الأحد، 13 سبتمبر 2026

الأحياء الأموات_ قصّة قصيرة - عامر عودة

 

الأحياء الأموات_ قصّة قصيرة

 عامر عودة  






عُدْنَ من جولتهنَّ حزينات ضعيفات يُسربلهنَّ التَّعب. رفيقاتهنَّ اللّواتي كُنَّ بانتظارهنَّ، تَوَقَّعنَ منهنَّ أن يَعُدْنَ فرحات راقصات رقصتهنَّ الاهتزازيَّة، لكنَّهنَّ لم يفعلنَ، بل اندسسن عَبرَ الكُوّات داخل مستعمرتهنَّ الصَّغيرة خائبات الأمل يأكلهنَّ الجوع ويجتاحهنَّ التَّعب.

 

استبدت برفيقاتهنَّ الحيرة؛ فليس منَ المعقول أن تكونَ المدينة وما حولها شحيحةَ الطّعام، إذ إنَّ آباءهنَّ وأجدادهنَّ، استوطنوا أيّامًا وأسابيع في هذا المكان، ولو لم يكن وافر الغِذاء والماء، لهلكوا جميعًا. وهذا ما جعلهنَّ يتجمَّعنَ فيه من جديد. أمّا أن يذهب تعبهنَّ سدًى، بعد أنِ اجتهدنَ في بناءِ مستعمرتهنَّ، فهذا ما لم يتوقّعنَه أبدًا.

 

بعدَ اجتماعٍ تشاوري، قرَّرنَ الانتشار في جميعِ الجهات بحثًا عنِ الطّعام، فقد بدأَ الجوع يُلقي بظلاله عَلَيهنَّ، وصغارهنَّ لا تحتملُ الجوع طويلًا... فانقسمنَ جماعات، عاقدات العزم على البحث عن غِذاء، لأنَّ القليل منه الّذي كان في منطقتهنًّ قد نَفِدَ... وبقي في المستعمرة قسم صغير منهنَّ، ليحميها منَ اللّصوص والأعداء.

 

انطلقنَ إلى المدينةِ القريبة حيث يسكنُ البشر. وعندما بدأنَ بالاقتراب منها، تَفَتَّحَ زهرُ الآمال في قلوبهنَّ، فقد بدا الغذاء فيها وفيرًا، والماء كثيرًا. فاستغربنَ كيف أنًّ زميلاتهنَّ عُدنَ خالياتِ الوفاض، يَعُضّهنَّ الجوع... لكن عندما اقتربنَ من ذلكَ الّذي بدا لهنَّ طعامًا لِيُسكِتنَ به جوعهنَّ، ويأخذنَ ما قدرنَ منه لصغارهنَّ، وقعتِ المفاجأة...

 

في هذهِ الأثناء، مرَّ رَجُلان بجانبِ المستعمرةِ الّتي تركوها وراءهنَّ. وعندما وقعت أعينهما عليها، تَجَلّى الاهتمام فيها، ولمعت جشعًا، وانفرجت أساريرهما. فاقتربا منها ليتأكّدا من صِحَّةِ اكتشافهما. لكنَّ المدافعات عنها هاجموهما، ودافعنَ عن مستعمرتهنَّ بشجاعة فائقة، حتّى فرّا مُطرقيْن بخيبتهما.

 

عادتِ الباحثات عنِ الطَّعام من حيث أتينَ خالياتَ الوفاض، يتضورنَ جوعًا ويذوونَ عطشًا؛ فالطَّعامُ الّذي بدا لهنَّ وفيرًا من بعيد، بألوانِهِ الزّاهيةِ الجميلة، اكتشفنَ أنَّه من مواد بلاستيكيَّة خَدّاعة، وتَجمُّعات المياهِ القليلة والصَّغيرة مُلَوّثة، ذات رائحة قذرة. فلا روح في هذهِ المدينة ولا حياة. إنّها لا تُطعم جائعًا، ولا تروي ظمآنًا. ولم يبق لديهنَّ أيّ ذبالة من أمل بإيجاد غذاء.

 

عندما اقتربنَ من مستعمرتهنَّ، رأينَ بعضًا من زميلاتهنَّ قد أدركهنَّ الثُّبور، وبعضهنَّ الآخر أثخنتهنَّ الجروح. فأدركنَ أنَّ معركة قد وقعت للدّفاع عنِ البيت، ولحمايةِ الصِّغارِ الّذين كانوا وما زالوا يَتضوّرون جوعًا، مُنتظرين فرجًا لم يأت بعد...

