الجمعة، 7 أغسطس 2026

عتبة الفوضى والسديم بقلم : بسمة ججيني نعامنة

 
عتبة الفوضى والسديم
بسمة ججيني نعامنة    
 

 

في قلب العاصفة العارمة التي هدمت الصومعة، لم تكن الحجارة المبعثرة سوى اذن جديد لبدء النور.

فهنالك حيث يولد الحطام والافول الكامل، تفتح الأقدار شقا ضيقا لوجه الشمس الغائب. تهاوت أسوار المدينة القديمة، واختلطت أصوات البكاء بأذكار الفقد، فلم يبق من اليقين العتيق سوى رماد يذروه الريح.

كان المشهد أشبه بسديم كوني، غبار يغزل من عتبة الفضاء عباءة ملونة للوجود، ورحم من غاز ونور تولد في أعماقه حكايات السماء.

وسط هذا الصمت الموحش، وقفت على حافة الهاوية التي كانت أمامها يوما ساحة كبرى. نظرت الى الفوضى الهادرة تمزق كل شيء، ثم انحنت بهدوء والتقطت حصاة صغيرة بيضاء، ركام الوهم المنكسر.

أدركت في تلك اللحظة أن الهدوء المطلق موت، أن في قلب هذا السديم المظلم، لا بد أن تنفجر شرارة النور لتعلن ولادة نجم يتلألأ، ماسات سماوية تلمع، بعد مخاض طويل في عمق الضباب الكوني.

بينما كانت تتأمل شرارات النور الموعودة، مر بها طيف يخطو خفيفا فوق ركام الأرض، مسافر عابر، مر كالنسمة وسط العاصفة، لم يلتفت للوراء، ولم ينتظر أحدا، غريب لا يحمل معه سوى نظرة ثاقبة وابتسامة غامضة.

لم تسأله عن اسمه أو وجهته، لكن العابر التفت اليها قائلا بصوت هادئ-*-**********************************:" النجوم لا تولد في السماء المستقرة، بل في قلب هذا الضباب العشوائي الذي ترينه."

مضى الطيف كأنه لم يكن، تاركا الكلمات تشتعل كالنجم في سويداء قلبها، معلنة السطر الأول لقصة الأرض وهي تعيد كتابة نفسها. لم تكن كلمات العابر مجرد صوت عابر، بل كانت زلزالا هادئا أعاد ترتيب الفوضى في سويداء قلبها.

نظرت حولها برؤية جديدة، فلم تعد ترى في الركام نهاية. بل رأت فيه الفراغ الضروري الذي يسبق كل خلق عظيم. سكن روعها، وتبدد الخوف من عينيها، ليحل محله يقين صامت، خطت به أولى خطواتها فوق الرماد.

 أصبح كفها يشع بالضياء الزمردي، فلم تجد الحصاة البيضاء، لقد ذابت تماما وتشربتها عروقها . في تلك اللحظة الخالدة، ادركت الحقيقة الكبرى : العابر، والحصاة، والفوضى والأفول، لم يكونوا الا مرايا لداخلها. لم تبحث عن طريق خارجها، بل كانت تعيد صياغة وعيها بالوجود من سويداء قلبها. التفتت الى الخلف، نحو المدينة المظلمة، ورفعت كفها المضيء، فبدأت شرارات النور تتساقط من اصابعها كالشهب، لتزرع في قلب الحطام بذور فجر جديد.

.

 

 

.

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق