السبت، 16 سبتمبر 2017

أب وابن


 قصّة أخلاقية
ترجمة حسيب شحادة
جامعة هلسنكي


أب عجوز وابنه ابن عشرين ربيعًا، كانا يجلسان في القطار. كان القطار على وشك التحرّك من المحطّة، وكلّ الركّاب اتّخذوا مقاعدهم. حينما بدأ القطار في التحرّك، أصبح الشابّ الجالس بجانب النافذة مفعمًا بالفرح وحبّ الاستطلاع. أخرج إحدى يديه ليحسّ مرور الهواء وصاح: ”أبي، أُنظر كلّ الأشجار تسير إلى الوراء“. ابتسم الأب العجوز وأُعجب بإحساسات ابنه. كان يجلس بجوار الشابّ زوجان يُصغيان لما يدور بين الأب وابنه من حديث. شعر الزوجان ببعض الارتباك إزاء التصرّف الصبياني لشاب عشريني.

فجأةً صاح الشابّ أبي أبي، أُنظر البرْكة والحيوانات. الغيوم تسير مع القطار“. كان الزوجان يراقبان الشابّ بارتباك وتحيّر. الآن بدأ المطر يهطل، وبعض القطرات لمست راحة الشاب. كان ينضح ابتهاجًا وسعادة وأغمض عينيه. صاح ثانية أبي، المطر يهطل، الماء يلامسني، أُنظر يا أبي“. لم يقوَ الزوجان على الصمت أكثر فسألا العجوز لماذا لا تتوجّه للطبيب لمعالجة ابنك“.

ردّ العجوز: ”نعم، اليوم قدِمنا من المستشفى، وابني استردّ بصرَه للمرّة الأولى في حياته“.

العِبرة: لا تستخلصِ النتائجَ قبل معرفة كلّ الحقائق.



الجمعة، 15 سبتمبر 2017

الكرد: تعريف وآفاق (4) بقلم البروفيسور محمد الدعمي




” في حقل الصعيد السياسي بالتحديد، يمكن للمرء أن يلاحظ هذا الاختلاط والتداخل الاجتماعي الصحي الذي أضفى عليه الكرد صفته الرائعة والجميلة المتفردة. لقد عمل الكرد بكل نشاط وذكاء بداخل الحركات السياسية الوطنية والديمقراطية في العراق حتى صارت بعض أسمائهم جزءاً لا يتجزأ من تاريخ الحركة الوطنية في العراق.”
اضطلع كرد العراق بأدوار طيبة وأساسية في بناء الدولة العراقية الحديثة وفي تشكيل مجتمعها المتنوع والمتماسك، حيث كان للتصاهر والاختلاط أثراً إيجابياً في تشكيل المجتمع العراقي المتنوع الذي جعل من وجود الكرد فيه مجتمعاً مختلفاً عما يجاوره من مجتمعات، سواء عربية أو غير عربية. وقد لعبت شخصيات كردية مبرزة أدواراً رائدة في بناء صرح الثقافة العراقية، بل والعربية والإسلامية في الماضي وفي الحاضر، كما لاحظنا ذلك في الحلقة السابقة. ولم نزل نقف أمام مثل هذه الشواخص بكل احترام وتفاخر واعتزاز. ونتيجة لهذا النوع من التلاقح الثقافي والسكاني ظهرت، لأول مرة في التاريخ الشرقي، فئة من الكرد الذين أطلق عليهم البعض إسم “المستعربين”: وهم هؤلاء الذين شكلوا جزءاً رئيساً من سكان المدن العراقية الكبرى كبغداد والموصل. وكان هؤلاء كرداً أساساً (من الناحية الإثنية) ولكنهم أنصاف عرب (من الناحية الثقافية)، بقدر تعلق الأمر بثقافتهم وإسهاماتهم الفكرية والعملية المحترمة، فبرز منهم أساطين من كبار الساسة والأطباء والأساتذة والمحامين والتجار، مشكلين جزءاً رئيساً مما يمكن أن نطلق عليه اليوم بـ”النخبة السراتية” الثقافية في العراق.
في حقل الصعيد السياسي بالتحديد، يمكن للمرء أن يلاحظ هذا الاختلاط والتداخل الاجتماعي الصحي الذي أضفى عليه الكرد صفتهم الرائعة والجميلة المتفردة. لقد عمل الكرد بكل نشاط وذكاء بداخل الحركات السياسية الوطنية والديمقراطية في العراق حتى صارت بعض أسمائهم جزءاً لا يتجزأ من تاريخ الحركة الوطنية في العراق. كما كان لبعض الكرد (في أحيان عدة) “حصة الأسد” في تشكيل وإدارة الحكومات العراقية الناشئة منذ بدايات القرن الزائل، فكان منهم رؤساء الوزارات والوزراء والمحافظين وكبار الضباط. بل ويقال بأن أقوى شخصية في تاريخ النظام الملكي في العراق طوال أربعين عاماً، المغفور له نوري باشا السعيد، إنما هو من أصول كردية. كما كان أقوى وزير داخلية حقبة ذاك رجلاً كردياً وطنياً لم يزل يُذكر من قبل العراقيين نظراً لشجاعته وحبه لوطنه، سعيد قزاز. حتى مؤسس الجمهورية العراقية، المرحوم الزعيم عبد الكريم قاسم، كان نصف كردي، لأن والدته تنتمي عرقياً إلى هذه القومية الطيبة. ومن الظواهر الملفتة للنظر أن يبرز ساسة كرد في الحركات القومية العربية التي تطالب بالوحدة العربية وبالاندماج الوطني بين القوميتين الرئيسيتين في العراق. ومن هؤلاء رجال تسنموا مراكز قيادية في الحكومات العراقية المتعاقبة السابقة، من أمثال علي صالح السعدي، وطه الجزراوي وطه محيي الدين معروف، الرجل الثاني و الثالث أهمية بعد الرئيس السابق المخلوع، وهم كرد كذلك. زعيم اللجنة المركزية في الحزب الشيوعي العراقي السابق، عزيز محمد، كان كرديا ، كما كان عليه الحال مع أعداد كبيرة من القيادات والحركات السياسية في العراق، في النظام وفي المعارضة قبل الغزو الأميركي (2003)، ناهيك عن أن الجيش العراقي كان يزخر بعدد من أشجع وأبرز ضباطه من الأكراد، والقائمة تطول، إن أردنا استذكار آخرين من الأطباء والمهندسين والفنانين ورجال الدولة.
إن الفسيفساء العراقي الذي يضفي عليه الأكراد لونه ومزاجه المتفرد لا يمكن أن يُفهم أو يُدرك بدقة بدون فهم طبيعة الكرد ودورهم المهم في تشكيل العراق الحديث. ويبدو أن وجود قوميتين رئيسيتين في العراق (العرب والكرد) يمكن أن يُشكل سلاحا ذا حدين: فمن ناحية أولى، يؤول هذا التنوع العرقي واللغوي إلى التنافس البنّاء وإلى التفاعل فهما العنصران اللذان يمثلا الشروط المسبقة للتقدم والابتكار والإبداع. ومن ناحية ثانية، ولكن سلبية، يخدم هذا التنوع العرقي الرئيسي في العراق مصدراً للمشاكل والفوضى عندما يحاول جزء من قومية معينة مصادرة حقوق وتطلعات القومية الأخرى، كما حدث عبر عقود وسنوات تاريخ العراق الحديث. ولا يبالغ المرء إذا ما ذهب إلى أن هذه الثنائية الإثنية الأساس، إنما يمكن أن تُحال إلى عنصر تآصر وتجاذب، بدلاً من أن يساء استخدامها بوصفها عنصراً للتنافر والتناقص. وللمرء أن يستذكر مدينة كركوك الغنية بالنفط، كقنبلة موقوتة (كما وصفها أعضاء لجنة الحكماء الذين زاروها بعد الاحتلال، ومنهم جيمس بيكر وجو بايدن)، أو كفضاء للتعايش والتفاعل بين الأجناس والأديان.

اعلان عن جائزة المجمع للإبداع




يعلن مجمع اللغة العربية في الناصرة عن جائزة مالية، قدرها 25000 ش. ج.
تقدم لمبدع في مجال الأدب، وتمنح لأديب محلّيّ واحد، له مساهمة مثبتة في مجال اللغة العربية.
تقدم الطلبات للمجمع حتى تاريخ 30.10.2017، وتشمل سيرة شخصية في حدود 300 كلمة، وقائمة بالإصدارات.
يمكن تقديم الطلبات في مكاتب المجمع، أو بالوسائل الأخرى التي تظهر أدناه:
مجمع اللغة العربية (האקדמיה ללשון הערבית)، ص. ب. 51046 الناصرة، م. ب. 1616602، أو بالفاكس: 048622071، أو بالبريد الإلكتروني majma1@bezeqint.net.للاستفسار يمكن الاتصال على هاتف المجمع: 048622070، أو عبر البريد الإلكتروني. 

صدر حديثا : باسل يتعلّم الكتابة ، قصة للأطفال للأديب جميل السلحوت


صدر  حديثا  :عن منشورات الزّيزفونة لتنمية ثقافة الطفل في بيتونيا-رام الله- فلسطين، صدرت قصّة أطفال جديدة للأديب المقدسيّ جميل السلحوت تحمل عنوان "باسل يتعلّم الكتابة"، وتقع القصّة التي صاحبتها رسومات للفنّانة آلاء بيرواي في 24 صفحة من الحجم المتوسّط، وقام بتصميمها شريف سمحان.
يجدر التّذكير أنّ الأديب السلحوت كتب في العديد من الأصناف الأدبيّة، فقد كتب الرّواية للكبار وللفتيان ولليافعين، قصص الأطفال، في التراث، أدب الرّحلات، الأدب السّاخر، النقد الأدبي، اليوميّات والأبحاث.



الخميس، 14 سبتمبر 2017

الكرد: تعريف وآفاق الجزء 3 ، بقلم البروفيسور محمد الدعمي

تناهى التوافق بين الطبيعة الغنّاء والإنسان الكردي في أجمل أشكاله إلى المرأة الكردية. وهي امرأة محافظة جدا ووفية لعائلتها ولأطفالها، أيما وفاء. أما لباسها فهو غالبا ما يكون من الأثواب العريضة الفضفاضة وبالألوان الزاهية واللامعة المثيرة للانتباه، إضافة إلى أنها غالبا ما تضع غطاء للرأس أشبه ما يكون بشكل العمامة، ولكنه مزوق بالخيوط المذهبة وبالألوان المختلفة، زيادة على الفصوص وقطع المعادن الغالية الثمن. وهي، عندما تكون من عائلة غنية، فإنها تبالغ في لبس الحُلي الذهبية والفضية والمطرزة بالأحجار الكريمة. وبسبب تقاليدها القومية والدينية العميقة، تبدو المرأة الكردية شديدة العناية بنظافتها وبنظافة أبنائها وبيتها، بينما يمتاز مطبخها بالأكلات والصحون المتنوعة، إضافة إلى ابتكارها أنواعا من فنون وأساليب حفظ الأغذية التي تزخر بها بلادها في مواسم معينة. ويكون الحفظ على أشعة وحرارة الشمس أحيانا، بينما يكون هذا الحفظ تحت أكوام الثلج والجليد السميك الذي يغطي سفوح الجبال في أحيان أخرى، حسب الموقع الجغرافي ودرجات الحرارة وتقلب المواسم. أما لباس الرجل الكردي التقليدي، فيتكون من سترة سميكة وقصيرة (جاكيت) مع سروال عريض مستدق النهاية. وتُلف قطعة قماش طويلة وملونة على الجذع في منطقة إلتقاء السروال بالسترة بديلا عن الحزام الجلدي الذي نستعمله. ويرتدي الرجل الكردي في المناطق الصخرية نوعا من الأحذية البيضاء المحاكة يدويا، وهي قوية ومناسبة لمقاومة الصخور وتسلق المرتفعات والحافات القاسية. ويضع الرجل على رأسه عمامة سميكة لحمايته من البرد القارص والحر الشديد خاصة في المناطق المتقلبة الطقس. ويبدو بأن أفضل مناسبة للاستمتاع بجمال الكرد وبروعة تآزرهم الاجتماعي تتمثل في مناسباتهم القومية والدينية كأعياد نوروز والأعياد الدينية الإسلامية، ناهيك عن مناسبات الأفراح، كالزواج والختان وسواهما. في مثل هذه الاحتفالات، يلتقي أبناء العشيرة أو القرية ليغنوا ويرقصوا للحياة عبر “الدبكة الكردية” المتميزة، بينما يتخلل هذا الغناء والرقص نوعا خاصا من الموسيقى الكردية القديمة والبسيطة، ولكن الرائعة. والكرد كرماء في طبيعتهم، لذا لن يجد الزائر الغريب بينهم أي إحساس بالغربة أو الاغتراب، ذلك أنهم يحيطوه بالاحترام والتقدير وسعة الصدر والسخاء، بل وبكل ما تشتهي نفسه من الخيرات، من المأكولات والشراب.
أما أبناء المدن، وبحكم اتصالاتهم التجارية والاجتماعية والسياسية بالأقوام المجاورة كالعرب، فقد تمكنوا من البروز في مختلف هذه الحقول، ليس بداخل المجتمع الكردي فحسب، بل كذلك بدواخل المجتمعات المجاورة المتآخية مع الكرد، كالعرب. ويقدم لنا تاريخ الثقافة، وليس تاريخ البلاط والسياسة، منائر عالية من المفكرين والفقهاء والفلاسفة والأدباء الكرد الذين أبدعوا بلغات هذه الأقوام. وتزخر الثقافة العربية في العراق وفي سواه بأسماء رجال فكر كرد بارزين، ومنهم فحول الشعراء كـالراحل “بلند الحيدري”. ويذهب بعض المتابعين إلى أن الشاعر نزار قباني إنما ينتمي إلى أسرة كردية الأصل. وإضافة إلى هذا، برز من الكرد رجال دين ورجال دولة، زيادة على رجال القلم والسيف.


الثلاثاء، 12 سبتمبر 2017

الضيف الغريب من نابلس ترجمة بروفيسور حسيب شحادة


جامعة هلسنكي


في ما يلي ترجمة عربية لهذه القصّة بالعبرية، رواها فياض بن يوسف/لطفي بن فياض الطيف الدنفي (زبولن بن يوسف بن زبولن الطيف الدنفي، ١٩٢٩ - ، من رؤساء الطائفة، معلّم للغة الإنجليزية في نابلس، نشر مقالات كثيرة عن حياة الطائفة في ا. ب.) بالعربية على بنياميم صدقة (١٩٤٤-)، الذي نقلها بدوره إلى العبرية، أعدّها، نقّحها، ونشرها في  الدورية السامرية أ. ب. - أخبار السامرة، في العددين ١٢٢٦-١٢٢٧، ١٥ كانون ثان  ٢٠١٧، ص. ٧٩-٨٢.

هذه الدورية التي تصدر مرّتين شهريًا في مدينة حولون جنوبي تل أبيب، فريدة من نوعها: إنّها تستعمل أربع لغات بأربعة خطوط أو أربع أبجديات: العبرية أو الآرامية السامرية بالخطّ العبري القديم، المعروف اليوم بالحروف السامرية؛ العبرية الحديثة بالخطّ المربّع/الأشوري، أي الخطّ العبري الحالي؛ العربية بالرسم العربي؛ الإنجليزية (أحيانًا لغات أخرى مثل الفرنسية والألمانية والإسبانية) بالخطّ اللاتيني.

بدأت هذه الدورية السامرية في الصدور منذ أواخر العام ١٩٦٩، وما زالت تصدر بانتظام، تُوزَّع مجّانًا على كلّ بيت سامري في نابلس وحولون، قرابة الثمانمائة سامري، وهناك مشتركون فيها من الباحثين والمهتمّين بالدراسات السامرية، في شتّى دول العالم. هذه الدورية، ما زالت حيّة تُرزق، لا بل وتتطوّر بفضل إخلاص ومثابرة المحرّريْن الشقيقين، بنياميم (الأمينويفت (حسني)،  نجْلي المرحوم راضي صدقة الصباحي (رتصون صدقة الصفري، ٢٢ شباط ١٩٢٢ــ٢٠ كانون الثاني ١٩٩٠).

وحدة في القدس

أودّ أن أقصّ عليكمُ القصّة التالية، التي تُعلّمنا الكثير عن ظروف حياة آبائنا، وعن طبائع بني البشر الخاصّة متعددة الجوانب. سمعت القصّة مرّاتٍ لا تحصى من أبي يوسف/لطفي بن فياض الدنفي. عندما كان يصل إلى نهايتها، كان يومىء برأسه من أعلى إلى أسفل ويقول: حقًّا هذا هو الأمر المناسب والصحيح الذي يستحقّه كل من يسلُك الطريق غير المستقيم، إذ أنّه في نهاية المطاف يرتدّ العار الذي فعله بيديه إليه ويلاحقه.

أثق بقول والدي، مع أنّه لا يأتي بأيّ جديد. كان أشهر حكمائنا القدامى، مرقه بن عمرم، قد كتب في قصيدته الخالدة: راقبنا يا سيّدنا، في البيت المستهلّ بحرف القاف ما معناه: السوء لا يجد إلى أين يذهب، بل يعود، في الواقع، إلى فاعله [في الأصل بالآرامية السامرية، لهجة فلسطينية غربية. مرقه بن عمرم داره، القرن الرابع للميلاد. أنظر: زئيڤ بن حاييم، عبرية وآرامية السامرة، صوت الشعر والصلاة، مج. ٣، كتاب ٢، القدس: الأكاديمية للغة العبرية ١٩٦٧، ص. ١٤٥ س. ٦-٧، في الأصل بالعبرية] وهذا شبيه بالقول: من حفر حفرة لأخيه وقع فيها.

إنّي أتحدّث عن تلك الأيّام البعيدة، حيث لم يكن لا اقتصاد ولا رزق بالمرّة في نابلس، ولذلك اضطرّ السامريون إلى  الانتظام في مجموعات من الأقارب والشركاء لهدف واحد: إيجاد مصدر رزق لهم ولأفراد أُسرهم خارج نابلس. منهم منَ انضمّوا للعمل في معسكرات الجيش البريطاني في نتانيا وتل أبيب. قسم آخر عمل في إطار الهستدروت (النقابة) العبرية في عمل بناء البلاد. آخرون توجّهوا للعمل في القدس حتّى. كانوا يسافرون يوم الأحد من نابلس إلى القدس، يبيتون هناك طيلة الأسبوع في شَقّة مستأجرة، وفي يوم الجمعة يعودون ثانية إلى نابلس.

كان أبي يوسف في إحدى هذا المجموعات، وبرفقته أبناء عائلته، شقيقه خليل (أبراهام) بن عبدالله لطيف الدنفي وشقيقه سليم (شلوم) الذي قُتل في الهزّة الأرضية التي ضربت نابلس سنة ١٩٢٧. كما كان بمعيّتهم ضمن آخرين عزات (عزي) بن إسماعيل السراوي (الستري) الدنفي. هنا أنا أحكي عن تنظيم سبق ما ذكرت. إنّي أتحدّث عن أيّام الحكم العثماني الأخيرة في فلسطين قبل الاحتلال البريطاني لها عام ١٩١٧. استأجروا شَقّة في القدس، سُرعان ما غدت بؤرة جاذبة لكلّ  سامري وصل القدس لغاية ما؛ كما كانت عليه الحال في يافا في بيت إبراهيم بن فرج صدقة الصباحي (أبراهام بن مرحيب صدقه الصفري)، حيث أمّه سامريرن كُثر. كلّ سامري خارج مدينته يبحث دومًا عن أبناء جلدته، للمبيت عندهم، ولتمضية الوقت بدون ملل، ولتجنّب القال والقيل من قبل المتسائلين عن كيفية قضاء الوقت وحيدًا، بدون عين سامري أخرى تراقبه. هكذا همُ السامريون، رُحماء بنو رحماء، ويكفُل الواحدُ الآخر.

كذلك الكاهن الشاب مجايلهم، واصف بن الكاهن توفيق بن خضر (آشر بن متصليح بن فنحاس)، كان معهم وعُيّن شماسًا لدى المجموعة عند اللزوم. إجمالًا، هم قضوا ساعات بعد الظهر، بعد العمل بهناء. نيّتهم في جمع بعض المال نقدًا لإعالة أسرهم، وحّدتهم في مجموعة واحدة مترابطة، ومن الصعوبة بمكان الفصل بين أعضائها. نشأت بينهم صداقة وأُخوّة لا مثيل لهما. استقبلوا بالترحاب كلّ سامري تواجد في القدس، وشاركوه المبيت والطعام كإخوة. في بعض الأحيان، في غياب القرش، وهم تقاضوا قروشا، بقوا في القدس يوم السبت ريثما يوفّرون ما يكفي للسفر إلى بيوتهم في نابلس. هذه هي خلفية القصّة الطريفة، التي طالما أكثر والدي في روايتها لي كما أسلفت.
الضيف الغريب

ذات يوم، أتى إلى الشقّة عربي وقدّم نفسه بأنّه من سكّان إحدى القرى المجاورة لنابلسكان يمسُِك بكلّ يد حقيبتين ثقيلتين مربوطتين بالحبال طولًا وعرضا. وضعها في ركن الغرفة كما قيل له. الشقّة كانت صغيرة، وكلّ واحد منّا احتلّ ركنًا فيها حيث وضع فيه شرشفًا أو فرشة، آنذاك لا أحد تكلّم عن الأسِرّة. ساعة جلوسنا لتناول الطعام، كنا نفرش على المصطبة حرام صوف قاتمًا سميكا، بمثابة مائدة وقت الحاجة. آونتها، مائدة خشبية كبيرة، لم تكن في الحسبان، أو في الحلم، تلك ما كانت  في نطاق إمكانياتنا.

لا أحد منّا سأل الضيف عمّا في حقائبه، بالرغم من حبّ استطلاعنا الذي نهشنا، لأن الأدب يقضي عدم دسّ الأنف بما ليس لنا. تعجبّنا قليلًا، كيف وجد ذلك العربي،  ذو اللباس المهندم، الماشي الهوينا كالأسياد الأثرياء، لديه عكّاز مزركش بنقوش نحاسية لمّاعة، وغالبًا ما يكون معلّقًا على ذراعه، بالتحديد شقّتَنا البسيطة للمبيت. كان بوسعه، بدون ريب، المبيت بحسب مظهره في أفخم فندق. تساءلنا وأجبنا أنفسنا، لا شكّ أنّه يشعر بالراحة برفقة أبناء مدينته، حتّى ولو كانوا كلهم سامريين كفّارًا، كما اعتادوا تسميتنا في أوساط المسلمين، يروي أبي، فهذا أفضل من أن يبيت في فندق لا يعرف فيه أحدا.

كان يحدّثنا بشكل لطيف، وسُرعان ما وجدنا أنّه محدّث لبق وابن العالم الواسع، الذي لم يره أيٌّ منّا واكتفى بالحلم عنه. لم يفتح حقائبه بحضورنا قطّ. كنّا نذهب في الصباح إلى العمل ونعود إلى الشقّة بعد الظهر. ضيفنا، كان سيّد وقته، يظهر أنّه لم يزاول أيّ عمل شاقّ في حياته، أنيق دومًا، يرتدي معطفه الطويل الجميل.

عُصِيٌّ تحت المعْطف

أحيانًا عند رجوعنا من العمل، كنّا نراه جالسًا في أحد المقاهي بجانب باب العامود، منغمسًا بمحادثة مفعمة بالحيوية مع أصدقائه حول الأرجيلة، الذين احترموه كثيرا. عند رجوعنا إلى الشقّة كان يتطوّع أحدنا دائمًا لإعداد الطعام لكلّ المجموعة. في تلك الأيّام، قائمة الطعام لم تكن متنوّعة. لا بدّ من الاعتراف، أنّنا طبخنا كلّ يوم نفس الطعام: خليط من العدس والأرز والبصل والزيت، أي: المجدرة، أكلة قائمة بذاتها، إذا ما تنوولت بنحو نادر، لنقل مرّة في الأسبوع؛ لكن إذا تنوولت يوميًّا فتكون معدّة فقط لمَلء معدتنا المتلهّفة. لم نفكّر عن اللحم، لأنّنا كنّا بعيدين عن بيوتنا.

على كلّ حال، قصّ والدي - طبخْنا للضيف أيضا. وبسبب احترامنا الجمّ له، كدّسنا جدًّا صحنه بالعدس والأرز أكثر بكثير من حِصّة كلّ واحد منّا. في نهاية المطاف، لا يأتينا ضيف في كلّ يوم، وبحوزته أربع حقائب مكدّسة، والله وحده يعلم ما في داخلها. كنّا متأكدين بأنّ الضيف في آخر المطاف، سيكافئنا على كرم ضيافتنا. أكل معنا عن طيب خاطر، وشرب كأس العرق النابلسي حتّى الثمالة. ظاهرة المسلمين المتديّنين، الذين لا ينفرون من كأس مشروب روحي، كانت معروفة جيّدًا لنا في نابلس، لذلك لم نستغرب هذه الممارسة. كما أنّه لم يستفسر قطّ، لماذا يحظى هو بنصيب من الطعام أكثر من جميع ساكني الشقّة. وفي المقابل، لم نسأل نحن عمّا في حقائبه. أضف إلى ذلك، كانت وجبته تزيد كلّ يوم.

ذات يوم استسلمْنا لحبّ الاستطلاع. هو لم يكن في الشقّة حين رجوعنا إليها. أوقفنا اثنين منّا بجانب النوافذ لإخطارنا بقدومه واثنان آخران بدآ في فكّ عقد الحبال من على إحدى الحقائب الأربع، ولكن قبل أن نتمكّن من فتحها، عاد ضيفُنا، وبسرعة فائقة وبجهد كبير استطعنا إخفاء آثار محاولتنا لمعرفة ما في الحقائب. لم يشكّ ضيفنا بشيء، وفرح باقتراحنا لمرافقتنا إلى سوق القدس، لشراء عكّازة لأحد أعمام والدي.

الكلّ انضمّ لشراء العكّازة، لا أحد أراد أن يفوّت فرصة التنزّه في القدس بمعيّة ضيفنا المبجّل. اتّكلنا على نصيحته الحسنة، وفي الواقع نصحنا بعكّازة جميلة. وبينما كنّا نساوم صاحب الدكّان على السعر، لاحظ بعضنا أنّ ضيفنا أخذ عصوين وخبأهما داخل معطفه الفضفاض، ولم يشتلقعلى ذلك آخرون. ”ضيفنا لصّـــ قلنا بيننا وبين أنفسنا ــ لذلك حقائبه مكدّسة، إنّنا نستضيف لصًّا في شقّتنا“. منذ ذلك اليوم أخذنا في إنقاص وجبته إلى حين لم يبق في صحنه إلا النَزْر. في يوم من الأيّام اختفى ضيفنا وما عاد“.