الخميس، 18 يونيو 2020

أصعب وظيفة في العالم بقلم : أ.د. محمد الدعمي






بيد أن الأخطر من كل ما تقدم من واجبات ومهام، تأتي مهمة الرئيس الأميركي بأن يراقب نفسه بدقة وأن يتحسب لما يقول، بوصفه «صوت الأمة»، إذ تعد دول العالم ما يعلنه الرئيس الأميركي هو الذي يمثل لسان حال «الأمة الأميركية» The Nation.
واحد من الكتب اللافتة للنظر والتي ستصدر في القريب العاجل، هو (أصعب وظيفة في العالم: الرئاسة الأميركية) The Hardest Job in the World: The American Presidency، إذ يتجاوز المؤلف، “جون ديكرسون” Dickerson، فيه عقبة تحويل الكتاب إلى مجرد “تاريخ” لمؤسسة الرئاسة في الولايات المتحدة الأميركية، وذلك من خلال وضع هذه المؤسسة تحت المجهر وعلى خلفية واسعة ومعقدة من الواجبات التي يضطلع بها الرئيس الأميركي حال تسنمه الإدارة في البيت الأبيض.
والحق، فإن هذه الواجبات التي ينبغي لمن يتصدى لمسؤولية الرئاسة الأميركية التعامل معها أكثر تعقيدًا وتنوعًا مما قد يتصور البعض بسبب الميل إلى التسطيح والتبسيط المفرط الذي يميل له أكثر المراقبين (من بين سواهم من المتابعين). على من يجد نفسه في الصالة البيضاوية بالبيت الأبيض أن لا ينسى مسؤولياته المتشعبة والمتنوعة التي تضعه على المحك، لأنها هي التي تقرر مدى نجاحه أو فشله في الاضطلاع بهذه الوظيفة الأخطر عالميًّا: على كل رئيس يدشن دخوله البيت الأبيض أن يراجع قائمة واجباته الخطيرة، وأهمها، هي: (1) أنه القائد العام للقوات المسلحة لأقوى دولة في العالم عسكريًّا، مستذكرًا بأنه الوحيد الذي يمكن أن يتسلم مفتاح أزرار أسلحة الدمار الشامل الذرية والهيدروجينية التي تمتلكها واشنطن؛ كما وأن عليه أن يبقى مأخوذًا بواجبه الأهم، بوصفه “القائد التنفيذي الأعلى” في أقوى وأغنى دولة في العالم، وإذا كانت هذه “الوظيفة التنفيذية” تضعه على محكات الواقع الصعبة، محليًّا ودوليًّا، فإن هذا لا يعني بأنه بعيد عن معضلات وتعقيدات التشريع، ذلك أنه هو “المشرع الأعلى”، حسب النظام الدستوري الأميركي، فلا يمكن أن يمر أي تشريع مقدم من قبل الكونجرس، دون أن يباركه الرئيس. وهذه، لعمري، ليست بالمهمة الهينة، فعلى الرئيس الاضطلاع بها على نحو مستقل لا يرتجع إلى مداولات الكونجرس (بمجلسيه) فحسب، ولكن بشكل نهائي يحسم كل شك أو ريبة، وذلك بمعاونة فريق من أفضل وأعلم المستشارين في العالم.
ولكن قبل هذه المهمات التشريعية والتنفيذية الملقاة على عاتق الرئيس، يتوجب عليه أن لا ينسى قط بأنه “رئيس حزب”، أي رئيس الحزب الذي رشحه لاعتلاء سدة الحكم، أكان ذلك هو الحزب الجمهوري أو الديمقراطي. وهذا الموقع الحزبي يتطلب منه الكثير كذلك، خصوصًا إذا ما أراد التشبث بولاية رئاسية ثانية، لأنها لا يمكن أن تتحقق دون إعادة ترشيحه من قبل قيادة حزبه (الجمهوري في حالة الرئيس الحالي، دونالد ترامب)، فهذا شرط مسبق لبقائه رئيسًا.
بيد أن الأخطر من كل ما تقدم من واجبات ومهام، تأتي مهمة الرئيس الأميركي بأن يراقب نفسه بدقة وأن يتحسب لما يقول، بوصفه “صوت الأمة”، إذ تعد دول العالم ما يعلنه الرئيس الأميركي هو الذي يمثل لسان حال “الأمة الأميركية” The Nation. وإذا كانت هذه حالًا ثقيلة ومحفوفة بالمخاطر والمطبات والمنزلقات، فإن مهمة الرئيس الأعلى من سواها جميعًا إنما تتمثل في كونه “أول متصدٍّ” لما قد يطرأ فجأة على الدولة أو الأمة مما لم يحسب له حساب من ذي قبل. لذا تتبلور صعوبات الرئيس دونالد ترامب هذه الأيام في أنه أول من ينبغي أن يتصدى لما تمر به البلاد من “طوارئ”، من نوع تفشي عدوى “فيروس كورونا”، هذا الفيروس الذي أخذ الرئيس ترامب على حين غرة دون سابق إنذار مسبقة. زد على ذلك، خطورة طبيعة استجابته الآن لما يقض مضاجع الإدارة الأميركية من اضطرابات!
وكما هي الحال في أغلب دول العالم الثالث، حيث يكون الرئيس ذاته هو رأس المؤسسة الدينية في تلك الدولة. لذا، فإن الرئيس الأميركي هو ذاته رئيس الأساقفة والقساوسة والربان في الولايات المتحدة، The Chief Priest.
وفي حال الولايات المتحدة الأميركية بالذات، على الرئيس أن يتذكر بوضوح بأنه “قائد العالم”، بمعنى أن نفوذه إنما هو ذاته نفوذ الولايات المتحدة الأميركية، الدولة التي تقود العالم وحيد القطبية، وهذه الحال هي التي تؤهل الرئيس الأميركي لأن يكون هو “قائد العالم”، كما يعتقد الأميركيون جازمين، ولكن حسب معاييرهم التي لا تخلو من “الخيلاء”!

أ.د. محمد الدعمي

كاتب وباحث أكاديمي عراقي
maldaami@yahoo.com

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق