الأحد، 26 مايو 2019

ما دائن، وإما مدين بقلم : د. محمد الدعمي




تحتم “دكتاتورية رأس المال” إن لم تكن مكبلة بكوابح أخلاقية أو روحية واجتماعية، على الجمهور حالا مرعبة من الاستقطاب على أساس مما يحتوي عليه جيب المرء من مال. وتتجلى هذه الحال هذه الحال في أقسى، بل وأبشع صورها في المجتمع الأميركي الذي تتجسد فيه معطيات الصراع الطبقي بأكثر أشكالها حدة.
وإذا كنا، حالمين، لأن نذهب إلى أميركا بهدف الدراسة أو السياحة، شبانا يافعين، فإن الواقع بعد أن تحقق ذلك “الحلم” قد دلّ على ما هو معاكس لمعنى “الحلم الفردوسي” الذي طالما لاعب مخيلاتنا آنذاك. ودليل ذلك يتجسد في اتفاق الآراء عبر الأطياف السياسية والاجتماعية داخل الولايات المتحدة، على أن أخطر أزمة متوقعة ستواجه المجتمع الأميركي إنما تتجسد في تمادي آثار “الاقتصاد الربوي” على الحياة وتجاوزها على كرامة وحضوة الإنسان، إذ يتوقع أن تصل مديونية خريجي الجامعات هناك، أي بين الذين اعتمدوا القروض للتأهيل الجامعي كي يحصلوا على درجات علمية تؤهلهم لوظائف مناسبة حسبما يحملون من شهادات تأهيل جامعي، قد بلغت “التريليونات” من الدولارات التي قدمها المقرضون (بالربا) لملايين من هؤلاء الشابات والشبان الذين لا يقوون أبدا على سدادها بسبب تضاعفها مع الزمن وضآلة ما يحصلون عليه من مداخيل (بعد بداية حياتهم العملية) قد لا تكفي لوضع طعام كافٍ على موائد عشائهم بعد الزواج. من يصدق أن هذا هو وضع الشبان في أغنى دولة في العالم، بعد أن كنا نتخيّل بأنهم في الحانات ونوادي الرقص.
أنت إما أن تكون غنيا بما فيه الكفاية لتقرض الضعفاء ماليا مقابل الفوائد، وإما أن تكون محدود الدخل درجة أنك لا تستطيع أن تبتاع سيارة أو دارا، إلا من خلال الاقتراض (بالفائدة): فتبقى مدينا لما لا يقل عن ثلاثين سنة، تدفع خلالها ديونك مقسطةً، أي “بالأقساط المريحة” لسداد قرض شراء دار، على سبيل المثال.
في أميركا لا يمكن أن يستعصي على المرء اقتناء أي شيء ما دام هو قادرا على استدانة المال أو الاقتراض: هل تريد سيارة آخر طراز، لن تحتاج سووى إمضاء صغير على ورقة اقتراض من شركة بيع السيارات، ولكن بهذا التوقيع، تبقى تنزف من مدخولك لسنين، بل وحتى لعقود، حتى تتمكن من سد مديونيتك على السايرة وعلى دار السكن، وعلى طبيب الأسنان وطبيب العائلة، وعلى كل ما تقتنيه لأفراد أسرتك: فيالها من حال رفاه اجتماعي!

السبت، 25 مايو 2019

كُنْ مَن أنتَ فأنتَ أخي..!



                                     

بقلم  :  يوسف  ناصر 

Yousef.nasser@gmail.com     

             "الإهداء إلى كلّ الإخوة من أهل القلم حيثما كانوا ،على رجاء أن تزهر أقلامهم دائمًا بما يجمع  الناس كلّهم على الألفة والمودّة في هذا العالم "
            يا أخي في الله والوطن والعروبة والإنسانيّة! ما هذه الموائد التي تلقي أرغفتها من فوق منابرك على الجياع من الناس، ليخرج من بين يديك لطعمها جيش من العميان يضربون الناس على عقائدهم حيث يوجعهم ، وعلى شرفهم حيث يدميهم، وعلى وطنهم حيث يروّعهم ! قُلْ لي، وما هذه النار التي تنفثها من فمك، لتحملها الرياح المجنونة إلى الحقول اليابسة من الشّباب، وإلى ذلك الهشيم الهشّ من هذا الجيل الضائع في الصحراء.!
          أهذا هو المصباح الذي وضعه الله في يدك، كي تؤجّج نارًا بين الناس لا نورًا ، وتوقظ حربًا لا سلامًا .! أنسيتَ مَن "أكرمُكم عند الله "، وجهلتَ ما ذيّاك الفرق بين العربيّ والأعجميّ في الأرض.! أهذي  هي المناقب والفضائل التي أوصاك بها ابن الذبيحين، سلام الله عليه، في الأمر بالمعروف، والنّهي عن المنكر، وبذل النّدى ودفع الأذى عن ذوي الرحم والقربى، والّذين"  أقربهم مودّة للّذين آمنوا" من النّاس .! ارفعْ يدك عنّي يا أخي، وانزعْ خنجرك من صدري .! إنّ الذي تسفك كرامته بلسانك أخوك هو، سليل أمّك، وربيب أبيك، سقط من رحم وطنك الذي أرضعه من أثداء عيونه، وأطعمه من أيدي حقوله، وربّاه في أحضان كرومه حتّى بسقت آماله إلى السّماء بين غصونه البواسق  !!
       أحقّـًا هذا الذي يعنيك يا أخي، بعد كلّ الذي نزل بنا من الزلازل والصواعق! وجيوش المغول وعساكرهم تحيط بنا من كلّ ناحية، وقد عبرت حدودنا من كل بوّابة، وتوغّلت مسافات عميقة في أعماق شرفنا، وحلّت في قلب عزّتنا، ووصلت إلى عقر كرامتنا..! بعد أن طردتنا الأرض، وأوصدت السماء أبوابها في وجوهنا، وغدونا عراةً من كلّ أمجادنا، وقد فرّ مستقبلنا فرارًا من أمامنا، وتلك مصايرنا تبرّأت منّا وأنكرتنا، وقد هجرَتْنا حانقةً علينا، ولا ندري إلى أيّ موضع ذهبت في هذا العالم.!
             لقد جعلتُ نفسي طائرًا من طيور الأرض يومًا، ورحت أتلقّط حبّات الأفكار، وسنابل العقول في رؤوس النّاس، وللوقت عزفتُ عن الأكل ،وطرت في الفضاء، إذ راعني أنّي ألفيتها رمالاً ساخنة ،وصلصالاً حارًّا، لا يسدّ رمقًا، ولا يدفع جوعًا، فعرفتُ عندئذ علّة هذه المجاعة الآكلة الناس في العالم، ولماذا هذا الهزال الدائم في أجساد بني البشر.! وما أعظم جنايتكَ إذ أراك رغم هذه المجاعة، وحاجة الناس إلى كسرة خبز واحدة تغذّي النفوس، وتشفي العقول من كلّ مرض، تُقبل علينا أنت يا أخي، وتدعو الناس إلى صحاف الموت على موائدك في المواعظ والخطب !
          يا أخي! لقد سمعتُ التاريخ أمس، يقول لجماعة جاؤوا يستفتونه في أمرهم: إنّ مَن أراد أن يهلِك نفسه بالانتحار يومًا، فليذهبْ للوقت إلى العنصريّة حيثما كانت، ويمدّ يده إلى واحد من غصونها الدانية، وليأكلْ ثمرة من ثمراتها، ليموت من فوره، وتحمله إلى مدافنها الكثيرة التي أعدّتها لضحاياها منذ قيام العالم..! لا تتعجّبوا ، يقول التاريخ :حتّى الشعوب، والأمم التي فشا بين أبنائها هذا الطاعون، قد بادت واندثرت، وأنا نفسي وبأمّ عيني، شاهدتّ الأيّام وهي تحمل على أكتافها نعوشهم،وتلقيهم في التهلكة..!
         .. يا أخي! إنّها البغضاء، والشحناء، والانطواء في الأجحار..! إنّها الحسد، والنّكَد، والكمَد في النفوس.! إنها الموت الأخرس الذي يقيم في ضحيّته ولا تعلم به يومًا..! يأكل، ويشرب من عقلها، ويمتصّ من روحها، حتىّ يذهب بها إلى الهلاك الأبديّ.!
           يا أخي ! وإن كانت العنصريّة قد بعثت غبارها كثيفًا في أصقاع المعمورة، حتى حجبَتِ المحبةَ والأخوّة عن عيون الناس، فسبيلنا أن نطلق الرياح من أعنّتها إليها، لتردّها عنّا قبل مجيئها إلينا، وأن نغلق نوافذ نفوسنا، وأبواب عقولنا في وجهها، كي لا نختنق ونموت بما تلقي بيننا من نار وكِبريت..!!    
     ..أحقّـًا يا أخي أنّك تسعى لطردي وتشريدي !! ألسنا شعبًا مطرودًا، والذي طردَنا واحد..! أيصحّ أن يطرد المطرود أخًا له مطرودًا مثله، لأُطرَد مرّتين، والثانية شرٌّ من الأولى، حين يكون الجاني هذه المرّة من لحمي ودمي..! أطريدٌ يَطرد..! ومظلومٌ يَظلم..! وذبيحٌ يَذبح..وقتيلٌ يَقتل..!! أحقـًا أنّك تراني في هذه الدّيار غريبًا بل طارئـًا!! والوطن وطني ، والبلاد بلادي، وما كنتَ يومًا بأحسن منّي وفاءً بثراه، وأصدق إخلاصًا لترابه..! وهل ُأريق دمك فوق ترابه قبل دمي.! وهل فرّق السيف الفرنجيّ يومًا بين عنقك وعنقي.! ألهذا الحدّ بلغتَ من التقوى والورع حتىّ تحرم عظامي أن تنام مع رفات آبائي وأجدادي في فراش التراب من الوطن الحبيب ..!   
      يا أخي ! ليس الدين قرعًا للنواقيس، ولا أذانًا في المساجد!  إن لـمْ تكن الكنائس مبنيّة في قلوبنا، والمساجد عامرة تحت أضلعنا ،وما الدّين عند الله إلاّ ما تصنع لله من الصّالحات الباقيات، في واحد من أبنائه على الأرض، حيث هو يقيم  فيهم : أن تكسو الله في العراة، وأن تطعمه في الجياع، وترحمه في المسحوقين، وتُؤويه في المطرودين، و"تحبّ لقريبك ما تحبه لنفسك" ، ومنْذا يا أخي أقرب إليك منّي في هذا العالم.!
           ..كلّنا يا أخي أبناءٌ لله على الأرض، وإنّ أبناء الأب الواحد إخوة هم، وإن اختلفت ألوانهم، وتنوّعت أجناسهم، وتعدّدت دياناتهم! أيطيب للأب أن يسفك أحدُ أبنائه دمَ أخيه، أو يُلقيه في العراء مع المنكوبين في هذا العالم !!
    .. بلى، إنّ الله يغسل يديه من كل قول تردّه إليه، وتدعو فيه إلى قتلي وطردي ..! إنّك ساعة تقتلني لا تقتل أحدًا سواك ، وحين تستقوي عليّ فلا تشهد إلّا على ضعفك..ويوم تطردني فلا تطرد إلاّ أخًا لك..لا تسامحني فلا تدلّ إلا على جهلك لدينك ..تحسدني فلا يكون حسدك إلاّ نصيرًا لي عليك ،وإن كنتَ تعدّ غيابي ربحًا فاعلم أنّ ربحك أفدح خسارة لك ! رباه إليك أضرع وأبتهل! سامحْ كلّ أولئك الذين لا يعرفون ماذا يفعلون في هذا العالم..!

       ..تعال يا أخي، وانظر معي إلى الله في خليقته، يوم أبدع جمالها عن قصد في تنوع أجناسها، وتعدّد أنواعها، وقد شاء أن يكون هذا التنوّع  وحده علة الخلق، وأسّ الإبداع في هذا العالم، إذ خلَقَنا شعوبًا وقبائل لنتعارف، ولنعيش على التآلف والمحبّة، وليعطي كلّ واحد للآخرين ممّا وهبه الله من عطايا ومواهب..! فالزهرة تبعث من شذاها، والكرمة تجود من عناقيدها، والأنهار تُغدق من ينابيعها، والزيتونة تسخو من حباتها، والنخلة تُلقي من رطبها، دون أجر وثمن .! بربّك ! هل رأيتَ الزهرة يومًا تحظر على جارتها أن تتنفّس من عطرها، وتعانق الأنسام بذراعيها !! وهل سمعتَ نهرًا ينتهر نهرًا : إنّ البحر لي فلا تتكلمْ بخرير صدرك، ولا تبُحْ بهدير فؤادك! وهل رأيتَ القمر يزحف بالنجوم إلى الشّمس، ليطفئها قبل نزولها من فراشها عند الصبح إلى القمم..! هل وجدتَّ بلبلاً يقف على منابر الأغصان، محرّضًا الفجرَ أن يطرد الحسّون من عرس الروابي والخمائل ..! هكذا دأبُ الإنسان على الأرض يا أخي ، هاتِ ما عندك وخُذْ ما عندي ! قُمِ اسقني من إنائك، وتعالَ اشربْ من كأسي .! أعطني من خيراتك ومواهبك، وخذ ما شئتَ من خيراتي ومواهبي..! فمِن عطائك يأتي أخذك، ومِن فرح الناس يزول حزنك .! ومن غنى البشر يذهب فقرك..!  ليتك تعلم يا أخي، أنّ هذا وحده هو الناموس الأزليّ الذي به وقفتِ الحضارة على قدميها، وخرجت تسعى في أدغال الزمن منذ نشأة المسكونة!
           يا أخي! كذلك خَلَقَنا الله لحكمة من عنده ولرحمة بالبشريّة جمعاء، إذ جعل لنا ألسنة في أفواهنا، لتنطق بالحقّ والعدل، ولتبشّر بالمحبّة والسّلام ، لا لتنادي بالفتن والعداوات بين أبناء البشر! وقد خَلَقنا بأيد من أجل أن نعطي بها المحتاجين، لا لنضرب بها ونسرق الناس..! وقد خَلَقنا بأرجل لكي نسعى بها إلى خير الناس، وخدمتهم، لا لنسعى بها إلى الشرّ والعدوان ..! وخَلَقنا بأعين لنرى الناس كلّهم إخوة أحبّاء لنا لا أبناء أممٍ أغيارًا لا نخالطهم .! وقد خَلَقنا بقلوب تحت أضلعنا، لتكون ينابيع محبّة لكلّ الناس، لا ليكون كلّ منها خزّانًا تحت صدورنا للحقد والبغضاء .! وقد خلقَنا بعقول ،كي تكون مصابيح نيّرة في رؤوسنا، يشعّ منها الله بأفكارنا، فنرى بها الدرب جليّةً أمامنا في معرفة الحقّ ، والعمل الصالح، لا لتنكأ الجراح، وتوقد صدور الناس، وتحرضهم على ارتكاب الخطايا والآثام.!!
          أعلمُ يا أخي أنّ ديانات من كلّ صنف، ومذاهبَ وعقائد سرّيّة من كلّ نوع، تأتينا كلّ يوم، مُحمّلةً بالبوارج من وراء البحار، مُغلّفةً بالصناديق ومُكدّسةً في الصّهاريج، ويُفرغ سماسرة الدين، والمرتزقة المأجورون منّا حمولتها في الموانئ، ويبيعون بها الوطن رخيصًا للسُذّج في الأسواق، كي نتلهّى بالصلوات لأديان مصنوعة غير أدياننا، فتتعدّد بهذا انتماءاتنا، وتتشعّب نزعاتنا، ولا ندري أيّها الأصحّ بينها، ولا يجمعنا بعدها جامع ، لنختصم، ونستدعي الفتنة الفتيّة كي تعيش معنا ، فلا نرى عندئذ أعداءنا من خلف ظهورنا، يقفزون من فوق السياج إلى حظائرنا، ويمدّون أياديهم إلى خزائننا، ويشربون آبارنا، ويسلبون كرومنا، يعينهم على ذلك نواطيرنا، حتى نغدو أمّةً دون أوطان، وأوطانًا دون أمّة في هذا العالم.!
            من أجل هذا لم أعجب ، يا أخي ، يوم رأيت الأوطان وسمعتها غير مرّة تصرخ بحنق وغضب، وهي تمزق ثيابها، وتنبش شعرها وتحثو التراب على رأسها، وترفع يديها إلى السماء تدعو وتلعن كلّ كاهن، وقِسّيس، ومَطران وشيخ، ومرشد، وداعية، وإمام يلقي الفتنة بين الناس على الأرض في هذا العالم.! إنّ الذي يفسد بين الناس في الأرض، ويخرج ليقرع بصلواته أبواب الله كلّ الوقت، ذلك تبقى صلواته ميتة في الأرض ، ولو صعد بها كلّ يوم  ألف مرّة إلى السماء السابعة حيث طُغْمات الملائكة تحيط هناك بالعرش السرمديّ !
      يا أخي وابن أمّي وأبي ! إنّ أُخوّة أبناء شعبنا الحبيب لهي أنفس كنز نختزنه في نفوسنا، وأعظم ميراث نحتفظ به لأبنائنا، وأدلّ شاهد على محبّتنا لله في محبّة بعضنا بعضًا .! إنّ أمّة تطأ بأقدامها فوق كنوزها النفيسة، ولا تصونها، أمّة عمياء بين الأمم، ومصيرها أن تسقط في الحفر، وتبتلعها الرمال في أعماق التيـه.! قُلْ لي يا أخي ! وماذا تكون نهاية شعب غير الهلاك إذا أصبحت أياديه تضربه، وأرجله ترفسه، وأظفاره تدميه، وأسنانه تأكله، وألسنته تشي به إلى الأعداء ، وقد استحال غابةً لطوائف تستنصر بالذئاب على بعضها، وتستأجر لهم من خلف البحار من يقتلونهم ،ويلقونهم في النّار التي لا تنطفئ !! 
         يا أخي ! لقد سقط العرب في الهاوية يوم سقطت العروبة من ألسنتهم، وأنتنتْ لغتهم في أفواههم، وغاب انتماؤهم عن قلوبهم بدسيسة الأسياد وراء البحار، لأنها وحدها الجامعة التي توحّدهم، وتصل بين ألسنتهم، ودياناتهم، وطوائفهم، وأقطارهم، وهي الرابطة المثلى، والعروة الوثقى التي سبقت الدين ونصرته، وتغذّت منه وأعزّته، وإنّ المستعمر ليرجو دائمًا أن يغيّبها عنّا كي يغيّب وحدتنا، وأُلفتنا، وعندي أن كلّ من يستبدلها يستبدل التّرياق النّافع بالسمّ النّاقع للعرب ..!
             ابتسمْ يا أخي، وتعال كُلْ من لحمي ! صافحْني وتعال اشربْ من دمي.! ألقِ سيفك من فمك، وتعال أقطَعْ لك من كبدي.! تعال نجعل لقاءنا العاجل هنا على الأرض، مِهرجان فرح دائم، وعرس مسرّة بالمحبّة والسلام والرحمة ، قبل أن يقف الموت على الأبواب مناديًا هلموا إليّ، وتعالوا معي إلى ذلك السفر البعيد البعيد!!   
                       يا أخي أغمضْ عقلك قليلاً  ثم افتحْه جيّدًا، وانظر إليّ ترَ الذي أمامك أخاك الأقرب، لحمه من طين وطنك، وشعره من ليله، ودمه من أردنّه، وعلو قامته من جليله، وإيمانه من قدسه، حيث هناك يقف معك يصلّي إلى ربّ واحد، لا يقبل في ملكوته إلاّ الذين أحبّوه على الأرض، بمحبّة كلّ أبنائه دون فرق في هذا العالم.
                                                     كفرسميع
       Yousef.nasser@gmail.com



الجمعة، 24 مايو 2019

مجموعة سناء الشعلان القصصية: أكاذيب النساء: نزع للأقنعة وتعرية لوجوه الحياة



بقلم: نزار حسين راشد

 





 

بساطة اللغة ورشاقتها وغناها، تضفي جدّة وجاذبية،على موضوع النفاق الإجتماعي القديم الجديد،مختصرات تلخص ببراعة ثيمات متكاملة في تناولها لموضوع النفاق داخل الوسط الأدبي أو الوسط الثقافي،الذي تشير إليه بكلمة مجردة من الإضافات: الوسط.

أما الثيمة الأخرى الأم: المعاناة النسوية ليس في مجرد مجتمع ذكوري،ولكن في مجتمع فشل في تطوير ليس فقط قوانينه ولكن في تطوير منظومته القيمية أيضاً وتشريعاته،فها هي تعرج برشاقة على موضوع تزويج المغتصب بحكاية قصيرة،بالنيابة عن عشرات المقالات والأبحاث التي عالجت الموضوع نفسه،فاختصرتها بعبارة واحدة” حصان ينط حيث يشتهي”، ليكافأ وينجو من العقاب،والضحية هي ذاتها: الأنثى!

وأنا أجدف بين السطور لم أستطع مقاومة إغراء وضع عنوان جديد للمجموعة: المهمشات،وحضرت في ذهني مجموعة طه حسين: المعذبون في الأرض،والتي اتهم بعدها بأنه ماركسي،لحضور الوعي الطبقي المكثف،في الحدث والشخصية!

ولكن حكايات سناء نجت من التنميط بإضاءة الجانب الإنساني للشخصية،فهناك في عالمنا الإنساني ومجتمعاتنا البشرية،يوجد دائماً ظالمٌ ومظلوم، قاتل ومقتول ،منذ قابيل الأول،وخلافاً لطه حسين،تضمن الشعلان رسالتها بأن الله لا يرضى بالظلم،كما لم يرض بجريمة قابيل،لأن الظلم من صنع الإنسان،إنه خيار أخلاقي،وهذه الرسالة هي أجمل ما في المجموعة وأشدها بلاغة وإفصاحاً، بعيداً عن الحتمية التاريخية،والإكراه الديني،وهو منطوق يتماهى مع الدين نفسه” بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره”

فحين تترك إرادة الله الحدث ليحدث فليس معنى ذلك أن الله راضٍ عنه،وأن المجرم سينجو بجريمته والآثم بإثمه ،ولكنه الخيار الإنساني الخاضع للحساب والمسائلة، والذي نحمل مسؤولية التصدي له وقهره،بثورة المفاهيم والتشريعات،وهذا ما تريد الكاتبة أن توصلنا إليه من خلال الحكاية،كما٠ اراد دوستويفسكي في عائلة كارامزوف حين أعلن على لسان إيفان كارامازوف: لو لم يكن الله موجوداً لكان كل شيء مباحاً،وهذا الأفق الإنساني الذي نجحت المجموعة في نقلنا إليه وأعارتنا عين الطائر وجناحه ببراعة القاصة،هو بالفعل ما أعطى المجموعة قيمتها الحقيقية!

وبفطنة القاصة تنقلنا سناء إلى الضفة الأخرى: معاناة الرجل،ومن خلال أكثر صورها كثافة وتأثيراً القضية الفلسطينية  وعلى الجبهة الأمامية،أكثر الجبهات سخونة،وأشدها احتداماً، ومعاناة الرجل الوطني المضحي الذي تعرّض للخذلان والخيانة،فهذه مآلات الواقع بالفعل،ومع ذلك فروحه تملؤها الرضا والسكينة،إنها القيمة الدينية اللصيقة بالشخصية المخلصة المتفانية التي يعيش نموذجها بيننا ولسان حالها يقول: لقد أرضيت ربي وأرحت ضميري وفعلت ما علي،مقابل الخواء الذي يعيشه من باع وتآمر بالرغم من تقلبه في ترف الدنيا،إنها المعادلة الكونية التي ركزها الله في سننه،ظاهرها الخلل وباطنها العدل،العدل الذي يتحرق المظلومون شوقاً إليه ويتقلب الظالمون أرقاً ،خوفاً من حضوره وأن تطالهم يده،عبارة طه حسين التي رددتها سناء بصوت الحكاية وبحبكة متقنة،نجحت في إيصال رسالتها تماماً.



الخميس، 23 مايو 2019

قراءة في قصة "حلم على رجل واحدة " بقلم : سهيل ابراهيم عيساوي













قصة  "حلم  على  رجل  واحدة " ،  قصة   حقيقية  للأطفال  ، تأليف  لوري  أن  ثوميسون  ،  رسوم  شون  كوالز ، نشرت هذه  القصة  في  طبعتها  الأولى  عام  2015   باللغة الانجليزية ،تحت عنوان :  EMMANUEL'S   DREAM  أما الطبعة  العربية  التي  بين  أيدينا ، اصدار  مكتبة  الفانوس  ضمن  مشروعها  الهادف  حيث  وزعت النسخة مجانا  لطلاب  الصف  الأول  الابتدائي  ،النص باللغة  العربية  لأياد  برغوثي ، تحرير  وتدقيق  لغوي : منى  سروجي . مطبعة  الحكيم  2019 .

القصة :  تتحدث القصة  عن  طفل  ولد  في  غانا   في  غرب  أفريقيا ، ولد  برجل  واحد  رفست بقوة ، قدوما للحياة ، اعتقد  معظم  الناس انه سوف  يكون  انسان  عديم  الفائدة ، حتى  أن  بعضهم  ظنه  لعنة على  أهله ، حتى  والده  ترك  البيت ولم  يعد ، لكن  والدته  كانت مؤمنة بالله ، اسمها كومنت ومعناها  سلوى ، وسمت  ابنها  الأول  ايمانويل  ومعناها : الله  معنا " وكانت  تقول له بإمكانك  أن  تحصل  على  كل  شيء  بشرط  أن  تحصل  عليه  بنفسك ، تعلم  الطفل  أن  يحبو  ويقفز  ويتسلق شجر  الجوز ،وجلب  الماء ،  وتلميع  الأحذية  لكسب  المال  بعرق جبينه، جل  الأطفال  مع  اعاقات  لم  يتمكنوا  من اللحاق  بالمدرسة ،  لكن أم  ايمانويل كانت  تحمله  على  ظهرها  كل  يوم  تأخذه  الى المدرسة سيرا  على  الأقدام ، حتى  أصبح  ثقيلا ، منذ  ذلك الحين  أخذ  يصل الى مدرسته  قفزا على  قدم  واحدة ، يقفز  ثلاث  كيلو مترات  دون  مساعدة  من  أحد ، في  بداية  الأمر  نفر  منه الأولاد  ولم  يلعبوا  معه ،  لكن  عندما  وفر النقود  واشترى  كرة قدم  جديدة  لعبوا  معه  ، كان  يركل  الكرة  بقوة  برجله  اليسرى ، وهذا  الاداء   الجميل  نال اعجاب الأولاد .وأفلح  في  الركوب  الدرجة  الهواية  ، كان  صديقه  جودن  يدفع  الدراجة بسرعة كي  يستطع  ايمانويل  أن  يقود  الدراجة باتزان ، كان  يسقط  أرضا مرة  تلو  المرة ،  لكن  القنوط  اليأس  لا  يتملك   قلبه . وأخيرا  أفلح  في  ركوب  الدراجة  المستأجرة .
  عندما  بلغ  عمره  اثني عشر عاما ،  لم  يعد  بإمكان  أمه   بيع  الخضار في  السوق ، وكان  لايمانويل  أخ  وأخت  صغيرين ،  لا يستطيعان  العمل .
شعر  برغبة  جامحة  وضرورة  ملحة ليقوم  بإعالة  عائلته ،رغم  مخالفة  أمه ، ركب  لوحده  القطار  في  جنح الليل ، متوجه الى  مدينة  اكرا  الصاخبة ، والتي تبعد مئتين وأربعين كيلو مترا عن قريته ، في  البداية  أحدا  لم  يقبل بتشغيله ، أحد  أصحاب  الدكاكين والمطاعم  قال  له " اذهب وتسول  مثل  باقي  المعاقين " لكنه  ايمانويل  رفض ذلك ، وأخير  ابتسم  له الحظ  وعرض عليه  صاحب كشك طعام  العمل ومكانا  للسكن ،اضافة  لعمله  كان  يشتغل  بتلميع الأحذية  ليكسب النقود ويرسلها  لعائلته .وذات  يوم دخل دكانا  ليشتري مواد  لتلميع  الأحذية ، اعتقد صاحب دكان  انه جاء  ليسول فصرخ في وجهه وطرده ، شعر ايمانويل بالإهانة ورمى النقود ، اعتذر منه صاحب  الدكان  لكنه  تأثر  كثيرا  بهذا الموقف .
وعندما  اشتد  المرض على  أمه  قرر  ايمانويل  أن  يعود  الى  البيت  ليكن  بجانبها، قالت  له  وهي  على  فراش  الموت  "  احترم  الناس  يا بني ، اعتن بعائلتك ، لا  تتسول  ابدا ، لا تستسلم "  وفي  صباح اليوم  التالي فارقت  الحياة ، وفاء  لوصية  أمه  قرر  أن  الاعاقة لا  تعني عدم  المقدرة ، كان  حلمه  أن يحصل  على  دراجة  هوائية ، في  البداية  لم  يوافق  أحد  على  مساعدته  لتحقيق  حلمه ، لركوب  الدراجة  الهوائية في  رحلة  عبر غانا ،  اعتقادا  منهم  باستحالة  تحقيق هذا الحلم . كتب  ايمانويل  رسالة  الى  مؤسسة  الرياضيين  ذوي  التحديات  في مدينة سان  ديغو – كليفورنيا ، أرسلوا  له  دراجة  هوائية ، وخوذة وسراويل  طويلة  وقفازات ، حاز  ايمائيل  على  دعم  ملك  منطقته  ،  وطرق  الابواب  للحصول  على  المزيد  من  الدعم ، استأجر  سيارة تلحقه  يركب  فيها  اصدقاءه  ومزودة  بالماء  والة  تصوير ،ساق دراجته عبر  السهول  والجبال  والأسواق والمدن  الصاحبة والغابات جال بلاده  طولا  وعرضا  يلبس بفخر  قميصا  طبعت  عليه  ألوان علم  غانا وكلمتا  : THE   POZO     ومعناها : المعاق ، كان  يتحدث  مع  الناس  من فقراء  وأغنياء  وقيادات  سياسية ودينية  ومع  موظفين  حكوميين   في  طريقه، أراد  أن  يراه  الجميع ، أراد  أن  يروا  اعاقته عن كثب، ويسمعوا  رسالته  القوية ، خرج  الناس  لاستقباله  والانضمام  اليه  في  رحلته  وملاقاته  أيضا  أصحاب  الاعاقات   والذين  كان  مختفين عن  الانظار، تحول  ايمانويل  الى  بطل  قومي  ،  نجح  في  رحلته التي  قطع  من خلالها  مسافة ستمائة واربعين  كيلو مترا  في  غضون  عشرة  أيام  فقط ، أثبت  ان  رجل  واحدة   تكفي  لصنع  اشياء عظيمة ،وأن  شخصا  واحدا  يكفي لتغيير  العالم "


رسالة  الكاتبة
في  هذه  القصة  الحقيقية ،  تجسد الكاتبة  معانة  طفل  ولد  برجل  واحدة ،  عاش  في  قرية نائية  في  غانا ،  بسبب  الفقر  والعوز ،  قرر  اعالة  عائلته ،  سافر  الى مدينة اكرا  الصاخبة  التي  تعج  بالناس ، رغم  أن  المعظم  قد  اعتقد   بان  ايمانويل  عليه  أن  يتسول  مثل  بقية  الأولاد  أصحاب  الاعاقات  المختلفة ، الا  أن  ايمانويل  ،  رفص  هذا  الواقع  المرير،  وتفكير  المجتمع  الذي يقيده  ويريد  ان  يلبسه ثوب  التسول والعجز واليأس والتخلف،  مجتمع لا يؤمن  بقدراته ولا بفكره  ولا  بمهارته ولا بحقه  في  العطاء  والابداع والوجود، ايمانويل   تعلم  من والدته الراحلة  القدرة على التحدي وتحقيق المستحيل ،  لقد  حملته على  ظهرها  كي يصل  المدرسة ويتعلم مثل بقية الأولاد ، وقفز عدة  كيلو مترات  ليصل  بقواه  الذاتية وعلى رجل  واحدة الى المدرسة  وينهل  من  العلم ، لأنه  يدرك أن العلم  قوة  لا  تضاهيها أي  قوة، وطاقة  سرمدية ، توقظ المواهب  وتغذي الارادة  الفولاذية ، استطاع  كسب الأصدقاء  ولو  في  البداية  عن  طريق  شراء  كرة  قدم ، من مصروفه  الخاص  ليستميل  اترابه  ويظهر مواهبه  الكروية، ساعده   الأصدقاء ليركب  الدراجة  الهوائية  باتزان ونجاح ، لم ييأس رغم  سقوطه  مرة تلو  الأخرى ، جند  السياسيين  والزعماء  والمنظمات  الخيرية  والرياضية لدعمه  وليحقق  حلمه ، حتى  أصبح  بطلا  قوميا  ونموذجا  يحتذي  به ، ليس  فقط  من  قبل أصحاب  الاعاقات  انما  من قبل كل  الناس .
 ما  هي  أسرار  نجاح  ايمانويل  في  رحلته  الشاقة  مع  الحياة  وتذليل  الصعاب؟ :
- الايمان  بنفسه 
- الايمان  بقدراته
-  تطوير  ذاته  ومهاراته  في  اللعب
-  التعليم المدرسي ، رغم  الصعوبات  التي  وقفت  في طريقه
- تجنيد  الأصدقاء
- تجنيد  الجمعيات  الخيرية حتى من خارج بلاده
-  تجنيد  الزعماء  السياسيين  والزعماء الدينيين
- الدعم  الذي   حصل عليه  من  والدته  التي  امنت  به  وامنت بالله  وبهباته  ،حفظ وصيتها عن  ظهر  قلب  ،طلبت  منه  عدم  التسول ، وأن  لا يستسلم .
- احترم  ايمانويل  كل الناس على  اختلاف طبقاتهم  السياسية والدينية  والاجتماعية ، كان  متواضعا .
- كان  صاحب  كرامة واخلاق ،  رفض  التسول ،  رفض الاهانة ، رفض  الاستسلام.
-  الوفاء  للأصدقاء ، لأمه  التي  دعمته  رغم  تخلي  والده  عنه  مبكرا، ورغم  الأفكار  المسبقة  التي  امن  بها  المجتمع من  حوله ،  عندما  شعر  أنها  عجزت  عن  العمل  خاطر  وبادر  وسافر  بعيدا  كي  يعيل  أسرته ،  وعندما  أدرك  أنها  أشرفت على  الموت ، قرر  العودة  الى  قريته ، كان  وفيا  لأصحاب  الاعاقات ، لشعبه  لوطنه .
-  صاحب  رسالة  سامية  تجتاز  دولته  غانا  الى  المعمورة  بأسرها.
-  الشفافية كان  يحب  أن  يتحدث  ويكتب  الجميع  عن  اعاقته  وعن  أحلامه .
. حول  الحلم   الشخصي  الى  حلم  عام .

خلاصة :  قصة  جميلة  جدا ،  حقيقية وواقعية ، نجحت الكاتبة  لوري ان ثوميسون ،  في  اعطاء  صورة  مغايرة  عن  أصحاب  الاعاقات ، بان  بإمكانهم  قهر الصعوبات وتذليلها وتحقيق  المستحيل ، ورسم  الابتسامة على   وجوه الملايين، انسان مع  رجل  واحدة ممكن  أن  ينجح  ويصل  بعيدا وممكن  أن  يغير  الكون بأسره ، رفض ايمانويل  العيش على  هامش  الحياة ، نجح  في  كسر الأفكار  النمطية عن  أصحاب الاعاقات .




الأربعاء، 22 مايو 2019

خال وحال! بقلم: ميسون أسدي


قصة قصيرة


نتيجة بحث الصور عن ميسون اسدي





"يا خال العروس بلادك ما عرفناها
يا خلعتك من جبل عمٌانِ قطعناها"
لم أفهم مدى الحب التي تكنّه جارتي لخالها، فأنا أعرف هذا الخال منذ سنوات ولم أجد فيه ما يوجب كل هذا الحب الكبير، لكنني احترمت شعور جارتي ولم أناقشها في ذلك، وكنت مضطرة لمشاركتها العزاء عند وفاته والجلوس في ركن النساء المرغمات على إطفاء هواتفهن المحمولة في مثل تلك الظروف، ممّا أعاد لهن غريزة الثرثرة النسائية التي كادت أن تندثر.
بصراحة، تحول العزاء بالنسبة لي إلى متعة كبيرة، إحساسًا يرفع منزلة الذات ويسمو بالروح، وتمنيت أن يكون لوالدتي شقيق أناديه "خالي"، بعد أن اقتنصت ثلاثة قصص عن الخال تنكأ الجرح، وتفقأ حصرما في أعين الحاسدين، وقد استمعت صديقتي لنفس القصص وهي مترنّحة بين الحزن والرضى الروحي.

الجليل/ فلسطين
حليمة شابّة عربيّة مسيحية من إحدى قرى الشمال الفلسطيني، تزوّجت من شاب عربي مسلم من مدينة حيفا.  ولحليمة خال فلاح أبًّا عن جد، وهو وحيد بين أربع خالات. أحبت زيارته كثيرًا في طفولتها، فهو الوحيد الذي لم يسرع لطردها من بيته كما اعتاد الكبار. كانت تُطرد من كل البيوت قبل أن تصل إلى الباب لتطرقه، ولم تعهد بأي احترام لصغر سنها وبراءة طفولتها. تذهب إلى بيت خالها لمشاهدة التلفاز وبعد أن ينتهي برنامج الأطفال الذي تشاهده، يطلب منها خالها المغادرة بأدب لم تألفه من الآخرين في حينه.
عندما وعت حليمة وتفتح تفكيرها، علمت بأنّ الخال استحوذ على جميع الأملاك الموروثة من والده، من أراضي شاسعة وأموال، ولم تحصل شقيقاته الاربعة على مليمتر واحد. وقد رأت حليمة الفقر التي تعيش فيه هي وأشقائها العشرة ووالديها، فأخذت تتساءل: لماذا ينعم خالي بكلّ هذه الأموال وأمها التي هي شقيقته لم تنل ولو قسطًا يسيرًا من هذا العزّ.
بدأت الأفكار تتبدل نحو خالها، وتحول الإعجاب إلى نفور، رغم الركن الدافئ الذي تركه الخال في روح حليمة، وقد عرف الخال بموقفها نحوه، لكنّه لزم الصمت وكان معجبًا بها لأنّها تحترمه على مواقفه المبدئية في أمور عدّة، ولم تستعطفه أو تحاول استمالته لتستدر الشفقة ويعطيها شيء ما، لكبريائها.
لخالها بنت وولدان، وقد تزوّجت البنت وهاجرت إلى خارج البلاد مع زوجها، أما الولدان، فقد أخذا بالاستيلاء على ميراث والدهم وهو حي، وباعا قسمًا كبيرًا من الأراضي وصرفا الأموال يمينا وشمالا.
في أحد الأيام، استدعى الخال ابنة شقيقته من حيفا وأعطاها مظروفًا مغلقًا بالصمغ، وقال لها: احتفظي بهذا المظروف، ولا تفتحيه إلا بعد وفاتي...
قرأ الخال علامات التعجّب على وجه ابنة شقيقته وقال لها ممتعضا: لن تنتظري كثيرًا، فأنا أشعر بأنّ أجلي قد حان وأريدك أن تترحّمي عليّ بعد وفاتي.
كانت حليمة متأكّدة بأنّ الخال يريد أن يعتذر لها ولكنّ كبرياءه لا يطاوعه، وقد فضّل أن يقدّم ذلك برسالة مكتوبة بدل المواجهة. فقامت بإخفاء المظروف في خزانة ملابسها، ومع الأيام نسيت أمره.
في صباح شتائي قارس، كانت الريح تتسرب من الشقوق، جاءها خبر وفاة الخال فذهبت إلى القرية لتقوم بواجبات العزاء كما اعتادت أن تفعل مع باقي أقربائها. عند دخولها بيت العزاء، لم يستقبلها أولاد خالها بحرارتهم المعهودة، كأنّهم ابتلعوا حشرجة في الحلقوم، فعزت ذلك لمصابهم الأليم... وفي المساء توجّه إليها محام شاب من قريتهم وسألها:
-         هل فتحت المظروف الذي أعطاك إيّاه خالك؟
-         أيّ مظروف؟- أجابت حليمة باستغراب.
-         ألم يعطك الخال قبل عدّة شهور مظروفًا مغلقًا طالبًا منك أن لا تفتحيه إلا بعد مماته؟ لقد أبلغني بأنّه أعطاك إيّاه في نفس اليوم الذي قمنا بكتابته في مكتبي.
تذكّرت حليمة المظروف وقالت:
-         لم أفتحه بعد، لقد نسيته.
-         أرجو أن تفعلي ذلك بأسرع وقت.
سيطر الفضول على حليمة وهي تسمع كلام المحامي، فانسلّت من بيت العزاء وعلى الفور اتصلت بزوجها:
-         ألو، أين أنت؟
-         أنا في البيت، وصلت الآن، سأبدّل ملابسي وأحضر فورًا للعزاء.
-         اسمعني جيّدا. هناك مظروف بخزانتي بين ملابسي، أحضره وافتحه وأقرأ ما بداخله.
غاب الزوج بضعة دقائق ثم عاد وقال مختنق بعبراته:
-         يجب أن تقرئي ما بداخله بنفسك.
-         ماذا هناك؟؟!!
-         هل أنت لوحدك؟ هل يوجد أحد يسمعك؟
أخذت تجوب الغرفة جيئة وذهابا وصاحت:
-         تكلم، أنا وحدي بعيدة عن الجميع.
-         لقد أصبحت تملكين دونمي أرض صالحة للعمار في أجمل منطقة في قريتكم، وتساوي ما قيمته 300 ألف دولار.
-         ماذا؟!
-         هذه ورقة كتبها خالك وموقعة لدى محامي يدعى صالح سعد.  
خيم سكون لا يعكره الا حفيف خافت لريح الشتاء

نيوجرسي/ امريكا
بلانكا شابة أمريكية تزوجت من شاب عربي من مدينة حيفا وخالها شخصيّة مرموقة جدًّا، بروفسور مختص في موضوع الفيزياء. يقضي وقته في السفر بين دول العالم ليلقي بمحاضراته القيّمة أمام زمرة من العلماء. ولد في بيت ثري ومع الوقت ازداد ثراء بسبب علمه ليصبح من الأثرياء الكبار.
عُرف عنه بأنّه انسان بخيل جدًّا. سكن في بيت متنقل تجرّه سيارة يتنقل به من مكان إلى آخر حسب البلد الموجود بها. لم يجد على نفسه ولم يبذّر قرشًا واحدًا عبثًا، يناقش ويجادل الخضرجي ساعة من الزمن ليشتري حبة بندورة واحدة لا غير أو ما يحتاجه من الخضرة بسعر أرخص.
انتبه من حوله لبخله الشديد، خاصة وأنّه ثري جدًّا وليس بحاجة إلى كل هذا التقطير.
لم يتزوّج هذا الخال الثري البخيل ولم يلد له أي ولد يملك اسمه أو إرثه من بعده.
مدّ العمر بالخال وتعدى سن التسعين ونقل إلى بيت للعجزة في ولاية نيوجرسي في أمريكا.
تسأل بلانكا عن خالها وصحّته في فترات بعيدة جدّا، ولكن بعد أن أيقنت بلانكا بأن اللحد فتح فاهه لخالها وهي الوريثة الوحيدة في العائلة، قرّرت وزوجها زيارته في بيت المسن، حيث يقيم، فوجدته في حالة يرثى لها. تحول لونه القرمزي الى اصفر كالموت. مهمل الشكل كعادته، ما زال يربط سلكًا حديديًّا بدل الحزام، يتقمّط به حول بنطاله حتى لا يسقط عنه.
طبطبت بلانكا بود على كتف خالها وقدمت له الأكل وحلقت له ذقنه والبسته بذلة اشترتها خصّيصًا له واصطحبته إلى البنك، حيث تتكدس أمواله حتّى يقوم بدوره بتمرير المال لها
عندما شاهد عمال البنك حاله، وطفق يهذر بسخافات ما انزل الله بها من سلطان قالوا بوضوح بانه غير كفؤ ليقوم بهذه الخطوة والإعلان عن وريث له، فهو في وضع صحي مزر.
آنذاك، اضطرت بلانكا وزوجها لاستئجار بيت في نيوجرسي وإخراج خالها من المصحة وفرشوا له عشًّا من القطن وكأنه فرخ دجاج واهتموا به يوميًّا وعلى مدار ثلاثة أشهر حتّى استعاد صحته وهيبته. فاصطحبوه[‏W1]  من جديد إلى البنك.
هذه المرة، بدا على المسن الهيبة والوقار فقد زاد سمنة وتكلم بوضوح وكان صافي الذهن، استقبله الموظفون بكلّ مودّة واحترام، وقام بنقل كل أمواله من البنك على اسم ابنة اخته.
عاد المسن إلى المصحة وعادت بلانكا مع زوجها إلى حيفا ومعهما مبلغ من المال لم يحلما بالحصول عليه.
 سرعان ما انخرطوا في الضحك وأجهشوا في البكاء.

كيشينف/ مولدافيا
اناليس شابة مولدوفية، تزوّجت من شاب عربي واقامت معه في مدينة حيفا. خالها بطل رياضي شارك في بطولة الأولمبياد. ثري جدًّا يعيش في استراليا. كان رأسًا كبيرًا في كلّ شيء، والله أعلم ما كان يحمل ذلك الرأس من علوم الدنيا ومعارفها. اعتاد خالها أن يبعث بصور عزبته وخيوله إلى اخته أم اناليس التي تقيم في كيشينيف عاصمة مولدوفا. عانت اناليس وزوجها وابناءها من الفقر المدقع في مدينة حيفا وشاءت الصدف عدّة مرّات ان تلتقي اناليس وابناءها مع خالها في بيت والدتها في كيشينيف.
كانت اناليس امرأة بائسة في مهاوي الضياع، فقررت ان تتوجه لخالها، فطلبت منه مساعدة بقيمة 5000 دولار لتتمكن من شراء بيت لها في حيفا، وبعثت برسالة إلى خالها وجاءها الرد القاطع بأنّه يرفض طلبها. ومنذ ذلك الحين قرّرت اناليس مقاطعته، بل ورفضت الحديث اليه فيما بعد، مشمئزة من تقتير خالها الأرعن.
لأناليس اخت تعيش مع ابنتها في ضواحي كيشينيف، وعند وفاة والدة اناليس تركت وراءها وصية توصي بما تملك لحفيدتها في كيشينيف، وهكذا حرمت الأم اناليس وابناءها من الإرث، مع انّه في وجهها شيء من ملامحها، وفي جدائلها عطر من ريحها. لم تغضب اناليس من أمها فهي حرّة بتصرفها، مع أن الأم أحبّت أحفادها من حيفا. ولكن الجدة أحبّت بشكل خاص هذه الحفيدة الموالدافية.
تتأرجح بنا ارجوحة العمر التي تحمل أفراحنا واتراحنا، وآمالنا وخيباتنا، وحين خطت خطوط الشيب على الجميع. وإذ برسالة تصل إلى اناليس وزوجها في حيفا عن طريق محامي لبناني يعيش في فرنسا، واتضح لها بأن خالها وزع ما يملكه على أبناء زوجته الفرنسية وعلى بعض أقاربه ومعارفه وكانت هي واحدة من المحظيين بالإرث.
لم تنل مبلغًا ضخمًا كالذي نالته بلانكا ولكنها حصلت على مبلغ وصل إلى 500 ألف دولار، فاشترت قصر مع أرض واسعة تحيط به الحدائق الخضراء في ضواحي مدينة كيشينيف، فرمّمته واقامت السور حوله وكتبت على مدخل القصر "هنا عزبة تورغينييف" على اسم خالها.