 

لم تمرّ إلّا بضع ساعات، حتّى عادَ الرَّجُلان المُعتديان مُرتديان ملابس عجيبة، تشبه ملابس رجالِ الفضاء، بعد أن تَسَلَّل ثعبانُ الإغراء إلى قلبيْهما. فاقتحما المستعمرةَ الصَّغيرة بلا رحمة، لسرقة ما اعتقدا من أنّ سُكّانها قد خَزَّنوه من طعام، ليأكلا، ويُطعما عائلتهما. وتَعَجَّبا كيف أنَّ سكانها فرّوا هاربين، ولم يدافعوا عنها هذهِ المرَّة، كما في المرّةِ السّابقة، وكما في كلِّ مرَّة يُقْدِمان فيها على مثل هذهِ السَّرقة!

 

لم يجدِ الرّجلان داخل تلكَ المستعمرةِ الصَّغيرة غير جثث كائنات صغيرة أهلكها الجوع، وذواها العطش؛ فعادا من حيث أتيا، إلى مدينتهنَّ الحيَّة الميّتة، مشتاقين لطعم ونكهة طبيعيّة طيّبة، لم يتذوقاها من سنين...

 

 

صدر حديثا ؛ "الجرو الجائع" للأديبة هدى عيسى







صدر حديثا ؛ عن دار سهيل عيساوي للطباعة والنشر ، قصة للأطفال بعنوان "الجرو الجائع" ، للأديبة هدى عيسى ، رسومات الفنانة منار نعيرات ، تقع القصة في 28 صفحة من الحجم الكبير ، طباعة قشيبة.
تتناول القصة حكاية جرو جائع ، يحاول الحصول على الطعام ، من خلال القصة يتعرف الطفل على الحيوانات ، طعامها ، عالمها ، أهمية المساعدة وتقبل الآخر ، الرفق بالحيوان ، حنان الأم. كتبت القصة بأسلوب جميل ولغة سلسة ، القصة مناسبة لجيل 4-7 سنوات.
صدر للكاتبة هدى عيسى في مجال أدب الأطفال.
– في حديقة الجدة.

– يحيى الباحث الصغير

– لانا تترك المصاصة

– اسوارة لين.
– الثعلب المكار والغراب الذكي.
– حكايات شعبية من بلادنا.
– حكايا وقصص شعبية للأطفال.










الأربعاء، 9 سبتمبر 2026

" أمل " شعر كمال إبراهيم

  




فِي الشَّرقِ تومِضُ في الدُّجى نارٌ تَتَّسِمُ

 
وَتَعودُ أسئلةُ الحَياةِ بِلا عَلَمْ
 
تَتْلُو الرياحُ عَلى البُيُوتِ حِكايَةَ
 
خُيوطِ دُمُوعٍِ أمْ حَنِينِ أَلَمْ
 
يَمْشِي الصَّغيرُ عَلى الرَّمادِ كأنَّهُ
 
يَرْجُو غَدًا، رَغْمَ الخَرابِ وَلَا سَأَمْ
 
وَتَلُوحُ فِي عَيْنِ الجَرِيحِ حِكَايَةٌ
 
عَنْ حُلمِ أَرضٍ مَا أرَادَ لها قَدَمْ
 
لَكِنَّ فِي صَدْرِ الظَّلامِ نِداءَ رُوحٍ
 
يَمْحُو الأَسَى وَيُعيدُ للآمَالِ نَغَمْ
 
فالسَّلامُ رَغْمَ جِرَاحِ أَرضٍ أُُنْهِكَتْ
 
يَبقَى الرَّجاءُ، وَيَسْتَقيمُ بِه الشَّمَمْ
 
يَمْضِي النَّهارُ عَلى وُجوهِ الناسِ مُنهَكًا
 
وَكَأنَّهُ يَشْكُو الفُراقَ بِلا عَلَمْ
 
وَتعودُ أصْواتُ الصِّغارِ كأنَّهَا
 
نَبْضٌ يُقاوِمُ في الدُّجَى خَوْفَ العَدَمْ
 
وَتَلُوحُ فِي أُفُقِ البِلادِ سَحابَةٌ
 
تَحكِي اشتياقَ الأرضِ للغيثِ والهِمَمْ
 
لَكِنَّ فِي قَلْبِ الدَّمَارِ خُطَى رَجَاءٍ
 
تَمْشِي، وَتَنْهَضُ مِنْ رَمادٍ فيهِ حَلَمْ
 
فَالنَّاسُ مَهْما ضَاقَ دَرْبُ حياتِهمْ
 
يَبْقَى الوَفاءُ، وَيَسْتقيمُ بِهِ الشَّمَمْ
 
وَتَعُودُ لِلأرضِ الحَزِينَةِ نَبْضَةٌ
 
تَشْدُو بأََِنَّ الصُّبْحَ يُولَدُ مِنْ عَدَمْ
 

وَيميلُ ضوءُ الفَجْرِ فَوْقَ رُبُوعِهَا

كَيْ يُوقِظَ الأَحلَامَ مِنْ نَوْمٍ سَقَمْ
 
وَتَخُطُُّ أيْدِي النَّاسِ دَرْبَ صُمُودِهِمْ
 
رَغْمَ الجِرَاحِ، وَرَغْمَ مَا حَمَلُوا ضُمَمْ
 
وَيَظَلُّ فِي قَلْبِ البِلادِ تلاحُمٌ
 
يَمْحُو انقِسَامَ الأَمْسِ ويَنْهَضُ بالهِمَمْ
 
حَتَّى إذا مَا لاحَ فِي الأُفُقِ السَّنَا
 
عَادَ السَّلامُ، وَعَادَت تَزْهُو بِهِ الأُمَمْ

الثلاثاء، 8 سبتمبر 2026

الحُبُّ تجربةٌ وجدانية لا تزول - نمر سعدي

 

نمر سعدي






الحُبُّ تجربةٌ وجدانية لا تزول


تتميَّز قصائد الحب عند الكاتبة والشاعرة البريطانية الفلسطينيَّة سحر الهنيدي بالمر بلغة وجدانية شفافة تجمع بين عمق المشاعر والتأمل الفلسفي، وتتجلى هذه التجربة بوضوح في ديوانها الشعري العربي الأول «أُنثى السَّحَر» الصادر عام 2026.
وتبدو ملامح تجربة الحب في شعرها كلقاءات فارقة مصحوبة بصور الماضي وعمق الأثر، حيث لا تنظر الشاعرة إلى الحب كحدث عابر، بل كتجربة تخترق الوجدان وتترك أثراً أبديّاً. تعبر عن ذلك في مقتطفات من ديوانها قائلةً:
«بعض اللقاءات تمرُّ في حياتنا، وبعضها يخترق القلب ويترك أثراً لا يزول»
ونلاحظ في بعض القصائد التأرجح بين الرغبة والذكرى، إذ يمتزج الحب في قصائدها بجدلية الحضور والغياب، حيث تصبح اللحظات العاطفية محمَّلة بأسئلة الوجود والتحوّل، وما إذا كان الحب سيحمل الإنسان بعيداً أم يذيب هويته القديمة.
وتتجلَّى مهارتها في التعبير الهادئ وعبر الاقتصاد اللغوي الملفت، إذ تبتعد قصائدها عن المبالغات الإنشائية، وتعتمد على بناء هادئ وصور شعرية دقيقة تحمل طبقات دلالية عميقة دون حشو، مما يمنح نصوصها صبغة النثر التأملي تارة والشعر الوجداني تارة أخرى.
وتبرز في نصوصها ملامح الحرية العاطفية والمشاعر المعجونة بالأنوثة، إذ تمثل الكتابة عن الحب والاشتياق مساحة من التحرر الروحي، حيث تعيد الشاعرة من خلالها صياغة مفهوم القرب والاتصال الإنساني بناءً على وعي عميق، وليس مجرَّد اندفاع عاطفي محض.
الحنين: من الوطن إلى القدس
ويتجلَّى الحنين في ديوان “أنثى السحر” كقيمة وطنية وإنسانية عميقة تندمج فيها الذات بالوطن، فلا يقتصر الحنين في قصائدها على البكاء على الماضي، بل يتحوَّل إلى أداة للتأمل الفكري والتمسك بالهوية.
ومن أهمِّ مظاهر وأبعاد الحنين في تجربتها الأدبية يستوقفنا الحنين الممضُّ إلى الوطن والمدن المقدسة والأماكن المسكونة بخيالات الماضي ونوستالجيا الحُبِّ الأوَّل، فالقدس في وجدان الشاعرة مدينةٌ مصنوعةٌ من حرير الأحلامِ وغيمها، ويمثل الحنين إليها محوراً أساسياً في شعرها. تسير الشاعرة في “درب الحنين” نحو المدينة، مستحضرةً تاريخها وقداستها ومياهها لتخفيف وجع الفراق عبر التوحد الصوفي بالمدينة وربط ذكرياتها برباط وثيق، حيث يمتزج كيان الشاعرة بالوطن حتى يصبحا كياناً واحداً.
«القدس، في وجدان الشاعرة، مدينةٌ مصنوعةٌ من حرير الأحلام وغيمها»


يظهر الحنين في هذا الديوان ممزوجاً أيضاً بمرارة الوجع، إذ تصف الشاعرة الحنين بأنه ألم خفيف يداعب الروح، لكنه يبعث على الأمل والإنشاد من أجل البقاء. وتميل فيه إلى صياغة الحنين ببراءة وعفوية لغوية بعيدة عن التعقيد، مما يجعل مشاعر الشوق إلى الوطن تنساب بسلاسة إلى القارئ.
"عصفور من بلدي
عصفور من بلدي،
ينقر الوقت بأنغامٍ أعرفها
يغرد على صخرةِ نسيان
يحملُ غُصن زيتون
وصوت أمي الحنون
ودفء بيتي القديم
كما افتعلته ذاكرتي
تبعتُهُ، كما يتبعُ الظمآن
سرابًا في الأمل،
استوقفتني حدود تجاهلتها،
تجاهلتها لأني لا أعرفها
لم يكن على خريطة الترحال
أدركتُ لحظتها أنها
ليستُ رحلة العودة".
يمتزج عنصر الحنين في قصائد الشاعرة بسراب العودة، إذ ركَّزت في بعض قصائد الديوان على الألم الوجودي، مفسِّرةً كيف يعيش الفلسطيني حالة شوق دائم للأرض.
"حصادُ الراحلين
نزرعُ الأشجار أينما نذهب،
كرمةُ العنبِ تتسلق
لتُظلل سُفرة طعام
تجمعُنا جيلا بعد جيل
في ذاكرتِنا
نصنعُ أوعية فخارية،
تحمل زينتها هويتنا
مزخرفُةٌ برموزِ نعمةِ الحصاد
في تلك الأطباق
يبرقُ زيتُ الزيتون،
نغمسُ فيه خبز الطابون،
نحمدُ الله على بركة التينِ والبرتقال،
ونتلذذُ بحصادِ هذا العام
رحلت أمي العام الماضي،
ورحل كثيرون هذا العام،
وكلَّ عامٍ، يرحلون
كان الحصادُ معدو ما
احتجاجا على الراحلين،
فشجرةُ الزيتونِ التي زرعتها أمي،
لم تُثمر
وشجرةُ التينِ التي غرسها أبي،
لم تُثمر
وشجرةُ النخيلِ التي غرستُها في حديقةِ جدتي
لم تُثمر
سنواصلُ عصر الزيتون،
لنمسح به آلامنا،
ونزخرفُ بأوراق الليمونِ
رؤوس أطفالنا
ونتطلع إلى الحصادِ القادم"
الصوفية ولغة الحب الوطنية في الديوان
ويتجلَّى البعد الصوفي عند الشاعرة والكاتبة الفلسطينية سحر الهنيدي بالمر بشكل أساسي في حالة الاندماج الكلي والتوحد الروحي بين الشاعرة والوطن، وخاصة في عشقها لمدنٍ كالقدس وحيفا واللِّد والمدن المقدسة. فالصوفية عندها ليست انعزالاً عن الواقع، بل هي وسيلة لتعميق الالتزام بالقضايا الإنسانية وتحويلها إلى تجربة روحيَّة مقدسة.
ومن أبعاد هذه التجربة الصوفية في نتاجها الأدبي التوحُّد الصوفي بين الشاعرة والوطن، حيث يتجلَّى الوطن في ذات الشاعرة، وتصبح المعاناة الفردية جزءاً من وجدان الجماعة. ويضحي “العشق الصوفي” للمدن المقدسة شغف الروح، حيث تصف القدس بأنها “الأيقونة” التي تضيء القصيدة. يظهر هذا بوضوح في أشعارها، وتمتزج قدسية المكان الديني بالهوية الوطنية والحب، وهنا تنحني الكلمات للمقدسات في حالة أقرب إلى المناجاة الصوفية.
تبحث الشاعرة في مفاهيم الصوفية الكبرى، كالفناء في المحبوب والبقاء به عبر الكلمات، من خلال حزن القصيدة بوصفه طهارة روحية؛ فالحزن في شعرها يمثل انعكاساً للألم الجماعي للشعب، حيث يتحوَّل جرح الوطن إلى دافع للكتابة الروحية الملتزمة، ويوظِّف هذا الحزن لتطهير الذات بالحب واللهفة والارتقاء بالحس الإنساني.
"إلى رَجُل
لا تَكُنْ مغروراً، فالمسألة مجرَّد إعجابْ
وليسَت، كما تظنُّ،
بحثاً عن فتى الاحلامِ في الضبابْ
فإن صَبَغتُ شَغفي، بلِونِ الهيامْ
لَسْتُ كطِفْلةً تَحُومُ حَوْلَ أستاذَ المدرسة،
لتُقَّدمَ لهُ تفَّاحةً حمراءْ
فالحقيقة أنَّ بكَ غُموضٌ ما يناديني…
فتَغويني عيناكَ، لأقْرَبُها
ولِأتَلَّمّس بِخَدّي، رُوَيْداً – سِحْرُ كلامها،
وأبحثُ بين رَجْفةِ صَوْتكَ،
وشَعرِ ذقنِكَ، عن ثَغركِ…
لأضُّمَّهُ بِشَفَتيَ؛
وأُطلق العنان لِيديّْ،
لِتَتَزَلَّجَ أصابعي،
على تَضاريسِ جَسَدكَ.
ومن يدري؟ إن كنتَ – محظوظا،ً
فقد أَنْصُبُ خَيْمَتي
على رُبوعِ أرضِكَ.
افهَمْ أيُّها اللَّبيبُ
(قبلَ أن تَفرّ كالوليد):
أنَّ المسألة، مسألة جغرافيا
وليستْ في التاريخْ!"
في كتابات الشاعرة والأديبة الفلسطينية سحر الهنيدي بالمر، لا تقتصر “لغة الحب” على مفهومها الرومانسي التقليدي بين شخصين، بل تتحوَّل إلى لغة حب وطنية وإنسانية مقدسة وعالية وباذخة الجمال، تمتزج فيها عاطفة العشق بالانتماء للأرض والهوية والتاريخ.
وتتجلَّى لغة الحب في قصائدها من خلال عدة أبعاد أساسية، منها حب الأرض والمدن الفلسطينية؛ فهي كشاعرة حالمة وعاشقة من الطراز الرفيع تعبِّر في قصائدها عن عشق عميق للجمال والوطن، حيث ترى في التاريخ والبطولات ملامح الحبيب.
وقد يمتزج الغزل بالوطن، فتبدأ بعض قصائدها بأسلوب غزلي دافئ ورقيق، لكنه سرعان ما يتّحد مع نوستالجيا الطفولة وذكريات الوطن. وتتجلَّى اللغة الوجدانية العميقة في الديوان، إذ تستخدم الشاعرة ألفاظاً فنية ورمزية تنقل القارئ من المعاني المادية البسيطة إلى مستوى وجداني يحمل قضية إنسانية.
حوار مع الشاعرة: لماذا “أنثى” لا “امرأة”؟
تتساءل الشاعرة في مقالٍ لها عن سبب اختيارها عنوان ديوانها: “لماذا اخترت «أنثى» لا «امرأة»؟”، وتجيب بهذه الكلمات المضيئة والمرهفة: «أردت كلمة تتجاوز الهوية الاجتماعية، وتلامس الأنوثة نفسها بما تحمله من غريزة وحضور وحسّية وهشاشة ورغبة وقوة»
وتقول عن رحلة الكتابة، مجيبةً عن سؤال “كيف تبدأ القصيدة؟”: «بعضُ النّصوصِ لا تُكتب. إنَّها تتجلّى». “بالنسبة لي يبدأ الشِّعر في تلك اللّحظات الهادئة حين يتوقَّف العقل عن محاولة تفسير كلِّ شيء، ويصبح شيءٌ في الدَّاخل واضحًا فجأة. تظهر هذه النصوص في تلك الساعات السَّاكنة حين يتعرَّف الوعي إلى نفسه في نظرةٍ، أو ذكرى، أو إحساسٍ أُسيءَ فهمه يومًا. كتبتُ هذه المجموعة بالعربيَّة لأنّ العربيَّة تحمل صمتًا مختلفًا، وفي ذلك الصّمت تجد بعضُ الإدراكات شكلًا آخر”.
هذا الديوان الجميل بحثٌ عن الدهشة والجمال والحب والفرح؛ فهنا قصائد حقيقية طازجة تضيء الحياة بلهفتها وصدقها ونضجها، باحثة عن عناقات أبدية وأحلام وردية. هنا مزامير للحب وللعشق، ورغبة بيضاء شفافة مطرَّزة بالشوق والحنين.