتصب بصعوبة، ثم تهالك في حضنها الصغير، الذي كان اضعف من ان يحتمل جسديهما، انهارا ضاحكين على الارض، قرب الجرف تماما... غرقا في عيني بعضهما أومأت بخجل، ثم سقسقت، وقالت: أحبك. سقسق على منوال مافعلت، وقال: ((احبك)).
انتصب من جديد بمساعدتها بصعوبة بالغة، اشرعا ايديهما التي انهكها التعب ليطيرا، حدقا في البعيد، حيث مسقط الشمس، تحديا الجاذبية والريح، أخذا نفسا عميقا، ملأ رئتيهما بشيء لذيذ اسمه الحب، وطارا... طارا على ارتفاع الف دقة قلب))(18).
وتتكرر هذه الثيمة المركزية (الحب طريقا للخلاص) من العزلة والانفصال والقهر والموت في قصص اخرى وبطرائق تعبيرية سردية مغايرة(صديقي العزيز/اللوحة اليتيمة/دقلة النور/الصورة).
ان الخطاب السردي الانثوي لـ سناء شعلان انتصر لقضايا انسانية مصيرية وحاولت الكاتبة من خلال هذه القضايا ان تبرز الجانب الانساني المفقود لشخصياتها الهامشية وان تمارس العشق عبر الكتابة السردية ضمن سياق ثقافي في الكتابة النسوية يعلي من قيمة الانسان والحب والعطاء والتضحية والأمل.
* * *

هوامش البحث:
1.  فن الحب/اريك فروم/ت: مجاهد عبدالمنعم مجاهد/9.
2.  ينظر: الحب والكراهية /احمد فؤاد الاهواني/44.
3.  المغامرة الجمالية للنص الروائي/محمد صابر عبيد/229.
4.  ارض الحكايا/سناء شعلان/15.
5.  فن الحب/30.
6.  ارض الحكايا/16-17.
7.  م. ن/19.
8.  ارض الحكايا/32.
9.  م. ن/33.
10.  ينظر: الانسان بين الجوهر والمظهر/اريك فروم/ت: سعد زهران/33.
11.  ارض الحكايا/42.
12.  ينظر: الحب والحضارة/ت: مطاع الصفدي/40.
13.  ارض الحكايا/61.
14.  ارض الحكايا/66-67.
15.  ارض الحكايا/69.
16.  م. ن/81.
17.  شذرات من خطاب في العشق/رولان بارت/ت: الهام سليم حطيط/204.
18.  ارض الحكايا/88.


مكتبة الدراسة:
1.           ارض الحكايا /سناء شعلان/نادي الجسرة الثقافي والاجتماعي/قطر/2007.
2.           الانسان بين الجوهر والمظهر/اريك فروم/ت: سعيد زهران/مراجعة: لطفي فطيم/سلسلة عالم المعرفة (140)/الكويت 1989.
3.           الحب والحضارة /هربرت ماركوز/ت: مطاع صفدي/دار الآداب/بيروت.
4.           الحب والكراهية/احمد فؤاد الأهواني/دار المعارف/القاهرة/ط3/1991.
5.           شذرات من خطاب في العشق/رولان بارت/ت: الهام سليم حطيط وحبيب حطيط/سلسلة ابداعات عالمية/(324) المجلس الوطني للثقافة والفنون                    والآداب /2000.
المغامرة الجمالية للنص الروائي /محمد صابر عبيد/عالم الكتب الحديث                (سلسلة مغامرات النص الابداعي 3)/اربد/ط

هناك تعليق واحد: