الأحد، 10 مايو 2015

من شكاوي المبدعين في الارض- 2 وما أدراك ما دُور النشر!


بقلم: ميسون أسدي
طيّب، لا بأس، ليكن ما يكون، ما حدّثتكم عنه من معاناة المبدعين (المعذبين)، هو نقطة من بحر المعاناة والعذاب..
بعد أن يخرج المبدع- ولنأخذ الكاتب كمثل قريب منّي- إنتاجه الأدبي، وبعد أن يكدّ ويسهر ليالي بطولها، ويعمل بكتاباته على زلزلة الكون من أساسه- حسب اعتقاده- تبدأ معاناة من نوع آخر. وأنا ككاتبة شاهدت ألوانًا من هذه المعاناة.
هناك عدّة طرق لكي يرى الانتاج النور. ويصبح الكاتب على عجلة من أمره. الطريقة الأسهل هي أن تتوجه لدار النشر وتدفع له مبلغًا معينًا- ليس بالقليل- ويرى الكتاب النور، وهنا نشير إلى أنّ الكاتب لا يتقاضى أي أجر عن عمله، وعليه أيضا أن يقوم ببيع كتابه بنفسه، ولا يعرف الكاتب كيف يقومون ببيع الكتب، فهذه المهنة لا يجيدها معظم المبدعين، وإذا اتّفق مع دار النشر أن تقوم الدار بتوزيع قسم من المنتج، فلا يضمن أن تقوم دار النشر بطباعة كمية أخرى من نفس الكتاب دون أن يدري وهكذا تصب جميع الأرباح لصالح دار النشر.
-        آه، يا خسارة!
هناك بعض اصحاب دور النشر، الذين يحاولون التسهيل على الكاتب، فيعرضون خدماتهم دون تلقي أجر، إذا ضمنوا أنّ الكاتبة الانثى في هذه الحال، ستقع في احضانهم.. ترفرف وتقأقئ لما يصدرون من انتاجها الأدبي، وتصاب بهزّة شاملة متغلغلة مطربة مسكرة، تشدها الهزّة من اطراف أصابعها إلى السماء السابعة..
أمّا الطريقة الثالثة، فهي مبنيّة على خدعة أصبحت معروفة ومتداولة على ألسن جميع من يتعاملون في هذا الكار، وهي التوجه لبلد عربي مثل عمّان أو بيروت أو القاهرة ودفع مبلغ معين- ليس بالقليل- لإحدى دور النشر هناك، ومن ثمّ الادعاء بأن دار النشر المذكورة اختارته أو اختارتها لتنشر إبداعاتها. وكأن الكاتب أصبح على مستوى من النجومية في العالم العربي بدون صيحات أو جمجمة، وصدّق كلمة ضاربة الودَع، ممّا حدا بدور النشر أن تختاره دون غيره. وأنا لا أتكلم وألقي التهم جزافًا، لأني بنفسي فعلت ما أقوله حرفيَّا.. وهنا أشير أيضا، أنّه ربما تنطلي هذه الحيلة على البعض لكن في نهاية الأمر، حين يتجلى ضوء القمر بوضوح اكثر، سيدفع الكاتب من جيبه النقود ولن يتقاضى أي مبلغ مقابل مجهوده.. وستتحرك لواعج نفسه، ويرجع به إلى نفس نقطة البداية.
هناك طريقة حديثة أخرى، حيث تتوجّه بعض دور النشر المحلية إلى الكاتب، طالبين منه أن يطبع انتاجه عندهم دون أن يدفع أي مبلغ، يعطونه كمّيّة من المطبوعات، ويوهمونه بأنهم سيقومون بطباعة ألف نسخة.. فينبهر في كركبتهم وهسهستهم المألوفة، وفي نفس الوقت، تحصل دور النشر على تمويل خارجي من مختلف المؤسسات لطباعة الكتاب بالكمّيّة الموهومة، ولا يعرف الكاتب أن دار النشر ربحت على أكتاف إبداعه مبالغ كبيرة بلا جلبة وضوضاء، ودون أن يفوا بما وعدوه به، وأضحت الخيانة في عيني الكاتب كرائحة الغبار في يوم خماسيني.
-        آه اللعنة، أي زمن هذا! حين يبقى الكاتب وحيدا في الخلاء، ويتساءل: متى يبدأ الجمهور والمؤسسات والعاملون فيها باحترام وتقدير مبدعينا، ليس فقط بالتكريم وتقديم الدروع والشهادات التي لا تغني ولا تسمن ولا ترفه..
إليكم ما حصل مع إحدى دور النشر- مر زهاء خمسة أعوام حين حدث ذلك، بعد عدة محاولات مع بعض دور النشر، حيث عرض عليّ أحد أصحاب هذه الدور بصورة ملحاحة أن ينشر لي كتابًا دون أن يتقاضى أي مبلغ، إضافة إلى انه سيعطيني (100) نسخة من الكتاب كهدية وكرر وشدد على ذلك.. وضعت ساقًا على ساق، متباهية فرحة لذلك كثيرًا. قام صاحب دار النشر بكتابة ما اتفقنا عليه وقمت بالتوقيع. عندما خرج الكتاب إلى النور، شكرت الرب وتلوت دعاء مالئة صدري بالهواء، فكان سروري كما يفرح الطفل الفقير الذي يحصل على حذاء العيد.. مرّ على ذلك الحدث خمس سنوات- كما ذكرت لكم سابقا- وكان صاحب دار النشر قد وعدني بأنّه إذا قام بطباعة نسخ أخرى للألف الأولى، سيكافئني على ذلك بمبلغ من المال.. توجّهت إلى صاحب دار النشر وسألته لماذا لم ينفّذ ما وعدني به، فقد لاحظت بأن كتابي منتشر جدًا وهو في كل مكتبة عامة ومدرسية وتلقّيت العديد من ردود الفعل من القراء ووصلني أن بعض المؤسسات اشترت الكتاب بكميات كبيرة.. فقال لي وهو يعدل نظارته، انّه لم ينتهِ بعد من بيع الكمية الأولى.. ولكي لا أدخل معه بسين وجيم، عرضت عليه بقناع من الطيبة والبلاهة، أن أشتري كلّ ما تبقى من الكمية الأولى.. وحصل ما توقعت.. فقد رفض ذلك بحجج واهية.. عندها أخبرته بأنني سأقوم بطباعة القصّة في مكان آخر.. فاتكأ على مرفقيه، يتأوه آسفا، ومهدّدًا بلهجة وعيد بمقاضاتي، فحسب ما كتب على غلاف الكتاب "جميع حقوق الطبع محفوظة لدار النشر".
حدجته بحزن خافت، شعرت بأنني وقعت في فخ كبير وأحسست بالغبن، وبأن حقوقي ضاعت هباء وكلّ ما أبدعته يداي لم يعد ملكي..
كان وجهي شاحبًا وفكي الأسفل يرتجف، وفي عيني ذلك التعبير المفجع والخنوع، الذي يتفرد به الناس الطيبون الضعاف النفوس.
لا أريد أن أدخلكم في تفاصيل ما حدث في أروقة المحاكم فيما بعد من طرطشة الغش، ولكن النتيجة كانت خسارة إضافية لي من ناحية مادية مع تضييع وقتي الثمين من هذه النهارات الآفلة، التي لربما كنت سأكرسها لإبداع جديد..

-        ولكن أين المفر؟ طيب يا صبر طيب!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق