السبت، 1 أغسطس 2015

تأميم الثقافة والفنون بقلم البروفيسور محمد الدعمي



أ.د. محمد الدعمي
تأمل التاجر البغدادي جسد الراقصة الشرقية الممشوق وهو يهتز بانحناءاته الناعمة الجميلة أمامه، ثم سأل مجالسه: كم يحتاج المرء من المال لاستئجار خدمات هذه الراقصة الباهرة الجمال لإحياء “حفلة” ليلة واحدة فقط. أجابه رفيقه بلهجة ملؤها التحذير بأن هذه الراقصة ليست ملكًا للملاهي الليلية، أنها “ملك للدولة”، بسبب ما تملكه من مواهب وجمال! لم يفهم التاجر الغني هذا المنطق، لأنه كان يعتقد، كما سواه من الأغنياء، بإمكانية المال من شراء كل شيء: فن كان أم أدب، أم ثقافة، إلخ.
والحق، فإن هذا هو نمط سلوكيات النظم الحكومية الشمولية، ذلك أن هدفها الأساس هو أن تكون الدولة هي أكبر الرأسماليين، أما المالكون الصغار لرأس المال، فلهم المحدود والهامشي من الثروات. هذا هو الأساس النظري لتأميم الثقافة، أي عد كل مادة أو منتج ثقافي من أملاك الدولة التي لا يسمح لرأس المال الخاص بالعبث بها أو بمحاولة امتلاكه عن طريق الشراء أو الاستئجار لحين. وإذا كان هذا هو المبدأ الذي دفع العديد من شواخص الثقافة والفنون في ألمانيا الرايخ الثالث يهربون للتخلص من استحواذ الدولة وإملاءاتها ومتطلباتها التي لا تنتهي، فإن شيئًا موازيًا قد حدث في الاتحاد السوفييتي السابق، خاصة خلال المرحلة الستالينية الحديدية، حيث وضعت الدولة أيديها على كل شيء ذي قيمة، من المعادن والصناعات والزراعة، إلى الباليه الروسي والأدباء السوفييت الذين عدهم ستالين جزءًا من ممتلكات وأدوات دولته الشيوعية.
هذا بالضبط ما حدث تحت هيمنة الحكومات الشمولية في بعض البلدان العربية، كذلك التي لم تسمح قط لرأس المال الخاص بمنافستها على شيء ثمين تريده. وليس هناك من أدنى شك بأن الثقافة، بما يشمله هذا اللفظ الواسع الهالة من المعاني، هي من أثمن ما هو متاح في بلدان العالم كافة: فالأدباء والفنانون وأصحاب الرأي من كتاب وشعراء وناثرين خياليين لا يختلفون كثيرًا عن الثروات الطبيعية التي لا تسمح الدولة الشمولية لأحد بالعبث أو التصرف بها. ودليل ذلك أن النظام الشيوعي في الاتحاد السوفييتي السابق كان يسمح للكاتب أو الفنان أو العالم الكبير بأن يتجاوز وطوابير المنتظرين إلى المقدمة كي يحصل خلال لحظات على ما كان ينتظره الآخرون لساعات طوال. الكاتب الكبير والشاعر المبدع والفنان الكبير هم جزء من الثروة القومية في نظر الدول الشمولية، لذا هي تعمد إلى معاملتهم على نحو خاص، لا يخلو قط من الروح الاستحواذية والتملكية، الأمر الذي يبرر الهواتف التي ترن بعد منتصف الليل على أمثال هؤلاء من قبل الهيئات المسؤولة والأمنية، مطالبة من هذا الكاتب أو ذاك الممثل أو المخرج أو الفنان بأداء دور في الدعاية للدولة إبان مراحل الحوادث الساخنة، فهذه هي حصة الفنان أو المثقف من “الروح الوطنية” وعليه أو عليها دفعها، بلا نقاش ولا اعتراض، ذلك أن الأخيرين (أي النقاش والاعتراض) يمكن أن يثيرا انزعاج أو انفعال صاحب الشأن الذي قد يقود غضبه إلى غياهب السجون أو إلى مهالك أنكى.
والحق أقول، فإن هذا ما كان يحدث في العديد من الدول عبر إقليمنا، “إقليم المفارقات”، إذ كانت الثقافة والفنون والآداب تسلك سلوكًا لا يعكس دواخل المثقفين أنفسهم، بقدر ما كان يعكس إرادة من هو أعلى من الضابط الأمني المختص بدائرة المثقفين وإدارة الثقافة والفنون، للأسف.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق