الجمعة، 16 مارس 2018

إنما “المعلومات” هي النفط الجديد بقلم : أ.د. محمد الدعمي




”أما سبب شيوع المقولة أعلاه في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية الآن عامة، فهو يعود إلى إحساس جماهيري قوي يفيد بأن الإنسان الغربي قد فقد خصوصيته بسبب التطور السريع الذي شهدته أجهزة الاتصال الرقمية، درجة الخشية من أن يكون الإنسان ضحية الخرق المعلوماتي أو الاستخباري حتى وإن كان في “خلاء” الحمام.”
يوظف الأميركيون، والأوروبيون عامة المقولة الواردة، عنوانا، في أعلاه كناية عن أهمية البيانات والمعلومات عامة في تشكيل وتقرير مخرجات صراعات العالم الآن.
ويؤشر أصل المقولة حقبة حديثة مهمة مر بها العالم، وهي حقبة الصراع والهيمنة على مصادر الطاقة، النفط على نحو عام. ونظرا لنزول أسعار النفط على نحو دراماتيكي خلال السنوات القليلة المنصرمة، لم يعد المراقبون ينحون بلائمة الصراعات والخصومات الدولية على هذا المسكين، “النفط”.
ومرد ذلك إنما يكمن في مقولة قديمة قالها أحد عباقرة ومبشري عصر النهضة، إذ إنه قد أعلن بأن “المعلومات إنما هي القوة”، بمعنى أنك إن امتلكت المعلومات الأساس عن عدوٍّ لك، يمكن أن تهزمه وتهيمن عليه من خلال استثمار ما تمتلك من معلومات عنه بشكل أمثل.
أما سبب شيوع المقولة أعلاه في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية الآن عامة، فهو يعود إلى إحساس جماهيري قوي يفيد بأن الإنسان الغربي قد فقد خصوصيته بسبب التطور السريع الذي شهدته أجهزة الاتصال الرقمية، درجة الخشية من أن يكون الإنسان ضحية الخرق المعلوماتي أو الاستخباري حتى وإن كان في “خلاء” الحمام. ولاريب بأن هذه هي إحدى الوسائل التي قد تقود إلى قضاء التكنولوجيا على نفسها بسبب شيوع التذمر والشكوى من أن الإنسان مرصود صوتيا وفيلميا أينما ذهب، بدليل أن شهوة الأجهزة الأمنية إلى المعلومات غدت موجة جارفة لا يمكن حتى للدول الكبرى مقاومتها. بل إنك حتى عندما تفتح بريدك الإلكتروني للاطلاع على ما وصل إليك من رسائل خاصة، إذ لا يمكن قط أن تفلت من عدد من الإعلانات التي تطلب منك “معلومات” عن تفضيلاتك وتفضيلات أفراد أسرتك عندما تذهبون للتسوق مقابل أجور نقدية، لأن الفوز بهذه البيانات والاستطلاعات هو الذي يرشد ويقرر ما الذي ستركز الشركات عليه من إنتاج، من مرحلة التصنيع حتى مرحلة التسويق بالمفرد!
أما بالنسبة للصراعات والارتطامات الكبرى بين الدول الكبرى، فلا شك بأنها تعتمد على المعلومات الدقيقة لإدارتها والفوز بها. وهذا هو سر خراب العلاقات الدولية اليوم، إذ وصل الأمر إلى التصنت حتى على هواتف القادة وأولي الأمر، كما حدث بالنسبة للمستشارة الألمانية “ميركل” من قبل الأميركان، بل وكما يحدث لسواها اليوم دون أن يكتشف أو أن يعلن على الملأ. زد على ذلك التمسك بأن المعلومات التي تمتلكها، واشنطن على سبيل المثال، عن الحياة الشخصية والخصوصية لشواخصها ناهيك عن الشخصيات العالمية إنما تخص صانعي القرارات المهمة.
وللمرء أن يطوي ما كنت أنا شخصيا أؤمن به من ذي قبل، وهو أن عصر التجسس والجواسيس قد انقضى مع طي صفحة آثار الحرب العالمية الثانية وإسدال الستار على الحرب الباردة قبل بضعة عقود.
إنه لمن الأهمية بمكان أن نلاحظ بأن الرئيس الأميركي الجديد نسبيا، دونالد ترامب، قد ركّز على الإقلال من الإنفاق الفيدرالي عبر جميع مجالات الحياة، باستثناء الإنفاق العالي التكاليف على أجهزة المخابرات، العسكرية والمدنية، نظرا لعلمه بأن المعلومات إنما تشكل مفاتيح الانتصار في كل منافسة على الإطلاق، ابتداءً من الحروب التجارية، وليس انتهاءً بالارتطامات العسكرية الكبرى.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق