الأربعاء، 11 يوليو 2012

الضمير العالمي في اجازة مفتوحة بقلم : سهيل ابراهيم عيساوي

ان ما يجري في سوريا منذ اندلاع الثورة السورية , وشلالات الدم تصرخ في وجه العالم الذي اصم اذنيه امام عويل النساء ودموع الاطفال ,المناظر التي تصلنا عبر وسائل الاعلام المختلفة تقشعر لها الابدان , وفق اكثر من منظمة عالمية لحقوق الانسان والتي تعتمد على شهادات حية من سجناء سابقين وناجين من ماكنة الموت الاسدية , حالات الدمار الشامل لمدن مثل حمص وحماة والرستن وادلب ودرعا ودير الزور  والبوكمال , حالات الاغتصاب الممنهج من قبل اعضاء الاجهزة الامنية في فروع التحقيق والمخابرات المختلفة للنساء والرجال والاطفال والفتيات , واتخاذ الاغتصاب كوسيلة للضغط على المعتقلين لانتزاع اعترافات ولو كانت وهمية او انتزاع معلومات عن اقاربهم , او بهدف الردع والتخويف , والوان العذاب الفريدة مثل نزع الاظافر والصعق بالكهرباء والاعدام الوهمي , وكل صنوف العذاب التي تذكرنا بمحاكم التفتيش في اسبانيا , مذابح للعزل والاطفال وحرق للبيوت والزرع , كل هذا تحت شعار محاربة الارهاب والدولة ونظامها يمارس الارهاب بحرية بحق الشعب , والضمير العالمي في اجازة مفتوحة , اجتماع هنا واجتماع هناك وطحن للكلام وتوزيع جديد للنغمات واالشعارات الرنانة ,واالقتل يزدهر في بلاد الشام والموت مزروع في كل الطرقات , كل هذا في ظل عسكرة الثورة وتشرذم المعارضة السورية الورقية , وتعنت انظمة معينة واصرارها على حماية الاسد ونظامه المستبد ,مثل روسيا والصين تلك الانظمة بالاضافة الى ابتعادها كل البعد عن حقوق الانسان , ايضا لها مصالح مع النظام السوري . حتى لو كان الثمن سحق الارادة الشعبية في سوريا وسحق حقوق الانسان والحريات والمزيد من انهار الدم والجرائم البشعة , ما دام ضمير العالم يغط في سبات عميق

المصدر  :  موقع  الحوار  المتمدن

السبت، 16 يونيو 2012

اغتيال الثورة المصرية وشيك

الاحداث المتسارعة في مصر الثورة , تدعونا للوقوف طويلا امام هذه التطورات السريعة , والتي تشير بوضوح الى وجود من يعبث بمقود الثورة , ويحاول جاهدا محاربة التاريخ والقوى الثورية والرياح التغيير والديمقراطية , ومن ابرز القوى التي لها مصلحة في وقف عجلة الزمن واغتيال احلام الشعب , اعوان النظام القديم من رجالات حزب ورجال اعمال الذين طالما بنوا ابراجهم العاجية على ركام احلام الفقراء , المجلس العسكري ورجاله , لهم مصلحة في تخفيف حدة الثورة وخلق ازمات وهمية واشغال واشعال الثورة في امور هامشية بعيدة كل البعد عن اهداف الثورة المصرية , الهدف استنزاف القوى الثورية وشغلها عن الواقع وعن قضايا الشعب
الحقيقية , والفئة الثالثة هي الجهاز القضائي , ظهر الامر من خلال الاحكام الهزلية على الرئيس المخلوع حسني مبارك وعلى وزير الداخلية السابق حبيب العادلي واعوانه ونجلي مبارك , كذلك حل البرلمان وتمجيد احمد شفيق قبل موعد الانتخابات للرئاسة الجولة الثانية , لا عجب في ذلك لان هنالك تعاونا وثيقا وتنسيقا خفيا بين الجهاز القضائي والمجلس العسكري , لان كلاهما له مصلحة في وقف عجلة الثورة وعودة النظام القديم بثوب جديد , وليس من باب الصدفة اوكل مبارك السلطة للمجلس العسكري عند تركه للسلطة , لانه يعرف العقلية العسكرية والمصالح المشتركة , وان الجيش قادر على كبح جماح اي رياح تهب ولا تروق له , من الطبيعي ان يكون الجيش وكل الاجهزة الامنية تحت امرة السلطة التنفيذية اي الحكومة , وليس العكس , ومن الطبيعي في اي نظام ديمقراطي , ان يكون فصل تام بين السلطات الثلاث , من اجل ضمان حريات الفرد والاقليات , وتطبيق النظام الديمقراطي بقدر كبير , الوضع الحالي في مصر لا يبشر بخير بسبب تعاظم قوة العسكر وانفرادهم بالسلطة وتقزيم الاحزاب والقوى السياسية , وتجاهل رغبة المواطن , والتفكير بعقلية عسكرية لحل المشاكل والقفز على رغبة الشعب المتمثل بمثليه في البرلمان , ان خطوة حل البرلمان واستعداد المجلس العسكري للاستحواذ على القرار امر به خطورة كبيرة ليس على الثورة التي تم تصفيتها على مراحل وتضليل مسارها , بل على شعب مصر العظيم , امام الشعب المصري ثلاثة حقول الغام احلاها مر من الصعب عبورها بسلام , الحقل الاول , الفلول وعودهم من الباب الخلفي من خلال احمد شفيق اخر رئيس وزراء في عهد مبارك , والذي رفضه الشعب كرئيس وزراء هل يجبر على قبوله كرئيس للدولة بصلاحيات غير محدودة , فيعيد اركان وافكار ورجال الحزب الوطني الى الصدارة من جديد , وتكون صفعة للشهداء والشباب والثورة والتاريخ , والحقل الثالث , هيمنة الاخوان على مفاصل الحكم في مصر , وان كان حل البرلمان ضربة في الصميم , ومنعهم من الحصول على اغلبية ومحاولة لتقزيمهم بحجة ان القانون باطل , قد تكون كلمات حق لكن يراد بها باطل , وفي نظري اخطأ الاخوان في زج مرشحهم لانتخابات الرئاسة مما الى الى نزع الثقة منهم من قبل قطاع واسع من الشعب الذي ايدهم في انتخابات البرلمان , وتخوف الاقلية المسيحية , والعلمانيين من تحويل مصر الى ايران ثانية , لو ترك الامر لمرشحين مستقلين لكان الامر افضل لمصر والامة العربية عامة , والحقل الثالث والاخطر والذي يعيد مصر الى المربع الاول , الى الدكتاتورية العسكرية , ونزع الشرعية من الثورة والدستور , الى محو انتصار الثورة وتقييد حرية الفرد , هذه الحقل يعيق الثورة المصرية وايضا له انعكاسات على مسار الثورة السورية ,لذا نتفهم التخبط الكبير الذي يعيشه المواطن المصري , والانسان عامة في العالم العربي , لان الشعور بالغدر صعب ومميت , اننا نخشى ان تعكس نتيجة الانتخابات رغبة الشعب المصري , او ان يتم تزوير الانتخابات للرئاسة , وهذا الامر ليس بالصعب لمن طالما زورها عينك عينك , وخاصة انه نفس الاشخاص الذين اشرفوا واعدوا الانتخابات في عهد مبارك ما زالوا يمسكون بزمام الامور , وان حدث هذا الامر المشين , نخاف على مصر وعلى شعب مصر ان يحدث تصادم دموي بين العسكر والحركات الاسلامية وقوى اخرى كما حدث في الجزائر التي راح ضحية سرقة ورفض الانتخابات حوالي 400000 انسان , اننا نتمنى لمصر ان تتعافى سريعا ويعود بريقها بين الامم , وان تحقق الثورة اهدافها كاملة, اذا غابت شمس مصر من فوق الاهرام , تغيب شمس العرب خلف كثبان الرمال .
  عن  موقع الحوار    المتمدن



1

الأحد، 3 يونيو 2012

تكريم الادباء سهيل عيساوي وسهيل كيوان وحنا ابراهيم

تكريم  الادباء   سهيل  كيوان  وسهيل  عيساوي  وحنا  ابراهيم   ونخبة  من  الطلاب   المبدعين  في  مركز  الموهوبين في  نحف

انظر   الرابط

http://www.olnet.co.il/news.aspx?cid=166&aid=930

الاثنين، 9 أبريل 2012

الاديب صالح احمد يمسك بمنابع الفلسفة في كتابه "العمق الفكري والفلسفي





الاديب صالح احمد يمسك بمنابع الفلسفة في كتابه "العمق الفكري والفلسفي
في ديوان العشق والادراك لمعين حاطوم
بقلم : سهيل ابراهيم عيساوي - كفرمندا
يقع الكتاب في 280 صفحة من الحجم الكبير , طبع في مطبعة الكلمة في دالية الكرمل, وكان الاديب والشاعر والناقد صالح احمد قد اصدر عدة كتب توزعت على الشعر والمسرح والنقد : احلى نداء, شعر 1985 , الصرخة, مسرحية 1987 , سبع عجاف- شعر 1993 , رموز فجر الحرية , شعر 1998, مدارات الروح - شعر 2001 ,الخماسين – شعر 2003 , اما الكتاب الذي بين ايدينا عبارة عن دراسة نقدية لكتاب الشاعر والفيلسوف معين حاطوم , في هذا البحث الجاد يحاول الناقد صالح احمد انصاف الشاعر معين حاطوم والقاء الضوء على كتابه وشعره وفلسفته , في خطوة نادرة وفريدة ومميزة في عالم الابداع المحلي , الذي يعاني من الكساد والعزوف وخاصة في لون النقد الادبي الجاد , وصالح احمد في هذا الكتاب لا يسرد للقارئ فقد محاسن الكتاب ومساربه الفلسفية فحسب انما يجود على القارئ بفهمه للعالم النقد الجاد ودخوله من اوسع ابوابه , فعرض الكتاب يتسم بمهنية والمنهجية , وعمق ودراية وثقافة واسعة , في مقدمة الكتاب يسرد علينا صالح احمد كيف تعرف على الاديب معين خاطوم من خلال مقالة تناولت روايته " النبي رائع الفلسرالي " تحت عنوان : الرجل الذي اتعبه عقله ,في نظره ان معين حاطوم لم يشأ ان يفلسف الامور من خلال كتابه انما انما في هذا الديوان ابعاد فلسفية وفكرية وروحية , يقول صالح احمد " العشق عند معين حاطوم يعني : وهج القلب والنابض ومتوحدا ومتناغما مع انسياب الروح الخفية , وصولا الى اقاصي العقل المختمر في عوالم السجية ..المغموسة في رحيق الروح.. وصولا الى سجية الادراك ..في قلب الحقيقة ." ويامل ان يكون عمله " المتواضع" جهدا يصب في مسيرة ادبنا المحلي , اضافة الى المقدمة يقسم الكاتب كتابه الى ستة مجالس وخاتمة للبحث .
في فصل المجلس الاول وتحت عنوان فرعي " لان الشمس ما كانت " يصف الشمس عند معين حاطوم , فهي تعني الحقيقة البكر , وتشكل جوهر البديهة ,فالليل يتجول في غياب الشمس , الشمس رمزا للحقيقة الساطعة الدامغة ,يرى الكاتب ان الشاعر قصد في قوله " انا الشمس " يقصد انا الحقيقة البكر ولانني النور الذي لا يخفى فيه شيئ الا ما اراده البشر ان يختفي خوفا و عجزا , هذه الكلمات تذكرنا باقوال الحلاج والتي كانت سببا في تصفيته في بغداد عام 922 م على يد خصومه بحجة التطاول على الذات الالهية , قال الحلاج " انا انت بلا شك - فسبحانك سبحاني - وتوحيدك توحيدي - وعصيانك عصياني " قال ايضا " انا الحق " فهمت انه يقصد " انا الله " , وثم يستعرض العديد من مقتطفات الشاعر التي تفيض بالحكمة والفلسفة الوجودية , " حين تتعرى الرحمة مما يسترها - لا ترى - لانها وليدة الحلم والنقاء " يفسر صالح احمد اقوال الشاعر بان الرحمة نقية في الجوهر قبل ان يداخلها الهوى المادي , وعن فلسفة الكمال لدى الشاعر يتطرق الكاتب الى ايمان معين حاطوم بان الروح جوهر وطاقة الموحد ولا يمكن وصف الروح وصفا حسيا وماديا
والانسان في نظره لا يمكن ان يبلغ عالم الكمال الروحاني وهذا سر شقائه وخاصة انه يعرف سر عجزه لذا يصرخ كما قال الشاعر في ديوانه ص 63 : " دعيني اغرس من رحيقك – بارغفة اليقين – فانا العاشق الاكبر - أنا العاشق الأكبر "
اما في المجلس الثاني , وتحت العنوان الفرعي " وحدتي تفيض مني " يتحدث الناقد عن عدة قضايا طرحها الشاعر معين حاطوم مثل الانفصام , الانفصام بالنسبة للشاعر يعني الوحدة والانفصام سبب الفوضى وعدم الاستقرار , ويطرح قضية الشعر , هو ابن السليقة وجنين البديهة روح الابداع في كمال الجوهر اذا اصبح الشعر تصنعا يفارق روح البديهة في قوله ص 75 " في زمن الشعر – لا يضيئ الشعر سراج - ولا ينبلج له صبح – يذوب مقلاة الحواس " , وحقا الشعر المصطنع يسئ للشعر والشعراء ويفرغ رصيد الشاعر ويجلد نهر الشعر بسياط من نار .
اما في المجلس الثالث وتحت العنوان الفرعي : ثرثرة في مقاهي الحلم , يستعرض الناقد صالح احمد عدة قضايا فكرية هامة يتطرق اليها الشاعر مثل التاريخ , توصل الى استنتاج ان معين حاطوم له فهمه الخاص للتاريخ , وان البشر عاجزون عن فهمه او فهم صيرورته وحتميته ودحرجته للاحداث , معين حاطوم من المؤمنين بان التاريخ ولد بميلاد الصيرورة الاولى للكون وحين انفجر الجوهر الكمالي لتنطلق عنه طاقة التشكل النمو والتكاثر ويستند الى قول الشاعر ص 137 , " حين كان التاريخ – يلعب في ساحة كون – المتصدع من عطش خرافي - ينبش الارض – بحثا عن شيئ ينفجر - في وجهه – والذي لم يكن وجها " نلاحظ هنا بصمات الشاعر على الرؤية التاريخية الخاصة وهو يدمج نظريته بنظرية الانفجار العظيم والتي يذهب الى صوابها الكثير من علماء الفلك لكنني شخصيا لا اعتقد بحدوثها لعدة اسباب لا مجال لسردها هنا . ايضا يتطرق الكاتب الى الزمن وتعريفه الفلسفي العميق للشاعر معين حاطوم , فعندما ابدع الخالق الوجود لم يكن الزمن شيئا محددا او محسوسا له ظرفيته وابعاده عندما كان روحا مكنونة في الجوهر الكمالي ,يقول الشاعر ص 152 في ديوانه " حين كان الزمن لا شيئ – لان الشيئ- لم يكن - ليتجسد فيه " ويخلص الشاعر الى فكرة انه عندما صار الزمن محسوسا اصبح يحمل في طياته عناصر فنائه " يا ابناء الحياة – ايها المحدودون – بسلسلة المهجة الكونية - انتم سبحة بين انامل الزمن المماطل الجبري - الساعي - وسببه كهدفه : الاختراق الابدي لاحلام بقائكم " ويتحدث عن النار الطاقة المتشكلة انها ايضا لم تكن شيئا قبل ان ينفجر الجوهر فتتشيأ بفعل الصيرورة , يقول الشاعر في ديوانه ص 162 : " ففي غابر البدعة – لم يكن النار دفء – لم يكن الثلج برد - كان الضد سند الضد – كان الصمت نبض الصوت – كان الجزر – نصف المد " يخلص الناقد الى ان الشاعر معين حاطوم يؤمن بانه لا شيئ ينفصل تماما عن عالم الروح بل الكل يستمد طاقة وجوده من طاقة الروح , وان انفصال اي شيئ عن عالم الكمال الروحي وصفائه انما يعني موته وفنائه , ويتحدث ايضا هن ايمان الشاعر بالحرية والانعتاق فمعين حاطوم يؤمن بان الانسان وحتى الجماد مخير وغير مسير , لانه بتمرد الجزء الناقص على الجوهر الكلي الكامل وانفلاته منه , حمل الجزء صفات الكل الكامل ,ولكنه بدأ يختلف عنه وهذا هو سر نزعة الفناء , الاجزاء التي انفصلت عن الكل ما تزال تحن وتصبو للعودة اليه لكن هذه العودة باتت مستحيلة بعد ان انفجر الكل اي الجوهر الكمالي , كما عبر الشاعر عن فكرته ص16 , " صغ نفسك وتجدد – قالت الروح للجسد " معين حاطوم يجزم بان الحرية قانون كوني واحدث اشكال الطاقة المستمدة من عالم الروح لكن الانسان لا يمكنه ان يبلغ قمة الحرية , لان ذلك من اعلى درجات الكمال , المخلوقات تظل في ظمأ للحرية . ونتيجة ضعف الحرية لدى الانسان يشعر بالضياع والنقص بالاحباط والفوضى والخوف وعدم الامان , ويتحدث عن فلسفة الشاعر حول دحض الشر يستخلص صالح احمد فلسفة الشاعر الخاصة به مثل ان الزمن روح التاريخ , واصل كل شيئ ضده واصل الخير دحض الشر , والروح عالم خفي لا يمكننا ادراكه بقوة العقل او بالحواس , من صراع الاضداد تشكل التاريخ , صراع البقاء يقابلها غريزة الخوف من الفناء , وفي الروح يحيى الجسد فهو جنين الانسان .
المجلس الرابع : تحت عنوان فرعي , سلطنة على اوتار الوجد , يلاحظ ناقدنا ان الشاعر الفيلسوف معين حاطوم يستعرض زبدة وعصارة فلسفته في هذا الباب فتصبح اللفة اكثر شفافية وذاتية ووجدانية , الخطاب يصبح اكثر مداعبة للابداع مع انه يعود على نفس الافكار لكن باسلوب جميل , يسوق لنا مقطع ص 173 " الروح تسكن الارض – قالت – لا موت ...لا انتهاء لاحد ! – انه ارتحال بين الابد والابد – نصفك هنا يتعذب – ونصفك هناك يتجدد – فلا تتهرب – دع ألمك يتهذب – لا تتردد .. - الروح تسكن الارض - تسكنني وتسكنك كي نتوحد " ومن اهم افكاره في هذا الباب انه لا ثبات في الطبيعة , لانه لا ثبات في الحياة , الحزن حالة طارئة , لانه وليد الفعل والافعال هي من تقود الانسان الى الشك واليقين عبر متاهات طويلة , والانسان لا يمكنه الاستغناء عن الحلم والخيال بسبب الاتصال الدائم بعالم الروح , ويحذر الشاعر الفيلسوف من الفكر الخرافي الذي يشوه كل شيئ حتى الاحلام ! , والحلم حالة غيبية , ويخلص الشاعر الى ان الانغماس في عالم المادة الزائف المغري يمكنه ان يفسد الاحلام لانه في غيبة الروح يفسد كل ما هو غير روحي .
المجلس الخامس : تحت عنوان فرعي : صهيل الوجع الجامح , يشير الناقد الى هذا المجلس اكثر جمالية لانه يتحدث عن اشعاعات الجوهر على عالمنا , يتحدث عن الانثى التي تعني النماء والتكاثروتزاوج الارض مع المرأة دليل اتحاد عنصر المادة بطاقة الروح , لتكون الحياة , يقول معين حاطوم " وقيل ان الارض امرأة – ترضع من ثديها الاحياء – وقيل انها الرحم الذي ينجب – والرمس الذي يقتات الاموات – وقيل : انها كل شيئ " . والشاعر ايضا عاشق للروح والطبيعة والجمال , عاشق للكرمل في قوله " لا تحرر أمرك من أمري " يذهب صالح احمد ان الشاعر يقصد انا الطبيعة , والطبيعة أنا ولا وجود للفتنة الا في وجود المفتون , في قصيدة الكرمل ص 252 يقول الشاعر : " الكرمل قلب – يضخ في اوردة العالم شعرا – قالت الحمامة المهاجرة – مصفقة بقلبها المفتون - أعدني اليه يا رونق العمر - في كل الفصول "
والشاعر محق هنا الكرمل يحسن في انجاب الشعراء الكبار الذين يزفون الشعر الجميل للعالم , والكرمل يمثل الطبيعة والجانب الحسي والوجداني للحياة الحمامة هي رمز السلام الابدي وتجدد الحياة بعد الطوفان, وفي موضع اخر ص 253 يؤكد الشاعر الفكرة مرة اخرى " الكرمل قيثار اسطوري النغمات – قالت الحساسين الطائرة - اعطني ايها الزمن فسحة طويلة - لارتوي من هذا الشدو الاخضر - واذوب واذوب – في مقلة اللحن الأبدي " وفي هذا الباب ايضا يخصنا الشاعر بعدة نظريات فلسفية خاصة به منها : الزمن يتحكم بمسيرة الحياة ويحتضن كل تقلباتها , وقضية النجاح والفشل والصعود والهبوط قضية محكومة بعنصر الزمن واجتهادنا فيه وحسن استغلالنا للفرص المتاحة وسرعة التحرك واتخاذ القرار , وما نسميه نحن حياة ما هو الا مجرد صراع الموجودات من اجل البقاء في الحياة , ومنطق العنف والوعيد والتهديد هو نتيجة لحالات ضمور الروح وتبلد المشاعر وانتشاء الذات الغريزية , وفي حالة ضمور الذات الانسانية الواعية , يدب الخلل في كل شيئ ويصبح الانسان يلهث خلف كل بريق يلمع يعتقد انه الامل وفي النهاية يضل الطريق , ومن قمة الجهل يبدأ ميلاد الصحوة , ولا تاثير للروح على سلوكنا الا في ظل الود والحب , اما عن الشعر فله قسط عند شاعرنا فهو رأس الابداع وعنوانه وهو عنصر من عناصر كمال الجوهر , الشعر هو روح الجوهر , الشعر لغة الطبيعة ونغمات الروح في الانسان , وتهذيب لغرائز الانسان , الشعر صوت الروح , وتهذيب للطبيعة , الشعر روح الابداع ولا يكتمل الادراك والوعي الا بالابداع, والشعر يعمل على تهذيب الغرائز والنزعات , الشعر ازلي وابدي , وكان في سر كن فيكون مع انفجار الجوهر , والشعر يفصل بين الجهل والوعي بين الجسد والروح , بين الحلم والحقيقة , ويحذر الشاعر من تراجع الروحانيات الامر يؤدي الى تراجع الادراك والوعي , وفي المجتمع المادي يتفشى الاحباط والصراع الدائم , واقتصار الحلم على الماديات امر خطير واغتيال للحلم , واصبحت حياتنا تحكمها المقاييس المادية , يقول الشاعر ص 280 " الفساد - يافطة معلقة على متاجر النفوس " ويتحدث الشاعر عن المفكرين والفلاسفة وواقعهم وعالمهم , هم المتسلحون بنور الروح واشراقاتها حين يغيب العقل في دهاليز الغريزة والشهوة , ويندر ان يفهم الفيلسوف اهل زمانه ! لانه يهرب يغيب من ظلماتهم لائذا بنور وعيه وادراكه , ولانه يبعث اليهم قبسات من اشراقات روحه, يصعب ان تخترق الحجاب من ظلمات واقعهم , ويظل النور مشرقا حتى يجد من يقتبسه , ويفقه اسراره , وقد يطول الزمن دون ان يحدث ذلك . وكان الشاعر هنا يتحدث عن ذاته .
المجلس السادس , تحت عنوان فرعي , كأني قد جئت منك , في هذا المجلس يحاول الشاعر ان يجمل ما عرضه في مجالسه الخمسه السابقة, لكن بصورة اكثر وضوحا , ومباشرة يحاول ان يشرح ذاته , قصائد المجموعة في هذا الباب اطول الناقد صالح احمد يرجع الامر الى خوف الشاعر من ان لا يفهمه الناس لذا يلجا الى الاطالة بهدف التوضيح , والتعابير اكثر سلسلة ورومنسية , وهذا الفصل هو الاطول بعكس المألوف عادة لدى الكتاب والشعراء , يرجع الناقد الامر ايضا الى هوس الشاعر وخوفه من ان لا يكون قصده اتضح بعد , وانا ارجح انها اشارة ذكية منه ان في جعبته المزيد وذخيرته من الشعر والفلسفة لم تنفذ بعد وما زال في روحه الكثير الكثير من افاضة الشعر والحكمة الازلية , يستعرض ايضا في هذا الباب صورا شعرية جديدة لافكار سبق ان طرحها , ومن اهم افكاره يلخصها الناقد , العقل طاقة مستمدة من كمال الجوهر لكنها طاقة ضئيلة , ونورها خافت وتاثيرها ضعيف , ومهما بلفت طاقة العقل يظل تائها في سراديب الجهل , العقل البشري لا يقر ابدا بعجزه لكنه يبحث له دائما عن مخرج , واننا لا ندرك كل طاقة العقل , - هذه حقيقة علمية لاننا نستغل اقل من 5 بالمائة من عقلنا - !!, لاننا عاجزون عن استغلال عقلنا تخدع الذات بالذات , يمكن ادراك نتاج العقل وافعاله اما العاطفة فلا يمكننا حصر الابعاد والنتائج , واندفاع العاطفة يؤثر سلبا على الوعي , والغريزة حينما تقوى شوكتها تبطل العقل وتتفوق عليه , الحكمة هي التي تضبط العقل والغريزة والعاطفة .
ثم يختتم الناقد صالح احمد كتابه بخاتمة , يتطرق بها الى اهم الافكار التي رفع شعارها الشاعر والفيلسوف معين حاطوم ,
خلاصة : في كتاب صالح احمد يكسر كل القوالب الجاهزة حول النقد المحلي , والتي عادة تعالج الكاتب وتهمل النص , او تعالج النص بشكل سطحي , اكثر ما في الامر اجترار لكلمات الشاعر او الكاتب ,’فصالح احمد اخذ المهمة الشاقة واوغل بها , دون ان يغرق ويسرف في مدارس النقد المختلفة وفي احصاء الكلمات والمفردات , بل عايش النص وامتطى الحرف , قام بعرض الكتاب وافكار الشاعر والفيلسوف بصورة لائقة , اعطت الكلمة حقها وانصفت الشاعر , وهي مهمة غير سهلة وخاصة اننا لا نقف امام كتاب فج او شاعر يجرب القصائد انما شاعر كبير متعمق في الشعر ومبحر الى وراء الافق في عالم الفلسفة وله فلسفته الخاصة وطريقه في فهم الحياة , له رسالة يود ايصالها الى الناس , في كل المعمورة , الاديب والناقد صالح احمد اشبه بالصائغ الماهر الذي يعرض جوهرته النادرة , لكن ليس لكل الناس انما الامر يقتصر على من يفقه في عالم الجواهر وعلى استعداد لدفع الثمين مقابل النفيس , وفي كتابه يمنح القارئ الذي لم يسعفه حظه المتعثر في قراءة ديوان الشاعر معين حاطوم , ليقرأ ما وراء السطور لعل الامر يحثه في البحث عن الكتاب , ويقدم للنقاد على طبق من ذهب نظرة اخرى للنقد وذوق متميز في التحليل والدراسة , مع الاشارة الى الناقد صالح احمد ناقد ملتزم ومع ذلك لم يحاول ان يعارض او يهاجم افكار الشاعر انما عالج النص كما هو بأسلوب جميل لا يخلو ايضا من الفلسفة العميقة والادراك الكبير لعالم الفلسفة , اما الشاعر معين حاطوم فلسفته تدهشنا , وتعيدنا الى افكار افلاطون والمدينة الفاضلة والى سقراط في بحثه عن الحقيقة وفي النهاية لم يدركوا عمق فلسفته فحاكموه وسط زحمة من الجهل و ارغموه على شرب السم , وتعيدنا الى فلسفة الحلاج والذي ايضا قتل في بغداد ظلما بسبب حكمته واليوم يحاول البعض انصافه , وتذكرنا بفلسفة جبران خليل جبران وقصائده الخالدة الباحثة عن الصدق والروح والعدل , وبحكم بوذا الهندي المقتضبة والتي تجبر العقل ان يعتصر الفكر ليفهمها ويحللها وكلما تبحر بها تنبه لامر جديد , كل هذه الطاقات وسط تواضع كبير , والتواضع نعمة لا يفطن اليها الحاسد كما قال الامام علي كرم الله وجهه.
اما ملاحظاتنا على الكتاب انه يخلو من التبويب وتسجيل المحتوى , هذا الامر يريح القارئ والباحث وعنصر مهم في تكوين الكتاب , كذلك عدم تخصيص صفحة لكل فصل جديد مثال الفصل الرابع جاء العنوان في اسفل الصفحة دون اشارة واضحة , وقع بعض الاخطاء المطبعية و هي قليلة جدا , الكتاب يخلو من تعريف عن الشاعر معين حاطوم بطاقته الشعرية ورصيده الادبي او الاجتماعي وهذا فيه بعض الاجحاف للشاعر الكبير , ايضا ينقص القارئ والباحث معلومات اولية عن الديوان والذي بصدده البحث مثل عدد صفحاته اسماء القصائد , دار النشر , سنة الاصدار , حجم الورق ولون الغلاف ولوحاته , كما ان الكتاب لا يتضمن بطاقة شخصية للناقد صالح احمد , مثل العمر والثقافة والنشاط الادبي , لكنه تضمن اصدارات الكاتب وهذا امر هام .
في النهاية كتاب صالح احمد اضافة نوعية لمدرسة النقد وللمكتبة العربية والمحلية ودراسة جادة لكتاب مميز وكاتب فريد يمزج بين الشعر والفلسفة يطوع الفلسفة لخدمة الشعر والشعر لطرق مدارات الفلسفة والحكمة , وعتبة هامة لدخول عالم الشاعر والفيلسوف معين حاطوم .

الأربعاء، 29 فبراير 2012

استعراض لكتاب تصبحون على ثورة للكاتب سهيل عيساوي بقلم حاتم جوعية - المغار




- استعراضٌ لكتاب " ُتصبحُونَ على ثورةٍ " للكاتب والأديب " سهيل عيساوي " -
( بقلم : حاتم جوعيه - المغار – الجليل )



مقدِّمة ٌ : الشاعرُ والكاتبُ والمؤرِّخُ " سهيل إبراهيم عيساوي " من سكان قرية كفر مندا– الجليل ، حاصلٌ على شهادةِ البكالوريوس ( b.a ) في موضوع التاريخ والعلوم السياسية وعلى شهادة الماجستير ( m.a ) في تاريخ الشعب اليهودي من جامعة ( بن غريون) ببئر السبع . عملَ في سلك التدريس لمدة تسع سنوات في مدينة راهط وفي قرية إكسيفه بالنقب . وبعدها عُيِّنَ مديرًا لمدرسة ابن سينا الإبتذائية في قريته وما زالَ إلى الآن يشغلُ هذه الوظيفة .
أصدرَ 14 كتابًا حتى الآن في الشعر والأدب والبعض في الأبحاث والدراسات التاريخيَّة ... وقد صدرَ عنه كتابٌ للمؤلف والأديب المغربي " محمد داني " سنة 2008 يتناولُ فيه شعرَ سهيل عيساوي ما بين الإستعراض والدراسةِ والتحليل . نشرَ سهيلُ الكثيرَ من إنتاجهِ الكتاب في الصحف والمجلاتِ المحليَّة وخارج البلاد أيضا ، وخاصَّة ً في مواقع الأنترنيت المشهورة عربيًّا وعالميًّا . وهو بحقٍّ وحقيقةٍ شاعرٌ وكاتبٌ وأديبٌ مُبدعٌ وقديرٌ ومؤرِّخٌ مميَّزٌ رائدٌ غزيرُ الإنتاج تركَ بصماتٍ واصحة ً وملموسة ًعلى الحركة ِالأدبيَّةِ والشعريَّة والثقافيَّة والفكريَّة محليًّا وسدَّ فراغا وحيِّزًا لم يسدَّهُ ويملأهُ مؤرِّخٌ وباحثٌ آخر على الصعيدِ المحلي في مجال الدراساتِ التاريخيَّة . مدخلٌ : إنَّ كتابَهُ الذي بين أيدينا الآن بعنوان : " تصبحونَ على ثورة " يقعُ في ( 146 صفحة ) من الحجم الكبير - صدرَ على حساب ونفقة الكاتب ( من جيبهِ ) ، ووضعَ لوحة َ الغلاف ( للكتاب ) الفنان والشاعر يعقوب أحمد يعقوب ابن قرية كفر مندا . ويهدي المؤلفُ هذا الكتابَ القيِّم إلى شهداءِ الربيع ِ العربي وإلى روح ِ الشهيد " محمد البوعزيزي " الذي كان الطليعة َ في تفجير ِ الثورات بتونس لقلبِ نظام الحكم هناك ... وإلى الشهيد خالد سعيد والشهيد الطفل حمزه الخطيب وإلى أصحاب الأقلام الحرَّة وإلى جيل ٍ يحلمُ بغدٍ أفضل . وقد كتبَ مقدمة َ الكتاب الأولى الأستاذ ُ والكاتبُ صالح زيادنه والمقدمة الثانية بقلم الكاتب نفسه سهيل عيساوي .
إنَّ مقدمة َ صالح زيادنه جميلة ٌ وسلسة ٌ وشاملة ٌ ورائعة ٌ صاغهَا بلغة ٍ أدبيَّةٍ منمَّقةٍ يثني فيها ، بدورهِ ، على المؤلفِ وعلى هذا الكتابِ وأهميَّتِهِ التاريخيَّة والتوثيقيَّةِ ويلقي فيها نظرة ً تحليليَّة ً سريعة ً عمَّا جاءَ في الكتاب عن الوضع ِ والواقع ِفي العالم ِالعربي وسبب اندلاع ِالثورات في الدول ِ العربيَّةِ لإسقاطِ الأنظمة ِ الدكتاتوريَّة القمعيَّة وتغيير الوضع القائم الذي عانت وتعاني منه شعوبُ وسكانُ تلك الدول ... ويشيرُ في مقدمتهِ انَّ الكاتبَ سهيل عيساوي سبقَ وأن تناولَ موضوعَ الثورات العربيَّة بشكل ٍ تحليلي وتوثيقي دقيق وموسَّع وشامل في كتب ٍ ومؤلفات أخرى لهُ ... ( الثورات التي قامت في العصور الإسلاميَّة ).. . وفي هذا الكتاب ( المؤلف ) الذي نحنُ في صددهِ أيضا .
وأما مقدمة الكاتب سهيل عيساوي فهي موجزة ٌ وبلغة ٍ أدبيَّةٍ شاعريَّةٍ منمقةٍ ... ويذكرُ فيها الامورَ والمواضيعَ التي يتناولها هذا الكتابُ " تصبحونَ على ثورةٍ " ويشيرُ إلى أسبابِ اندلاع ِ هذه الثورات العربيَّة ... ويقولُ : " إنَّ الثورة َ كانت خبزنا الحافي وأنفاسَنا المصادرة نكونُ أو لا نكون في هذا الوجود ِ فقرَّرنا أن نكونَ ونرسمَ ابتسامة ً عريضة ً في فضاءِ المستقبل ِ ... لكننا نخشى على الثوراتِ من السرقةِ والإلتفاف عليها من قبل ِ العسكر والإنتهازيِّين وتدويلها والإستثمار بثروات الأمَّة ، فعلى الشعوب أن تكونَ يقضة ً حتى تعودَ السلطة ُ للشعبِ " .
إنَّ هذا الكتابَ هامٌّ جدًّا وهو تاريخي وتوثيقي ُمسهب – وجديرٌ بهِ أن يكونَ في كلِّ مكتبةٍ وكلِّ بيتٍ . يتناولُ فيهِ الكاتبُ كلَّ دولةٍ عربيَّةٍ في آسيا وأفريقيا على حِدَةٍ ( الدول التي حدثت فيها الثوراتُ والإنقلاباتُ والهبَّاتُ الجماهيريَّة والدول الأخرى التي على وشكِ أن يحدثَ فيها ما حدثَ في غيرها من البلدان ِ العربيَّةِ لقلبِ نظام ِ الحكم وتغييرِ الوضع )... ويبدأُ الكاتبُ في دراستهِ عن كلِّ دولةٍ عربيَّةٍ بمقدِّمة ٍ وديباجة ٍ كتعريفٍ لها أو بطاقة هويَّة كما أسماها ، مثل : مساحة الدولة بالكيلومترات المربعة ، حدودها ، لغة سكانها ، الديانة المنتشرة فيها ، أهم مدنها ومعيشة سكانها ( الاقتصاد ) ... وحكامها بالتسلسل ... وبعدها يبدأ ويدخلُ في التحليل المسهبِ للوضع ِ السياسي والإجتماعي وكيف اندلعت الثورةُ في كلِّ دولةٍ وقطر عربيِّ .. ثمّ بعدها الإستنتاجات والأمور التي تركتها وخلفتها الثورة ُ . واوَّلُ دولةٍ عربيّةٍ تناولها الكاتبُ في هذهِ الدراسةِ هي دولة " تونس " لأنها كانت في طليعةِ الدول العربيَّة ِ التي نشبت فيها الثوراتُ للإطاحةِ بنطام ِالحكم ِ وتغيير الوضع ِ . فيضعُ الكاتبُ عنوانا ً صغيرًا في بدايةِ دراستهِ : " بطاقة هويَّة " ويذكرُ اسمَ الدولة : " تونس" ومساحتها بالكيلومترات ( 155 ، 162 ) . وموقعها شمال افريقيا . وحدودها : ( المغرب ، الجزائر ، ليبيا ) . والبحر ( منفذها للبحر ) : البحر المتوسط . وعدد سكانها : ( 10 مليون ) . واللغات التي يتكلمها سكانها : (عربيَّة ، فرنسيَّة، وأمازيغيَّة أقليَّة ) . والعملة : دينار . وأما الديانة ( 99 بالمئة إسلام ) ... ويذكرُ أهمَّ المدن فيها مثل : تونس ، القيروان ، بوزيد ، القصرين ... إلخ .. . ويذكرُ أهم الأحزاب فيها مثل ، : الإتحاد الديمقراطي الوحدوي ، التجمع القومي العربي ، الحزب الإصلاحي ، الحزب الإشتراكي اليساري ... إلخ . ثمَّ يذكرُ أسماءَ حكام ِ تونس بعد الإستقلال ِ وإعلان الجمهوريَّة ، وهم : 1 ) الحبيب بو رقيبه ( 1957 - 1987 ) .
2 ) زين العابدين بن علي ( 1987 - 2011 )
3 ) فؤاد المبزّع ( مؤقت ) - 2011 .
وبعدها يدخلُُ ويتوغَّلُ الكاتبُ في شرح ٍ وتحليل ٍ مُسهبٍ لكلِّ ما يتعلقُ بالوضع والأمور ِ في تونس : السياسيَّة ،الإجتماعيَّة ،الإقتصاديَّة ، النفسيَّة ... وكيف اندلعت المضاهرات والثورات فيها ... ويتحدثُ بأسلوبٍ وبسيناريو درامي عن الشاب التونسي الأكاديمي الشهيد محمد البوعزيزي الذي قامَ بحرق ِ نفسهِ احتجاجا على الوضع ِالمزري في الدولةِ وعلى حياةِ الذلِّ والمهانة ِ التي يحياها مع عددٍ كبير من الشعب التونسي والمعاملة القاسية واللاإنسانيَّة التي عُومِلَ بها والمهانة الشديدة التي تعرضَ لها من قبل ِ رجال ِ الشرطةِ فأقدمَ على إشعال ِ نفسهِ بالنار ِ ليضيىءَ عتمة َ الليل ِ في الوطن الكبير ( على حدَّ قول ِ المؤلف ) ... واشتعلت الثورة ُ السلميَّة ُ الشعبيَّة ُ العفويَّة ُ وحدثَ ما حدثَ وتطوَّرت وتفاقمت الأوضاعُ وامتدَّت الثورة ُ على نطاق ٍ واسع وفي كلِّ بقعة ٍ وزاويةٍ في دولة ِ تونس حتى أطيحَ بنظام ِ زين العابدين بن علي الدكتاتوري .
وبعد دولة تونس يتناولُ الكاتبُ ، في مؤلفهِ، الدولَ العربيَّة َ الأخرى بالتفصيل وبدراسات تحليليَّةٍ مُسهبةٍ مع مقدمةٍ وديباجةٍ كتعريفٍ ( بطاقة هويَّة) لكلِّ دولةٍ على حدةٍ - كما وردَ أعلاهُ عن تونس - أي اسم الدولة وموقعها ، عدد سكانها ، جغرافيَّتها، أسماء حكامها ، ديانتها ، أهم مدنها، إقتصادها ، العملة المتداولة فيها ومعيشة سكانها ومنفذها إلى البحر وحدودها مع الدول الأخرى وأهم الأحزاب فيها وأسماء حكامها قبل اندلاع الثورات فيها ... إلخ .
والدولة ُ الثانية ُ التي حدثت فيها الثورة ُ بعد تونس هي مصر فيتحدَّثُ عن الأوضاع ِ فيها بشكل ٍ مسهبٍ وواسع ٍ ... ويُقدِّمُ ويستعرضُ الكاتبُ معلوماتٍ دقيقةٍ ومفصَّلة عن الشارع ِ المصري اثناءَ اندلاع ِ الثورةِ . ويذكرُ الشعارات والأهازيجَ التي كانَ يرفعها وينشدُها الثوَّارُ في المضاهراتِ والمسيراتِ الجبارةِ ، مثل : " الشعبُ يريدُ إسقاط َ النظام " . " الشعب يريدُ سقوط الرئيس " . أو : " حسني مبارك عارْ عارْ عايز مصر تولع نارْ " ... إلخ .
وإنَّ هذه الهتافات والشعارات تعكسُ الواقعَ المصري وغيره في الدول التي حدثت فيها الثورات - كتونس وليبيا وسوريا وذلك ( الشعارات ) بسخريةٍ وخفة دم وإبداع ... وكيف نجحت هذه الثورةُ بفضل ِ عزيمةِ الشعبِ وإيمانهِ ... ويذكرُ الكاتبُ انعكاسَ الثورةِ في مصر على الأوضاع ِ في الشرق وعلى سياسةِ الدول ِ الأخرى كإسرائيل مثلا ً التي ازدادت مخاوفها ( حسب قول الكاتب) وذلك لأسبابٍ عديدةٍ ، مثلا ً :
1 ) ربما النظام البديل والجديد بعد مبارك لا يهتمُّ لمعاهدةِ السلام ِ بين إسرائيل ومصر ( معاهدة كامب ديفد ) .
2 )مصر كانت تعتبرُ من دول ِ الإعتدال العربي فربما تتغيَّرُ سياستها كليًّا بعد مبارك تجاهَ إسرائيل .
3 ) صفقة الغاز الطبيع بين مصر وإسرائيل حيث كانت إسرائيلُ تستوردُ الغازَ زمنَ حكم مبارك بأسعار ٍ زهيدة ٍ جدًّا من مصر .
4 ) حاجزُ غزَّة الذي ربما قد يغدو مصدرَ عِبءٍ وخطر ٍ لإسرائيل فعن طريقهِ قد يتمُّ تهريبُ الأسلحةِ ( عبر الأنفاق ) لحماس وغيرها... تمَّ الإنفلات الأمني .
5 ) الخوفُ من وصول ِ الإخوان المسلمين إلى الحكم .... إلخ .
ولو أردتُ أن أستعرضَ كلَّ ما ذكرهُ الكاتبُ عن الثورة ِ في مصر وانعكاساتها ونتائجها على جميع الأصعدة والمجالات لما اتسعت هذه الصفحات .
وبعد مصر ينتقلُ الكاتبُ سهيل عيساوي إلى دولةِ الجزائر ... ( لم يحدثُ فيها ثورةٌ بالضبط كما حدثَ في مصر وتونس ) ولكن يوجدُ فيها اضطراباتٌ وتذمُّرٌ ومعارضة ٌ كبيرة ٌ لأجل ِ تغيير ِ الأوضاع ِ فيها ويذكرُ ويشملُ الكاتبُ في حديثهِ عن الجزائر جميعَ الأمور والمواضبع التي ذ ُكرتْ في بحثهِ عن تونس ومصر ، مثل : الوضع السياسي هناك والإجتماعي والإقتصادي ، العسكري ، النفسي ... إلخ .
وبعد دولة ِ الجزائر يتناولُ بشكل ٍ موسَّع ٍ أيضا الدولَ العربيَّة َ الأخرى التي حدثت فيها الثوراتُ والتي مُهيَّأة ٌ لاندلاع الثورةِ فيها وهي بالتسلسل ِ :
1 ) ليبيا - يتحدَّثُ عنها بتوسُّع ٍ منذ اندلاع ِ الثورة ِ حتى الإطاحةِ بنطام ِ القذ َّافي - .
ثمَّ اليمن وسوريا والعراق والصومال ولبنان والسودان ... وبعدها الأنظمة العربيَّة الملكيَّة : المملكة العربية السعودية ، الكويت، الأردن ، المغرب ... وفي النهاية تأتي خاتمة ُ الكتاب .
يشيرُ الكاتبُ سهيل عيساوي أنَّ الثورات العربيَّة أثبتت أننا أمة ٌ واحدة ٌ ( الأمة العربيَّة ) ذات لغة وتاريخ ودين وتراث وأعراف مشتركة على عكس ما كان يروجُ ويشاعُ من قبل الشعوب والدول الأخرى المُعادية أو الحاقدة والكارهة للعرب ( خاصَّة الدول الغربية ) على أنَّ العرب أمة متناحرة ولا همّ ولا دم يربطها مع بعضها ... وما جرى في تونس وبنغازي والإسماعيلية كان له انعكاسات ٌ مباشرة على الرياض وعمان ومسقط والرباط والمنامة ودرعا وغيرها . فكلنا أملٌ أن تنعمَ الشعوبُ العربية بالربيع ِالجديد ونتنفس الحرية بطلاقةٍ وتشرق شمسنا على المعمورة . وان الحكم َ يجبُ أن يعودَ للشعبِ لإضاعةِ وتفويتِ الفرصةِ على جهات عديدة تريدُ سرقة َ فتيل ِالثورة ِ والتسلق على إنجازاتِ الشباب الذين دفعوا بدمائِهم وأرواحهم ثمنَ الحرية لقاء تحرير الوطن ِ من قيودٍ صَدِئةٍ وزنزانةٍ ضيقةٍ وإعادة النبض والحياة إليهِ ( حسب قول الكاتب ) . والوطنُ دائما أكبرُ وأعظمُ من أن يوضعَ في بوتقة ٍ ضيقةٍ تقذفها الريحُ لكلِّ صوبٍ ، فالمجتمعُ الناضجُ فكريًّا وسياسيا وعلميا وإنسانيا واجتماعيا يتكىءُ على سواعد الشباب ... والمرأة ُ التي ناضلت وساهمت وشاركت في الحَسم ِالثوري يجبُ أن تتابعَ المسيرة وتشاركَ وتساهمَ في بناءِ وتشييدِ الوطن وتنالَ جميعَ حقوقِها الإنسانيَّة والحياتيَّة المشروعة غير المنقوصة .
وفي الصفحات الأخيرة من هذا الكتاب " تصبحون على ثورة " يضعُ المؤلفُ سهيل عيساوي النصَّ الكامل لإتفاقية - معاهدة " كامب ديفد" عام 1977 - التي تحوي عدة صفحات . وقد وقعَ عليها آنذاك كلٌّ من :
1) الرئيس المصري أنور السادات
2) رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحم بيجن
3) الرئيس الأمريكي جيمي كارتر .

وأخيرًا إنَّ هذا الكتابَ( المؤلف ) هو أوَّلُ كتاب ٍ يصدرُ لكاتبِ وباحثٍ محليٍّ ، وربما على امتداد العالم العربي يتناولُ فيهِ بتوسُّع ٍ جميعَ القضايا القوميَّة والوطنيَّة في هذا الظرف الحسَّاس ِ، في الوقت الحالي ، والهَبَّات والثورات العربيَّة المُضفرة التي أطاحت بالأنظمة ِ العربيَّةِ الدكتاتوريَّةِ الرجعيَّةِ والقمعيَّةِ ، مثل : نظام زين العابدين بن علي في تونس ونظام حسني مبارك في مصر ونظام القذافي في ليبيا.... مع الدراسات والتحليل.. ثمَّ الإستنتاجات واستخلاص الدروس والعبر من الذي حدثَ ومدَى انعكاس هذه الثورات وتموُّجاتها وأبعادها على جميع الأصعدة والمجالات : سياسيا ، إقتصاديًّا ، نقسيًّا ، إجتماعيًّا وثقافيًّا ... إلخ.. على الصعيد المحلي والعربي والعالمي .
وفي النهايةِ أهنِّىءُ الصديقَ الشَّاعرَ والأديبَ المتألقَ المُبدعَ الفذ َّ والمُؤرِّخَ القديرَ والرَّائدَ الأستاذ سهيل إبراهيم عيساوي على هذا المؤلف والإنجاز الرائد والهام الذي أرَّخَ ووَثقَ فيهِ بدقَّةٍ مُتناهيةٍ وبأمانةٍ ونزاهةٍ كلَّ ماجرى مُؤَخَّرًا من وقائع وأحداثٍ جسام ٍ وهَبَّاتٍ جماهيريَّةٍ وأنتفاضاتٍ وثوراتٍ في الدول ِالعربيَّةِ المجاورة ..
فنتمنَّى لهُ ( للكاتب ) العمرَ المديدَ وأن يتحفنا دائمًا بالمزيدِ من الإصداراتِ والإبداعاتِ الكتابيَّةِ – شعرًا وأدبًا وأبحاثا ً وتأريخًا – فمبروك وإلى الأمام - .

الثلاثاء، 6 ديسمبر 2011

الحركة الادبية المحلية تفقد احد فرسانها



قدت الساحة الأدبية المحلية احد فرسانها ,من اصحاب التجارب العميقة والعلاقة الحميمة مع الادب والابداع ,وهو الدكتور الشاعر والفنان التشكيلي




سليم مخولي , صوت جاد شق طريقه بصمت وهدوء وسط بحر هائج من الكتابات والابداعات, وفي ظل التجمعات الادبية والحزبية والشللية الادبية والتي تشل وتقيد الابداع وتفرغ النقد من مضمونه , وشحيحة هي الابحاث الجادة والدراسات الاكاديمية التي تناولت نتاجه باسهاب, مما تسبب في خفوت صوت شعري قوي ,وقصائد متماسكة تعالج قضايا انسانية ووطنية واجتماعية وفلسفية,الشاعر الراحل اضافة الى اتقانه الشعر اتجه للمسرح والقصص القصيرة,وقد عمل الشاعر في مهنة الطب وكان من ابناء الجيل الاول الذين تعلموا مهنة الطب فقد تخرج من جامعة القدس عام 1966,وعمل طبيبا باطنيا في عدة مستشفيات,ونشط في عدة جمعيات وطنية واجتماعية وادبية وثقافية , وحرص كل الحرص على المشاركة في الندوات الادبية والامسيات الشعرية في القرى والمدن العربية , وحظي بالتكريم والمشاركة ,وقد ابدع ايضا في الرسم والنحت فزينت مجموعاته لوحات جميلة خالدة تحمل لمسات فنان مبدع صاحب ذوق رفيع
صدرت له عدة مجموعات شعرية: نذكر منها.. معزوفة القرن العشرين 1974 - صدى الأيام 1974- ذهب الرّمال 1989- تعاويذ للزمن المفقود 1989. رماد السطوح ورخام الاعماق - ,شعر 1996 , اليك - شعر 2003 , رفيقة يومي - شعر 2003 , الابواب المفتوحة , قصص قصيرة 2005, عثرنا على ذاتنا , شعر 2006 , نسيج اخر للموقف , شعر 2007 من اعماله الإبداعية الأخرى: مسرحية بعنوان: الناطور 1979. الزينة , مسرحية 2011
رحم الله الشاعر والفنان الصديق سليم مخولي الذي يشهد له الجميع بحسن سيرته وصلابة موقفه وايمانه بعداله قضيته وتميزه بعمله كطبيب ومشاركته في النشاطات الثقافية والوطنية . وامن بالتعليم كوسيلة لتقديم الافضل لمجتمعنا ولبناء الانسان فجميع اولاده من الاكاديميين . وكان الراحل يحرص على اهدائي كتبه فور صدورها مع توقيعه الخاص .كتاباته تحمل رسالة كبيرة ,وشعره غني وخياله واسع ,ثروته اللغوية بحر .
نترككم في اجواء قصيدة " مائية للزمن المكرر " من ديوان نسيج اخر للوقت ,
ارقبه واقفا كلوحة الجدار
الفصول تدخل في شراييني
واعترف
هذا الطريق نقيض ماض
هل الانقاض سلالة ؟
في هيأة جبل
يخرج عن ابط الوادي
وفي توتر اللحظة اصفق له
يكرج حجرا حجرا
يسير مع النهر السريع
الى السهيل المريح
يعترف لي ,
الموت طمأنينة !
قبل سني الجراد كان واقفا
على سلالم نشيده
شده الحضور الى عاصفة
مصفقة جديدة
اعود فأرقبه هل من جديد ؟
يغيب في الغيب المزدحم
بالجماجم والعصافير الوردية
لا تلمس وجه المراة - قالوا له
جعلناك قافلة لصغير الترام !
فشد حزامك المنسي تحت
طاولة المقهى - ووقف,
يلتقط له صورة جديدة ...
ابصره من جديد وأرثيه
يعتب علي لأني لم أزحزح الرخام
عن مائية اللون ....
وتركته يغيب,
لم ينتبه ان الوقت لا يرجع
مع السائرين الى الامام
والقمة لا يسقط عنها احد !!
والقاعدة , ليست الاستثناء
هي الطريق
أما الجنة
هي العصفور المسافر
على جناج الزمن
هي البرق المتعاقب
في ذاكرة الفضاء الى
الذات الطامحة ...
اتركه ,
أعود منه وذاتي تقول
اتبعني ايها الحلم !
فانا المنبر لاغانيك الموعودة
وانا غابة الزيتون لصوتك اللؤلؤي
وزيت لقناديلك المقدسة
ارفع صورتك على جدران الفصول
ايقونة
أحتمي بها - وأحميك .....
في الختام من المهم ااقامة لجنة خاصة لحفظ ابداع الشاعر الراحل ولوحاته الفنية , مثل اصدار الاعمال الكاملة , التبرع بلوحاته للمتاحف هامة في البلاد والعالم او صور عنها , ترجمة كوكبة من قصائده الى عدة لغات في العالم وطباعتها وتوزيعها ,نشر كتبه الكترونيا على شبكة الانترنت وفي كبرى المكتبات الرقمية , قيام نخبة من المتعاطين مع النقد الجاد بتناول ادبه , قيام عدد من طلابنا الجامعين بكتابة اطروحة دكتوراة ووظائف جامعية عن شعره , قيام طلابنا في المرحلة الثانوية بكتابة ابحاث ووظائف للبجروت حول مواضيع تناولها الاديب الراحل , وعلى مستوى قريته كفرياسيف والتي تزف لنا بكل فخر المبدعين والادباء والاطباء والمهندسين , من المهم ايضا تخليد ذكراه من خلال اطلاق اسمه على شارع رئيسي , وعلى مكتبات مدرسية ,واصدار كتاب يضم سيرته العطرة , اصدار طوابع بريدية تحمل صورته بالتعاون مع دائرة البريد . وغيرها من الافكار الجميلة التي تصب في دفع حركتنا الادبية الى الصدارة والحضور القوي .

الجمعة، 18 نوفمبر 2011

صالح الزيادنة فارس من الصحراء




صالح الزيادنة فارس من الصحراء

بقلم سهيل إبراهيم عيساوي – كفر مندا

كثيرة هي الوجوه التي تتعرّف عليها بحكم عراكك مع الحياة، والتعامل مع الآخرين في ميادين الحياة المتعددة، وفي كافة أنحاء البلاد من شمالها إلى جنوبها، لأن الوجوه الأصيلة، تجد طريقها إلى القلب بسهولة وسلاسة دون أن تشعر، عندما قررت الدراسة في جامعة بن غوريون في بئر السبع، والتي لم تطأ قدمي أرضها من قبل ولم تحرقني شمسها من قبل، وبحكم اهتمامي الواسع بالصحف والأدباء، استوقفتني صحيفة أخبار النقب، واسم الشاعر صالح الزيادنة، رجل على ملامحه تقاسيم الصحراء والصدق في البداوة ومودة الغير وتحمل المشاق والصبر من أجل سعادة الآخرين، عندما قررنا تأسيس رابطة أقلام الجنوب، في جامعة بئر السبع، لزيادة النشاط الثقافي في الجامعة والمنطقة، والتقارب بين أطياف وأقانيم الوطن ومركباته من الشمال والمثلث والجنوب, ومن أجل إرساء هذا الصرح الجديد ونجاح هذا المولود الجديد، لا بد من الشراكة مع رائد الكلمة في الجنوب، فهو يعرف من أين تؤكل الكتف، قطع شوطاً طويلاً مع الأدب، مع الشاعر صالح الزيادنة، والأستاذ يوسف الطوري، والكاتب كرم أبو مخ، وكفاح عسلية، وحسام غنايم، وسلمان الطوري، معين عيساوي، ومحمد عبد الغني، آمال أبو عمرة، متعب أبو ناصر، كانت هذه النواة للرابطة، فقمنا بإصدار مجلة الينبوع ووزعناها قطرياً 5000 نسخة، وأصدرنا أكثر من عشرة كتب لأعضاء المجموعة، وشجعنا الأقلام الناشئة وأقمنا الأمسيات الأدبية في الجامعة ومدينة رهط وتل السبع والورشات الأدبية، وكثيراً ما كنا نموّل النشاط من جيوبنا الخاصة، وكان للأخ صالح الزيادنة حصة وافرة في نجاح الرابطة ومشاريعها في زمن غابت عنه روح التطوع والمبادرة، فكان يتحفنا بأجمل القصائد، ويشرف على التدقيق اللغوي للكتب والمجلات التي كنا نزفها للقارئ النهم، ولم يتذمر يوماً، أعرف أني كنت أحياناً ألح عليه في انجاز عمل ما للرابطة، فكان إذا أوعد أوفى، وإذا عمل أخلص، وأحياناً يقوم بعمله لساعات متواصلة دون كلل أو ملل همه إدخال البهجة لقلوب الناس وخاصة البسطاء، وحتى بعد حل رابطة أقلام الجنوب، بقينا على اتصال، فقد درّست في مدرسة الرازي بشقيها الإعدادي والثانوي، أيضاً في تلك المدرسة وجد الأستاذ صالح الزيادنة الدعم والمنبر، ومن جهته شارك في كل نشاط ثقافي كنا نقصده، وبعد شق الشارع الجديد بين رهط وبئر السبع، صار الطريق الموصل للمدرسة أقرب والذي يمر من جانب بيته، فصرت أعرج إلى بيته أحياناً نتسامر في أمور الأدب والحياة من حلاوتها ومرارتها، وكان مثالاً للمضيف الأصيل يراعي مشاعر الضيف فلا يثقل عليه بالأسئلة أو يزعجه فيما لا يطيق، وتقدم لنا الشاي أم جمال زوجته ورفيقة دربه، وأصول الضيافة العربية، وبعد تعييني مديراً في مدرسة ابن سينا الابتدائية في كفر مندا، بارك لي وفرح، وكان من أصعب الأمور علي أن اترك الجنوب وأهله، وخاصة الأصدقاء الأوفياء مثل صالح الزيادنة، والنادي الرياضي في مدينة بئر السبع، ومدرسة الرازي بطلابها ومديرها الأستاذ علي القريناوي والذي أكن له كل الاحترام، فقد شجعني كثيراً ووفر لي الدعم المهني والمعنوي، وكل الزملاء من الجنوب والشمال فقد كنا أسرة واحدة حقيقية وزملائي في مدرسة الرازي الإعدادية كانت تربطني بهم علاقة وطيدة، وبعد انتقالي للعيش والعمل في قريتي كفر مندا، الشوق والحنين يشدني إلى النقب وأهله، وكانت محطاتي كثيرة وكان من أركانها زيارة الصديق الشاعر صالح الزيادنة والذي كان يصر على إتحافنا بكرمه الحاتمي، إضافة لزيارة الأصدقاء الأستاذ يوسف الطوري والأستاذ سلمان القريناوي، وصالح الصديق لم تغيره السنين، يحب الوفاء والإخلاص للأصدقاء ويحب أسرته وأولاده، ورهط التي كتب لها أروع القصائد، وهي للأسف لم ترد له الجميل، فهو أول كاتب من الجنوب يصدر كتاباً بعد قيام الدولة، فكان كتابه " جمر ورماد " 1992 قصائد، رغم انه باكورة إعماله إلا أنه لم يأتِ فجّاً كعادة البواكير للشعراء، وأول من أخذ بيد الكتاب الشباب في كتاب "قافلة على الطريق" 1994، وأول من فكر في جمع التراث البدوي لمنعه من الاضمحلال والتزييف، في كتابه "من الأمثال البدوية " 1997، وكتاب "حكايات من الصحراء"، وكتاب "عبارات ومصطلحات من البادية"، وكتاب " المأكولات الشعبية في النقب" وكتاب "المرأة العربية في النقب" وكتاب "الغناء والموسيقى عند البدو" وهذا جهد مبارك موسوعة بشرية متنقلة في مجال التراث البدوي، فقد عرّف الناس على العادات الأصيلة والهوية الحقيقة لعرب النقب ووضعهم على الخارطة الأدبية والثقافية، وحفظ التراث من العبث والضياع، وقد سار على خطاه الأستاذ والكاتب موسى الحجوج في حفظ التراث في سلسلة من الكتب التراثية الموفقة، ولم يكن هم شاعرنا جني الأموال من جهده أو الشهرة بل نشر المعرفة والأدب وقضايا الجنوب الاجتماعية، طبع جميع كتبه على نفقته ووزع معظمها مجاناً على الأصدقاء والمعارف وطلاب المدارس وربما بعضه لا زال مكدساً، بينما المؤسسات المحلية والجمعيات تعرض عن دعم الكلمة والإبداع، إضافة إلى مساهمة كاتبنا في إثراء وإنجاح عدة صحف ومجلات صدرت في الجنوب بفضل مقالاته التراثية والأدبية والتي كان القراء يترقبونها من أسبوع إلى أسبوع، ولم يقبل أن يتقاضى الأجر مقابل جهده فكانت كتابته أهم ما تحتويه الصحف المحلية، في عالم النت اكتشف العجلة على عجل وأدرك كيف يطوع الشبكة العنكوبوتية لصالحه ولصالح أصحابه من كُتّاب في العالم العربي ومحليين، فكان لي نصيب مما أصاب صاحبنا في هذا الباب، فقد بنى لي موقعاً أدبياً ضم معظم كتبي ومواقع أخرى ومحرك بحث بناه عام 1997، أي عندما كانت المواقع شحيحة وطريقة بناء المواقع شائكة ومعقدة وقلة ممن تمكنوا من سبر هذا العلم الجديد، وطبعا بنى له اثنين من المواقع الناجحة على المستوى العالمي وكثيراً ما تعتبر مرجعاً هاماً للصور والمعلومات النادرة والكتب والقصائد.
وقد فاز الشاعر صالح الزيادنة بجائزة الإبداع من وزارة المعارف والثقافة وهو أول من حصل عليها من أبناء الجنوب، وقد طرق أيضاً باب السياسة ورشح نفسه من عائلة الزيادنة في تحالف عائلي واسع ونجح ومثَّل قائمته في بلدية رهط كعضو، وكان مبدئياً لكنه اكتشف أن هذا المجال ليس له فهو لا يعرف المراوغة والتمثيل والانتهازية والضحك على ذقن المواطن المسكين، فسارع إلى الاستقالة وندم على إقدامه على هذا الحقل الحافل بالمخاطر ومخيب للآمال، وساهم في إثراء المكتبة العامة في رهط، في السنوات الأخيرة يحرص على التواصل مع الشمال فيزورني لأن في قلبه حباً لكل أرجاء الوطن وإخلاصا للأيام الخوالي، ولا يتوانى عن السفر إلى الشمال إلى الناصرة وطمرة وكفر مندا للمشاركة في نشاط أدبي أو من أجل إلقاء قصيدة قصيرة، صالح الذي أعرفه ويعرفني، أكبر من أن يعرف في مقالة سريعة.
هو صالح الإنسان الرقيق والخجول والصادق والملتزم بتعاليم ديننا الحنيف، صالح الشاعر والكاتب والباحث، صالح الخبير في علم الحاسوب والانترنت، صالح صاحب القلب الوارف الظلال والزوج المخلص، الإنسان المحب لأهله ومنطقته والبداوة الأصيلة، وهذا الإنسان العصامي الذي تعلم وكسب المعرفة بمفرده وشق طريقه في صحراء قاحلة زرع بها الورود، ولو أتيحت له الظروف في حينه لطرق المؤسسات الأكاديمية العليا وحقق أرفع المناصب والألقاب الجامعية، فكتبه اليوم من أهم المراجع التراثية.
حري بنا نحن وأهل الجنوب عامة أن نقدر هذا الإنسان المميز والجوهرة النادرة في هذا الزمن الأصفر من خلال تكريمه وتشجيعه وإصدار كتبه ونشرها وخاصة أن لديه عدة مخطوطات هامة، فهو فارس حقيقي من الصحراء .